بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عصر الثورة.. الماركسية في الألفية الجديدة

« السابق التالي »

14. الفصل الثاني عشر: الرأسمالية والتسليح

في تركيا اليوم، يتم إنفاق نصف ميزانية الدولة على التسليح، حتى أن تركيا قد أصبحت قوة مسلحة كبرى في المنطقة. لكن هذا بسبب أن الحكومة التركية تدفع في سياسات التقشف والإفقار، وفي نفس الوقت تنفق أموالاً ضخمة لشراء الدبابات والطائرات الهيلوكوبتر.

وفي الأسبوعين الماضيين، أصبح الإنفاق على التسليح يحتل المساحات الأكبر حتى على صفحات جرائد رجال الأعمال. أحد الكتاب المشهورين قد كتب أننا من خلال حسبة بسيطة نستطيع أن ندرك أنه قد “أصبح لكل مواطن تركي نصف قرص أسبرين، وثلاث قنابل يدوية. لكل 100 ألف مواطن مركز طبي واحد، ودبابتين”. أصبح الجيش التركي هو الأكبر في حلف الناتو –بعد الولايات المتحدة الأمريكية طبعاً- حتى بالرغم من أن الناتج المحلي لتركيا أصغر بكثير منه في ألمانيا أو فرنسا أو بريطانيا أو إيطاليا.

الدور المتغير لاقتصاد الحرب

طوال القرون السابقة، لعب اقصاد الحرب أدواراً مختلفة تبعاً لاختلاف المراحل التي مرت بها الرأسمالية. فمثلاً عندما كانت الرأسمالية في بداياتها، وعندما كانت تقدمية في مواجهة المجتمع الإقطاعي، كانت الجيوش تلعب أدواراً ثانوية وليست جوهرية في الاقتصاد، لكن الأمور تغيرت منذ بدأت الرأسمالية في الانحطاط. في ألمانيا عام 1933، وصلت البطالة إلى 8 ملايين عاطل، لكن بعد سنتين فقط اختفت البطالة تماماً أثناء عملية إعادة التسليح الضخمة للجيش النازي؛ حيث استوعبت المصانع الحربية أعداد ضخمة من العاطلين. حدث ذلك أيضاً في الولايات المتحدة وبريطانيا ودول رأسمالية أخرى.

بعد الحرب العالمية الثانية، عملت الحرب الباردة على الحفاظ على جيوش ضخمة، أضخم بكثير مما كانت عليه في العشرينات وبداية الثلاثينات، لكن بالطبع أقل قليلاً مما كانت عليه أثناء الحرب. وهذا بالظبط ما أطلقنا عليه وقتها “اقتصاد الحرب الدائم” الذي عمل على استيعاب البطالة وحافظ على مستويات توظيف عالية، لكنه كان مليئاً بالتناقضات. في العام 1956، كنت قد كتبت مقالة تحت عنوان “اقتصاد الحرب الدائم”، وأوضحت فيها تلك التناقضات؛ حيث أنه صحيح أن اقتصاد الحرب يشجع التوظيف والقضاء على البطالة، لكن تلك الدول التي تنفق كثيراً على إنتاج السلاح تجد نفسها أقل قدرة على إعادة تدوير الصناعة وتحديثها من البلدان التي تنفق أقل على إنتاج السلاح. وقد اتضح ذلك بجلاء طوال فترة الستينات وبداية السبعينات، فالبلدان التي أنفقت أقل على التسليح، مثل اليابان أو ألمانيا الشرقية، كانت قادرة على إعادة التصنيع وتحديث الصناعة، أكثر بكثير من الولايات المتحدة وبريطانيا. هكذا مثلاً استطاعت اليابان وألمانيا الشرقية التفوق في صناعة السيارات والإلكترونيات وفي مجالات اقتصادية أخرى. وفيما بعد عندما انهار سعر الدولار، مصحوباً بارتفاع رهيب في أسعار النفط، اضطرت الولايات المتحدة وبريطانيا لتقليص ميزانياتهما العسكرية بشكل كبير.

العلاقة المعقدة بين الرأسمالية والتسليح

صحيح أن الجيوش تخدم الرأسمالية، لكن هذا لا يعني أن الجنرالات ليس لديهم مصالح خاصة ويريدون أحياناً فرضها على المجتمع. فإذا استأجر الرأسمالي بلطجياً للدفاع عن مصالحه، فإن هذا البلطجي لديه بالتأكيد مصالح خاصة يريد أن يفرضها على سيده.

القاعدة الأساسية في كل شيء هي العلاقات الاقتصادية، أما السياسة والعلاقات السياسية فهي البنية الفوقية لهذه القاعدة. لكن هذا لا يعني أيضاً أن البنية الفوقية ليس لها تأثير على القاعدة. الجنرالات الكبار في تركيا، على سبيل المثال، يريدون الحفاظ على جيش ضخم، أضخم بكثير مما يريده كثير من الرأسماليين الأتراك. وعندما وقع الزلزال في الشمال الغربي لتركيا، هرع الجيش سريعاً إلى المشهد، لكن ليس بالمجارف والبلدوزرات لإزالة الأنقاض وإنقاذ الناس الذين دفنوا تحتها، بل بالبنادق والدبابات لبسط السيطرة والانضباط. المشهد السابق يدلل على أن الجيش ببساطة له أجندته الخاصة التي يحاول بسطها على الجماهير كما على القوميات المضطهدة مثل الأكراد. وقد يكون المشهد مثالاً حياً لما نقصده بالعلاقة بين الرأسمالي والجنرال.

« السابق التالي »