القضية الفلسطينية – رؤية ثورية
في خضم الانتفاضة، أعلن عرفات بوضوح قبوله إقامة دويلة فلسطينية في غزة والضفة الغربية، وقام بالاعتراف بإسرائيل، وأعلن نبذه لـ “الإرهاب”. لقد كان موقف عرفات الاستسلامي نتاج التحول الذي بدأت فتح في تبنيه منذ 1974 حينما أعلنت قبولها بالاكتفاء بدولة في الأراضي المحتلة عام 1967، أعقبها سعي حثيث لمحاولة فتح قنوات اتصال سرية مع أمريكا والقوى اليهودية “التقدمية” على حسب تعبير المنظمة. ولكن أمريكا وإسرائيل الذين لم يكونا على استعداد للتفاوض مع عرفات قبل ذلك، رأوا أن التفاوض لا مفر منه الآن من أجل إيقاف زلزال الانتفاضة وتوابعه في المنطقة.
الطريق إلى أوسلو:
لقد تضافرت عدة مؤثرات داخلية وخارجية، دفعت الأطراف المتنازعة إلى الجلوس على مائدة المفاوضات. فمن ناحية كانت الانتفاضة الفلسطينية قد بدأت في الانحسار نتيجة: لهيمنة عرفات الخانقة عليها؛ والخسائر المادية والبشرية الفادحة التي تكبدها الفلسطينيون بدون رؤية أي تغيير جذري لائحة في الأفق ـ خاصةً بعد انحسار حركات التضامن مع الانتفاضة في المنطقة نتيجة للقمع وعدم وجود تنظيمات جماهيرية قادرة على تعبئة الحركة في اتجاه تغيير النظم العربية الحاكمة؛ وغزو صدام حسين للكويت الذي أصاب الفلسطينيين مرة أخرى بالآفة التاريخية للمقاومة الفلسطينية ـ الاعتماد على الأنظمة العربية، إذ خُدِعَت جماهير الأراضي المحتلة بدعايات صدام حول تبنيه للقضية الفلسطينية وحول قدرة الجيش العراقي على “حرق نصف إسرائيل” بالأسلحة الكيماوية.
أما منظمة التحرير فكانت تلهث منذ السبعينيات وراء أية تسوية، ووجدت في الانتفاضة القوة التي يمكن تعبئتها من أجل إجبار إسرائيل وأمريكا على القبول بالجلوس والتفاوض معها في مقابل إيقاف الانتفاضة. واشتد تمسك عرفات بالتسوية كالغريق الذي يتمسك بقشة بعد العزلة الشديدة التي تعرض لها عقب انتهاء حرب الخليج بسبب موقف المنظمة من الغزو. فقد أقدم عرفات على تأييد غزو العراق للكويت لشعوره الجارف بالإحباط لتجاهل أمريكا له بالرغم من التنازلات الضخمة التي بادر بتقديمها، وسخطه على دول الخليج لأنهم فشلوا ـ في نظرة ـ على التأثير على أمريكا، والأهم من هذا وذاك ضغط الشارع الفلسطيني الشديد عليه. لم يقدر عرفات على تجاهل هذا الضغط الجماهيري بالرغم من تعارضه مع مصالح رأس المال الفلسطيني بالكويت الذي تعرض لأزمة شديدة بسبب نتائج الحرب واضطر للهروب إلى الأردن وبعض الدول العربية الأخرى، هذا بالإضافة إلى حسابات عرفات الخاطئة حول الأزمة وإمكانية حلها سلمياً.
أمريكا أيضاً رأت أن الفرصة قد أصبحت سانحة ـ بعد حرب الخليج ـ للتوصل إلى تسوية لحل النزاع. فانهيار الاتحاد السوفيتي، وتدخل أمريكا السريع لملء الفراغ الاستراتيجي في الشرق الأوسط بعد غياب السوفيت، وظهورها أمام الأنظمة العربية الحليفة والمعادية كصاحبة الكلمة العليا والسيطرة المطلقة… كل هذا خلق لديها الثقة بقدرتها على دفع التسوية، وفرض الاستقرار على المنطقة ـ بعد فترة طويلة من الصراع ـ من أجل تأمين مصالحها.
السلطة الفلسطينية وقمع “الإرهاب”:
بعد سلسلة من الاتصالات السرية توصلت منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل إلى اتفاق أوسلو في 1993 الذي دشن مرحلة جديدة من التنازلات التاريخية في حقوق الشعب الفلسطيني، وبموجبه نشأت السلطة الوطنية الفلسطينية. وبالرغم من الوعود والأحلام البراقة التي باعها عرفات للجماهير الفلسطينية حول تحويل غزة إلى “سنغافورة” الشرق الأوسط، إلا أن الواقع جاء عكس ذلك.
بعد مفاوضات مضنية نجح عرفات في الخروج بغزة التي كانت كابوس إسرائيل الأمني ـ ما عدا المستوطنات التي بقيت تحت السيادة الإسرائيلية. أما الضفة الغربية، فحدث ولا حرج. بحلول أواخر عام 1999 كانت السلطة قابعة على 10% من الأراضي (منطقة أ)، في حين احتفظت إسرائيل بالسيطرة على 64% من الأراضي (منطقة ج)، وتركت 26% من الأراضي للإدارة المدنية الفلسطينية واحتفظت اسرائيل لنفسها بالسيطرة الأمنية عليها. (152)
والكارثة الكبرى هي تحول السلطة الوطنية على مدار السنوات الماضية إلى جهاز أمني قمعي مهمته السهر على أمن إسرائيل وحمايتها من “الإرهاب” طبقاً للاتفاقيات الموقعة. فأجهزة عرفات الأمنية (وبالأخص الاستخبارات العسكرية، والأمن الوقائي، والقوة 17) لعبت دوراً قذراً في التصدي للعمليات الفدائية الموجهة ضد الدولة الصهيونية، فقامت ـ بالتعاون مع الموساد والمخابرات المركزية الأمريكية ـ بحملات اعتقال لا هوادة فيها ضد مناضلي حماس والجهاد والجبهة الشعبية بعد أي عملية فدائية يقومون بها أو عند تجاوز معارضتهم لعرفات “الخط الأحمر”. فبلغ عدد المعتقلين في السنوات الخمس الأولى حوالي 500 معتقل، (153) وفي عام 1998 وحده اعتقلت السلطة 450 شخص، (154) وفي عام 1999 حوالي 350 معتقل سياسي. (155) وتم إنشاء محكمة أمن الدولة العليا للمحاكمات السريعة الليلية لهؤلاء المناضلين، فمثلاً استغرقت محاكمة المناضل محمود أبو هنود ـ قائد حماس العسكري في الضفة الغربية ـ حوالي 5 دقائق! ليصدر بعدها الحكم بسجنه 12 عاماً بتهمة تكوين خلايا مسلحة، وإقامة قيادة بديلة للسلطة!! (156) هذا بالإضافة إلى قيام أجهزة الأمن الفلسطينية بفتح النار على المتظاهرين، وتعذيب المعتقلين وقتلهم، والتحرش بالصحفيين والمثقفين، وإغلاق الصحف والمجلات، واغتيال المعارضين.(157)
لقد نصت اتفاقية أوسلو على أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية يجب أن “تتحرك بطريقة منظمة ضد مظاهر العنف والإرهاب…واعتقال ومحاكمة الأفراد المشتبه في تحضيرهم لأعمال عنيفة وإرهابية”، ولكن ليس من حق السلطة اعتقال أي إسرائيلي سواء لأسباب جنائية أو سياسية. ومن المثير للسخرية أن الشرطة الفلسطينية قد بلغ قوامها حوالي 40 ألف شخص، أي تملك السلطة شرطياً لكل 50 مواطن ـ وهي أعلى نسبة موجودة في العالم ـ لدولة لم تُعلَن بعد! (158)
