بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عصر الثورة.. الماركسية في الألفية الجديدة

« السابق التالي »

10. الفصل الثامن: النضال ضد الفاشية

درس صعود هتلر للسلطة

في 30 يناير 1933 أصبح هتلر رئيس وزراء ألمانيا. لكن ذلك لم يكن محتم الحدوث، وهتلر نفسه لم يتوقع أن يحدث ذلك بسهولة. قبل ذلك بشهرين فقط، أي في نوفمبر 1932، حصل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني على 7.2 مليون صوت في الانتخابات، فيما حصل الحزب الشيوعي على 6 ملايين صوت. لذا فإن المنظمتين العماليتين قد حصلتا سوياً على 13.2 مليون صوت، بينما حصل النازيون على 11.7 مليون، أي أقل بـ 1.5 مليون صوت. وعلى الرغم من ذلك، فإنه ليس بالعدد أو الكم يمكن قياس أهمية الأمر، بل بطبيعة الجمهور الانتخابي الذي أعطى أصواته للطرفين، أو كما أوضح تروتسكي: “بالمقاييس الانتخابية، فإن ألف صوت للفاشيين يعادل ألف صوت للشيوعيين. لكن بمقاييس النضال الثوري، فإن ألف عامل في مصنع واحد كبير يمثلون قوة أكبر مائة مرة من ألف موظف أو مسئول وزوجاتهم وآبائهم. إن الكتلة الانتخابية للفاشيين ليست إلا غبار بشري”.

وعلى الرغم من ذلك، كانت قيادتا الحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب الشيوعي مفلستان سياسياً بشكل كامل. بالنسبة للحزب الاشتراكي الديمقراطي، فقد كان يستند إلى الدولة الألمانية وشرطتها تحت شعار “الدفاع عن الديمقراطية”. وحتى بعد صعود هتلر إلى منصب رئيس الوزراء، كان أوتو ويلز، زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، يحاول طمأنة الشعب بأن الحكومة ليست كلها اشتراكية قومية، لكنها مكونة من تحالف بين الاشتراكيين القوميين والألمان القوميين، حيث كان ثلاثة وزراء فقط من إجمالي 12 وزير في الحكومة، نازيين، والـ 9 الآخريين محافظين. صحيح أن وليهلم فريك، وزير الداخلية النازي في حكومة هتلر، قد أعلن منذ توليه منصبه أن الوزارة ترفض حظر أي حزب، وأنهم لن يتدخلوا في حرية الصحافة، لكن بعد ذلك بشهرين فقط تم حظر الحزب الشيوعي واعتقال المرشحين الاشتراكيين في الانتخابات.

في 30 مارس 1933، تم تمرير قانون يمنح هتلر صلاحيات وسلطة غير محدودة، عبر الريخستاج (البرلمان الألماني). فيما وقف أوتو ويلز، زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي أشرنا إليه سابقاً، ضد القانون، لكنه في نفس الوقت أكد أن الحزب يعمل كجزء من المعارضة الشرعية وسوف يمارس معارضته بطريقة قانونية وشرعية، طريقة سلمية ولا عنيفة. قال ويلز: “حصلت أحزاب الحكومة على أغلبية الأصوات في انتخابات الخامس من مارس، وبهذا يكون لديهم الصلاحية للحكم باسم الدستور. نحن نقبل حكمهم على أي حال كأمر واقع”.

أما بالنسبة للحزب الشيوعي، فلم يكن أقل تناقضاً ولم تكن قياداته أقل إفلاساً؛ فلقد خطوا خطو ستالين واتهموا الاشتراكيين الديمقراطيين بالفاشية، وبهذا فإنهم قد وضعوا النازيين والاشتراكيين الديمقراطيين في سلة واحدة. وفي 14 أكتوبر 1931، صرح السيد ريميل، زعيم كتلة الحزب الشيوعي في الريخستاج، أن الشيوعيين “ليسوا خائفين من السادة الفاشيين، وسوف يسحبون البساط من تحت أقدامهم أسرع من أي حكومة سبقت”. كما أن ريميل قد أكد قبل ذلك أنه عندما يتم عزل هتلر سيأتي دوره هو بالتأكيد في رئاسة الوزراء.

على النقيض من تلك المواقف المتناقضة، دعا ليون تروتسكي الطبقة العاملة الألمانية للتوحد في مواجهة الكارثة القادمة التي مثلها هتلر. وفي كراسة له بعنوان “ألمانيا مفتاح لفهم الموقف الدولي” صدرت في 23 نوفمبر، كتب أن:

“الاتجاه الذي ستسير فيه الأزمة في ألمانيا سوف يحدد ليس فقط مصير ألمانيا نفسها (بالرغم من الأهمية الكبيرة لذلك) لكن أيضاً مصير أوروبا والعالم كله لسنين طويلة قادمة. فوصول الاشتراكيين القوميين للسلطة في ألمانيا سوف يهدد، في المقام الأول، طليعة البروليتاريا في هذا البلد، فسوف يعني تدمير التنظيمات العمالية وبالتالي استئصال ثقة الطبقة العاملة في قدراتها وأملها في مستقبلها. وإذا وضعنا في الاعتبار مدى نضج واحتدام التناقضات الاجتماعية في ألمانيا، فإن نشاط الفاشية في إيطاليا قد يبدو باهتاً وضحلاً بالمقارنة بالنشاط النازي للاشتراكيين القوميين في ألمانيا”.

