بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عصر الثورة.. الماركسية في الألفية الجديدة

« السابق التالي »

13. الفصل الحادي عشر: الثورة الروسية

في 23 فبراير 1917، في ذكرى يوم المرأة العالمي، اندلعت الثورة ضد القيصر في روسيا. وفي اليوم التالي أضرب نحو 200 ألف عامل عن العمل في بتروجراد. وفي يوم 25 فبراير سيطر الإضراب العام على المدينة وقُتل عدد من العمال على يد قوات الجيش. وبعد ذلك بيومين تمرد الكثير من الحراس والجنود في كتائبهم ضد الضباط ورفضوا تنفيذ الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين، وفي بعض الأحيان كان يتم قتل الضباط الذين يصدرون مثل هذه الأوامر من قبل جنودهم، وفي نفس اليوم، أدرك القيصر أن النهاية تقترب لذا تنازل عن السلطة. الأمر المثير للاهتمام هنا هو أن العمال قد أنشأوا، في اليوم السابق على تنحي القيصر، سوفييت ضخم يضم نواب منتخبين من العمال، تماماً مثل الذي أنشأوه في العاصمة في ثورة 1905. كانت كل أماكن العمل ترسل مندوبين ليمثلوها في السوفييت.

اتسمت تلك الثورة بالعفوية التامة من قبل الجماهير، أو على حد وصف تروتسكي.. “لم يكن يتخيل أحد أن يوم 23 فبراير يمكن أن يكون بداية للصراع الحاسم ضد الحكم المطلق”.

كتب سوخانوف، المؤرخ الروسي الذي شهد ثورة فبراير أنه “لم يكن هناك حزب واحد مستعد بشكل مسبق لتلك الثورة”. وحتى رئيس الأوخرانا، البوليس القيصري السري، قد كتب أن ثورة فبراير كانت “عفوية تماماً ولم تكن نتيجة تحريض أي من الأحزاب”. كانت الأحداث ضخمة للغاية حيث خرجت الملايين لاقتحام المشهد السياسي لأول مرة، وفي ذلك الوقت كان الحزب البلشفي على هامش الحياة السياسية، حيث كان يضم ما يقرب من 23 ألف عضو فقط. حتى أنه في يوم 25 فبراير حينما قام البلاشفة بتوزيع منشور يدعو للإضراب العام، كان 200 ألف عامل في العاصمة مضربين عن العمل بالفعل، هكذا كان البلاشفة على الهامش من الزحف الجماهيري العملاق. وكانت أول انتخابات للسوفيتات قد كشفت أن البلاشفة يمثلون أقلية ضئيلة من إجمالي عدد المندوبين؛ فمن إجمالي 1500 أو 1600 مندوب، كان هناك 40 مندوب بلشفي، أي 2,5% فقط من إجمالي المندوبين.

السلطة المزدوجة

جنباً إلى جنب مع سلطة الحكومة المؤقتة بقيادة الأمير لفوف، كانت هناك سلطة السوفيتات التي أنشأتها الجماهير. كانت هناك إذن سلطة مزدوجة. لا يمكن بالتأكيد أن يستمر وضع كهذا لفترة طويلة، أحد طرفي السلطة لابد أن يسقط.

في البداية، كانت السوفيتات تؤيد حكومة لفوف. ويُذكر أنه في الجلسة الأولى للسوفيت كان يتم بحث قرار نقل السلطة بشكل كامل للحكومة المؤقتة، أي إلى البرجوازية، وقام 15 مندوب فقط بالتصويت ضد القرار. وهذا يعني أن حتى المندوبين البلاشفة الـ40 لم يعارضوا القرار كلهم. أما الأحزاب التي كان لها الثقل الأكبر في السوفيتات: المناشفة والاشتراكيين الثوريين، فقد اتخذوا مواقف متناقضة؛ حيث أيدوا سوفيتات العمال وفي نفس الوقت أيدوا الحكومة المؤقتة البرجوازية. لقد أرادوا السلام لكنهم أيدوا الاستمرار في الحرب. كانوا متعاطفين على مطالب الفلاحين في توزيع الأرض، لكنهم أيدوا حكومة تنطق بلسان كبار ملاك الأراضي وتمثل مصالحهم.

البلاشفة أنفسهم كانوا في البداية يتبنون مواقف في منتهى الارتباك. في 3 مارس مررت اتخذت اللجنة المركزية للحزب البلشفي في بتروجراد قرار بأن البلاشفة “لن يعارضوا سلطة الحكومة المؤقتة بقدر ما تستجيب الحكومة لمصالح البروليتاريا والجماهير الديمقراطية العريضة”.