وتمهيداً للحل النهائي المقترح، تحرص أجهزة الأمن العرفاتية على قمع أو احتواء جميع أشكال المعارضة في الشارع الفلسطيني ـ سواء كانت إسلامية، أو يسارية، أو حتى في صفوف فتح نفسها. وقد يكون خير مثال على ممارسات سلطة عرفات الاستبدادية هو رد فعل أجهزته الأمنية تجاه بيان “الوطن ينادينا” الذي وقع عليه 20 من الشخصيات العامة الفلسطينية، بعضهم أعضاء في فتح، ومثقفون، وعدداً من أعضاء المجلس التشريعي. اتهم البيان ـ الذي تم إصداره وتوزيعه في أواخر نوفمبر 1999 ـ السلطة بالفساد والاستبداد والتآمر مع الصهاينة ضد مصالح الشعب الفلسطيني. جاء رد فعل السلطة هستيرياً، فقامت باعتقال 8 من الموقعين وألقت بهم في سجن المخابرات بأريحا وسجن نابلس، وفرضت الإقامة الإجبارية على 3 آخرين من بينهم بسام الشكعة، رئيس بلدية نابلس السابق، الذي فقد ساقيه الاثنين في هجوم قامت به إحدى التنظيمات صهيونية في عام 1980. ولم تعتقل السلطة أعضاء المجلس التشريعي الموقعين على البيان نظراً لتمتعهم بالحصانة البرلمانية، ولكن ارتفعت أصوات أتباع عرفات بالمجلس التشريعي مطالبة برفع الحصانة عن “المنحرفين” ومحاكمتهم. في اليوم نفسه هاجم 3 ملثمين معاوية المصري أحد الموقعين من أعضاء المجلس التشريعي، وأطلقوا عليه النار فأصيب في قدمه، وقد اتهم مركز المعلومات الفلسطيني موسى عرفات ـ رئيس الاستخبارات العسكرية وابن عم ياسر عرفات ـ بتدبيره للحادث. (159)
فساد السلطة الفلسطينية:
لم تصبح السلطة الفلسطينية فقط شريكة عدو الأمس في قمع الجماهير الفلسطينية، بل أصبحت أيضاً تنسق معه في نهب المعونات الدولية التي يفترض أن تذهب لخدمة المشاريع الاجتماعية والبنية التحتية بمناطق السلطة. فالغالبية من أموال هذه المعونات تذهب إلى جيوب عرفات وحاشيته الفاسدة.
لقد أثبت ممارسات عرفات ورجاله في “الأراضي المحررة” قدراتهم الفائقة في مجالات النهب والاستغلال بطريقة تثير إعجاب عتاة الحكام في ديكتاتوريات العالم الثالث. فقد ساهم الفساد الذي يقوم به رجال السلطة ـ بجانب الحصار الإسرائيلي الخانق ـ في تدهور الأوضاع الاقتصادية في “الأراضي المحررة” منذ أوسلو. ففي غزة ارتفعت معدلات البطالة، وانخفض متوسط دخل الفرد، واشتدت الظروف القاسية التي يعيش فيها اللاجئين بالمخيمات والعشش. طبقاً لتقرير الأمم المتحدة في 1997، انخفض متوسط دخل الفرد بأكثر من 39% منذ اتفاقية أوسلو، ووصل تدهور الأوضاع للحد الذي دفع العديد من الأسر إلى تسريح أطفالهم للتسول في شوارع غزة، وأشار التقرير بقلق إلى انتشار عمالة الأطفال بشكل “منذر بالخطر”. وفى ظل هذه الظروف البائسة، تسارعت في أحد بقاع غزة “المحررة” حركة التشييد؛ وخاصة تشييد الفيلات الخاصة والقصور الفخمة في حي “الرمال”. ففي هذا الحي الراقي، تتناثر الوزارات، ومؤسسات السلطة، والفيلات، والقصور، وأماكن الترفيه مثل كباريه “زهرة المدائن” الذي يكتظ أسبوعياً برجال عرفات وباقي أعضاء النخبة الفلسطينية، أو “التوانسة” كما يطلق عليهم أهالي غزة ـ نسبة إلى قدومهم من تونس المقر السابق لمنظمة التحرير الفلسطينية ـ تعبيراً عن الكراهية الشديدة التي تكنها لهم جماهير غزة. (160)
في هذا الحي أيضاً، يتواجد مكتب عرفات المطل على البحر، ويوجد أيضا “نادى المنتدى” الفخم الذي يعد إحدى الأماكن الترفيهية الأساسية لحاشية عرفات. ويتضمن الحي فيلا محمود عباس (أبو مازن) ـ مهندس اتفاق أوسلو ـ التي زادت تكلفتها عن 2 مليون دولار والتي كتب الناس على سورها الخارجي “هذا ثمن بيعك لفلسطين”. أما نبيل شعث وزير التخطيط فقد تزوج أخيراً وأقام 4 حفلات زفاف الأولى في القاهرة، والثانية في غزة، والثالثة في القدس الشرقية، ولكي يرضى أصدقائه الإسرائيليين لأنهم لم يتمكنوا من حضور حفله بالقدس الشرقية بسبب إقامته في “بيت الشرق” الذي تعتبره إسرائيل مقراً “غير شرعي”، فأقام لهم الحفل الرابع في فندق “الأمباسادور”! (161)
بالإضافة إلى هذه المظاهر المستفزة، انكشف الغطاء عن فضيحة أخرى في السنوات الأخيرة، وهي حساب ياسر عرفات في بنك “ليومى” في تل أبيب، هذا الحساب الذي يسمى “بالصندوق الثاني”. وهذا الحساب لا يخضع لإشراف وزارة المالية، بل يخضع لسيطرة ياسر عرفات شخصياً بجانب مستشاره الاقتصادي محمد رشيد. ومصادر تمويله تأتي من طريقين: الأول، عن طريق إسرائيل نفسها، فتقوم إسرائيل بإيداع حصيلة الجمارك والضرائب المفروضة على إمدادات البترول التي تنقلها إلى “الأراضي المحررة” في هذا الحساب. والثاني، عن طريق كبار رجال الأعمال الفلسطينيين الذين يوجهون جزءاً من أرباحهم إلى هذا الحساب في مقابل تسهيل عرفات قيامهم باحتكار الاقتصاد الفلسطيني. ولا يعرف أحد غير أصحاب الحساب كم حجم المبالغ التي استخدمت لتمويل نشاطات السلطة الفلسطينية؟ وكم هي المبالغ التي حولت إلى حسابات خاصة؟ وإن كانت التقديرات تشير إلى قيام إسرائيل وحدها بتحويل ما لا يقل عن 166 مليون دولار في الفترة (1994 ـ 1997). (162) فلماذا يحتاج عرفات كل هذا الاحتياطي؟ طبقاً لما كتبته صحيفة هآرتس الإسرائيلية، أن الصندوق الثاني مخصص ل ـ “حالات الطوارئ”، وللخطط السرية المجهزة لإنقاذ عرفات وأفراد عائلته وعدد من كبار المسئولين في حالة وقوع انقلاب أو حرب أهلية. والحساب السري مخصص لتسهيل إقامة قيادة في المنفى تحاول استعادة السيطرة مرة أخرى. (163) والهدف الآخر من الحساب هو تمويل ممارسات الفساد والقمع الأمني التي يراها عرفات ضرورية من أجل تدعيم سيطرته السياسية، ومن أجل الحفاظ على أمن إسرائيل. (164)
