بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عصر الثورة.. الماركسية في الألفية الجديدة

« السابق التالي »

15. الفصل الثالث عشر: الثورة الديمقراطية والثورة الاشتراكية

في كل البلدان التي تفتقر إلى الديمقراطية السياسية – أي البلدان التي تهيمن عليها الملَكية المطلقة أو الجيش أو الفاشية أو قوة إمبريالية أجنبية – تكون الحاجة إلى الديمقراطية واضحة. ونحن الاشتراكيون الثوريون نناضل بجدية لتحقيق ذلك: نناضل من أجل الانتخاب الحر للحكومات القومية والمحلية، ومن أجل حرية الصحافة، ومن أجل حرية الاجتماع والتنظيم، ومن أجل حق تقرير المصير. لكن هذا كله ليس كافيا بالنسبة لنا.

أول سبب لأننا نرى أن هذا ليس كافيا هو أن اللا مساواة والاستغلال والاضطهاد يبقون جميعا على حالهم طالما ظلت الثروة في أيدي أقلية صغيرة من الرأسماليين. فبدون المِلكية الجماعية لوسائل الإنتاج، ليس فقط تظل اللا مساواة بين الفقراء والأغنياء مستمرة، ولكن أيضا، وبسبب المنافسة بين العمال على الوظائف وعلى المساكن وعلى الفرص التعليمية، تظل اللا مساواة داخل الطبقة العاملة مستمرة. وهذه الأرضية تنتج العنصرية ونزعة تحقير المرأة.

باستمرار سيطرة الرأسماليين على ثروة المجتمع تكون الديمقراطية السياسية أيضا مهددة، ويظل خطر عودة النظام السياسي القديم ماثلا، حيث أن حفنة ضئيلة من الرأسماليين تتحكم، ليس فقط في وسائل الإنتاج المادي، ولكن أيضا في وسائل الإنتاج الذهني مثل الصحافة والتليفزيون وغيرهما من وسائل الدعاية. ومن ناحية أخرى، لعله من المنطقي أن نعتقد أن جهاز الدولة الرأسمالي سيعضد الرأسماليين، إذ أن الجيش والبوليس والجهاز القضائي سيبقون على دعمهم للطبقة الرأسمالية. ومن ثم فلا يمكن ضمان الحقوق الديمقراطية إلا عندما تسيطر الطبقة العاملة على سلطة الدولة.

في نوفمبر 1918 تخلصت الثورة في ألمانيا من القيصر وأنهت الحرب العالمية الأولى. ولكن للأسف، ظل كبار أصحاب الإعمال، كـ”كروبس” و”ثايسن”، في مواقعهم، تماما كما ظل الجنرالات وضباط الجيش الرجعيين – الذين كونوا وحدات عسكرية يمينية أسموها “فريكوربس” – في مواقعهم. وأصبحت ازداوجية السلطة هي المهيمنة في ألمانيا. ذلك أنه جنبا إلى جنب مع البرلمان، كانت هناك المجالس العمالية.

كل الثورات لا تتخلص من أصفاد الماضي في ضربة واحدة. فجنبا إلى جنب مع الجديد، الذي يمثل المستقبل، يظل القديم حيا. وعلى حد قول ماركس: “تراث الأجيال الميتة” يظل مسلّطا على الأحياء. الأحداث في ألمانيا تؤكد تماما الكلمات النبوئية لـ”سان جوست”، أحد قادة الثورة الفرنسية 1789: “أولئك الذين يصنعون نصف ثورة يحفرون قبرهم بأيديهم”. فتحت مظلة الحكومة الاشتراكية الديمقراطية، قتل ضباط الفريكوربس القائدين الثوريين كارل ليبكنخت وروزا لوكسمبورج. ثم استمرت الأحداث الثورية، صعودا وهبوطا، حتى 1923، ولكنها انتهت بانتصار الرأسمالية. فالحركة النازية ولدت عام 1919، ثم نظمت في 1923 انقلابا فاشلا في بافاريا، ولكنها كانت تتحين الفرصة [إلى أن اقتنصتها]. كانت هذه، بالمقابل، فرصة ضائعة أخرى للعمال، وسوف يدفعون ثمنها غاليا حينما يصل هتلر إلى السلطة.

