بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السودان: الشمال والجنوب والثورة

« السابق التالي »

8. انقلاب اللواء عبود 1958

سبق الانقلاب – كما كشفت وزارة العدل السودانية في 1964 – اجتماعات ومباحثات مكثفة بين عبد الله خليل وقادة حزب الأمة من ناحية والجنرال عبود وقادة الجيش من ناحية أخرى لإقناعه بضرورة تدخل الجيش والقيام بانقلاب حتى يعود “النظام” في الشمال والجنوب. وبارك السيدان عبد الرحمن المهدي وعلى الميرغني الانقلاب فور وقوعه.(27)

قبل نظام عبود المعونة الأمريكية وشجع الاستثمار الأجنبي، وتم حل البرلمان والنقابات. ثم بدأ النظام حملة أسلمة وتعريب شرسة في الجنوب يواكبها قمع عسكري وحشي لأي شكل من أشكال المعارضة. فأُجبر الموظفون والمسئولون الجنوبيون على تغيير أسمائهم إلى أسماء عربية – سماها الجنوبيون أسماء “حكومية”، وغيرت أجازه الأحد في الجنوب إلى الجمعة، وطُرد المبشرون والقساوسة المسيحيون.(28)

هرب الكثير من القادة الجنوبيين إلى خارج السودان وبالذات إلى أوغندا والكونغو. وبعد التعرض لفظائع الحكم العسكري، قرر هؤلاء تأسيس اتحاد السودان الأفريقي الوطني “سانو”، وعملوا على كسب تأييد الرأي العام في أوروبا وأمريكا الشمالية. وفى نفس الوقت أسس الهاربون من تمرد 1955 حركة “أنيانيا” بمشاركة رجال الشرطة الجنوبيين السابقين والمفرج عنهم من الاعتقال. بدأت الحركة عملياتها في 1963 بمهاجمة أهداف عسكرية للجيش السوداني.(29)

أما في الشمال، فقد نشط الحزب الشيوعي السوداني منذ الوهلة الأولى في التنظيم ضد حكومة عبود. وأدى نفوذ الحزب المتزايد في النقابات إلى إجبار الحكومة على تعديل قوانينها المعادية للنقابات في 1960.(30) ولكن فشل النظام العسكري في حل مسألة الجنوب والأزمة الاقتصادية فجر سخط البرجوازية السودانية نفسها، ومع اتساع الأزمة الاقتصادية أضطر عبود إلى فرض ضرائب على دخول الخريجين وأرباح الرأسماليين مما زاد من غضب البرجوازية وابتعادها عن النظام.(31) واتجهت الأحزاب الطائفية إلى تأسيس جبهة أحزاب المعارضة في نوفمبر 1960، أيد الحزب الشيوعي الجبهة ودعم نشاطها في حين لم ينضم الختمية لها واستمروا في تأييد النظام.(32) اتسم عمل الجبهة بالكثير من الخلافات، وحاول حزب الأمة التوصل إلى حل وسط مع النظام.

اختلفت الصورة عند الحزب الشيوعي، فقاد نقابة عمال السكة الحديد في إضراب لمدة أسبوع في يونيو 1961 للمطالبة بزيادة الأجور 50%. وسيطر الشيوعيون على اتحادات الطلبة التي ترأسها الأحمدي عضو الحزب الشيوعي. وحل النظام اتحادات الطلبة بعد المظاهرات الطلابية الحاشدة التي ملأت شوارع الخرطوم في أكتوبر 1961، ومُنِعت الاجتماعات ومجلات الحائط. وفى 1963 بدأ الزخم الثوري في الوصول إلى الجزيرة حيث منع النظام انتخابات اتحاد المزارعين. عانى المزارعون من التضخم وانخفاض دخولهم بسبب انهيار سعر القطن. فطالبوا بنصيب أكبر من الأرباح، وحين رفض النظام، قادهم الحزب الشيوعي في إضراب عن العمل في عز موسم جمع القطن، فتراجع النظام واستجاب لمطالبهم، بل وسمح بإقامة انتخابات اتحاد المزارعين التي اكتسحها الشيوعيون وترأس النقابة الأمين محمود الأمين عضو الحزب الشيوعي السوداني. واكتسح الشيوعيون انتخابات الاتحاد العام لنقابات العمال بحصولهم على 45 مقعداً قيادياً من مجموع 60 ، ثم قرر الحزب الشيوعي الانسحاب من جبهة المعارضة بسبب رفض بقية الأحزاب استخدام الإضراب السياسي لإسقاط ديكتاتورية عبود.(33)

تزامنت تلك التطورات في الشمال مع اشتعال حركة الكفاح المسلح الجنوبية، وتلقى النظام ضربات موجعة وخسائر فادحة على أيدي الأنيانيا. فتفاعلت ثورة الجنوب مع غضب جماهير الشمال لتنفجر انتفاضة أكتوبر 1964.

« السابق التالي »