وتزداد معاناة الجماهير الفلسطينية عن طريق الاحتكارات التي واكبت تأسيس السلطة. فقد سعى التوانسة جدياً لتدعيم سلطتهم السياسية وزيادة ثرواتهم بواسطة احتكارهم لأهم القطاعات الاقتصادية الحيوية في مناطق نفوذ السلطة الفلسطينية. تتحكم تلك الاحتكارات في 27 سلعة أساسية تورد إلى مناطق السلطة، مثل الحديد والأسمنت والوقود واللحم. وقد منحت إدارة هذه الاحتكارات لعدد من كبار المسئولين في السلطة والأجهزة الأمنية، وأقاربهم، بمشاركة رجال الأعمال الإسرائيليين. حيث يستورد صاحب الاحتكار البضاعة التي يسيطر عليها من المنتج أو المستورد في إسرائيل ويقوم بعد ذلك ببيعها للفلسطينيين بسعر أعلى. ولا يعلم أحد شيئاً عن أين تذهب رسوم الضرائب وغيرها من الرسوم التي من المفترض أن تصل إلى السلطة، وكل الأموال التي تجبى من الاحتكارات، وتدعى السلطة عدم قدرتها على إعطاء معلومات عن هذه الأموال تحت دعاوى أمنية.(165) يقول تاجر من غزة وهو أحد مناضلي فتح السابقين:
لكل ثورة مناضلوها ومفكروها ومرتزقوها، لقد قتل مناضلونا واغتيل مفكرونا ولم يبق لنا إلا المرتزقة، وهؤلاء لا يفكرون بالقضية على الإطلاق إنهم يعلمون أن وضعهم مؤقت كما كانوا في تونس وكأي سلطة تشعر بقرب نهايتها فلا يهمها إلا الربح من موقعها حتى يزول. (166)
وكمثال فج على ذلك نجد أنه في اليوم التالي لفتح نفق البراق ـ الذي فجر انتفاضة مصغرة بالقدس في 1996، وفى ذروة الاشتباكات الدامية بين جنود الجيش الإسرائيلي والفلسطينيين، جرى اتصال تليفوني بين أرييه زييف ـ مسئول الجمارك الإسرائيلية ـ وأحد كبار المسئولين الاقتصاديين بالسلطة الفلسطينية، ولم يتناول الحديث تطورات الوضع في قضية النفق ولكن المسئول الفلسطيني طلب من زييف أن يعرف إن كانت إسرائيل تستطيع تقديم موعد تحويل الأموال يومين لأسباب فنية تتعلق بأيام عطلة في التقويم الفلسطيني! وقد استجاب زييف لهذا الطلب. (167)
ولا يمكن تجاهل شركة “البحر” التي كانت السيدة سها زوجة عرفات قد أسستها بالتعاون مع بعض المساهمين. فهذه الشركة ابتلعت غزة لدرجة تسمية الغزاوية لها ب ـ “المحيط”، فهي منخرطة في كل شئ من العقارات والإعلانات والكمبيوترات والأدوية والتأمين وصولاً إلى كباريه “زهرة المدائن”. واعتادت شركة البحر الضغط على بعض المستثمرين لكي تكون شريكة معهم فإذا رفضوا فيمكن أن ينتهي بهم الأمر في أحد سجون السلطة بتهمة “التعاون مع العدو”. (168)
واتباعاً لمبدأ “إن لم تستح فافعل ما شئت”، يشارك وزير الشئون المدنية بالسلطة الفلسطينية جميل طريفي (وهو أحد كبار المقاولين) في عمليات بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، لاهثاً وراء أرباح المقاولات، وغير مكترث بتسليم الأراضي الفلسطينية للمستوطنين الصهاينة أو بطرد أعداد ضخمة من الفلسطينيين نتيجة لعمليات البناء تلك! (169)
المستوطنات:
تمثل المستوطنات إحدى الأركان الأساسية في الاستراتيجية الإسرائيلية لتوطيد أقدام الاحتلال والسيطرة على الجماهير الفلسطينية في الأراضي المحتلة وبالذات في الضفة الغربية. بدأت العملية الاستيطانية في يوليو 1967 ـ أي بعد شهر واحد من الحرب ـ تحت اسم “مشروع آلون”. في البداية اقتصر المشروع خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي على جيوب جغرافية صغيرة، ولكنه اكتسب دفعة قوية في التسعينيات بعد بدء مسيرة التسوية على يد حكومات العمل والليكود سواء. فزاد عدد المستوطنين الصهاينة من 110 ألف في عام 1993 إلى 195 ألف في يونيو 2000. (170)
تهدف العملية الاستيطانية إلى خلق حزام من المستوطنات يحيط بالقدس الشرقية من أجل خلق حقيقة واقعة على الأرض يصعب تغييرها؛ لكي تتمكن إسرائيل من فصل القدس عن الضفة الغربية وضمها كعاصمة موحدة لدولتها في مفاوضات الحل النهائي. هذا بالإضافة إلى تقطيع أراضي الضفة الغربية إلى كانتونات (أو مقاطعات صغيرة) متفرقة معزولة عن الأراضي الزراعية الخصبة، ومصادر المياه، والسوق العالمي، وتمنع الفلسطينيين من تحقيق سيادة كاملة عليها. كما أن المستوطنين –المدججين بالسلاح ـ صاروا احتياطياً استراتيجياً لا غنى عنه للجيش الإسرائيلي في فرض الاستقرار ومواجهة انتفاضات الجماهير الفلسطينية. (171)
انتفاضة الأقصى:
قبل انتفاضة الأقصى، لم تكن الجماهير الفلسطينية خانعة أمام التنازلات التاريخية والخيانات المتوالية التي يقوم بها عرفات، ولم تقف ساكنة أمام الممارسات الإسرائيلية. فقد سبقت الانتفاضة الحالية سلسلة من المواجهات، والعمليات الاستشهادية، وهبات عفوية كانت تقوم من كل حين إلى آخر ـ أقواهما كانتا انتفاضة “نفق البراق” في سبتمبر 1996 ومظاهرات “أيام الغضب” في مايو 2000 في الذكرى الثانية والخمسين للنكبة. ولكن انتفاضة الأقصى جاءت أكثر قوة وعنفاً بطريقة أعادت إلى الأذهان انتفاضة 1987.
اندلعت الانتفاضة عقب زيارة زعيم الليكود السفاح إرييل شارون ـ مهندس مذبحة صبرا وشاتيلا ـ للحرم الشريف بالقدس في مصاحبة كتيبة عسكرية إسرائيلية قوامها ألف جندي في يوم الخميس 28 سبتمبر 2000 بإذن من رئيس الوزراء إيهود باراك، وبعد أن كانت الجهات الأمنية الإسرائيلية قد تلقت ضمانات من قوى الأمن الفلسطينية بعدم وقوع اشتباكات! رداً على تلك الزيارة الاستفزازية اشتعلت مواجهات دامية بمنطقة الحرم في اليوم التالي، مما أدى لاستشهاد 7 فلسطينيين وأصيب 200 آخرين برصاص الجنود الصهاينة. تصاعدت الأحداث سريعاً لتنتشر المظاهرات والاشتباكات بين الجماهير الفلسطينية والقوات الإسرائيلية في القدس الشرقية، ثم امتدت إلى غزة وباقي مدن الضفة، وكان مفترق “نتساريم” في غزة مركزاً للاشتباكات الدامية في يوم السبت 30 سبتمبر حيث قتل الطفل محمد جمال الدرة البالغ من العمر 12 عاماً عن عمد على يد الجنود الصهاينة، ونقلت صورة موته بكل وضوح وحشية الاحتلال الإسرائيلي، مما أقام الدنيا كلها ولم يقعدها.(172) وانضم جنود الشرطة الفلسطينية إلى المنتفضين واشتبكوا بالسلاح مع جنود الاحتلال. ولأول مرة منذ عام 1976 نظم عرب 48 ـ أو من يطلق عليهم أحياناً عرب إسرائيل ـ مظاهرات حاشدة سرعان ما تحولت إلى اشتباكات دامية مع قوات الأمن الإسرائيلية في مدن 48.