كان لينين، الذي لم يعد بعد من منفاه في سويسرا، في قمة الغضب عندما وصلته نسخة من جريدة البلاشفة، البرافدا، التي تعلن أن البلاشفة يؤيدون بشكل حاسم الحكومة المؤقتة “طالما ظلت تلك الحكومة تناضل ضد الرجعية والثورة المضادة”، متناسية أن أهم طرف في الثورة المضادة في ذلك الوقت هو الحكومة المؤقتة ذاتها.

لينين يعيد توجيه الحزب

في 3 أبريل 1917 عاد لينين إلى بتروجراد. وبينما كان البلاشفة يؤيدون ثورة فبراير والسلطة التي تمخضت عنها، كان لينين يستنكر هذا الموقف. وحينها أطلق لينين شعار “الخبز والأرض والسلام” و.. “كل السلطة للسوفيتات”.

بالطبع يحاول الثوريون أن يؤثروا على توجهات الجماهير، لكن الأمر لا يمكن أن يسير في خط مستقيم طيلة الوقت؛ فتوجهات الجماهير، حتى وإن بدت متناقضة أو خاطئة، يمكن أن تؤثر على الثوريين أنفسهم. بعد ذلك بعدة أيام، قابل لينين اللجنة المركزية للحزب البلشفي في بتروجراد، فيما كان يحاول إقناعهم بأطروحات نيسان، تلك الأطروحات التي كتبها لشرح ضرورة أن تكون “كل السلطة للسوفيتات”. ومن ضمن 16 عضو في اللجنة المركزية، قام عضوين فقط بالتصويت لصالح الأطروحات، و13 ضدها، وامتنع عضو واحد عن التصويت.

وعلى الرغم من تلك البداية المتشائمة، استطاع لينين كسب نسبة كبيرة من عضوية الحزب إلى وجهة نظره في وقت قصير نسبياً. وكان ذلك نتيجة كل تماسك لينين وقدرته على الإقناع، والخبرة اليومية لملايين من الناس خلال الأحداث الصاخبة للثورة، حيث استمرت الحرب وسقط فيها الآلاف من القتلى الروس، واستمر الإقطاعيون في استعباد الفلاحين الفقراء، بينما عاش الرأسماليون حياة مترفة في الوقت الذي عانى فيه العمال الفقر المدقع. في ظل كل تلك الأوضاع المتردية، قضى لينين شهراً لإقناع الحزب بوجهة نظره التي تثبتها مجريات الثورة.

أما من أجل كسب السوفييتات في هذا الطريق وعلى شعارات لينين، فقد استهلك ذلك وقتاً أطول. في بداية سبتمبر، استطاع البلاشفة حوز الأغلبية في سوفييت بتروجراد الذي أصبح ليون تروتسكي رئيساً له. وفي نفس الوقت حازوا الأغلبية في سوفييت موسكو الذي أصبح كامينيف رئيساً له أيضاً. ومنذ ذلك الحين، أصبح الطريق لانتصار ثورة أكتوبر ممهداً. وبينما كانت ثورة فبراير عفوية، تميزت ثورة أكتوبر بالتخطيط الدقيق.

في 10 أكتوبر، قررت اللجنة المركزية للحزب البلشفي الدعوة للانتفاضة المسلحة كي تستولى السوفييتات على السلطة. وبعد ذلك بثلاثة أيام صوّت الجنود في سوفييت بتروجراد لنقل كل السلطة العسكرية للجنة العسكرية الثورية التابعة للسوفييت والتي يترأسها تروتسكي. وفي 16 أكتوبر، وافقت أغلبية ساحقة من اللجنة المركزية، والهيئة التنفيذية لسوفييت بتروجراد، والمنظمة العسكرية، وأعضاء سوفييت بتروجراد، والنقابات العمالية، واللجان المصنعية، وعمال السكك الحديدية، على قرار الانتفاضة المسلحة. وفي 20 أكتوبر بدأت اللجنة العسكرية الثورية في الإعداد العملي. وفي يوم 25، بدأت الانتفاضة حيث استطاع تروتسكي تنظيم تلك اللجنة بشكل مبهر، تماماً مثلما فعل بعد ذلك في قيادة الجيش الأحمر للنصر في الحرب الأهلية التي اندلعت عقب انتصار ثورة أكتوبر.

ثورة أكتوبر كان مخطط لها جيداً، لذا لم يراق فيها الكثير من الدم مقارنة بأعداد الضحايا• الذين سقطوا في فبراير 1917.

