بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العراق وقيام المقاومة

« السابق التالي »

11. تصاعد الاستياء

لقد شهد صيف 2003 تزايد أعداد الهجوم على قوات التحالف، وهو ما ردت عليه سلطة التحالف بسيل من الاعتقالات، فقد أغار الآلاف من جنود القوات على البيوت، بطول البلاد وعرضها، معتقلين الرجال والفتيان وأحيانا النساء. كان الجنود يظهرون ليلا، فيكسرون باب البيت ويقبضون على الرجال، وكان يتم التعامل مع النساء بقسوة وخشونة، وكثيرا ما تمت سرقة الأموال والأشياء الشخصية النفيسة. وفي يوم 27 يونيو 2003، تمت عملية شبيهة قامت بها القوات البريطانية في قرية “مجر الكبير”، ولكنها انتهت بانتفاضة محلية ومقبل 6 من رجال الشرطة العسكرية البريطانية. كما خرج الآلاف من العراقيين في مسيرات عبر مدينة بغداد يوم 3 يونيو 2003، مطالبين بوضع حد للاعتقالات ولعمليات التفتيش الجسدي المهين الذي تتعرض له النساء العراقيات. وقد قام المتظاهرون من الأحياء الشيعية والسنية بالتهديد بحمل السلاح والقتال إذا لم تتوقف تلك الغارات الليلية. فما كان من قوات التحالف إلا أن ردوا بالمزيد من الغارات والاعتقالات.

وكان العراقيون قد أصابهم الذعر من مجرد ذكر اسم أبوغريب وذلك بفترة طويلة قبل بث صور الإساءة والتعذيب على العالم في أبريل 2004. إن سجن أبوغريب، الذي كان مركزا معروفا للتعذيب إبان حكم صدام حسين، ما لبث أن ملأته قوات التحالف بالمسجونين، وبحلول سبتمبر 2003 كان قد عدد المعتقلين قد بلغ 10000 معتقل، وقد كان أثر ذلك رهيبا بالنسبة للمدن في وجه العاصفة، فطبقا لقوات التحالف ذاتها، كان 325 معتقلا من مدينة الفلوجة وحدها ممن تتراوح أعمارهم بين رجل يبلغ 82 عاما وعدد من الفتيان في السادسة عشرة من أعمارهم.

وقد بدأ صبر العراقيين الذين كانوا قد رحبوا بداية بالغزو في النفاذ، ونجد أن نضال الجزائري، وهي ممثلة لمنظمات معنية بالنساء والأطفال في البصرة، تصف كيف كان الناس في الأيام الأولى التي أعقبت الغزو يأملون في أن تتحسن ظروف الحياة:

جاءت المنظمات غير الحكومية إلى البصرة وقدمت الكثير من الوعود، ولكنها في غالبيتها لم تقم سوى بإعادة طلاء الجدران وبعض الإصلاحات السطحية. فلم تتم إعادة بناء المدارس بعد، وفي كثير من المدارس لا تزال الأسطح ترشح بالماء والأرضيات عبارة عن طين، ويعود الأطفال إلى بيوتهم كل يوم متسخين بالطين من أرضيات مدارسهم. كما تم إغلاق كافة الوزارات وفقد الناس وظائفهم، وكذلك تم إغلاق الميناء وارتفعت معدلات البطالة إلى درجة قصوى. لقد قامت مظاهرات عديدة، حيث احتج الناس على انتخاب المحافظ وتعيين قائد الشرطة في البصرة، فبدأت المفاوضات مع قوات الاحتلال. بدأ الناس في التعبئة والتساؤل: “ماذا عن المستقبل؟” ولكنه كان من المحال أن يتم التفاوض مع القوات متعددة الجنسيات.