وقامت إسرائيل بتصعيد عسكري غير مسبوق، فلم تكتف بإطلاق الرصاص الحي والمطاطي على المنتفضين البواسل العزل من السلاح، ولكنها استخدمت طائرات الهليوكوبتر والمدفعية الثقيلة في قصف مراكز الشرطة الفلسطينية والمخيمات والأحياء السكنية بالصواريخ، وفرضت حصاراً طويلاً على مدن الضفة الغربية وغزة لتعزلهم عن بقية العالم، واستخدمت الدبابات في ضرب المتظاهرين والمدن، وقامت باغتيال مسئولين كبار في السلطة وبعض قادة فتح. ويسقط بحلول السابع من يناير 2001 حوالي 331 شهيداً و10705 جريح من الفلسطينيين، (173) بالإضافة إلى 13 شهيداً من عرب 48، وقُتِل 45 صهيونياً. (174)
تناقضات السلطة الوطنية الفلسطينية:
شهدت الاشتباكات في الانتفاضة الأخيرة ـ وفي انتفاضة نفق البراق 1996 ـ انضمام قطاعات واسعة من ضباط وجنود الشرطة الفلسطينية وتنظيم فتح إلى المنتفضين، ودخولهم في مواجهات بالذخيرة الحية مع جنود الاحتلال. فما تفسير “صحوة الضمير” تلك التي انتابت رجال أمن السلطة؟! هل استيقظ ضميرهم فجأة بعد سنوات من قمع الجماهير الفلسطينية و”التنسيق الأمني” مع العدو الصهيوني؟!
إن السلطة البرجوازية في أي دولة عبارة عن جهاز قمعي يحمي مصالح الطبقة الرأسمالية الحاكمة. ولكن السلطة الفلسطينية لها خصوصيتها، فهي أيضاً مؤسسة قمعية تمثل مصالح البرجوازية الفلسطينية، ولكنها تعاني من تناقضات بسبب عدم حل المسألة الوطنية الفلسطينية حتى مع تأسيس السلطة. فحركة فتح (أو على الأقل كوادرها القاعدية) ما زالت جزءاً من حركة التحرر الوطني الفلسطينية، بالرغم من التنازلات الضخمة والخيانات المتوالية التي تقوم بها قياداتها. وما زالت بحاجة إلى قدر ما من التعبئة الجماهيرية في مواجهة إسرائيل، وإن كان هدف التعبئة في هذه الحالة هو دعم موقفها التفاوضي وليس الإطاحة بالدولة الصهيونية. ووجود فتح في السلطة مبني ليس على القمع وحده بل أيضاً على تأييد الشارع الفلسطيني لها، وإن كان هذا التأييد في الانخفاض المتزايد منذ بدء العملية الاستسلامية. وبالتالي يتحتم على قيادة فتح الاستجابة للضغط الجماهيري القادم من أسفل إبان الانتفاضات وإلا فقدت شرعيتها أمام الجماهير الفلسطينية وأمام كوادرها القاعدية نفسها. وليس معنى ذلك أن بداية الاشتباكات المسلحة التي اندلعت بين جنود الشرطة الفلسطينية ونشطاء “التنظيم” (ذراع فتح الضاربة في التعبئة الجماهيرية والعمل العسكري) من جهة والقوات الإسرائيلية من جهة أخرى قد أتت أوامرها من القيادة العرفاتية. فقد سبقت الانتفاضة سلسلة من حوادث هجوم فردية من جانب بعض أفراد الشرطة الفلسطينية على الجنود الصهاينة، وقد أدان عرفات بشدة تلك الحوادث. نستطيع القول بأن بداية اشتراك الجنود الفلسطينيين في القتال كانت حركة عفوية من قواعد الأجهزة الأمنية لم تستطع قيادات السلطة كبحها، وإن شجعتها لاحقاً بقدر محسوب عند التصعيد الإسرائيلي.
بالإضافة إلى ما سبق، هناك عامل آخر محوري في تحديد حركة الضباط والجنود الفلسطينيين إبان الانتفاضات الجماهيرية. إن هؤلاء الضباط والجنود ليسوا سوى فدائيين ناضلوا بالسلاح لسنوات عديدة ضد الدولة الصهيونية، والعديد منهم كانوا من القيادات الشابة لانتفاضة 1987. لقد نشأ هؤلاء الضباط والجنود في كنف الأفكار السياسية الراديكالية، التي تمحورت حول هدف واحد هو تحرير فلسطين. وبالرغم من إدماج العديد من هؤلاء الفدائيين السابقين في السلطة عن طريق الامتيازات الممنوحة والمرتبات الضخمة المدفوعة بالدولار، إلا أن الشواهد تجزم بوجود قطاع لا يستهان به من الضباط والجنود يتوهم في سلطة الحكم الذاتي كونها مرحلة انتقالية في مشوار الكفاح المسلح لتحرير فلسطين، ويراها مكسباً متمثلاً في خلق “أرض محررة” تستخدم كقاعدة انطلاق واستكمال للثورة الفلسطينية. وبالتالي فإن سلسلة الخيانات المتوالية التي يقوم بها عرفات، والتعاون “الأمني” مع إسرائيل عدو الأمس، والمهام القمعية التي تقوم بها أجهزة السلطة ضد المناضلين والجماهير الفلسطينية… كل هذا يخلق تناقضاً صارخاً في وعي هؤلاء الفدائيين السابقين، وتجعلهم يبتعدون عن العمل في أجهزة السلطة أو ينحازون للجماهير فور تصاعد المد الثوري.
إن عرفات ـ الذي اتخذ موقفاً متخاذلاً في بداية الانتفاضة الأخيرة باستجداء إسرائيل لرفع الحصار في مقابل قيامه بتهدئة الأوضاع ـ لم يستطع الاستمرار في موقفه المستكين، فقام بركوب الموجة الثورية، وأفرج عن العشرات من المعتقلين الإسلاميين، وأطلق نشطاء “التنظيم” إلى الشوارع لقيادة المظاهرات والهجمات الفدائية ضد قوات الاحتلال، وتبنى لهجة إعلامية “متشددة” تجاه إسرائيل… كل ذلك من أجل السيطرة على الشارع الفلسطيني، ووضع فتح على رأس الانتفاضة للتحكم فيها. (175) ومن ناحية أخرى لم تنقطع جهوده لتهدئة الأوضاع عند ظهور أي بادرة للتسوية، واستمرت الاتصالات بينه وبين باراك وكلينتون وباقي الأنظمة العربية لمحاولة “إنقاذ عملية السلام”، وبالطبع لم يحاول الاتصال بحركات التضامن التي اشتعلت بعنف في أرجاء المنطقة. ولكن كل وقفٍ لإطلاق النار كان ينهار سريعاً تحت وطأة التصعيدات البطولية للجماهير الفلسطينية المنتفضة أو بسبب هجمات الجنود والمستوطنين الصهاينة التي لم تنته. وفي وقت كتابة هذه الكراسة، كان التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل قد استأنف مرة أخرى.