بعد صدور هذا الكراس بثلاث أيام، كتب تروتسكي مقالة طويلة تحت عنوان “من أجل جبهة عمالية ضد الفاشية”، لشرح المهام العملية الملحة أمام البروليتاريا الألمانية: “أيها العمال الشيوعيون الألمان: أنتم مئات الآلاف، بل ملايين. أنتم لا تستطيعون مغادرة البلاد بأي حال، فليس هناك ما يكفي من جوازات السفر من أجلكم. أما صعود الفاشية في بلدكم سوف يحطم عظامكم كالدبابة المخيفة. فقط الوحدة النضالية مع العمال الاشتراكيين الديمقراطيين هي التي ستجلب النصر. ليس هناك المزيد من الوقت. إن جبهة متحدة للعمال المناضلين ضد الفاشية هي ضرورة ملحة ولا غنى عنها”.

وفي 28 مايو 1933 (أي بعد صعود هتلر إلى السلطة بحوالي أربعة أشهر) في مقالة بعنوان “الكارثة الألمانية ومسئوليات القيادة”، أكد تروتسكي أن “الهزيمة المدوية التي تلقتها البروليتاريا الألمانية هي بالتأكيد الحدث الأهم منذ انتصار البروليتاريا الروسية في ثورة 1917”. وفي 22 يونيو 1933، استنتج تروتسكي أن “الكارثة الحالية في ألمانيا هي بلا شك الهزيمة الأكبر للطبقة العاملة في التاريخ كله”.

حزب العمال الاشتراكي في بريطانيا استوعب الدرس جيداً

بعد ثلاث سنوات من تشكيل حزب العمال للحكومة في بريطانيا عام 1974، ارتفعت معدلات البطالة من 600 ألف إلى 1.6 مليون عاطل، كما انخفضت الأجور بشكل كبير، ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية تنخفض مستويات المعيشة بهذا القدر. ومع تصاعد معدلات الفقر والبطالة والحرمان من الخدمات الاجتماعية، انتعشت الجبهة القومية النازية وأصبحت أكثر رسوخاً في بريطانيا. وفي 1976 حصلت الجبهة على 44 ألف صوت في الانتخابات المحلية، أما الحزب القومي (وهو الحزب النازي الآخر في الموجود في بريطانيا) حصل على مقعدين في بلاكبرن. وفي 1977، حيث انتخابات المجلس الأعلى للندن، حصلت الجبهة القومية النازية على 119 ألف و63 صوت (أي 5% من الأصوات بدلاً من 0.5 % عام 1973)، واستطاعوا بذلك هزيمة الليبراليين في 33 دائرة انتخابية.

وفي أغسطس 1977 نظمت الجبهة النازية مسيرة في لويشام، تلك المدينة التي تقع جنوبي شرق لندن والمعروفة بالكثافة الكبيرة للسكان السود. استطاع 2000 عضو من حزب العمال الاشتراكي البريطاني تنظيم مسيرة شارك فيها 8000 شخص من العمال والشباب الذين كانوا أغلبهم من السود، والذين استطاعوا قطع الطريق على مسيرة الجبهة النازية وإيقافها.

كانت أحداث أغسطس 1977 في لويشام بمثابة قاعدة انطلاق لتأسيس اتحاد لمناهضة النازية في نوفمبر من نفس العام. وقد كان ذلك الاتحاد عبارة عن جبهة متحدة بين حزب العمال الاشتراكي وبعض نواب البرلمان على يسار حزب العمال الحاكم، وحظى الاتحاد بشعبية كبيرة جذبت الشباب المناهضين للفاشية. وحينما نظم الاتحاد أول احتفالية في أبريل 1979 قبل الانتخابات المحلية، فاق النجاح كل التوقعات، حيث شارك 80 ألف شخص في مسيرة طويلة بدأت من ميدان ترافالجار لتنتهي بحفل موسيقي في متنزه فيكتوريا على بعد 6 أميال. وقد نظم الاتحاد أيضاً، بالتعاون مع حركة مناهضة العنصرية، احتفاليات كبرى في مانشستر (حيث شارك 35 ألف شخص) وفي كارديف (5000 شخص) وفي إيدنبرج (8000) وساوث أمبتون (5000) وهارويتش (2000) وبرادفورد (2000) وفي لندن مرة أخرى (10 آلاف شخص). ونتيجة لكل ذلك المجهود، هبطت أعداد الأصوات التي أُعطت للجبهة النازية في الانتخابات؛ ففي ليدز هبطت الأصوات بنسبة 54%، وفي برادفورد 77%، وحتى في منطقة نفوذ الجبهة النازية جنوب شرق لندن فقد هبطت الأصوات بنسبة 40%.