وبدأت عمليات بالعربات المليئة بالمتفجرات والقنابل المزروعة على الطرقات والكمائن تستهدف القوات بطول البلاد وعرضها، وكانت تلك الحملة عادة غير دقيقة متسببة في أعداد كبيرة من القتلى من السكان المحليين، وفي أعقاب كل عملية كان المشيعون يوجهون غضبهم نحو قوات الاحتلال. وهكذا بنهاية فصل الصيف كانت القلاقل قد امتدت إلى كافة أنحاء البلاد، ففي البصرة قامت حشود بإشعال النيران في ناقلات النفط وإلقاء الحجارة على القوات البريطانية، كما تم استهداف الشركات الكويتية بعدما انتشرت الإشاعات بأنها تسرق النفط، كما قامت عصابات من العراقيين بالاستيلاء على عربات نقل النفط واقتحام أقسام الشرطة. وبذلك بدأت حركة شعبية جديدة في التشكل من الموصل إلى سامراء ومن النجف إلى الإسكندرية، في الوقت الذي ظهرت لجان الشوارع والقبائل والمساجد لتحل محل الفراغ الذي أحدثه سقوط النظام.

ونقرأ وصفا للدكتورة فاطمة سلوم، محررة صحيفة “المتحد” في بغداد، تبين فيه كيف بدأ الناس العاديون في تجمل المسئوليات العامة:

إن الناس العاديين هم الذين بدأوا في إعادة بناء المدارس وتنظيف الشوارع وإدارة شئون المستشفيات التي تعرض العديد منها للدمار بفعل القنابل الأمريكية.. وقد بدأ الناس يتساءلون: “ما فائدة كل هذه الجيوش؟ إنهم لا يعرفون حتى كيفية إعادة توصيل الكهرباء.” وسرعان ما أدركنا أنه يجب علينا نحن أن نقوم بذلك بأنفسنا، أي أنه يجب علينا إدارة شئون مدننا بأنفسنا.

عناصر النظام؟

أصرت قوات الاحتلال على أنها كانت في معركة ضد “فلول النظام.” كما بدأت إشاعات في الانتشار مفادها أن العديد من وحدات الجيش العراقي انسحب من ساحة المعركة لتنفيذ خطة مسبقة تستهدف عرقلة الاحتلال، وكان مما منح تلك الإشاعات وزنها هي المقابلات التي تمت مع سكوت ريتر، وهي مفتش سابق من مفتشي الأسلحة، والذي تذكر أنه قد وجد أدلة في عام 1996 على أن النظام كان قد وضع خطة للتمرد في حالة شن حرب على العراق. إلا أن أحمد هاشم، من المركز الأمريكي للحرب البحرية، يوضح أنه لا توجد أدلة كافية على قدرة نظام البعث على القيام بذلك:

حذر المسئولون العراقيون قبل بدء الحرب أنهم سيستخدمون كافة الأساليب لقتال قوات التحالف، إلا أن تلك التصريحات الاستعراضية لم تتحول إلى حقيقة على أرض الواقع، حيث فشل النظام في القيام بحملة تمرد فعالة أو القيام بعمليات قتالية في المدن الرئيسية مثل بغداد. وقد اعتبر صدام أنه تعرض للخيانة من ضباطه، وهي تهمة كررتها ابنته الصغرى رغد من منفاها في الأردن.

وقد قام متشيل بروثيرو، مراسل UPI، بمقابلة بعض مؤيدي صدام حسين سابقا، في بغداد، كما تحدث إلى أحد قادة المقاومة المحليين يحمل اسما حركيا هو أبو مجهد، وقال:

قال أبو مجهد أنه لم يكن يرغب في محاربة الأمريكيين عند وصولهم في أبريل. “لقد كنت أحب صدام، فقد كان زعيما قويا، ولكنني كنت عضوا في حزب البعث وكنت أعلم أن رجاله، بل وأبناءه، كانوا فاسدين، يسرقون وينهبون الشعب العراقي. ولذا انتظرت كي أرى إذا ما كان الأمريكيون سيحررون أراضينا أم يحتلونها. وقد كان صدام قويا فيما قبل عام 1991 وكان يتخلص من أعدائه، أما المخلصون فلم يمسهم سوء. فمن كان بعيدا عن الأعمال السيئة كانت حياته على ما يرام، إلا انه فيما بعد 1991 وبسبب الأمريكيين وحرب الكويت، فقد صدام صوابه وبدأ في قتل حتى الطيبين من الناس.