التصعيد القمعي الإسرائيلي:
أثارت حدة التصعيد الإسرائيلي للمواجهات العسكرية دهشة الكثيرين، فاستخدام المدفعية والطائرات والدبابات والصواريخ ضد المتظاهرين لم يحدث بهذا المستوى البربري من قبل حتى إبان انتفاضة 1987، ففي خلال الأسابيع الست الأولى من انتفاضة الأقصى، سقط من الضحايا الفلسطينيين 15% من إجمالي الضحايا الذين سقطوا في انتفاضة (1987 ـ 1993) التي استمرت لمدة 6 سنوات! (176) تكمن الدوافع وراء ذلك التصعيد الهمجي في وصول المفاوضات إلى “الخطوط الحمراء” التي يعجز على المفاوضين من الجانبين تجاوزها، وهي القضايا التي كان الطرفان يتعمدان إرجاء مناقشتها بقدر الإمكان بسبب تعقيداتها وخطورتها البالغة، وأهمها قضيتي القدس وحق العودة للاجئين الفلسطينيين.
إن التوقيع على التنازل في أي من القضايا السابقة في المفاوضات لا يعد سوى توقيع أمر بالإعدام على المتنازل على يد شعبه. وقد اعترف عرفات بذلك للرئيس الأمريكي ـ إبان محادثات كامب ديفيد ـ بقوله: “إذا تنازلت عن السيادة في الحرم الشريف فسيكون مصيري كمصير السادات”. (177) وبالتالي فإذا كان الطرفان قد وصلا إلى الخطوط التي لا يستطيعان تجاوزها، وصار على أحد منهما تقديم “تنازلات انتحارية”، فقد رأت إسرائيل أن الوقت قد أزف لاستعراض عضلاتها مرة أخرى وتذكير السلطة الفلسطينية بمن يملك الجبروت العسكري ومن هو صاحب الكلمة العليا، من أجل تلقين قيادات السلطة درساً قاسياً يظل ماثلاً في أذهانهم عند العودة مرة أخرى للجلوس حول مائدة المفاوضات.
اليسار الإسرائيلي وانتفاضة الأقصى:
لم يختلف موقف اليسار الإسرائيلي تجاه انتفاضة الأقصى عن مواقفه السابقة تجاه الانتفاضة الأولى. بل وجن جنون قادته لانضمام عرب 48 لصفوف المنتفضين. فكما كتب روني بن إفرات:
مفكرو اليسار الصهيوني يشعرون بالإهانة إذ لم يكن ليخطر ببالهم أبدا أن تقوم الجماهير العربية في إسرائيل وتتمرد على نظام الفتات الذي تفرضه عليها الدولة. عامل المفاجأة يعود إلى إيمان هؤلاء الساسة والكتاب بان التمييز اللاحق بالمواطنين العرب والذي يعتبرونه “غير مقبول عليهم”، ليس بالدرجة التي تغير قناعة العرب في إسرائيل بأنهم يعيشون في دولة متطورة وأن حالهم افضل من حال بقية الشعوب العربية التي تعيش حالة الفقر والتخلف ودون مخصصات التأمين الوطني. المظاهرات الجماهيرية والاستعدادات الكفاحية العالية التي أبداها الشباب العرب كانت عبارة عن صفعة في وجه اليسار الإسرائيلي. كانت تلك ضربة للصورة الوهمية التي رسمها اليساريون المزورون وصوّروا فيها إسرائيل على أنها دولة ديمقراطية وان مؤسساتها تضمن الحقوق والحريات للجميع.(178)
وبالفعل كان الهجوم على الفلسطينيين وعرب 48 من جميع جبهات اليسار الإسرائيلي، كتب “اليساري” ارييه كسبي في ملحق هآرتس (14/10):
عرب إسرائيل لم يخرجوا إلى الشوارع في مسيرة حزن. لم تكن هناك انفجارات احتجاجية مدنية مشروعة. إن من خرج إلى الشارع مسلحا بالحجر والسلاح لمهاجمة شرطة إسرائيل في الوقت الذي يحارب فيه جنود إسرائيليون على بعد عدة كيلومترات، انضم عمليا إلى صفوف أعدائنا. (179)
ويكرر يشاي منوحين ـ المتحدث باسم حركة “يوجد حد” (التي تضم الجنود الرافضين للخدمة العسكرية في المناطق المحتلة ولبنان) ـ نفس الرأي ولكن بنبرة الطف عندما يقول:
يجب أن نميز بين ما هو مسموح للفلسطينيين تحت الاحتلال وبين ما هو مسموح للمواطن الإسرائيلي. لا أرى في تصرف (المواطنين العرب) خيانة كما يراها عدد من الأصدقاء في اليسار، ولكن هذا الوضع يتطلب منا تحديد الخلل في العلاقات بين العرب واليهود. (هآرتس، 10/10). (180)
لم تجد انتفاضة الأقصى تأييداً حقيقياً من أي قطاع من المجتمع الإسرائيلي، مثل ما حدث إبان الانتفاضة الأولى. وجاء أداء حركات السلام ضعيفاً في التأثير، وصهيونياً في التوجه. فيؤكد جين شاؤول أن “منذ اندلاع العنف، في نهاية سبتمبر، لم تنظم سوى مظاهرات صغيرة ومعزولة للاحتجاج على استخدام باراك للقوات الأمنية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين العزل”. (181) وحتى في الاحتفالية السنوية التي نظمتها حركة السلام الآن في 4 نوفمبر 2000 لإحياء الذكرى الخامسة لاغتيال رئيس الوزراء السابق إسحاق رابين، ظهر بوضوح احتواء الصهيونية لحركة السلام واليسار الإسرائيلي. فقد تجمهر أكثر من 50 ألف شخص، ملوحين بالأعلام الإسرائيلية، وهاتفين “ليس لدينا وطن آخر. أقوياء، متحدون، فخورون”. وصفق الحاضرون بشدة عندما اعتلى المنصة الرئيس الإسرائيلي “اليميني” موشى كاتساف ودعا لوحدة الشعب الإسرائيلي من اليسار واليمين، والعلمانيين والمتدينين، والأوروبيين والشرق أوسطيين. ووصلت المشاعر القومية العنصرية التي سادت في الاحتفالية للحد الذي دفع بجريدة هآرتس الإسرائيلية إلى وصف الحدث بكونه “احتفالاً دينياً بدون إله”! (182) ويلاحظ شاؤول مرة أخرى أن
قبول تبرير الحكومة السياسي للهجوم العسكري ضد الفلسطينيين، والدعوة للوطنية والوحدة القومية ـ اللذين كانا واضحين بقوة في الاحتفالية ـ يمثلان مظهرين أساسيين لحركة السلام الإسرائيلية. فمرجعيتها دائماً هي الحاجة للحفاظ على الدولة الصهيونية، ولكنهم يرون أن هذا لا يمكن الحفاظ عليه سوى بالسماح للفلسطينيين بإقامة شكل ما من الدولة. (183)
أما اليسار “الراديكالي” الإسرائيلي، مثل جبهة حداش وكتلة السلام، فقد اتسمت ردود فعله بمحاولة يائسة لإقناع الجمهور الإسرائيلي بضرورة “إعادة مسار اتفاق أوسلو إلى طريقه الصحيح”، والعودة للوضع الذي كان سائداً عشية الاحداث، كما لو كان ذلك الوضع مقبولاً أصلاً من الشعب الفلسطيني! تبرز الخطوط السياسية العامة لهذا القطاع من اليسار ـ الذي يشمل جبهة حداش وعناصر “يسارية” في حزب ميرتس ـ في إعلان مدفوع نشرته هآرتس (12/10). يتضمن الإعلان عدة مطالب موجهة إلى رئيس الوزراء باراك من شأنها تحقيق السلام ووقف الحرب. والجدير بالانتباه لهما مطلبان ـ واحد يطالب بفك “المستوطنات الاستفزازية” والثاني يطالب بنقل “السيادة على الأحياء العربية في القدس للفلسطينيين بما في ذلك الحرم الشريف، مع إبقاء المدينة مفتوحة وحرة والحفاظ على سيادة إسرائيل في البراق (حائط المبكى) وفي الشارع المحاذي”. من هذين المطلبين يبرز تقديم المزيد من التنازلات للصهيونية في موقف هذه التيارات، فموقفهما ـ الصهيوني أيضاً ـ في الماضي كان يطالب بتطبيق “قرارات الشرعية الدولية” وفك كافة المستوطنات، ويعتبر القدس الشرقية أرضاً محتلة يجب الانسحاب الكامل منها وتسليمها للسيادة الفلسطينية. ويؤكد بن إفرات أن من “الواضح أن المطالب التي تنص عليها عريضة اليسار صيغت بطريقة تتلاءم مع الأفكار التي اقترحت في كامب ديفيد بهدف إنقاذ حكومة باراك.” (184)