تحت ضربات اتحاد مناهضة النازية، لم يستطع الفاشيون أن يحظوا بأي تأييد كما كانوا في السابق. ففي الانتخابات المحلية الأخيرة في انجلترا في 17 مايو 1998، كانت إجمالي الأصوات التي أعطيت لكل من الحزب القومي البريطاني والجبهة القومية، تقدر فقط بـ 3000 صوت. ويمكننا أن ندرك درجة الهبوط الكبير في جماهيرية أوالئك الفاشيين عندما نتذكر أن الجبهة القومية وحدها قد حصلت على 44 ألف صوت في انتخابات 1976، و119 ألفاً في انتخابات 1977.

تركزت سياساتنا في محاربة الفاشية على مسارين أساسيين: محاربة الفئران، وتطهير البالوعات التي تتكاثر فيها تلك الفئران. إن محاربة الفاشيين ليست كافية بالتأكيد، ولذلك علينا محاربة البطالة وتدهور الأجور والحرمان الاجتماعي الذي يخلق تربة خصبة لنمو وانتعاش الفاشية.

ماذا عن الفاشية اليوم؟!

لنقارن الآن تلك الأوضاع بفرنسا مثلاً. في انتخابات عام 1974، حصلت الجبهة القومية ذات النزوع الفاشي في فرنسا فقط على 0.74% من الأصوات، أما في 1981 فقد حصلت على نسبة أقل من الأصوات: فقط 0.5% منها. لكن مع وصول فرانسوا ميتران للرئاسة في انتخابات 1981، تغيرت الأمور بشكل كبير. كان قدر الإحباط هائلاً وتضاعفت نسب البطالة، وانتعشت الجبهة القومية في تلك الظروف كثيراً، وفي انتخابات 1984 حصلت على 11% من الأصوات، أي ما يُقدر بـ 2 مليون صوت. أما في 1986 فقد استطاعت الجبهة أن تحوز 35 كرسي في البرلمان الفرنسي، تماماً مثل الحزب الشيوعي. ظل نفوذ الجبهة القومية في اتساع متواصل خاصةً في المدن الصغيرة جنوبي فرنسا، حتى أنه في الانتخابات الأخيرة التي عقدت في يونيو 1997، حصلت الجبهة على 5 ملايين صوت، أي 15% من إجمالي الأصوات الانتخابية.

لكن السؤال المهم هنا هو لماذا انحدر نفوذ الجبهة القومية النازية في بريطانيا بشكل كبير، بينما انتعش نفوذها في فرنسا هكذا، وفي نفس الفترة الزمنية تقريباً؟ وذلك بالرغم من أن نسبة السكان السود في بريطانيا وفرنسا متماثلة. ونفس الشيء بالنسبة للبطالة، ففي فرنسا وبريطانيا تتراوح نسب البطالة بين 5 إلى 6%. والأغرب أن مستوى النضالات العمالية في فرنسا أعلى كثيراً من تلك التي في بريطانيا.

الفرق الذي أدى إلى صعود الجبهة القومية في فرنسا وتدهورها في بريطانيا هو ببساطة وجود اتحاد مناهضة النازية في بريطانيا، أما في فرنسا فإن المنظمة الرئيسية التي تناهض النازية فهي منظمة إس أو إس (SOS) التي تتذيل الحزب الاشتراكي الفرنسي، والتي يرفض زعيمها، هارليم ديزير، مواجهة الجبهة القومية بشكل مباشر تحت دعوى أن ذلك “سيصب في مصلحة لو بان”. لذلك فإن الجبهة عندما تدعو للتظاهر فإن تلك مظاهراتها لا يتم مواجهتها من قبل إس أو إس.

كان دور ميتران، زعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي، في إخصاء إس أو إس مركزياً في إنعاش الجبهة القومية النازية. ولا يمكن هنا أن ننسى أن ميتران نفسه كان مسئولاً كبيراً في حكومة مارشال بيتان أثناء الحرب العالمية الثانية، تلك الحكومة التي تعاونت مع النازيين الألمان أنفسهم في إرسال 70 ألف يهودي للإعدام في غرف الغاز. وبعدما أصبح ميتران رئيساً لفرنسا، يذهب سنوياً في ذكرة وفاة “بيتان” ليضع إكليلاً من الورود على قبره، باعتباره “قائد وطني كبير”.

« السابق التالي »