بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عصر الثورة.. الماركسية في الألفية الجديدة

« السابق التالي »

17. الفصل الخامس عشر: هل الثورة العالمية ممكنة؟

إن الطبقة العاملة الصناعية في كوريا الجنوبية اليوم أكبر من الطبقة العاملة في العالم كله عندما توفى ماركس عام 1883. العمال في العالم أكثر عدداً من الفلاحين، كما أن الوزن الاجتماعي والسياسي للطبقة العاملة أكبر من جماهير الفلاحين بما لا يُقاس. وبينما يعمل العمال في وحدات إنتاجية ضخمة وفي بعض الأحيان يعمل عشرات الآلاف منهم في نفس الشركة الرأسمالية، يعمل الفلاحون في عزلة عن بعضهم حيث تعمل كل عائلة في قطعة أرض خاصة بها.

لقد جادل ماركس بأن الثورة تصبح ضرورة عندما تتناقض قوى الإنتاج مع علاقات الإنتاج، أي عندما تتناقض مع النظام والهيكل الاقتصادي القديم.

في بداية الرأسمالية، لم تكن البرجوازية تقدمية فقط، بل كانت ثورية أيضاً، حيث قاتلت بضراوة ضد الإقطاع وحطمت قيوده. في القرن السابع عشر، قامت البرجوازية الإنجليزية بثورة استطاعت من خلالها بناء نظامها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ونفس الشيء قامت به البرجوازية الفرنسية في القرن الثامن عشر. وبعد الثورة الفرنسية بسنوات قليلة، أعلن الرأسماليون في المستعمرات البريطانية في أمريكا استقلالهم، وهكذا ولدت الولايات المتحدة.

ومن الواضح أن علاقات الإنتاج الرأسمالي اليوم تشكل عائقاً أمام تطور قوى الإنتاج. هناك بعض الحقائق التي تشرح ذلك ببساطة، مثل أن هناك مئات الآلاف، إن لم نقل ملايين، من عمال البناء معطلين عن العمل، في نفس الوقت الذي لا يجد فيه مئات الملايين من البشر مساكن تأويهم!!. ملايين من الناس يعانون الجوع، ليس بسبب ندرة الغذاء، لكن لأنهم ليس لديهم أموال ليشتروا بها الطعام.

كان انتصار البرجوازية على السادة الإقطاعيين أمر حتمي. كان الرأسماليون أكثر ثراءاً من الإقطاعيين، وعندما كانت ثروات الرأسماليين تتضاعف، كانت ثروات الإقطاعيين تتضائل. وما قد يثبت تفوق الرأسماليين هو أنه عندما كان النبلاء يصطدمون بمصاعب اقتصادية فإنهم كانوا يلجأون لزواج أخوات الرأسماليين. وحتى على المستويين الثقافي والعلمي، كانت البرجوازية متفوقة على الإقطاعيين بمراحل: النبلاء لديهم الإنجيل والكنيسة والرهبان، والبرجوازيين لديها الموسوعة والجامعات والعلماء.

أما علاقة الطبقة العاملة بالرأسماليين فهي مختلفة تماماً عن العلاقة التي كانت بين الرأسماليين بالسادة الإقطاعيين. الرأسماليون يمتلكون المصانع والبنوك، إلخ. بينما العمال لا يمتلكون شيئاً. وبينما تبيع جريدة الصن داي تايمز 4 ملايين نسخة يومياً، بالأساس للعمال، لا أظن أن هناك رأسماليين يشترون جريدة العامل الاشتراكي. لذلك ليس حتمياً أن ينتصر العمال في كل ثورة، فكما أكد ماركس فإن “الأفكار السائدة في كل مجتمع هي أفكار الطبقة الحاكمة”، أكد أيضاً على ضرورة أن يعمم الشيوعيون الخبرة التاريخية للطبقة العاملة العالمية، بيد أنه لا يوجد شخص واحد استطاع استخلاص الخبرة الثورية للطبقة العاملة من خلال تجاربه الشخصية، فما من أحد في العالم اليوم خاض كوميونة باريس مثلاً أو الثورة الروسية 1905، أو 1917. لذا يجب على الحزب الثوري أن يكون ذاكرة الطبقة العاملة، أن يكون مخزن خبرتها، وأن يكون مدرسة حقيقية لكوادرها الطليعيين.

