بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عصر الثورة.. الماركسية في الألفية الجديدة

« السابق التالي »

2. مقدمة: عصر الثورة الجماهيرية

في مصر، كما في أنحاء متفرقة من العالم، نعيش اليوم عصراً جديداً من الثورات الجماهيرية الضخمة التي زلزلت عروشاً لم يكن يتخيل أحد أنها يمكن حتى أن تهتز. نعم فعلتها الجماهير في تونس ومصر، ويأتي الدور على بقية الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة العربية وغيرها. فعلتها الجماهير العريضة بنفسها دون الحاجة إلى انقلابات جيوش أو قصور أو تحرر على يد أقلية متمردة على الطغيان.

لكن الثورة ليست نزهة يمكن أن تنتهي في ليلة وضحاها أو حتى في عدة أسابيع؛ فالطبقة الحاكمة بكل ما تملكه من سلطة ونفوذ لا يمكن أن تختفي بالكامل أو تخور قواها أثناء زلازل الانتقاضات بسهولة أو في وقت قصير، بل يمكنها أن تصمد وسط العاصفة حتى مع الكثير من الخسائر. وفي الوقت الذي تستمر فيه الثورة وتتقدم كل يوم خطوة على الأرض، تحاول الطبقة الحاكمة باستماتة أن تنظم صفوفها جيداً من أجل شن الثورة المضادة، وهذا بالضبط ما نشهده اليوم.

هذا الوضع المليء بالتعقيدات والتشابكات ما بين الثورة والثورة المضادة يمكن فهمه، وبالتالي التعامل معه، من أكثر من منظور. فمن أراد إزاحة الديكتاتور سيتجاهل الثورة المضادة أو سيقف عملياً في صفوفها، فما أراده قد تم تنفيذه بالفعل ولا حاجة للمزيد. ومن يريد تغيير النظام “السياسي” وتطهيره من الرموز الفاسدة القديمة سيسير في طريقه، ربما إلى النهاية، لكنه سيتجاهل صخب المطالب الاجتماعية للملايين التي تنادي بتغييرات أكثر جذرية. أما من يسعى لتغيير المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة سيسعى في القلب من الملايين لاستكمال الثورة ونسف النظام من قواعده.

وما يحدث اليوم ليس جديداً أو مختلفاً عن ثورات التاريخ؛ ففي كل الثورات تنفجر حالة من الاستقطاب العنيف بين الأطراف المختلفة.. الطبقة الحاكمة تسعى للإجهاز على الثورة واستيعابها حتى وإن كان بتقديم المزيد من التنازلات أو بتقديم أكباش فداء.. والإصلاحيون الذين كانوا يسخرون من قدرة الجماهير على الثورة، يتحولون إلى محافظين يعترفون بالثورة وقيمها وإنجازاتها لكن يسعون للتهدئة والحفاظ على الأوضاع ما بعد الانتفاضة ويحاولون دوماً تحويل الثورة إلى مجرد أيقونة مفرغة من المضمون.. أما الجماهير الثورية فتحاول استكمال مسيرة الانتفاضة والبناء على ما حققته من مكاسب سياسية إلى الثورة الاجتماعية.

وعلى مدار القرن السابق، تناولت النظرية الماركسية تاريخ الثورات بالفهم والتحليل والاستنتاج، وقد كان لثورات القرن التأثير الأكبر في تطوير النظرية الماركسية الثورية. إلا أن ما يسعى إليه الماركسيون الثوريون ليس ثورات تستبدل أولئك الذين يقبعون على قمة المنظومة السياسية والاقتصادية بآخرين، بل ثورات تغير المنظومة كاملةً بشكل جذري.

وصحيح أن فصول هذا الكتاب قد كُتبت في بداية الألفية الجديدة، أي منذ أكثر من عشرة أعوام، إلا أن الأفكار التي تقدمها يطرحها قد فتحت الثورة الجماهيري أبواباً رحبة لطرحها. وبعد أن مرت عقود من الركود والموات في الحركة الجماهيرية في مصر والعالم.. عقود استطاعت خلالها الطبقات الحاكمة في العالم أن تثبّت أوضاعها وتوطد أوصال تحالفاتها ضد الشعوب وتلغي مفردات الثورة الجماهيرية من قاموسها. لكن الجماهير عادت لتفرض هذه المفردات أمراً واقعاً على الجميع. أما النظرية الماركسية الثورية فلم تمت حتى طوال عقود الموات تلك، بل ظلت حية يصونها المؤمنون بها والواثقون في قدرة الجماهير على صنع تحررهم الثوري بأيديهم.

يقدم كتاب “الماركسية وعصر الثورة” مزيجاً من الأفكار النظرية والتحليلات وخبرة الثورات في التاريخ، حيث يمكننا القول بأنه يبني نسقاً فكرياً متجانساً ومبسطاً لأفكار لا تنفصل عن بعضها، بل لا يمكن فهم أو تناول إحداها إلا في سياق نظرية متطورة وحية بحياة الجماهير والثورة.. النظرية الماركسية الثورية.

« السابق التالي »