بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العراق وقيام المقاومة

« السابق التالي »

2. شعب مولود في معمعة الصراع

ترجع أولى تجارب كفاح العراق من أجل التحرر الوطني في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حيث عقدت كل من بريطانيا وفرنسا العزم على تقسيم الإمبراطورية العثمانية المهزومة فيما بينهما. فقامت بريطانيا بدعوة الأمير فيصل، زعيم الثورة العربية ضد العثمانيين، ليكون ملكا على العراق. إلا أنه ما لبثت أن تفجرت الثورة في العراق عام 1920 عندما منحت عصبة الأمم بريطانيا الحماية على العراق. وقد عبر الشاعر محمد العبيدي عن حالة التحدي والرفض السائدة حينذاك قائلا:

لسنا عبيدا

وقد تم التخلص من السيادة البريطانية في أجزاء واسعة من وسط العراق، وقامت الشعارات الوطنية بتوحيد صفوف السنة والشيعة في عمليات احتجاج في بغداد، كما أصدر رجال الدين الشيعة فتاوى تدعو إلى شن حرب مقدسة ضد الاحتلال. وقد قدمت جيرترود بيل، مستشارة المندوب السامي البريطاني في بغداد، وصفا لجهود المسئولين البريطانيين في فرض الملك الجديد على العراق، فقد كتبت في أغسطس 1920 أن “الأمور لم تتخذ بعد وضعا سلسا على الإطلاق،” وأضافت قائلة: “تأتينا تقارير بشأن قيام قبائل منطقة الفرات بإعداد بيانات والتماسات داعية لإقامة نظام جمهوري .. ولا أعتقد أن نصف تلك التقارير صحيح، ولكنها تبقينا في حالة قلق وترقب.” وقد أدى مزيج من الرشاوى والتهديدات والمناورات السياسية إلى ضمان حصول الملك فيصل على القبول آخر الأمر، وفي أغسطس 1921 تم تتويجه ملكا على أنغام النشيد الوطني البريطاني “حفظ الله الملك…”، حيث لم يكن قد تم تأليف نشيد وطني عراقي بعد.

وفي هذه الأثناء كان المجتمع العراقي يتغير بسرعة بالغة، حيث نشأت طبقة من ملاك الأراضي الذين سيطروا على الاقتصاد والنظام السياسي على مدار النصف الأول من القرن العشرين دفعت صغار المزارعين إلى هاوية الفقر. وجاءت التغييرات في قانون ملكية الأراضي لعام 1932 لتزيد من سلطات ملاك الأراضي زيادة بالغة، وهكذا نجد أن شيوخ القبائل البدوية، الذين كانوا في السابق يعيشون على ما يجمعونه من جراء هجومهم على المزارعين، تحولوا إلى طبقة من ملاك الأراضي. كما استفاد تجار المدن أيضا من التغيير في القانون إذ أصبح في إمكانهم الآن استثمار الأراضي. وبحلول ثورة 1958 كان أكبر اثنين من ملاك الأراضي هما أحمد عاجل الياور، كبير زعماء قبائل شمر وصاحب 160 ألف هكتار من الأراضي، وعبد الهادي الجلبي، وهو تاجر شيعي ثري من بغداد، والذي ربما كانت قيمة الـ64 ألف هكتار من الأراضي المعتمدة على الأمطار والتي كان يملكها تفوق قيمة الأراضي التي يملكها الياور على اتساعها. وأحمد الياور هو جد غازي عاجل الياور الذي تم تعيينه رئيسا للعراق في يونيو 2004، بينما نجد أن ابن عبد الهادي الجلبي هو أحمد الجلبي، عضو مجلس الحكم العراقي الذي عينته القوات الأمريكية لحكم العراق بعد إسقاط صدام حسين. وهكذا نرى أن الطبقة العراقية الحاكمة القديمة قد عادت محمولة في مؤخرة دبابة أمريكية.

وفيما بين عامي 1945 و1958، انضم مئات الآلاف من العراقيين إلى حركة للتحرر الوطني، وهي ثورة لم تكن ضد الاحتلال البريطاني فحسب وإنما ضد ملاك الأراضي والتجار الذين كانوا يدعمون النظام الملكي المكروه. وكانت جماهير المدن في قلب موجات الاحتجاج الكبرى، وبينما كان العمال المنظمون أقلية إلا أن بعضهم، وخاصة عمال السكك الحديدية وعمال الموانئ وعمال النفط قاموا باستخدام قوتهم الصناعية استخداما فعالا. وفي نفس الوقت كانت المدن العشوائية الفقيرة والمزدحمة بالسكان حول مدينة بغداد بمثابة مصدر للجنود المشاة لحركة العصيان المسلح في المدن عامي 1948 و1952، وأولئك الفلاحون الفقراء من المقاطعات الشرقية للبلاد ممن وجدوا لأنفسهم مصدر رزق في وظائف غير رسمية. كما قامت شريحة رفيعة ولكن هامة من الطبقة الوسطى بتقديم العديد من النشطاء العاملين ضمن الحركات الوطنية واليسارية المتنامية.

وقد تطلع الآلاف صوب الحزب الشيوعي العراقي من أجل إحداث تغيير، ويشهد تنوع عضوية الحزب على قدرة الحركة الجماهيرية على تجاوز التقسيمات العرقية والدينية عن طريق توحيد صف العراقيين طبقيا. وبحلول عام 1955 كان الشيعة يمثلون أغلبية الحزب الشيوعي ويحتلون غالبية مواقع القيادة، في حين انجذب الأكراد إلى الحزب لقيامه بتنظيم الفلاحين الأكراد في مواجهة ملاك الأراضي الأكراد من ناحية ولتأييده حصول الأكراد على حقوقهم القومية.

« السابق التالي »