لكن بعد الثورة، خلال الحرب الأهلية، فقد مئات الآلاف من الروس حياتهم. لم يكن ذلك بسبب الحكومة السوفيتية، بل بسبب غزو جيوش 16 دولة أوروبية للسلطة السوفيتية الظافرة. أما أن نلوم البلاشفة على ذلك، فكأننا بذلك نلوم شخص استخدم العنف ضد من يحاول قتله.

الثورة المنتصرة

خلال القرن العشرين اندلعت الكثير من الثورات التي لعبت فيها الطبقة العاملة أدواراً رئيسية. إلا أن فقط ثورة واحدة منهم –الثورة الروسية- قد انتهت بالنصر. ومرة بعد أخرى، نشهد ثورات نصف منجزة تثبت النبوءة الصائبة لسان جوست في الثورة الفرنسية الكبرى: “أولئك الذين يصنعون نصف ثورة، يحفرون قبورهم بأيديهم”.

كانت الثورة الروسية 1917 استثنائاً لكل سلسلة الثورات نصف المنجزة، حيث لعب الحزب البلشفي دوراً محورياً في استكمال الثورة إلى النصر النهائي. أما الفارق بين النجاح والفشل، بين روسيا في أكتوبر 1917 والثورات العمالية الأخرى، هو أنه في الحالة الأولى كان هناك حزب ثوري قوي في قيادة الجماهير، بينما في الحالات اللاحقة كانت الأحزاب الثورية إما ضعيفة وهشة وإما غير موجودة بالمرة. وصحيح أن الثوريين لا يستطيعوا تحديد لحظة اندلاع الثورة الجماهيرية، لكنهم يدركون جيداً أن مصير الثورة يتوقف بشكل كبير على قوة واتساع الحزب الثوري الذي يبذلون جهودهم لبناءه.

“الطبقة العاملة، وليس الحزب الثوري، هي من تصنع الثورة. لكن الحزب الثوري يمكنه إرشاد الطبقة العاملة غلى النصر”. هكذا يصف ليون تروتسكي العلاقة بين الحزب الثوري والطبقة العاملة. أو كما كتب في كلاسيكيته الشهيرة، تاريخ الثورة الروسية، أنه “بدون منظمة ثورية مرشدة، تتبدد طاقة الجماهير كما يتبدد البخار من صندوق المكبس إذا لم يكن محكم الغلق. لكن ما يحرك الأشياء في النهاية ليس الصندوق أو حتى المكبس، إنما البخار نفسه”.

أراضي الإقطاعيين تم توزيعها على الفلاحين الفقراء، والمصانع تمت مصادرتها منقبل الدولة العمالية لتقع تحت السيطرة المباشرة للعمال. الأمم المضطهدة نالت حق تقرير المصير، وروسيا التي طالما كانت سجناً لتلك الأمم أصبحت فيدرالية يعيش فيها الناس أحراراً وسواسية.

لقرون عديدة، كانت معاداة السامية متوغلة في روسيا القيصرية، ويُذكر أنه تم ارتكاب 500 مذبحة في حق اليهود في العام 1881 فقط. لم يكن مسموح لليهود بالإقامة في العاصمتين، بتروجراد وموسكو، إلا بتصريحات خاصة وتحت قيود صعبة. بعد الثورة، تغيرت أفكار الروس بشكل جذري، حتى أن الجماهير الروسية قد انتخبت قادة ثوريين من أصول يهودية ليحتلوا مناصب ومسئوليات مهمة في الدولة العمالية المنتصرة، مثل رئيس سوفييت بتروجراد (ليون تروتسكي)، ورئيس سوفييت موسكو (كامينيف)، ورئيس الجمهورية السوفيتية (سفردلوف)، وبعدما تولى ليون تروتسكي قيادة الجيش الأحمر، تم انتخاب زينوفيف لرئاسة سوفييت بتروجراد، وكان هو الآخر يهودي.

كانت الثورة عيداً احتفل فيه كافة المضطهدين بالتحرر من أغلالهم. خلال ثورة 1917، وخلال الشهر العصيب الذي انتصروت فيه الثورة بشكل نهائي، كان الخطيب الثوري البارع، أناطولي لوناتشارسكي، يعقد لقاءات جماهيرية يحضرها 30 إلى 40 ألف شخص لسماعه وهو يتحدث لمدة ساعتين غلى ثلاث ساعات وهو يتحدث عن الأدب عند شكسبير والدراما الإغريقية، إلخ. أما في لندن، فكان عدد السكان أكثر أربعة أضعاف من سكان بتروجراد في ذلك الوقت، كما كان العمال البريطانيون أكثر تعلماً من الروس، لكننا لم نشهد لقاءات مثل تلك في لندن، ولم نقابل مثل تلك الحالة أبداً. ببساطة لأنه لم يكن هناك صعود ثوري بالقدر الذي كان في روسيا.