أما عن سؤال هل الثورة العالمية ممكنة؟ فالإجابة أنها ليست فقط ممكنة بل ضرورية أيضاً. إن النظام الرأسمالي العالمي ما هو إلا سلسلة، حلقاتها هي الدول الرأسمالية. وعندما يصل الضغط إلى أقصاه، تنكسر إحدى تلك الحلقات وتؤثر على حلقات السلسلة كلها. الثورة الروسية عام 1917 كانت بداية للثورة في العالم كله، حيث اندلعت في أعقابها الثورة الألمانية 1918، وثورة ضخمة أخرى في الامبراطورية النمساوية- المجرية 1919، وحركة احتلال المصانع في إيطاليا 21-1920، فيما امتدت الثورة في ألمانيا حتى نهاية 1923. نمت الأحزاب الشيوعية واتسعت بشكل كبير في وقت قصير جداً. يّذكر أنه في المؤتمر الدولي في زيمرفالد الذي حضره اشتراكيين مناهضين للحرب عام 1916، قالت روزا لكسمبرج “لقد وصلنا إلى وضع غاية في الضعف، فإجمالي الاشتراكيين المعارضين للحرب في العالم كله يمكن أن يسافروا جميعاً في بضع عربات تجرها الخيول”. لكن في 1920، وصل الحزب الشيوعي الألماني إلى نصف مليون عضو، والفرنسي إلى 200 ألف، كما وصل الحزب الشيوعي الإيطالي إلى رقم مشابه أيضاً.

ومع ذلك فإننا عندما نقول أن الثورة العالمية ضرورية فإننا لا نعني بذلك أنها حتماً منتصرة.

أزمة الثلاثينات بالتصوير البطيء

من عشر سنوات توقعت أننا مقبلين على فترة تشبه كثيراً ثلاثينات القرن الماضي، لكن بالتصوير البطيء. نحن نغرق بالفعل في الكساد العالمي، لكنه أكثر ضحالة بكثير مما كان عليه في فترة 1929-1933. وقتها كان هناك في ألمانيا، على سبيل المثال، 8 ملايين عاطل بدون إعانات للبطالة، لكن اليوم يوجد 4 ملايين فقط، كما أنهم يتلقون إعانات بطالة أكثر من تلك التي في بريطانيا. صحيح أن النازي الفرنسي لو بان يشبه هتلر كثيرً، لكن مؤيديه أقل كثيراً من مؤيدي هتلر في الثلاثينات. حيث فاز هتلر في الانتخابات بـ 13 مليون صوت، وكان لديه عشرات الآلاف من النازيين المسلحين ومن فرق الاقتحام التي كانت تهدف لتحطيم المنظمات العمالية. أما الجبهة الوطنية التي يتزعمها لو بان في فرنسا، لا تمتلك شيئاً كهذا، وعندما اندلعت الإضرابات في فرنسا في نوفمبر –ديسمبر 1995، لم تحظى الجبهة الوطنية بأي تأييد. عندها انقسمت الجبهة الوطنية، وتبقى لدى لو بان شراذم محدودة من الجبهة.

مرة أخرى، لا ينبغي أن ننظر إلى الثلاثينات كفترة سواد. صحيح أن هزيمة الطبقة العاملة الألمانية على يد هتلر كانت كارثة حقيقية، لكن في نفس الوقت كان العمال الفرنسيون يحتلون أعداد كبيرة من المصانع في يونيو 1936، وكان الأمر يبشر بثورة قريبة. إلا أن قيادة الإضرابات، التي انحصرت في الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي الفرنسيين، أخذوا جانب الليبراليين من أجل احتواء النضالات العمالية. لكن هذا التحالف –الحزب الاشتراكي والشيوعي والليبراليين- بعد ذلك بثلاث سنوات، قد صوّت لتأييد التحالف بين مارشال بيتان مع النازيين.

امتلئ عقد الثلاثينات بالأحداث الخطيرة. كانت حالة الاستقطاب السياسي شديدة العنف بين اليمين واليسار، لم تكن هناك فرصة لمواقف وسطية، والتزام الموقف المحايد كان بالتأكيد مساندة غير مباشرة لقوى الرجعية. وفي الحقيقة فإن هذا العقد يعيد تكرار ذاته مرة أخرى، نحن نشاهد نفس الفيلم لكن بالتصوير البطيء هذه المرة. وهذا يعني أن لدينا فرصة أكبر في إيقاف الفيلم وتوجيهه في الوجهة التي نريد. مفتاح الحل هنا هو بناء الحزب الثوري. وكما شبه ليون تروتسكي، فإن النضال الجماهيري هو حقاً كالبخار، والحزب الثوري كالمكبس الذي يوجه الآلة. المكبس بدون البخار لن يساوي أكثر من قطعة معدنية ميتة، والبخار بدون المكبس سيتبخر في الهواء دون قيمة.

قد يظن القارئ أن الماركسية هي مجموعة دوجمائية من القوانين الحديدية التي تحكم التاريخ. لكن في الحقيقة، هناك الكثير من الأحداث الصغيرة التي قد تغير وجهة التاريخ بشكل كامل. فإذا كان لينين قد مات مثلاً قبل العودة إلى روسيا عام 1917، لكان ذلك سيؤثر على الحزب البلشفي بشكل كبير، وبالتالي على الثورة الروسية كلها.

« السابق التالي »