بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عصر الثورة.. الماركسية في الألفية الجديدة

« السابق

18. الفصل السادس عشر: الألفية الجديدة بين الآمال والمخاوف

في البيان الشيوعي، الذي كتبه ماركس وإنجلز في 1848، هناك تأكيد حاسم بأن “تاريخ أي مجتمع حتى الآن، ليس سوى تاريخ صراعات طبقية. حر وعبد، نبيل وعامي، بارون وقن، معلم وصانع. وبكلمات أخرى، ظالمون ومظلومون، في تعارض دائم، خاضوا حرباً متواصلة، تارة معلنة و طوراً مستترة، حرباً كانت تنتهي في كل مرة إما بتحول ثوري للمجتمع كله، إما بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين”.

منذ قرون، هُزمت تمردات العبيد التي قادها سبارتاكوس، وكل تمردات العبيد الأخرى. لكن ذلك لم يؤدي إلى استمرار النظام العبودي في الامبراطورية الرومانية. تم استبدال العبيد بالأقنان، والاقطاعية حلت محل العبودية. وقد أسرعت غزوات القبائل الألمانية على الرومان من انهيار مملكة العبيد.

مرة أخرى، عندما نتحدث عن التحول من الاقطاعية إلى الرأسمالية، فإن العملية تبدو وكأنها سلسة وبسيطة. يستطيع المرء أن يقرأ فصل من كتاب عن الإقطاع خلال نصف ساعة، وأن يقضي نصف ساعة أخرى لقراءة فصل آخر عن الرأسمالية، لكن هذه العملية التاريخية في تحول النظام الاجتماعي كانت مليئة بالتعقيدات والتناقضات. استمر الإقطاع أكثر من ألف سنة في أوروبا، وعندما كان المجتمع الإقطاعي في طريق الانحطاط، وكانت الرأسمالية تولد من رحم هذا المجتمع، لم تسير العملية في خط واحد يقود لميلاد الرأسمالية مباشرةً. وفي الحقيقة، كانت الأندلس مثلاً، عندما كان يسكنها العرب في القرن الحادي عشر ميلادياً، اكثر تقدماً من الوضع التي آلت إليه بعد ثلاثة قرون، وهذا يدل على أن العملية التاريخية لا تسير بالضرورة في طريق التقدم للأمام. وفي القرن السابع عشر، خلال حرب الثلاثين عام (48-1618) تقلص عدد السكان في ألمانيا إلى النصف تقريباً.

كانت مساوئ المجتمع الإقطاعي في قمة البشاعة. على سبيل المثال، لمدة ألف سنة من هذا النظام كان لكل إقطاعي الحق في استباحة عرض أية فتاة تعيش في نطاق الحقول التي يمتلكها. وإلى جانب ذلك استمر اضطهاد وامتصاص عرق الأقنان والفلاحين والعبيد والخدم طيلة استمرار النظام الإقطاعي.

أما الرأسمالية، فهي النظام الأكثر دينامية وسرعة من أي نظام اقتصادي واجتماعي في التاريخ، لذا فإن النتائج السلبية أيضاً تظهر بشكل مأساوي أسرع وأعلى دينامية من أي نظام سابق. الرأسمالية تعمل على تطوير قوى الإنتاج غلى حد كبير جداً، ولذلك فإن الوفرة في الإنتاج يمكن أن تتاح للجميع، لكن في نفس الوقت تمزق الرأسمالية نفسها من خلال المنافسة بين الرأسماليين أو بين الدول الرأسمالية. المنافسة بين جنرال موتورز وفورد تدفعهم لزيادة الاستغلال على عمال كلٍ منهما. وبذلك تلقي المنافسة العشوائية بين الرأسماليين الاضطهاد والاستغلال على كواهل العمال من أجل تحقيق أكبر قدر من الأرباح الرأسمالية. مشهد المجتمع الرأسمالي مليئ بالتناقضات الفجة؛ فالثروة الضخمة في يد الرأسماليين تتوازى مع الفقر المدقع الذي يلحق بقطاعات واسعة من الجماهير.

