بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عصر الثورة.. الماركسية في الألفية الجديدة

« السابق التالي »

16. الفصل الرابع عشر: الماركسية والديمقراطية

في تركيا، هناك اعتقاد واسع الانتشار بين الناس أنه إذا انضمت البلد للاتحاد الأوروبي، فإن تطبيق الديمقراطية سيكون أمر مضمون. قبل الرد على هذه النقطة بالتحديد، سأحاول رسم صورة أوسع لما تكون عليه العلاقة بين الديمقراطية والتغيير الجذري للمجتمع.

عُرفت كلمة الديمقراطية في الأصل من حضارة أثينا القديمة، والكلمة تعني “حكم الشعب”. وعلى الرغم من المعنى الواضح للكلمة، إلا أنه لم يكن مسموحاً لا للعبيد ولا للنساء ولا للسكان غير الأثينيين، بالتصويت.

الاقتراع العام هو الآخر لا يضمن حكم الشعب. وللعلم بالشيء، أول من استخدم هذا الأسلوب كان نابليون الثالث، وعن طريقه استطاع بسط ديكتاتوريته على أي استفتاء آخر. نفس الشيء بالنسبة لبسمارك، الذي يُعتبر أول من أدخل الاقتراع العام في ألمانيا، فقد استخدم هذا الأسلوب لتوطيد سلطة القيصر والأمراء لتحطيم تحركات الاشتراكيين في برلين.

وإذا نظرنا إلى بعض الدول الرأسمالية الديمقراطية مثل بريطانيا، فرنسا أو ألمانيا، نجد أن الاقتراع العام يُستخدم في كثير من الأشياء، كما أن أعضاء البرلمان يتم انتخابهم ديمقراطياً، لكن الديمقراطية على هذا النحو، هي ديمقراطية شكلية وضحلة. بيد أنه صحيح أن أعضاء البرلمان يتم انتخابهم، لكن القضاة، قادة الشرطة والجيش، إلخ، لا يتم اختيارهم على أساس ديمقراطي. كما أن الناس ليس لهم الحق في اختيار رئيسهم في العمل، وليس لهم الحق في عزله إذا أرادوا.

دائماً يخبروننا أن الرأسماليون والعمال هم سواسية في عيون القانون. فعلى سبيل المثال، الرأسمالي مثله مثل أي عامل له فقط صوت واحد في الانتخابات. وفي بريطانيا جرت العادة أن يضرب أولئك الذين يدافعون عن الديمقراطية البرجوازية، المثل بالسيد روبرت موردوتش، رجل الأعمال الذين يمتلك 4 مؤسسات صحفية تصدر جرائد واسعة التوزيع، إلا أنه بالرغم من ذلك ليس له الحق في التصويت نظراً لأنه يحمل الجنسية الأمريكية.

لكننا إذا نظرنا على الجانب الآخر، سنجد أن الصورة مغايرة تماماً؛ فكل عامل في بريطانيا يدفع 23% من راتبه كضرائب، و10% كتأمين اجتماعي، بينما يدفع السيد موردوتش 0.5% فقط من أرباحه للضرائب. هكذا فإن الرأسمالي والعامل متساوون في عين القانون لكنهم ليسوا كذلك فيما يخص الحقوق الاقتصادية.

وقبل كل شيء، فإن الديمقراطية بمفهومها السائد وبالشكل الذي تُمارس به في المجتمعات الرأسمالية، لا تستطيع الحد من الاضطهاد القومي أو العرقي، إلخ. في زيمبابوي على سبيل المثال، فإن السكان البيض الذين يبلغ عددهم 200 ألف فقط من إجمالي السكان، ينعمون بكامل الحقوق الديمقراطية، لكن ذلك لا يوقف الاضطهاد الواقع على السكان الـ 5 ملايين السود في هذه البلد. بل على العكس فإن ذلك يوطد وحدة السكان البيض ضد السود.

يقولون أن اسرائيل دولة ديمقراطية، لكن هذه خدعة كبرى. فكونها ديمقراطية لم يعني في يوم من الأيام أن الثلاثة ملايين فلسطيني الذين تم طردهم من أرضهم وديارهم لهم الحق في العودة مرة أخرى، أو الحق في تقرير مصيرهم. المعيار الحقيقي للديمقراطية الشعبية هو إلى أي مدى يتحكم المضطَهدون في السلطة.