وتصاعدت درجة الذعر في واشنطن بأن التمرد يؤثر على مسيرة خطة إعادة الإعمار، حيث تعرضت الطائرات المروحية والدبابات والعربات المصفحة للهجوم، وإلحاق الأضرار بأنابيب النفط، إضافة إلى اغتيال المترجمين والمسئولين المتعاونين مع الاحتلال. ومع ازدياد العمليات الهجومية جرأة ودقة، أصبح موقف قوات التحالف يؤثر على سيطرة الولايات المتحدة على الموقف تأثيرا خطيرا. وفي 26 أكتوبر 2003، كاد بول وولفوفيتز (ذلك القائد ومهندس الغزو) أن يلقى حتفه في هجوم صاروخي على منطقة “النطاق الأخضر” المحصنة في وسط بغداد. كما نجا بول بريمر بأعجوبة من انفجار قنبلة على الطريق. وجاء رد فعل واشنطن بوضع خطط للتعجيل من تسليم السلطة لحكومة عراقية انتقالية، وتم تحديد يوم 30 يونيو 2004 لتسليم السلطة. وفي 13 ديسمبر حقق الأمريكيون أخيرا خطوة مفاجئة إلى الأمام، حيث تم عرض صدام في صورة مزرية بعد أسره أمام العالم أجمع، وقد ظن الأمريكيون بأنهم بذلك قد وجهوا ضربة قاضية للمقاومة، إلا أن فرحتهم واحتفالهم بهذا الحدث لم يطل. حيث نجد أن شخصا مثل البعثي السابق أبو مجهد وضح أنه اتخذ قرار القتال بعدما فشلت الوعود الأمريكية لبناء عراق جديد:

لقد وعدنا (الأمريكيون) بتحريرنا من الاحتلال، ووعدونا بالحقوق والحرية، فانتظرت أنا وزملائي قبل اتخاذ قرارنا حتى نرى ما سيفعلون. كان يجب عليهم أن يأتوا وأن يمنحونا الغذاء وبعض الأمان فحسب، ولكنني حتى اليوم لا أشعر بقدرتي على قيادة سيارتي ليلا بسبب علي بابا (أي المجرمين بلغة أهل بغداد). وحينها أدركت أنهم جاءوا كمحتلين لا محررين، وهكذا اخترت أنا وزملائي طريق القتال، فبدأنا نجتمع ونخطط، واجتمعنا بغيرنا وحاولنا شراء الأسلحة. ولا يخشى أي منا الموت، ولكن الأمر صعب، فنحن مجرد رجال، عمال لا جنود.

وقد أشار بول ماري دي لا جورس في صحيفة “لوموند ديبلوماتيك” أن أسر صدام قد أزاح آخر عقبة من أمام قيام معارضة موحدة:
كان صدام حسين بلا شك عاملا على التقسيم لا التوحيد، ومعوقا لا ميزة، ولم يكن من الممكن للمقاومة العراقية أن تجد فيه مصدرا للمساندة الشعبية التي ما كان للمقاومة أن تمارس وجودها ونشاطها بدون تلك المساندة، مثلها في ذلك مثل أي مقاومة سرية. فبعد أسر صدام حسين وما تلاه من اعتقالات ضخمة، اكتسبت المقاومة العسكرية القدرة على ضم أنصار الرئيس السابقين، ممن كانوا يريدون مواصلة كفاحهم، إلى صفوفهم.

« السابق التالي »