بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عصر الثورة.. الماركسية في الألفية الجديدة

« السابق التالي »

3. الفصل الأول: هل مازالت الماركسية حية؟!

في المدرسة نتعلم التاريخ كمجموعة من القصص القديمة حول الرجال العظماء: الملوك، الأباطرة، قادة الجيوش، إلخ. أتذكر جيداً حينما كانوا يخبروننا في المنهج الدراسي أن كليوباترا كانت تستحم باللبن، لكنهم لم يخبروننا أبداً من الذي أنتج ذلك اللبن أو كم من الأطفال المصريين عانوا سوء التغذية بسبب ندرة اللبن. كانوا يخبروننا عن نابليون حينما ذهب لغزو روسيا في 1812، لكن لم يخبرنا أحد كم من الفلاحين والجنود، الروس والفرنسيين الفقراء، قُتلوا في المعارك.

البيان الشيوعي يوضح –على العكس من تاريخ الطبقات الحاكمة ورجالها- أن العامل الأساسي في صنع التاريخ هو حركة الملايين من الجماهير: “إن تاريخ أي مجتمع حتى الآن ليس سوى تاريخ الصراعات الطبقية: حر وعبد، نبيل وعامي، بارون وقن، معلم وصانع. وبكلمة أخرى، ظالمون ومظلومون في تعارض دائم، خاضوا حرباً متواصلة، تارة معلنة وطوراً مستترة، حرباً كانت تنتهي في كل مرة إما بتحول ثوري للمجتمع كله، وإما بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين”.

كما أن الستالينية والاشتراكية الديمقراطية هم أيضاً يتناولون الأمور من أعلى. الأمر واضح بالنسبة للستالينيين، فكلما كان ستالين يعطس، كان كل عضو بالحزب الشيوعي يشهر منديله ليعطيه إياه (!!)

أما الاشتراكية الديمقراطية، فهي تبدو لوهلة وكأنها ديمقراطية حقاً. ولكنها في الحقيقة غارقة في النخبوية، فهي تقوم على فكرة أساسها أن الرجال والنساء العاديين عليهم فقط أن يدلوا بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية مرة كل 4 أو 5 سنوات، وأن يتركوا بعد ذلك كل الأمور لمن انتخبوهم. تعالوا نتأمل الأمر: إذا قام المواطن بالتصويت عشر مرات في حياته، فإنه يقضي مثلاً 30 دقيقة من حياته في المشاركة في عملية الديمقراطية. يوضح آب لينكولن الأمر قائلاً: “لا يمكن للمجتمع أن يكون نصف حر نصف عبد”. وهكذا فإن القادة الاشتراكيين الديمقراطيين يفترضوا أن على الجماهير أن تعيش العبودية طيلة حياتها، في مقابل 30 دقيقة فقط يمارسون فيها الديمقراطية.

تناقضات الرأسمالية

في ظل الرأسمالية، أولئك الذين لا يعملون، يملكون أدوات الإنتاج، وأولئك الذين يعملون لا يملكون شيئاً على الإطلاق، على الرغم من أن العمل في ظل الرأسمالية يتم بشكل اجتماعي؛ حيث تعمل أعداد ضخمة من العمال في أماكنهم (مصانع، مستشفيات، محطات، إلخ). يتم الإنتاج بالمشاركة الاجتماعية، لكن الملكية ليست كذلك؛ حيث تتركز في أيدي أفراد أوشركات رأسمالية كبيرة أو دول.

نلاحظ جيداً التنظيم والتخطيط والتنسيق الدقيق في كل وحدة إنتاجية. لكن في نفس الوقت ليس هناك أي درجة من التخطيط أو التنسيق بين الوحدات المختلفة من رأس المال ككل. في فولكس فاجن على سبيل المثال، ينتجون موتور واحد لكل سيارة، وهيكل واحد، وأربعة عجلات (وواحدة أخرى “استبن”). هناك تخطيط جيد بين أقسام الإنتاج المختلفة للسيارة، لكن ليس هناك أي درجة من التنسيق بين فولكس فاجن وجنرال موتورز. وهكذا فإن التخطيط والفوضى هم وجهان لعملة واحدة هي الرأسمالية.

