بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العراق وقيام المقاومة

« السابق التالي »

10. عودة المنفيين

إن السياسيين العراقيين المنفيين، الذين عادوا إلى العراق مع القوات الغازية، لم يجدوا في عراق ما بعد صدام أملهم المنشود. وقد يبدو على الظاهر أنهم حققوا كل ما يريدون من مناصب وزارية وفرص للقيام بأعمال تجارية وحرية إقامة أحزاب سياسية، إلا أن المشكلة تكمن في أن كلا من المسئولين الأمريكيين والسياسيين العائدين من المنفى يبدو وأنهم يشتركون في وهم واحد ألا وهو عدم الحاجة إلى بناء قاعدة من الجماهير المناصرة لهم في العراق طالما لديهم مثل تلك القاعدة في واشنطن. إلا أنه وبمرور عامين من الاحتلال بدأت يتضح زيف تلك الفكرة، حيث أن الدولة العراقية الهشة عاجزة عن توفير قوة سياسية حقيقية طالما كان العائدون من المنفى معتمدين على القوات الأمريكية.
فأثناء الإعداد للحرب بدت الولايات المتحدة كما لو كانت قد حققت الوحدة بين الأطراف العتيدة للمعارضة العراقية، وهكذا ما بين أكبر حزبين كرديين مرورا بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وانتهاء بالبعثيين القدامى في لجنة الوفاق الوطني، وجد أعضاء المعارضة العراقية في المنفى أنفسهم سعداء بحضور المؤتمرات المدعومة أمريكيا للتخطيط لمرحلة “ما بعد صدام.” بل إن الجماعات الإسلامية الشيعية، كالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، والتي كانت على مدى سنوات تحصل على الدعم من إيران، أصبحت مؤهلة للحصول على التمويل العسكري الأمريكي.

إن الائتلاف الذي شكّل مجلس الحكم الذي عينته الولايات المتحدة في يوليو 2003 كان شبيها جدا برابطة المنفيين المقربة من الولايات المتحدة قبل الحرب، حيث انضم كل من الحزبين الكرديين الرئيسيين KDP and PUK، والشيعة الإسلاميين بما في ذلك المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، والقوميين العلمانيين مثل أحمد الجلبي من المجلس الوطني العراقي، وكذلك البعثيين السابقين التابعين للجنة الوفاق الوطني وزعيمها إياد علاوي. كما قام الحزب الإسلامي العراقي بتمثيل السنة الإسلاميين، في الوقت الذي تمت مكافأة بعض المجموعات الأصغر حجما بمقعد واحد في مجلس الحكم. أما حزب الدعوة والحزب الشيوعي العراقي فكانا هما الإضافة الوحيدة إلى قائمة الأحزاب التي حضرت مؤتمر المعارضة العراقية في لندن في ديسمبر 2002. وقد عارضت مجموعة داخل حزب الدعوة الحرب وكذلك عارضها الحزب الشيوعي العراقي، إلا أن كليهما انضم إلى مجلس الحكم عندما أنشأه ممثل الإدارة الأمريكية بالعراق بول بريمر. ومثله في ذلك مثل المندوب السامي البريطاني في العشرينيات من القرن الماضي، كان بريمر من يملك زمام الأمور في العراق بوصفه رئيسا لسلطة التحالف المؤقتة والتي تأسست في أعقاب الغزو. فقد كان هو القائم على إصدار القوانين والتحكم في الميزانية.

إن مجلس الحكم بحكومتيه المؤقتتين (عامي 2003 و2004) يوضح قوة الاحتلال الذي تتزعمه أمريكا في نفس الوقت الذي يكشف فيه عن ضعفها. وتتضح قوة الاحتلال في قيامه بتعيين مجلس الحكم، وبدلا من منح العراقيين فرصة تحديد مسارهم جاء تعيين المجلس أبعد ما يكون عن الممارسة الديمقراطية حيث قامت مجموعة من حلفاء أمريكا بفرضه على بلد مهزوم. إلا أن الأداء التعيس لمجلس الحكم كشف في الوقت ذاته عن نقطة ضعف هامة لدى قوات الاحتلال، ألا وهي عدم قدرتها على إيجاد شركاء عراقيين من بين بقية الشعب العراقي، قادرين على تقديم ولو دعم رمزي للاحتلال.

ويتضح ذلك الفشل جليا من استطلاعات الآراء التي تمت لصالح سلطة التحالف المؤقتة وذلك في الفترة من نوفمبر 2003 وحتى مايو 2004، تلك الاستطلاعات التي تتبعت درجة الثقة في كل من قوات الاحتلال ومؤسسات الدولة العراقية الجديدة. ففي نوفمبر 2003، أعرب 63% من العراقيين عن قدر من الثقة في مجلس الحكم، إلا أن تلك النسبة انخفضت إلى 23% في أبريل من العام التالي. وكان الوضع سيئا أيضا بالنسبة للوزارات العراقية الجديدة حيث انخفض معدل الثقة فيها من 63% في نوفمبر 2003 إلى نسبة 31% في أبريل 2004. أما الثقة في سلطة التحالف المؤقتة فقد انخفضت هي الأخرى انخفاضا كبيرا، حيث كانت نسبة العراقيين المعربين عن ثقتهم في السلطة تعادل 47% في نوفمبر 2003 وما لبثت أن انهارت النسبة إلى 9% في أبريل 2004.

وقد جاء انتقال السلطة المفترض من سلطة التحالف المؤقتة إلى الحكومة العراقية الانتقالية في يونيو 2004 ليؤكد على مدى اعتماد العائدين من المنفى على قوات الاحتلال. وتم اختيار إياد علاوي رئيسا للوزراء، وهو زعيم لجنة الوفاق الوطني العراقي والذي يتمتع بعلاقات طويلة مع المخابرات الأمريكية (CIA) و(MI6). إضافة إلى ذلك، كان المسئولون الأمريكيون يخططون لترك 155 مستشارا للوزارات العراقية، وكذلك 1700 من العاملين في المقر الجديد للسفارة الأمريكية والتي كان سيتم تغطية تكاليف إنشائه من مبلغ 184 مليون دولار من أموال التمويل الأمريكي الذي كان مخصصا لإصلاح قطاعي المياه والكهرباء.

« السابق التالي »