في 1902 كان لينين يشرح كيف أن العامل عندما يخوض إضراباً عن العمل من أجل زيادة الأجور فإنه بذلك مناضل نقابي جيد، أما عندما يخوض إضراباً احتجاجاً على الاعتداء على اليهود فهو بذلك اشتراكي ثوري بحق. كما أكد لينين مراراً وتكراراً أن الثوريين يجب أن يكونوا سنداً لكافة المضطهدين. ففي البلد الذي يسود فيه اضطهاد قومي، يصبح واجباً مركزياً على الاشتراكيين الذين ينتمون للأمة التي تمارس الاضطهاد أن يدافعوا عن ويناضلوا من أجل حق تقرير المصير للأمة المضطهَدة. ومن أجل تحقيق الوحدة بين العمال في الأمة المضطهَدة والأمة المضطهِدة، يكون من الضروري في هذه الحالة أن يؤكد عمال الأمة المضطهِدة على حق تقرير المصير للأمة المضطهَدة، بينما يكون من الضروري أن يتمسك عمال الأمة المضطهَدة بالوحدة النضالية مع عمال الأمة المضطهِدة، ضد الاستبداد والقهر والاستغلال. إن الضرورة القصوى التي تفرض هذه الوحدة النضالية هي أن الاضطهاد القومي يفتت وحدة الجماهير، والعمال في القلب منهم.

في الولايات المتحدة مثلاً، يتميز العامل الأبيض عن العامل الأسود كثيراً في الوظيفة والأجر والإسكان، إلخ، وهذا ما يمكن ملاحظته في تكساس مثلاً أكثر من نيويورك. وإذا نظرنا إلى الأمر بشكل سطحي، سنكتشف بسهولة أن العامل الأبيض يستفيد من الاضطهاد الواقع على السود. لكننا ما يفضح الأمر برمته هو أن العامل الأبيض في نيويورك يشغل وظيفة ويتقاضى أجراً ويسكن منزلاً أفضل كثيراً من مثيله في تكساس، وحتى العامل الأسود في نيويورك يعيش أفضل كثيراً من العامل الأبيض في تكساس. ومن هنا فإننا لا نجد أدنى قدر من المساواة في الحقوق بين العمال البيض وزملائهم السود، والديمقراطية في هذا المجتمع الرأسمالي لا تستطيع الوقوف ضد هذا الظلم.

ولذا فإن الطريق الوحيد الذي يضمن ديمقراطية شعبية حقيقية هو نضال العمال الموحد باختلاف الجنس والعرق واللون والديانة.

سأضرب مثالاً آخر: عندما شاهدت في التليفزيون الآثار المدمرة للزلزال الذي وقع في الشمال الغربي لتركيا العام الماضي، علمت أن الزلزال قد دمر الأحياء الفقيرة التي يسكنها الأتراك والأكراد الفقراء على حد سواء، أما منازل أصحاب الثروة لم تتأثر بالزلزال. المشهد أوضح أيضاً دور الجيش التركي (ثاني أكبر جيش في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة). فالجيش قد هرع سريعاً بالبنادق والدبابات لحفظ النظام والانضباط، وليس بالجرافات والبلدوزرات لانتشال الضحايا من تحت الركام.

إن أنظمة التعليم كلها مبنية على أساس أن التاريخ تصنعه الطبقات العليا. لقد علمونا في المدارس الكثير عن الملوك والأباطرة وقادة الجيوش، لكنهم لم يعلمونا شيئاً عن الفقراء والطبقات الكادحة. لذا فإنه من الوهم أن نظن أنه بمجرد جلوس رئيس الوزراء التركي مع توني بلير وجرهارد شرودر فإن ذلك يمكن أن يعزز الديمقراطية. ومثل هذا الوهم يجب أن نمحيه تماماً؛ فالديمقراطية الحقيقية لن تتحقق إلا بالنضال الجماعي والموحد للطبقات الكادحة. والطبقة العاملة لا يمكن أن تنتصر وتحوذ السلطة من خلال القيام ببعض الخدع من خلف ظهر التاريخ. لكن فقط من خلال الصراع الطبقي. وكما وضح ماركس من قبل: “فإن تحرر الطبقة العاملة هو من صنع الطبقة العاملة”.

« السابق التالي »