بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السودان: الشمال والجنوب والثورة

« السابق التالي »

6. الطريق إلى الاستقلال

بدا واضحاً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبداية انحسار المد الاستعماري أن بريطانيا لن تستطيع الاحتفاظ طويلاً بمصر، وعجل من ذلك تصاعد النضال الطبقي والوطني ابتداء من 1946 بعد أن وضح جلياً للجماهير المصرية تردد بريطانيا في الوفاء بوعودها بخصوص استقلال مصر. وهنا كانت بريطانيا حريصة ألا تكون السودان ضمن صفقة الجلاء عن مصر. وعندما أحست الحكومة المصرية بأن مفاوضاتها مع بريطانيا حول مستقبل السودان قد وصلت إلى طريق مسدود أعلن النحاس في 8 أكتوبر 1951 إلغاء اتفاقية (1899) للحكم الثنائي واتفاقية 1936. وغير الملك فاروق لقبه إلى ملك مصر والسودان، ووافق البرلمان المصري على دستور موحد لمصر والسودان بدون استشارة السودانيين، الأمر الذي فجر غضب جماهيري عارم في السودان. وردت الجمعية التشريعية السودانية بالموافقة على مشروع قرار للحكم الذاتي بعيداً عن مصر وبريطانيا. واضطرت الحكومة المصرية للتفاوض مع وفد من حزب الأمة في مايو 1952. وتحت ضغوط بريطانية – سودانية وافقت الحكومة المصرية على إعطاء السودان حق تقرير المصير. ولكن المفاوضات تأجلت إلى أكتوبر بسبب وقوع انقلاب الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952، ومثّل محمد نجيب رئيس مصر الجديد الجانب المصري في المفاوضات.(17)

لم يتحمس نجيب والضباط الأحرار بصفتهم حكام مصر الجدد للتخلي عن السودان على أمل أن يغير السودانيون رأيهم ويسعون للوحدة بعد نفي فاروق وإظهار حسن نوايا النظام الجديد بالموافقة على حق تقرير المصير. وفي آخر الأمر تم التوصل لاتفاقية بين حزب الأمة والضباط الأحرار في 19 أكتوبر وتم اعتمادها في 10 يناير 1953 بمقتضاها حصل السودان على حق تقرير المصير، على أن تخوض مرحلة انتقالية مدتها 3 سنوات يجرى خلالها انتخابات برلمانية وتشكيل حكومة سودانية؛ وإجلاء القوات المصرية والبريطانية وإحلال موظفين سودانيين في المناصب الإدارية.(18)

أشعلت انتخابات 1953 صراعاً عنيفاً بين حزبي الأمة والوطني الاتحادي، خرج الاتحادي منتصراً باستيلائه على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان بقيادة إسماعيل الأزهري. ويرجع الفضل إلى نفوذ الختمية التجاري الواسع، والتمويل المصري، وتشويه سمعة حزب الأمة بتعامله مع الإنجليز.(19)

ولكن الخطوات الحقيقية نحو استقلال السودان عن مصر تم أخذها بواسطة الأزهري نفسه. فأعلن الأزهري في إبريل 1955 تأييده للاستقلال واعتمد البرلمان السوداني بالإجماع قرار الاستقلال. أعلنت النقابات العمالية واتحادات الطلبة تأييدها للاستقلال، في حين هاجم الضباط الأحرار وصلاح سالم المسئول عن شئون السودان في مجلس قيادة الثورة توجهات الأزهري، وكثف الإعلام المصري هجومه ضد الأزهري. وأثناء مؤتمر باندونج قاطع عبد الناصر الوفد السوداني. ركز الإعلام المصري على مشكلة الجنوب وفشل الأزهري في التعامل معها، وترجمت الدعاية المصرية إلى اللهجات الجنوبية لبثها في الجنوب، ثم دعى وفد جنوبي لزيارة القاهرة حيث تم الاحتفاء به وبالتالي أعلن تأييده للوحدة مع مصر. وطالبت صحيفة الجمهورية -الناطقة باسم النظام الجديد- الأزهري بالاستقالة.(20) ولكن في نفس الوقت بدأت أزمة الجنوب تظهر على الساحة بطريقة تنبئ عن احتقان الجنوب وأن الأوضاع في طريقها إلى الانفجار.

« السابق التالي »