بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السودان: الشمال والجنوب والثورة

« السابق التالي »

7. الجنوب والطريق إلى انقلاب 1958

لم يشارك أي جنوبي في مفاوضات الاستقلال وتحديد مصير السودان، وتزايدت مخاوف الجنوبيين بتدفق الموظفين الشماليين على جميع المناصب الإدارية في الجنوب في إطار عملية “سودنة” الوظائف التي دأبت عليها الحكومة السودانية بسرعة كبيرة ابتداء من يونيو 1954. هيأ هذا المناخ الظروف لقيام عصيان عسكري في 18 أغسطس 1955 (أي سنة واحدة قبل الاستقلال). وذلك عندما حاولت الحكومة نقل وحدات من الجيش الجنوبي إلى الشمال فتمردت القوات الجنوبية على قادتها، وتم ذبح الضباط الشماليين وبعض المدنيين. واندلع قتال عنيف عند محاولة الحكومة السودانية قمع التمرد. وسقط خلال هذا الصراع 300 قتيل معظمهم من الشماليين. وبعد هزيمة التمرد، هرب الكثير من الجنود إلى الأحراش عبر الحدود بأسلحتهم حاملين في أحشائهم بذور الحرب الأهلية التي ستفتك بالسودان حتى يومنا هذا.(21)

شعر الجنوبيون منذ البداية بتهميش شديد في النظام السياسي السوداني، ولم يجدوا بين الأحزاب الشمالية من يتبنى قضاياهم، فأسسوا الحزب الليبرالي في أكتوبر 1954 هادفاً الفيدرالية في إطار سودان موحد، ووعدت حكومة إسماعيل الأزهري الجنوبيين بالفيدرالية إذا ساندوا الاستقلال – الذي تحقق في 1 يناير 1956. وبعده تكونت لجنة لوضع دستور للدولة الجديدة ضمت 46 عضو بينهم 3 جنوبيين فقط، واستقال هؤلاء بعد عام لرفض الشماليين خيار الفيدرالية، (22) أدخلت اللغة العربية في مدارس الجنوب، وتم إنشاء هيئة للشئون الدينية بوزارة التعليم مهمتها تنظيم المدارس والمؤسسات الإسلامية في الجنوب والمناطق الغير مسلمة في الشمال.

بدأت الانشقاقات تدب في الحزب الوطني الاتحادي، وما لبثت طائفة الختمية بقيادة الميرغني أن سحبت تأييدها للأزهري وحزبه وأسست حزب الشعب الديمقراطي. وسريعاً تحالف الميرغني مع المهدى للإطاحة بحكومة الأزهري العلمانية، وتم تكوين حكومة ائتلافية من حزبي الأمة والشعب الديمقراطي برئاسة عبد الله الخليل المنتمى لطائفة الأنصار. انكب حزب الأمة على تغيير قواعد الانتخاب بإلغائه لمقاعد الخريجين (التي سيطر الحزب الوطني الاتحادي على 3 منهم)، وتوسيع قاعدة الانتخاب للسودانيين ذوى الأصول الإفريقية الغربية (معظمهم من الأنصار)، وزيادة أصوات البدو – الذي كان معظمهم يؤيد الأحزاب الطائفية.(23)

دأب الحزب الشيوعي السوداني على البحث عن أحزاب برجوازية ليتحالف معها في “جبهة وطنية ديمقراطية”، فحاول الدخول في “جبهة الاستقلال” مع حزب الأمة لمعارضة حكومة الأزهري، إلا أن اشتراكه مع الأمة بعث الكثير من الانتقادات داخل الحزب، وخرج من الجبهة بعد قبول حزب الأمة الدخول في أحلاف عسكرية. بعد ذلك حاول الدخول في جبهة مع الشعب الديمقراطي إلا أن آماله انهارت بعد قبول الشعب الديمقراطي الدخول في ائتلاف مع الأمة في الحكم.(24)

عانت الحكومة الائتلافية من نزاعات عنيفة بين الأنصار والختمية، إذ حاولت كل طائفة زيادة مساحة رقعة نفوذها الداخلي، واختلف الحزبان حول السياسة الخارجية ففضل حزب الأمة التقارب مع الغرب وقبول المعونة الأمريكية في إطار مشروع ايزنهاور، في الوقت الذي فضل فيه حزب الشعب الديمقراطي التقارب مع مصر وإتباع سياسة الحياد الإيجابي. وزاد الطين بلة دخول السودان في أزمة اقتصادية بسقوط سعر القطن -محصول السودان الرئيسي- في السوق العالمي مما أدى بالحكومة إلى عدم بيع محصول 1957 حتى ترتفع الأسعار مجدداً وبالتالي انخفض احتياطي النقد الأجنبي من 62 مليون جنيه إسترليني إلى 8 مليون فقط. وارتعدت أوصال البرجوازية السودانية رعباً بتطوير الجنوبيين أدوات عملهم السياسي ودخولهم انتخابات 1958 بتكتل فيدرالي يطالب بالحكم الذاتي والاعتراف باللغة الإنجليزية جانب اللغة العربية والديانة المسيحية بجانب الإسلام، واكتسح التكتل الفيدرالي الانتخابات في الجنوب وحصل على 40 مقعد من الـ 46 مقعد المخصصين للجنوب.(25) وتواكب هذا مع اشتعال المواجهة بين النقابات العمالية والحكومة من أجل تحسين مستويات المعيشة وإطلاق حريات العمل النقابي فأضربت 42 نقابة – تضم 98% من قوة العمل في السودان – في أكتوبر. وأضرب طلاب جامعة الخرطوم والمزارعون تضامناً مع العمال.(26) وهنا لم تجد البرجوازية السودانية مفراً من الالتجاء للجيش. ووقع انقلاب في 17 نوفمبر 1958 بقيادة اللواء عبود.

« السابق التالي »