حركة التضامن مع الانتفاضة، والأنظمة العربية:
انفجر الشارع العربي بمظاهرات ساخطة ضد الصهيونية والإمبريالية الأمريكية… وضد الأنظمة العربية. فعمت المظاهرات جميع دول المنطقة بلا استثناء، وامتدت لتشمل العديد من بلدان العالم الإسلامي وأوروبا وأمريكا. فاجتاحت موجة من المظاهرات ضمت عشرات الآلاف في مصر، والأردن، وتونس، والسودان، وليبيا، واليمن، ولبنان، والعراق، وسوريا، وإيران. بل وامتدت إلى دول الخليج ذات التراث الضعيف ـ أو المعدوم ـ في التظاهرات الجماهيرية؛ فخرج الطلبة في مظاهرات بالكويت، والسعودية، والإمارات، والبحرين. وفي الغرب، نظمت الجاليات العربية والإسلامية واليسار عدة مظاهرات متفرقة، فتظاهر 4 آلاف شاب عربي في باريس أمام السفارة الإسرائيلية، وتظاهر آلاف آخرون في لندن وجلاسجو ومانشستر ببريطانيا. (185) وفي نيويورك نظم العرب والمسلمون بأمريكا عدة مسيرات ومظاهرات ضمت ما يزيد عن 5 آلاف شخص. (186)
لقد وضعت انتفاضة الأقصى الأنظمة العربية في موقف لا يحسدون عليه، وكشفت بوضوح عن تقاعس الأنظمة وتخاذلها عن تأييد الفلسطينيين، وفضحت العلاقات الوثيقة التي تربط تلك الأنظمة بالإمبريالية الأمريكية. وأوضحت الانتفاضة مرة أخرى القدرة التثويرية العالية للقضية الفلسطينية بين الجماهير العربية. فقد خلقت حالة من التعميم السياسي وسط التحركات الجماهيرية التي دفعها تحركها التضامني مع الفلسطينيين إلى: الدخول في صدام مع الأنظمة، وإبراز التوازي بين ما يحدث في الأراضي المحتلة وما يحدث للجماهير العربية علي أيدي الأنظمة. وحاولت الأنظمة بأقصى جهدها ارتداء ثياب “التشدد” تجاه إسرائيل، ولكن اقتصر “تشددها” على الخطابات والبيانات الإعلامية. وفي مواجهة الحركة التضامنية الجماهيرية ناورت الأنظمة بين استخدام القمع المباشر ومحاولة الاحتواء.
ففي المغرب، وبعد سلسلة من التحركات الجماهيرية الغاضبة، قام النظام المغربي بالسماح بمظاهرة رسمية ضمت حوالي مليون مواطن، بالتعاون مع جميع قوى المعارضة الدينية والعلمانية. وكان في مقدمة المتظاهرين رئيس الوزراء عبد الرحمن اليوسفي، وممثلين عن حركة العدل والإحسان الإسلامية المحظورة، وقادة تيارات سياسية أخرى. (187) وفي العراق، كثف النظام من دعايته “المتشددة” تجاه إسرائيل، وقام بتنظيم سلسلة من المظاهرات ـ التي ضمت عشرات الآلاف ـ في بغداد تقدمها كبار المسئولين في حزب البعث الحاكم. (188) وطالب النظام بفتح الحدود للحرب ضد إسرائيل، وأعلن عن فتح باب التطوع للجهاد والعمليات الانتحارية، ولكن بالطبع بقي كل هذا على ورق وفي أبواق الدعاية! وفي الأردن، حيث هاجم الملك عبد الله “التعنت الإسرائيلي”، وأمر بنقل بعض جرحى الانتفاضة للعلاج بمستشفيات الأردن، وأجّل إجراءات إرسال سفيره لتل أبيب، بقي “التشدد” ضد إسرائيل مقتصراً أيضاً على الإعلام. فقد قمعت الحكومة حركة التضامن التي اشتعلت بالأردن بين الطلبة والنقابات المهنية. وفرضت حظراً على جميع المسيرات والتظاهرات، ونشرت الجيش على مداخل مخيم “البقعة” للاجئين، بل وقامت قوات الأمن الأردنية بقتل أحد سكان المخيم أثناء التظاهر. (189) ولكن هذا لم يمنع الجماهير الأردنية من بناء حركة تضامنية قوية، فتحدى طلبة الجامعة الأردنية قرار الحظر وخرجوا بتظاهرات تندد بالمجازر الإسرائيلية. وواجهت مظاهرات الطلاب قوات الأمن التي حاصرت المنطقة وطلبت من الطلبة التفرق وعدم إكمال المسيرة باعتبارها محظورة، إلا أن الطلاب رفضوا الانصياع لقوات الأمن التي قامت بتفريقهم بالقوة. وشهدت المنطقة مواجهات استخدمت فيها الحجارة والعصي، واعتقلت قوات الأمن الأردنية نحو 17 طالبا فيما بقي نحو ألف طالب يهتفون داخل الحرم الجامعي. (190) وقمعت قوات الأمن بوحشية كل المظاهرات التي حاولت الوصول للسفارة الإسرائيلية، وشهدت المنطقة المحيطة بالسفارة اشتباكات دامية قام فيها المتظاهرون بقذف الأمن بالحجارة، وحرق الأعلام الإسرائيلية وسط هتافات تتهم الحكام العرب بالخيانة.(191)
وفي سوريا، أشعل النظام حرباً “إعلامية”، وجه فيها “قذائف” من الخطابات وبيانات الشجب والاستنكار. وقام بتنظيم سلسلة من المؤتمرات والمظاهرات الرسمية تحت رعاية حزب البعث الحاكم، واكتفى بذلك، مؤكداً على أن السلام ما زال خياراً استراتيجياً. ولكنه لم يتورع عن قمع المظاهرة الطلابية التي انطلقت من جامعة دمشق مستهدفة السفارة الأمريكية. فقد خرج المئات من الطلبة السوريين والفلسطينيين والعرب من الجامعة في 4 أكتوبر محاولين الوصول للسفارة الأمريكية. وبالفعل نجح الطلبة في التجمهر أمام السفارة التي ضربت حولها قوات الأمن السورية طوقاً أمنياً مشدداً. قام أحد الطلبة بالتسلل للسفارة وتسلق مبناها، لينزل العلم الأمريكي المرفوع، فقام الأمن باعتقاله فور نزوله. وهاجم الطلبة السفارة ملقيين بالزجاجات والحجارة على نوافذها، فردت قوات الأمن عليهم بالرصاص المطاطي، والضرب بالهراوات، وفتح خراطيم المياه. وأدت الاشتباكات إلى سقوط 15 جريحاً. (192)
وتكتمل مهزلة “تشدد” الأنظمة العربية بما حدث في اليمن. فقد بذل النظام جهوداً ضخمة في احتواء الغضب الجماهيري الذي عم في أرجاء اليمن. وتقدم مسئوليه المظاهرات الجماهيرية المسلحة التي ضمت عشرات الآلاف من المواطنين للمطالبة بالجهاد ضد إسرائيل. وكان الرئيس اليمني في القمة العربية من الداعين لخيار الحرب وفتح حدود دول الطوق للجهاد. وبالرغم من ذلك قمعت قوات الأمن اليمنية بوحشية المظاهرات الجماهيرية التي اتجهت للسفارة الأمريكية ومكتب الأمم المتحدة. (193) بل وأدان الرئيس اليمني بشدة الهجوم الفدائي الانتحاري الذي فجَّر المدمرة الأمريكية “يو إس إس كول” التي كانت رابضة بميناء عدن، ووصفه بكونه “عملاً إجرامياً”! وهرع لتفقد الجرحى من الجنود الأمريكيين في المستشفى وعرض على الحكومة الأمريكية التعاون الأمني في التحقيق وراء هذا الحادث “الإرهابي”! (194)
