بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العراق وقيام المقاومة

« السابق التالي »

3. خيبة الأمل عام 1958

قام انقلاب ضباط الجيش بالقضاء على الملكية في عام 1958، وتم قتل كل من الملك ورئيس الوزراء الموالي لبريطانيا، بينما قام عبد الكريم قاسم، قائد الجيش، بإعلان قيام الجمهورية. وقد كان ذلك في مصلحة اليسار أول الأمر، حيث اتسع الحزب الشيوعي بسرعة بالغة في أعقاب الثورة، إلا أن عبد الكريم قاسم سرعان ما تحرك في عام 1959 ضد الحزب الشيوعي، فأخرج مؤيدي الحزب من الحكومة وطهر الجيش من نشطائه. وقد انسحب الحزب الشيوعي العراقي من المواجهة، فقد كان عامل عبد الكريم قاسم معاملة الأبطال في بدايات الثورة، كما تلقى الحزب توجيهات من موسكو بعدم إرباك موازين القوى الهشة مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط عن طريق بإثارة صراع على السلطة في العراق. وقد اتضح آخر الأمر أن انتصار عبد الكريم قاسم على الحزب الشيوعي انعكس بالسلب عليه وأدى إلى نهايته حيث انتهى به الأمر بلا وسيلة لتعبئة الناس دفاعا عن نظامه أمام الانقلاب الذي قام به حزب البعث عام 1963. وكان حزب البعث في تلك المرحلة مجرد منظمة صغيرة نجحت في اجتذاب شريحة من القوميين بمقولات الوحدة العربية والتحديث والاشتراكية. إلا أنها كانت منظمة شديدة العداء للشيوعية، واستغلت فرصة الانقلاب على عبد الكريم قاسم للقضاء الدموي على الآلاف من الشيوعيين والنقابيين.

وقد فقد البعثيون سلطتهم بنفس السرعة التي كانوا قد اكتسبوها بها، وأصبح العراق خاضعا لحكم عبد السلام عارف، النائب السابق لعبد الكريم قاسم. وفي أعقاب وفاة عبد السلام عارف في حادثة تحطم طائرة مروحية عام 1966 حل محله شقيقه الأكبر عبد الرحمن، الذي لم يستمر في موقع السلطة طويلا، حيث سقط بأيدي انقلاب قام به حزب البعث عام 1968. وفي هذه المرة كان البعثيون أكثر تنظيما، ونجحوا في تأسيس نظام حاكم استمر حتى الغزو الأمريكي للعراق. وقد شهدت السبعينيات قيام حزب البعث بإحكام قبضته على السلطة، كما منح تأميم صناعة النفط العراقية في عام 1972 الدولة السيادة الكاملة والتحكم التام في الثروة النفطية للبلاد، والتي استثمرتها في بناء البنية التحتية والجيش ودولة الرفاهة. ومن الخصائص الرئيسية لحكم البعث هو إعادة توزيع بعض الثروة النفطية لصالح الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية. وتم إما تحييد الخصوم المحليين، بمن فيهم الحزب الشيوعي الذي انضم إلى الحكومة كشريك أصغر في عام 1972، أو القضاء على هؤلاء الخصوم.

وفي عام 1979، قام صدام حسين الذي كان نائبا للرئيس حينذاك بانقلاب ضد حاكم العراق أحمد حسن البكر، كما قام بتطهير حزب البعث ودعم أوضاع مسانديه المقربين وأقربائه من مسقط رأسه، مدينة تكريت. وخلال عام من وصوله إلى الحكم شن صدام حسين هجوما ضد جارته إيران على أمل انتزاع مكاسب من دولة لم تستقر بها الأمور بعد في أعقاب ثورة 1979، وبهدف توجيه ضربة للمعارضة الشيعية المتزايدة في العراق. كما وضع صدام حسين في حسبانه أن قيام العراق بضربة ضد إيران التي يحكمها رجال الدين الشيعة ستجد صدى إيجابيا لدى الولايات المتحدة الأمريكية. إلا أن الحرب امتدت على مدى ثماني سنوات حاصدة أرواح حوالي مليونا من البشر. وبفضل الدعم الأمريكي لم ينهزم العراق في ذلك النزاع العسكري، ولكنه خرج من المعركة باقتصاد مدمر وديون تعيقه عن التحرك إلى الأمام.

