بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العراق وقيام المقاومة

التالي »

1. مقدمة

في بدايات شهر نوفمبر 2004 دمرت القوات الأمريكية مدينة الفلوجة، ونتج عن ذلك الاعتداء مقتل العديد من المدنيين وأعداد غير معروفة من مقاتلي المقاومة العراقية. وأضحت مدينة المساجد مدينة من الأطلال، إلا أن آثار ذلك الدمار دفنت معها مخططات الولايات المتحدة وبريطانيا للتمتع باحتلال مستقر. وعشية الهجوم على الفلوجة أخبر القادة العسكريون الجنود بأنهم يواجهون كبرى معاركهم منذ الاعتداء على مدينة “هيو” عام 1968 في فيتنام. وهكذا أصبحت العراق بمثابة فيتنام جديدة لأمريكا.

وفي الواقع أنه بينما كان القادة العسكريون وجنرالات بوش في أبريل 2003 مجتمعين احتفالا بانتصارهم، كانت الطلقات الافتتاحية تنطلق معلنة بدء حرب العراق من أجل التحرر الوطني. ففي يوم 18 أبريل 2003 خرج العراقيون من الأحياء التي تعاني غالبيتها من الفقر في عاصمتهم وذلك للانضمام إلى مظاهرة شعبية. وإذا كان ما يفوق 100.000 شخصا قد احتفلوا بسقوط صدام حسين، إلا أنهم رفعوا مطلبا جديدا وهو “لا للاحتلال”، وذلك على العكس من الحشد الذي كان قبلها بيومين يتابع الدبابات الأمريكية وهي تطيح بتمثال صدام حسين.

وعلى مدى الأسابيع التالية، نجد الآلاف من العراقيين، ما بين مدرسين وجنود سابقين وعمال موانئ وموظفين، وقد خرجوا في مسيرات مطالبين بفرص العمل وإعادة فتح الوزارات ودفع المرتبات. وفي يوم 28 أبريل تجمع حشد صغير بالقرب من مدرسة في الفلوجة وقد احتلت القوات الأمريكية مقرها. ولم تشهد الفلوجة عمليات النهب والفوضى التي عمت الكثير من أنحاء البلاد في أعقاب الغزو، حيث قام شيوخ القبائل والزعماء الدينيون في الفلوجة بضمان حالة الأمن في المدينة. وقد شدد الحشد على عدم الاحتياج إلى القوات الأمريكية وطالبوا الجنود بتسليم المدرسة لسلطات المدينة والخروج من الفلوجة. ففتحت القوات النيران، مردية 13 قتيلا، ذلك الحدث الذي دفع بالمدينة السنية إلى قلب حركة وطنية جديدة.

وبحلول شهر أكتوبر 2004 كان التفاؤل الذي غمر كلا من جورج بوش وتوني بلير في البداية قد حل محله اليأس، وبدلا من الترحاب لم يواجهوا سوى الغضب والكراهية. وأصبحت معظم المدن العراقية واقعة تحت سيطرة المقاومة الشعبية، بينما لم يتبق للقوات الأمريكية والبريطانية سوى التحكم في خط من القواعد العسكرية المعزولة على مستوى البلاد. وقد واصلت القوات الأمريكية والبريطانية صراعها من أجل فرض سيادتها على العراق الذي ظنوا أنفسهم قد هزموه، بينما أخذت الحكومة العراقية المدعومة أمريكيا في محاولة تشكيل قوات أمنية وسلطة مركزية.

ونقوم في هذه الورقة بتتبع الخلفية التاريخية لحركة التمرد والعصيان التي أعقبت الحرب، بما في ذلك الوعود التي لم تحققها ثورة 1958، تلك الثورة التي حملت للعراقيين آمالا بشأن التحرر من الاستعمار وتحقيق العدالة الاجتماعية. ونقوم في هذه الورقة أيضا بتحليل أسباب نجاح الولايات المتحدة في الحرب من ناحية وفقدانها السلام من ناحية أخرى، مما أدى إلى نشأة حركة التمرد الشعبية. كما نوضح كيف أدى إضعاف النظام البعثي تحت وطأة العقوبات الاقتصادية لتهيئة الظروف للانهيار السريع للدولة بعد الحرب، ومع عدم وجود العدد الكافي من القوات لفرض القانون والنظام توقفت أعمال إعادة الإعمار.كما نبين في هذه الورقة كيف أن فرض حكومة يسيطر عليها عراقيون ممن كانوا في المنفى وموالون للولايات المتحدة الأمريكية أدى إلى مضاعفة إحساس العراقيين بالمرارة تجاه الاحتلال، وأنه إزاء تصاعد حدة حركة التمرد قامت القوات الأمريكية باكتساح المدن العراقية واحتجاز الآلاف من الشباب العراقيين، لتشعل بذلك حالة الاستياء.

ثم نتتبع طبيعة التمرد، ونؤكد على أن حركة المقاومة أبعد ما تكون عن مجرد تجمعات من المقاتلين الأشداء الموالين لحزب البعث أو المجاهدين الأجانب، وإنما تضرب بجذورها عميقا في قطاعات مختلفة من المجتمع العراقي. كما نؤكد على أن حركة المقاومة هي حركة أصيلة للتحرر الوطني. ونقدم تحليلا للعوامل التي أدت إلى ظهور الجماعات الإسلامية العراقية، السنية منها والشيعية، والتي نجحت في تحقيق مكاسب سياسية عظمى في أعقاب الحرب، كما نقوم بتقييم استمرارية الدعم الشعبي للتمرد منذ بداية الحرب. وأخيرا نتناول القيود الخاصة بالمرحلة الأولى من المقاومة، والآثار المتوقعة عن التغيرات في استراتيجية الولايات المتحدة لمواجهة الموقف، والمتبعة من قبل القوات المحتلة لمحاولة التعامل مع فشلها السياسي والعسكري. إن الانتخابات المزمع عقدها في 2005 تمثل عنصرا من الاستراتيجية الأمريكية التي تهدف إلى قطع الطريق أمام دعم المقاومة، وذلك من خلال جر أقدام معارضي الاحتلال من المدنيين إلى عملية سياسية خارج مجال سيطرتهم، في الوقت الذي يتم فيه سحق المقاومة المسلحة بقوة غاشمة.

التالي »