لقد خيم شبح تصدير الانتفاضة الفلسطينية للشارع العربي على المنطقة مرة أخرى، وخلق هذا حالة من الهلع لدى الملوك والرؤساء العرب، للحد الذي دفع بالأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان إلى القول لباراك بأن “هناك مخاوف في العالم العربي من أن العنف قد ينتشر من خلال مظاهرات الشوارع للدول العربية المجاورة، ويهز استقرار المنطقة كلها”. (195) وأضاف عنان ـ الذي كان قادماً لتوه من الدوحة حيث كان المؤتمر الإسلامي منعقداً في منتصف شهر نوفمبر ـ بأنه وجد
…بين مندوبي المؤتمر الإسلامي إحساساً ب ـ “التوتر” خشية أن ينتشر عدم الاستقرار. فهم قلقون من الموقف في بلادهم. فكلما كان هناك المزيد من المظاهرات في بلادهم، كلما تحركت الشوارع، كلما زاد حجم المشكلة لحكوماتهم. (196)
وفي مصر انفجرت حركة تضامن في غاية القوة متركزة أساساً بين صفوف الطلبة. فاجتاحت المظاهرات الغالبية العظمى من الجامعات والمعاهد العليا. بدأت المظاهرات في يوم 30 سبتمبر بجامعة الإسكندرية بقيادة التيار الإسلامي، وضمت المظاهرة حوالي 6 آلاف طالب تحركوا للاحتجاج على الممارسات الإسرائيلية، وللتضامن مع الفلسطينيين. وفي اليوم التالي اندلعت المظاهرات في جامعة المنوفية التي تظاهر في ساحتها ما بين 4 إلى 5 آلاف طالب.
وينتشر الزخم ليصل إلى جامعة القاهرة التي بدأت تتحرك فيها آلاف الطلاب ـ بقيادة التيار الإسلامي ـ في 2 أكتوبر رافعين الشعارات المطالبة بتحرير القدس، وحرقوا الأعلام الإسرائيلية. ولكن بدأت مجريات الأحداث تأخذ منحاً أكثر راديكالية في جامعة القاهرة، وبدأ اليسار في التدخل بقوة وتصدر الحركة ـ خاصةً بعد تخاذل الإسلاميين ولجوءهم للتنسيق مع الأمن والحد من راديكالية الحركة عندما بدأت في التصاعد. ففي يوم 4 أكتوبر تحرك 5 آلاف طالب ـ تحت قيادة طلاب اشتراكيين ـ في مظاهرة طافت بأرجاء الحرم الجامعي للمطالبة بطرد السفير الإسرائيلي، وقاموا بحرق الأعلام الإسرائيلية. فقامت قوات الأمن بغلق بوابات الحرم الجامعي لمنع الطلبة من الخروج للشارع، وألقت عليهم القنابل المسيلة للدموع، فرد الطلبة بقذف قوات الأمن المركزي بالحجارة، وأحرقوا مباني الأمن وسيارتين للشرطة. وسرعان ما تحولت المظاهرة من “التضامن” مع الفلسطينيين إلى “مواجهة” النظام، فترددت الهتافات المنددة بالقمع السياسي وبتحالفات النظام مع إسرائيل وأمريكا. واستكملت المظاهرات في 7 أكتوبر، فكسر الطلبة أبواب الجامعة، وخرجوا إلى الشارع ـ محاولين الوصول لمبنى السفارة الإسرائيلية ـ لتتصدى لهم قوات الأمن المركزي التي قامت بمطاردتهم حتى كوبري عباس وأعملت فيهم الضرب والاعتقال. ثم استمرت المظاهرات في ساحة الجامعة لتصل ذروتها في 14 أكتوبر عندما تحرك حوالي 7 آلاف طالب ـ بقيادة طلاب اشتراكيين ـ إلى خارج الجامعة، وساروا بالمظاهرة في شارع بين السرايات. وقام بعض الطلبة بتحطيم واجهات مطعم “كنتاكي” الملاصق للجامعة. ثم اشتبكوا مع قوات الأمن المركزي التي طاردتهم إلى داخل الحرم الجامعي، حيث تبادلوا التراشق بالحجارة.
وفي جامعة عين شمس تحرك الطلبة بالآلاف للتضامن مع الفلسطينيين في حركة لعب فيها اليسار الاشتراكي والناصري دوراً محورياً. فتجمهر حوالي 7 آلاف طالب في يوم 8 أكتوبر أمام قصر الزعفران ليخرجوا إلى الشارع ـ وينضم إليهم طلبة كلية تجارة والعديد من المواطنين ـ في مسيرة إلى ميدان العباسية. احتل الطلبة والمواطنون ـ الذي بلغ عددهم حوالي 12 ألف شخص ـ الميدان حتى الثامنة مساءاً محاطين بقوات الأمن المركزي. وفي اليوم التالي تجمهر حوالي 7 آلاف طالب ليقوموا بمظاهرة، وحاولوا الخروج إلى الشارع مرة أخرى، ولكن قوات الأمن تصدت لهم بعنف. (197) واستمرت المظاهرات لليوم التالي 10 أكتوبر بالرغم من القمع الأمني، حيث قام أحد ضباط الشرطة بالدخول في المظاهرة بسيارته عن عمد، فصدم طالبين. فهاجمه الطلاب وأوسعوه ضرباً، وقاموا بإحراق 5 سيارات من ضمنهم سيارتين للشرطة.
وشهدت نفس الفترة مظاهرات ضمت الآلاف في جامعة الزقازيق وسوهاج. (198) واستخدمت قوات الأمن العنف من أجل تفريق مظاهرة من 8 آلاف طالب في المنيا تنادي بالحرب ضد إسرائيل. وواصل طلاب جامعة الإسكندرية مظاهراتهم، وتجمهر الآلاف منهم في مسيرة في يوم 14 أكتوبر للمطالبة بالحرب ضد إسرائيل، وطالبوا الحكام العرب بوقف تخاذلهم ومساندة الفلسطينيين. وفي اليوم التالي تحرك حوالي 10 آلاف طالب في جامعة الإسكندرية والمنصورة للمطالبة أيضاً بالحرب، ونظم المئات من أساتذة الجامعات مسيرة صامتة في جامعة القاهرة للتعبير عن رفضهم لاستقبال باراك في مصر.(199)
وانضم طلاب الجامعة الأمريكية بالقاهرة للحركة، فقاموا بتنظيم اعتصام بداخل الحرم الجامعي في يوم 2 أكتوبر. ثم نظموا سلسلة من المظاهرات على مدار الأسبوع اللاحق كان أقواها في 4 أكتوبر، حيث أضربوا عن الدراسة، ونظموا مظاهرة ضمت المئات من الطلبة بساحة الجامعة المطلة على ميدان التحرير، بل وصعد بعض الطلبة إلى سطح المبنى الرئيسي وقاموا بإنزال العلم الأمريكي، وحاولوا رفع العلم الفلسطيني على سارية العلم، إلا أن أمن الجامعة منعهم. ودوت الهتافات في ميدان التحرير حتى المساء منددة بالممارسات الصهيونية، وتخاذل الأنظمة العربية، وانعدام الحريات في مصر. (200)
وفي ظاهرة لم تشهدها مصر منذ أحداث ثورة 1919 والحركة الوطنية بالأربعينيات، عمت المظاهرات المدارس والمعاهد. فنظم التلاميذ مظاهرات تهتف بحياة الطفل الشهيد محمد الدرة، وتندد بالممارسات الصهيونية ضد أطفال وشباب الشعب الفلسطيني، وقاموا بإحراق الأعلام الإسرائيلية، وهاجمت أعداداً ضخمة من التلاميذ محلات “سينسبري” ظناً منهم بأنها شركة إسرائيلية.