شهدت فرنسا في الثلاثينات صعودا هائلا في نضال الطبقة العاملة بدأ في فبراير 1934 ووصل إلى ذروته في 1936 في انتصار حاسم للجبهة الشعبية التي كانت تمثل تحالفا بين الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي والليبراليين – الذين كانوا يسمون خطأ الاشتراكيين الراديكاليين، وهم لم يكونوا راديكاليين أو ديمقراطيين. وبعد الانتصار، قال ملايين العمال لأنفسهم “الآن نحن نمتلك الحكومة، هيا بنا نسيطر على المصانع”. وهكذا ففي يونيو 1936 اندلعت موجة من احتلالات المصانع. ولكن قادة الحزبين الشيوعي والاشتراكي قادوا تراجعا بعد الوصول إلى حل وسط مع أصحاب الأعمال. بعد ذلك تم القذف بالحزب الشيوعي خارج الجبهة الشعبية. وقد كان الاشتراكي الراديكالي دالادييه هو نفس الشخص الذي وقع اتفاقية ميونخ مع هتلر عام 1938. أما البرلمان الذي تم انتخابه في ظل الانتصار الكبير للجبهة الشعبية عام 1936، فقد كان هو نفس البرلمان الذي صوت بالتأييد للمارشال بيتان، رئيس حكومة فيجي التي تواطأت مع النازيين بدءا من عام 1940.

عندما نالت إندونيسيا استقلالها عن هولندا في 1949، تولى البرجوازي الوطني أحمد سوكارنو قيادة البلد. كانت أيديولوجيته ترتكز على مبادئ الـ”بانكاسيلا”، وأسسها الرئيسية هي الإيمان بالله وبالوحدة الوطنية. للأسف الشديد لم يقم الحزب الشيوعي بتحدي سوكارنو، بل على العكس اتفق معه تماما على الحاجة إلى الوحدة الوطنية. وكانت النتيجة أن كلمات سان جوست تحققت. كان لدى الحزب الشيوعي الإندونيسي من الأعضاء ما يفوق بكثير عدد أعضاء الحزب البلشفي وقت الثورة: ثلاثة ملايين عضو في مقابل ربع مليون عضو. الطبقة العاملة الإندونيسية كانت أكبر من الطبقة العاملة الروسية عشية الثورة. الفلاحون كانوا أكثر عددا في إندونيسيا منهم في روسيا. ولكن في 1965 نظم جنرال عيّنه سوكارنو، اسمه سوهارتو، انقلابا بدعم الولايات المتحدة وحكومتي حزب العمال في بريطانيا واستراليا. والنتيجة أن ما بين نصف مليون ومليون شخص تم ذبحهم.

الشرق الأوسط هو منطقة أخرى رأت اضطرابات كبرى هزت النظم القائمة، ولكنها فشلت في تحقيق أي خطوة كبرى للأمام. في العراق، تم إسقاط الملك فيصل في [1958] على يد حركة جماهيرية. الحزب الشيوعي العراقي كان حزبا قويا جدا، كان هو الحزب الشيوعي الأكثر قوة في العالم العربي. دخل الحزب في تحالف مع حزب البعث البرجوازي الوطني. فقد آمن – تحت قيادة ستالينية – بأن الثورة القادمة ستكون ثورة ديمقراطية، وهو الأمر الذي يتطلب تحالفا بين الطبقة العاملة والأحزاب البرجوازية. غير أن تحالفا كهذا، كان يعني عمليا، خضوع العمال للبرجوازية. وقد دفع أعضاء الحزب الشيوعي والعمال ثمنا باهظا لهذا التحالف، حينما نفذ البعث، تحت قيادة صدام حسين وبمعاونة المخابرات المركزية الأمريكية، مذبحة كبرى للشيوعيين.