خطت أيضاً الحكومة السوفيتية أكثر الخطوات واتخذت أكثر الاجراءات تقدمية في سبيل تحرر المرأة: حق الطلاق ووحق الإجهاض، الذي تم منحه للمرأة للمرة الأولى في التاريخ. بجانب التربية الجماعية للأطفال. وجديرٌ بالذكر أن اول وزيرة في العالم كانت ألكسندرا كولونتاي التي انتخبت في منصب مفوض الشعب لشئون الأسرة عقب انتصار ثورة أكتوبر. كما أن كافة القوانين المعادية للشواذ والتخلص منها نهائياً.

هل حقاً قادت الثورة في روسيا إلى طغيان ستالين؟!

كثيراً ما نسمع تلك الحجة من قبل أولئك الذين ينتقدون الثورة الروسية. وإذا اعتبرنا أن طغيان ستالين واستبداده كانا نتاجاً طبيعياً للثورة الروسية، فإننا يمكن بنفس المنطق أن نعتبر أن إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما كان نتاجاً طبيعياً لقانون نيوتن للجاذبية. بيد أنه لولا قانون الجاذبية لما سقطت القنبلة من الطائرة (!!)

على أي حال، لا يمكننا فهم صعود ستالين إلى السلطة، إلا إذا تناولنا الثورة الروسية في سياقها العالمي.

كانت الثورة الروسية جزء من الحالة الثورية التي ألمت بالعالم كله في ذلك الوقت. أما الطبقة العاملة الروسية فقد كانت صغيرة للغاية؛ حيث وصل عدد العاملين في المصانع والسكك الحديدية والمناجم إلى 3 ملايين من إجمالي 160 مليون هم عدد سكان روسيا ككل. ولم يتخطى الإنتاج الصناعي في روسيا الإنتاج الصناعي لدى بلد صغير مثل بلجيكا، لكن الطبقة العاملة الروسية كانت مركزة في وحدات صناعية كبيرة، أكثر من أي بلد في العالم، حيث وصل عدد العمال في مصنع واحد في مقاطعة فيبورج في العاصمة بتروجراد: مصنع بوتيلوف –أكبر مصنع في العالم في ذلك الوقت- إلى 40 ألف عامل. ولم يكن ذلك نتيجة التطور التدريجي للاقتصاد الروسي، لكن نتيجة دور رأس المال الأجنبي الذي استثمر في روسيا.

تبلورت أيضاً تطلعات العمال الروس خلال الظروف العالمية للحركة الثورية. على سبيل المثال، في بريطانيا، منذ بداية الإنتاج الصناعي، تطلب الأمر قرنين من الزمان حتى يتشبع العمال بمطلب تحديد يوم العمل بـ8 ساعات يومياً. بينما في روسيا، كان هذا المطلب مركزي بالنسبة لثورة 1905.

كما أن الماركسية لم تكن متأصلة في روسيا، فلم يكن آدم سميث روسي، ولم يتبعه ديفيد ريكاردو روسي، ولم يكن ماركس روسياً هو الآخر، بل وقد أتت الماركسية إلى الحياة السياسية في روسيا من الخارج. وجدير بالذكر أن الجزء الأول من كتاب رأس المال الذي قد نشر في 1867، قد تم ترجمته إلى الروسية بعد ست سنوات فقط من نشره، وكانت الروسية هي أول لغة يُترجم بها الكتاب. وأخيراً، أتى الحافز الأساسي للثورة الروسية من الخارج أيضاً، حيث انهيار الجيش الروسي أمام نظيره الألماني.

طالما حذر لينين وتروتسكي من انحدار السلطة السوفيتية إذا لم تنتشر الثورة في أجزاء أخرى من العالم، وبالأخص في ألمانيا التي لم تنتصر الثورة فيها وبالتالي لم تمتد يد العون لمساندة الثورة في روسيا.

أما ستالين، فلم يكن بأي حال وريثاً للثورة الروسية، لكنه حافر قبرها. لقد قتل كل زملائه في اللجنة المركزية للحزب البلشفي الذين خاضوا الثورة والحرب الأهلية وعاشوا بعدها. وهذه الحقيقة قد توضح أن ستالين ليس وريثاً للثورة بل حافر قبرها. ومن زاوية أخرى، لم تكن الستالينية وليدة لينين، لكن وليدة نوسكه، زعيم الجناح اليميني في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني الذي خطط لاغتيال روزا لكسمبرج وكارل ليبكنخت، ولاغتيال الثورة في ألمانيا.

« السابق التالي »