وشهدت النقابات المهنية تحركات تضامنية، فشارك المئات من الصحفيين في اعتصام بمقر نقابتهم في يوم 4 أكتوبر. قام المعتصمون بحرق الأعلام الأمريكية والإسرائيلية معربين عن رفضهم لزيارة باراك لمصر، ورددوا الهتافات التضامنية مع النضال الفلسطيني والمنتقدة لتخاذل الحكام العرب. ونظم المحامون مؤتمرات مناصرة واعتصامات بمقر نقابتهم ـ في ظل محاصرة من قوات الأمن ـ للتنديد بالعدوان الصهيوني وتخاذل الأنظمة العربية. وأقامت نقابة الفنانين مؤتمراً تضامنيا مع الانتفاضة في 13 أكتوبر، وأرسلت برقية لوزارة السياحة تطالب بمنع دخول السياح الإسرائيليين إلى الأراضي المصرية، وبرقية أخرى لوزارة الزراعة تطالب بطرد “الخبراء الزراعيين” من مصر. (201) ونظم عدد من المرشحين اليساريين في انتخابات مجلس الشعب مظاهرات تضامنية بدوائر ترشيحهم. كما قام الآلاف من المصلين بجامع الأزهر في 6 و13 أكتوبر بمظاهرة عقب صلاة الجمعة، حيث أحرقوا وبصقوا على الأعلام الإسرائيلية. (202)
كانت السمة العامة لمعظم ـ إن لم يكن جميع ـ المظاهرات التي اشتعلت بالأراضي المصرية هي ربط ما يحدث في فلسطين بما يحدث في مصر، وتحولها سريعاً من التضامن مع الفلسطينيين… إلى انتقاد تخاذل النظام… إلى إثارة قضايا “داخلية” مرتبطة بالحريات السياسية والظروف المعيشية. وقد يكون الشعار “ثورة ثورة حتى النصر، في فلسطين وشوارع مصر” الذي انتشر بين طلبة الجامعات كالنار في الهشيم خير مثال على ما نقول.
وبالطبع سارع النظام لمحاولة السيطرة على الأحداث كي لا يفلت زمام الأمور من يديه. وجاءت تحركاته على 3 مستويات. فأولاً، حاول النظام جاهداً إطفاء نار الانتفاضة الفلسطينية عن طريق جهود دءوبة لإقناع إسرائيل والسلطة الوطنية بالعودة لمائدة المفاوضات والتوصل لتسوية مؤقتة. ومن هنا جاء مؤتمر شرم الشيخ الذي شهد التوصل لأول اتفاق لوقف إطلاق النار، ثم ـ بتعمق الأزمة ـ عقدت سلسلة من اللقاءات والجولات المكوكية مع المسئولين الفلسطينيين والإسرائيليين والأمريكيين للتوصل إلى تسوية سريعة. وتضمنت هذه اللقاءات التي انعقدت بالقاهرة مؤامرات صريحة من النظام والسلطة والإسرائيليين والأمريكان لقمع الانتفاضة، والتعامل معها “على قدم المساواة مع الإرهاب والعدوان الصهيوني”. (203) ووصل الأمر إلى استضافة اجتماع في 7 يناير 2001 بين مسئولي الموساد والمخابرات المركزية الأمريكية والأمن الفلسطيني والمخابرات المصرية لبحث استئناف التعاون الأمني! (204) وفي الوقت ذاته هاجم النظام دعاوى الحرب التي ترددت بواسطة بعض القوى السياسية، وأكد استمرار تمسكه بخيار السلام، بل ووجه تهكماً شخصياً لرؤساء الدول الذين أطلقوا مثل هذه الدعاوى. ووقف النظام ضد أية قرارات “متشددة” ضد إسرائيل اقترحتها الدول “المتطرفة” في أي من المؤتمرات أو القمم التي انعقدت، بطريقة نالت إعجاب أحد الخبراء السياسيين الإسرائيليين الذي أكد بأن
لقد لعب [النظام المصري] دوراً في غاية الإيجابية في التجمعات العربية والإسلامية على مدار الأسابيع الماضية من أجل تهدئة المد، وتخفيف مشاريع القرارات التي اقترحتها القوى الأكثر راديكالية. (205)
ثانياً، كان للنظام أيضاً نصيبه من ركوب موجة “التشدد” للرد على الاتهامات بالتقاعس، فحملت تصريحاته انتقادات لاذعة للسياسية الإسرائيلية بوصفها بال ـ “تعنت” و”الإضرار بالسلام”. وشنت أجهزة الإعلام الرسمية حملات دعائية ضد إسرائيل، وفجرت الصحف فجأة قضية القبض على جاسوس مصري يعمل لحساب الموساد. واضطر النظام تحت الضغط الجماهيري العنيف إلى تقديم موعد القمة العربية من يناير 2001 إلى 20 أكتوبر 2000، وفي النهاية اضطر إلى استدعاء السفير المصري من تل أبيب. ولكن مناورات النظام لم تخدع الجماهير، فلجأ للخيار الثالث وهو قمع حركة التضامن أمنياً وإعلامياً. فشنت مباحث أمن الدولة حملة اعتقالات لعشرات من النشطاء السياسيين في الجامعات وبعض المهنيين، واستخدمت العنف في التصدي لأي تحرك جماهيري، ومنعت المئات من الطلبة ـ المشتبه في كونهم من النشطاء ـ من الدخول لساحة الجامعة، وتحركت أبواق الدعاية الرسمية تهاجم “الفوضى” و”القوى المخربة” التي كانت وراء أحداث الشغب، واستغل النظام قيام المتظاهرين في غزة بحرق العلم المصري وصور الرئيس عقب القمة العربية ـ احتجاجاً على رفضه اتخاذ أي موقف حازم تجاه إسرائيل ـ ليشن حملة إعلامية شرسة ضد الفلسطينيين متهماً إياهم بالجحود ونكران الجميل وعدم تقدير جهود “الشقيقة الكبرى” مصر! بفضل هذه العوامل السابقة، وبالذات العامل الثالث القمعي، انحسرت حركة التضامن بعد مرور شهر من اندلاعها. ولكن تلك الفترة كانت كافية لبث الرعب في قلب النظام، مما دفع بجريدة هآرتس الإسرائيلية لكتابة:
طالما كانت المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين تجري في القنوات الدبلوماسية، تمتعت مصر بدور المستشار ـ المراقب. [ولكن] تصاعد العنف، وانتشار الانتفاضة إلى شوارع القاهرة والإسكندرية قد أخرجا مبارك من موقعه المريح. إنه يتدخل [في المفاوضات] الآن بطريقة شخصية، ليس فقط من أجل مساعدة الفلسطينيين، بل من أجل بقاءه أيضاً… لقد كان مبارك يتصرف كأن الانتفاضة تحدث في مصر. (206)