وفي إيران، أدى الإضراب العام إلى الإطاحة بالشاه في عام 1979. وانتشرت مجالس الشورى (مجالس العمال) في طول البلاد وعرضها. ولكن للأسف الشديد، رأت قيادة هذه المجالس – وكانت في الأغلب الأعم من حزب” توده” الموالي لموسكو ومن الفدائيين – الثورة كثورة برجوازية ديمقراطية وليس كثورة بروليتارية، ومن ثم أعطت تأييدها لإنشاء الجمهورية الإسلامية. وهكذا وصل آية الله خوميني للسلطة، ولكنه لم يُظهر أي امتنان لتوده أو للفدائيين، وأخضع اليسار إلى قمع دموي.

يمكن الإشارة إلى عدد آخر من الثورات المجهضة، مثل المجر 1919 و1956، وألمانيا 1923، والصين 1925-1927، وأسبانيا 1936، وفرنسا 1968، والبرتغال 1974- 1975.

إن التجاور بين الثورة الديمقراطية والثورة الاشتراكية، ثم إعطاء الأولوية للأولى، لم يكن أمرا يخص القادة الاشتراكيين الديمقراطيين فحسب، ولكنه كان أيضا الخط المرشد للقيادات الستالينية في طول العالم وعرضه.

مثلت الثورة الروسية في عام 1917 استثناء من هذه الثورات “نصف المنجزة”. فقد خلقت ثورة فبراير 1917 وضعا جديدا مثيرا: القيصر تنحى وانتهت قرون من الملكية، تم حل البوليس، ونشأت في كل مصنع لجان مصانع. وفي كثير من وحدات الجيش ظهرت للوجود لجان قاعدية، ونشأت سوفيتات العمال والجنود في كل مكان.

ولكن بعد الثورة في فبراير 1917، وفي موازاة السوفيتات، استمرت المؤسسات القديمة في الوجود. في المصانع استمر الملاك القدامى والمديرون القدامى في الاحتفاظ بمواقعهم. وفي الجيش ظل الجنرالات في مواقع القيادة – قائد الجيش كان الجنرال كورنيلوف الذي كان قد عينه القيصر. في موازاة السلطة السوفيتية كانت هناك حكومة برجوازية يرأسها سياسي ليبرالي من أيام القيصرية. هذا الوضع، الذي أسماه لينين وتروتسكي “ازدواجية السلطة”، كان مليئا بالتناقضات.

وبالرغم من طبيعة السوفيت، فقد توسل قادته للبرجوازية أن تحتفظ بالسلطة. غالبية مندوبي السوفيت كانوا اشتراكيين يمينيين، مناشفة واشتراكيين ثوريين. لم تكن هذه صدفة، بل كانت نتيجة حتمية لوضع انتقل فيه ملايين الناس إلى اليسار، ولكنهم ظلوا يحملون الكثير من المتاع الإيديولوجي للماضي القيصري. وبالنسبة لملايين من الناس كانوا حتى تلك اللحظة يؤيدون القيصر والحرب، لم يكن الانتقال إلى اليسار يعني الانضمام الفوري إلى أكثر الأحزاب راديكالية، أي الحزب البلشفي. الرجل القوي للمناشفة، تسيريتيللي، الذي أصبح وزيرا للداخلية في الحكومة البرجوازية المؤقتة، شرح السبب وراء حتمية الوصول لحل وسط مع البرجوازية قائلا: “لا يمكن أن يكون هناك طريق آخر للثورة. إنه لمن الحقيقي أن لدينا كل السلطة، وأن الحكومة سوف تنتهي إذا ما رفعنا إصبعا، ولكن هذا سوف يعني كارثة للثورة”.