وبعد أقل من عامين كانت القوات العراقية تسير هذه المرة في طريقها إلى الكويت، وبدلا من أن تدير الولايات المتحدة ظهرها (كما توقع صدام حسين)، إذا بالرئيس الأمريكي جورج بوش الأب ينتهز الفرصة لفرض “نظام عالمي جديد” قائم على الهيمنة الإمبريالية الأمريكية. وقد تم إخراج القوات العراقية من الكويت في فبراير 1991 بواسطة تحالف بقيادة الولايات المتحدة، إلا أن الرئيس بوش الأب لم يمضي قدما بإسقاط صدام حسين مفضلا استمرار وجود نظام بعثي ضعيف بدلا من المخاطرة بتقسيم العراق وإحداث حالة عدم استقرار في المنطقة بأسرها. وبمرور عشرة سنوات كان الدعم الذي تناله سياسة الولايات المتحدة في فرض العزلة والفقر على العراق عن طريق العقوبات الاقتصادية قد أخذ يضعف ويتلاشى بالتدريج، ومن هنا كانت الاعتداءات على مركز التجارة العالمية والبنتاجون يوم 11 سبتمبر 2001 بمثابة الفرصة لتغيير مسار الأحداث: فبدأ العد التنازلي لغزو العراق.

ومن مآسي المرحلة البعثية في تاريخ العراق هو انهيار كافة الآمال الخاصة بالتحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية المصاحبة لقيام ديمقراطية حقيقية. فلم يحرر حزب البعث العراق من الإمبريالية، وعلى الرغم من خطابه القومي إلا أن حزب البعث قام بعقد صلات وثيقة بالولايات المتحدة، فمنذ 1969 أدرك النظام الاستعماري القديم في العراق أن صدام يحمل مؤهلات تجعله حليفا مستقبليا، حيث نجد أن السفير البريطاني أرسل عام 1969 مذكرة سرية إلى وزارة الخارجية البريطانية ورد فيها: “يمكنني الحكم عليه، مع حداثة سنه، أنه عضو قوي حازم وعنيد يحتل موقعا بارزا ضمن هيكل الحزب، إلا أنه شخص يمكن التفاهم والعمل معه إذا ما أتيحت فرصة أكبر للتعامل معه.” وعلى مدار العقدين التاليين قامت حكومة كل من الولايات المتحدة وبريطانيا بالعمل مع صدام، بما في ذلك بيع الأسلحة لحربه ضد إيران ولقمع الأكراد.

كما كشفت تلك الأعوام أيضا عن الإفلاس الذي أصاب اليسار، فعلى الرغم من تعرض الحزب الشيوعي للقمع من قبل البعثيين خلال الستينيات، إلا أنهم عادوا لمساندة النظام العراقي في الفترة ما بين عامي 1972 و1978، وهو ما يوضحه سامي رمضاني بقوله:

لم يكونوا ليألوا جهدا في محاولاتهم، سواء في العراق أو هنا في بريطانيا، لإقناع النقابات وحزب العمل بقبول وحشية صدام وطغيانه باعتباره ضمن نظام حاكم خاضع للإصلاح .. أما صدام، الذي وصفه حينذاك قادة الحزب الشيوعي العراقي باعتباره ممثلا لـ”يسار” حزب البعث، فقد قام بنشر ورقة عنوانها “خندق واحد أم خندقان؟” على سبيل تذكيرهم بدورهم الذي تضمن فيما بعد القضاء على انتفاضة كربلاء عام 1977. أما العراقيون، بمن فيهم من بعض أعضاء الحزب الشيوعي العراقي، والذين واصلوا في الخارج فضح سياسات صدام الفاشية، بل وهؤلاء الذين تعرضوا للقتل والتعذيب في العراق، كان يطلق قادة الحزب الشيوعي العراقي عليهم مسمى “اليساريون الطفوليون” أو “الأكراد الرجعيون.”

إلا أن مساندتهم للبعثيين لم تنقذ الحزب الشيوعي من مظاهر القمع، ففي عام 1978 انقلب حزب البعث على الشيوعيين، وقام بإعدام الآلاف منهم وألقى بالمزيد منهم في السجون.

« السابق التالي »