لم تكن المجاعات ظاهرة جديدة على البشرية، فلقد عرفها البشر خلال آلاف السنين السابقة. لكن المجاعات قديماً كانت نتيجة ندرة موارد الغذاء، أما اليوم في ظل الرأسمالية، لدينا ملايين الجوعى في الوقت الذي تتوافر فيه كميات هائلة من الغذاء الفائض والذي يتم التخلص منه في المحيط دون أدنى اكتراث. يمكننا أن ندرك جيداً مدى عمق تناقضات الرأسمالية عندما نعلم أنه هناك 20 مليون طفل يموتون سنوياً نتيجة استخدام المياه الملوثة، في الوقت الذي تكفي فيه أرباح بيل جيتس، أغنى رجل في العالم وساحب شركة مايكروسوفت، في سنة واحدة، لصناعة أنابيب مياه وحفر الأنفاق اللازمة لها لضمان وصول مياه نظيفة لكل طفل في العالم. أرباح سنة واحدة فقط (!!)

التنافس بين الرأسماليين لا يأخذ أشكال اقتصادية فقط، بل أشكال عسكرية أيضاً. عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، كتبت روزا لكسمبرج الثورية البولندية –الألمانية الشهيرة، أن مستقبل البشرية يكمن في احتمالين “إما الاشتراكية أو البربرية”. ولا شك أننا ندرك اليوم معنى البربرية أكثر بكثير مما كانت روزا تقصده في عصرها؛ فقد أغتيلت روزا في يناير 1919، أي أنها لم تشهد الإبادة في غرف الغاز، ولم تسمع عن دمار القنابل الذرية في هيروشيما وناجازاكي، إلخ.

في بداية التسعينات، كنت قد قلت أن مشاهدة أوروبا في ذلك الوقت يشبه مشاهدة فيلم عن فترة الثلاثينات لكن بالتصوير البطيء. وفي العشرين عاماً السابقة، دخل العالم الرأسمالي في ثلاث فترات كساد اقتصادي، لكن لم يكن أي منهم بالعنفوان الذي كان عليه الكساد الكبير في الثلاثينات، كان كل منهم أشبه بنسخة باهتة لفترة 33-1929. صحيح أن اليمين المتطرف –الفاشيين- قد صعد في أوروبا الثلاثينات، لكن لو بان اليوم هو بالتأكيد نسخة باهتة من هتلر، فقد حصلت الجبهة القومية التي يتزعمها لو بان على 5 ملايين صوت. وهذا بالطبع أضعف كثيراً إذا ما قورن بالـ 13 مليون صوت التي حصل عليهم هتلر. كان لدى هتلر فرق اقتحام مسلحة حتى قبل أن يصبح في السلطة في يناير 1933. أما مؤيدو لو بان، فكل ما يستطيعوا فعله هو الهجوم والاشتباك البدني مع المهاجرين.

الجانب الآخر من العملة، وهو النضال العمالي، هو أيضاً نسخة باهتة من الثلاثينات. صحيح أن درجة نضالية عمال المصانع في التسعينات في فرنسا، قد ارتفعت كثيراً، لكن الإضرابات الضخمة التي وقعت في نوفمبر –ديسمبر 1995، لا يمكن مقارنتها بحركة احتلال المصانع واسعة النطاق في يونيو 1936. كان عقد التسعينات إذن بمثابة فيلم بطيء لما كانت عليه الأوضاع في الثلاثينات، وهذا يعني في المقام الأول، انه يمكن إيقاف الفيلم وتوجيهه من جديد وجهة الثورة العمالية، وهذا أفضل كثيراً من أن يسير الفيلم سريعاً.