عندما عاد لينين إلى روسيا من سويسرا في الثالث من أبريل [1917]، كان في استقباله آلاف من العمال والجنود في محطة فنلندا في بتروجراد. تشخيدزه، رئيس سوفيت بتروجراد، رحب به بهذه الكلمات: “أيها الرفيق لينين، باسم سوفيت بتروجراد وباسم الثورة كلها نرحب بك في روسيا .. ولكن نحن نعتقد أن المهمة الرئيسية للديمقراطية الثورية الآن هي الدفاع عن الثورة ضد أي انتهاكات سواء من الداخل أو من الخارج. نحن نعتبر أن ما يتطلبه هذا الهدف ليس التحرك في اتجاه الفرقة، ولكن التقارب في الصفوف الديمقراطية. نحن نأمل أنك سوف تسعى إلى هذه الأهداف بالمشاركة معنا”. وفي المقابل دعا لينين في رده إلى مواصلة الثورة على أساس أن الثورة الروسية هي جزء لا يتجزأ من الثورة الأممية العالمية. رد فعل المناشفة على خطبة لينين كان معاديا إلى أقصى حد. وعلى ذلك أعلن جولدنبرج، وهو عضو سابق في اللجنة المركزية للحزب البلشفي، أن “لينين جعل من نفسه الآن مرشحا لعرش أوروبي ظل خاويا على مدى ثلاثين عاما – عرش باكونين! كلمات لينين الجديدة تردد أصداء شيئا قديما – الحقائق العتيقة للفوضوية البدائية”.

لم يكيف لينين نفسه مع المناشفة والاشتراكيين الثوريين، الذين كانوا بمثابة تجسيد للديمقراطية البرجوازية الصغيرة، لكنه سار باستقامة وراء دعوة ماركس في أيام ثورة 1848 في فرنسا وألمانيا: أن تكون مستقلا تماما عن المعسكر الديمقراطي البرجوازي الصغير. كتب ماركس: “على العمال الألمان … أن يسهموا بشكل رئيسي في تحقيق نصرهم النهائي، وذلك بتذكير أنفسهم بمصالحهم الطبقية الخاصة، وباتخاذ موقفهم السياسي المستقل في أقرب فرصة ممكنة، وبعدم السماح لأنفسهم بأن يتم تضليلهم بواسطة العبارات المنافقة للديمقراطية البرجوازية الصغيرة في اتجاه الشك ولو للحظة واحدة في ضرورة وجود حزب مستقل التنظيم للبروليتاريا. صيحة حربهم لابد أن تكون: “الثورة الدائمة”.

بعد أيام، وأسابيع، وشهور من الأحداث العاصفة، نجح البلاشفة في أن يكسبوا غالبية العمال. ففي التاسع من سبتمبر ناصر سوفيت بتروجراد البلشفية وتم انتخاب تروتسكي رئيسا له. وفي نفس اليوم حقق البلاشفة الأغلبية في سوفيت موسكو. ومن هذه النقطة لم يكن باقيا إلا خطوة صغيرة حتى يتم تحقيق سلطة العمال، وهذا ما حدث في السابع من نوفمبر 1917.

الطبقة العاملة، وليس الحزب، هي التي تصنع الثورة. ولكن الحزب يرشد الطبقة العاملة. وكما كتب تروتسكي بذكاء: “بدون منظمة مرشدة ستتبدد طاقة الجماهير كما يتبدد البخار إذا لم يتم ضخه في المكبس. ولكن على الرغم من ذلك، فإن الذي يحرك الأشياء ليس هو المكبس، بل البخار ذاته”.

الفارق بين النجاح والفشل، بين روسيا في أكتوبر 1917 والثورات العمالية الأخرى، كان أنه في الحالة الأولى وُجد حزبا ثوريا جماهيريا وفّر القيادة الناجحة. وفي حين أن الاشتراكيين لا يمكنهم تحديد اللحظة التي تنفجر فيها الأزمة الثورية، فإنهم يحددون النتيجة النهائية للأزمة بمقدار ما يقومون ببناء حزبا ثوريا قويا.

جرت عادة” كاتو” الأكبر، أحد أعضاء مجلس الشيوخ بروما القديمة، أن ينهي كل خطبه بالكلمات الآتية: “لابد من تدمير قرطاج”. وفي نهاية المطاف، دمرت روما قرطاج. ونحن ينبغي أن ننهي كلامنا بهذه الكلمات: “لابد من بناء الحزب الثوري”.

« السابق التالي »