الأمر الأهم هو الوضع السياسي للطبقة العاملة الذي يوفر فرص أفضل للثوريين من تلك التي كانت في الثلاثينات. وقتها، كانت الاحزاب الستالينية تسيطر على اليسار في كل أوروبا. وبالتأكيد لم يكن صعود هتلر حتمي الحدوث، بل كان من الممكن محاصرة نفوذه. هكذا جادل ليون تروتسكي أن من الضروري بناء جبهة متحدة بين الأحزاب الشيوعية والاشتراكية الديمقراطية لمواجهة نفوذ النازيين الذين يتزعمهم هتلر. وأولاً وأخيراً، كان الـ8 مليون صوت الذين حصل عليهم الحزب الاشتراكي الديمقراطي والـ6 مليون صوت الذين حصل عليهم الحزب الشيوعي، أكثر من الأصوات التي أعطت للنازي. الأهم من ذلك هو طبيعة الجمهور الانتخابي نفسه. مرة أخرى وصف تروتسكي مؤيدي الحزب النازي بأنهم مجرد “غبار بشري، فرادى معزولين”، أما مؤيدي الأحزاب العمالية فقد شكلوا ثقلاً ومراكز قوى في المصانع والسكك الحديدية، إلخ. لم يتم إيقاف هتلر ولا محاصرة نفوذه السياسي بين الجماهير، فقط لأن السياسة الستالينية كانت ضد تاكتيك الجبهة المتحدة، حيث شخّص ستالين الاشتراكيين الديمقراطيين كاشتراكيين فاشيين، وحظر على الأحزاب الشيوعية في أوروبا التعاون السياسي معهم.

مرة أخرى، كانت الاحتلالات الواسعة للمصانع في فرنسا 1936، يمكنها أن تؤهل للثورة العمالية، ليس فقط في فرنسا، بل كان يمكنها إضرام نار الثورة في بلدان أخرى تحذو جماهيرها حذو العمال الفرنسيين. دفع الستالينيين في اتجاه التحالف مع الحزب الليبرالي في الانتخابات البرلمانية، ولم يخدم ذلك شيئاً سوى مصالح السياسة الخارجية لستالين. كانت النتيجة أن البرلمان الذي انتُخب في مايو 1936، والذي خاض الحزب الشيوعي انتخاباته متحالفاً مع الحزب الليبرالي تحت شعار “الجبهة الشعبية”، ذلك البرلمان قد صوّت عام 1944 لصالح دعم وتأييد المارشال بيتان، الذي ترأس الحكومة الفرنسية وتعاون مع ألمانيا النازية.

أما في أوروبا اليوم، فقد تحلل نفوذ الأحزاب الستالينية بشكل كبير بعد انهيار أنظمة رأسمالية الدولة في روسيا وأوروبا الشرقية. والآن لدى الثوريين مساحة عريضة لبناء أحزاب عمالية على أسس ثورية حقيقية بعيداً عن تشويشات سياسات الأحزاب الستالينية التقليدية التي نخرت الإصلاحية نخاعها.

الألفية الجديدة إذن تقدم لنا مزيجاً من الآمال والتحذيرات حول مخاطر المستقبل. نحن نعيش عهد مليء بالتناقضات، إمكانيات وفرص ضخمة بجانب مصاعب وتحديات كبيرة. علينا إذن أن أن نضع النصيحة الحكيمة للفيلسوف سيبنوزا في الاعتبار، حيث كتب أن المرء “لا ينبغي أن يضحك أو يبكي، لكن أن يفهم”.

وصف البيان الشيوعي العمال بأنهم حفارو قبر الرأسمالية. الطبقة العاملة أقوى اليوم بما لا يُقاس بما كانت عليه وقت كتابة البيان الشيوعي. الطبقة العاملة في كوريا الجنوبية وحدها أكبر من الطبقة العاملة في العالم كله حينما مات ماركس في 1883. لدينا إذن “عالماً لنكسبه”.

لقد أوضحت معركة سياتل غضب هائل لدى قطاعات من الجماهير ضد سياسات الشركات الرأسمالية الكبرى. وقد علقت جريدة “دير سبيجل” الألمانية اليومية ذات التوزيع الواسع، أن مظاهرات سياتل ترينا أن “الألفية الجديدة سوف تبدأ بحرب ضد الرأسمالية”.

لسنين طويلة كان لفظ “مناهضة الرأسمالية” غير موجود إلا في قاموس المنظمات الثورية الصغيرة، وغير متداول سوى في الأوساط اليسارية الراديكالية، لكنه اليوم أصبح جزءاً من لغة الملايين من الناس. وهذا بالتأكيد ما يلهم الثوريين عبر العالم ويضاعف أملهم في إمكانية القضاء على الرأسمالية واقتلاعها من جذورها… هكذا نبدأ الألفية الجديدة.

« السابق