من الأفضل هنا أن نضع الرأسمالية في السياق التاريخي، وأن نقارنها بالإقطاع الذي سبقها وبالاشتراكية التي سوف تليها.

في ظل الإقطاع، كان هناك إنتاج فردي وملكية فردية. أما في ظل الاشتراكية سوف يكون هناك إنتاج إجتماعي وملكية إجتماعية.

في ظل الإقطاع، كان الحديث عن تخطيط الاقتصاد غير معقول سواء على مستوى الوحدة الاقتصادية أوعلى مستوى الاقتصاد ككل. أما في الاشتراكية فإن سيكون على مستوى الوحدات الإنتاجية الصغيرة وعلى مستوى الاقتصاد ككل.

ولأن الرأسمالية يجتمع فيها كل من الانتاجية الضخمة بجانب الفوضى في عموم الاقتصاد، دائماً ما نواجه ظاهرة خطيرة وملازمة للرأسمالية حيث الفقر والحرمان في ظل الوفرة. على مدار آلاف السنين، قبل الرأسمالية، كان البشر يعيشون فقر مدقع ويموتون جوعاً لأنه لم يكن يوجد طعام يكفي الجميع. أما الرأسمالية فهي النظام الاقتصادي والاجتماعي الوحيد الذي يموت فيه الناس جوعاً لا بسبب ندرة الطعام لكن بسبب وفرته.

في الولايات المتحدة الأمريكية يتم صنع سفن خاصة لشحن الحبوب، بحيث تستطيع أن تفتح قاعها لإلقاء الحبوب وإغراقها في المحيط، وذلك للحفاظ على أسعارها من الانخفاض.

الفقر بجانب الثروة يظهرون في أشكالهم القصوى في ظل الرأسمالية كما لم يسبق في التاريخ كله. يُذكر أن أن هناك 58 ملياردير فقط يملكون وحدهم ثروات تعادل دخول نصف البشر على كوكب الأرض، وهؤلاء البشر ليسوا فقط من الفقراء بل أيضاً من أولئك القادرين على العيش.

التنافس واستغلال العمال

في ظل الإقطاع، يقوم السيد الإقطاعي باستغلال واضطهاد عبيده وخدمه وفلاحيه في سبيل أن يعيش حياة مرفهة. هكذا يشرح ماركس الأمر: “إن حدود إستغلال الإقطاعي لخدمه وعبيده تنحصر بين جدران معدته”. لكن ما يدفع فورد لاستغلال العمال ليس الاستهلاك الشخصي، فلو كان الأمر كذلك لكان عبء الرأسماليين أقل. فهناك 250 ألف عامل على مستوى العالم يعملون لدى فورد، وإذا كان كل منهم يؤخذ منه دولار واحد كفائض قيمة سيكون ذلك كافياً لكي يعيش ملاك شركة فورد. لكن ديناميات الاقتصاد أكبر وأعقد بكثير من ديناميات استهلاك أي شخص أومجموعة من الأشخاص؛ إذ أن الدافع الحقيقي للاستغلال ليس الاستهلاك الشخصي للرأسمالي وليس “جدران معدته”.

للنجاة أثناء المنافسة مع جنرال موتورز وفورد، يجب تجديد وتحديث الميكنة في المصانع، كما يجب استثمار المزيد من رأس المال. والوجه الآخر من فوضى التنافس بين الرأسماليين هو الظروف القاسية والطغيان الذي يعيشه العمال في كل وحدة رأسمالية.

طبيعة الدولة الرأسمالية

في كل مكان يخبروننا أن الدولة فوق المجتمع وأن الدولة تمثل الأمة. لكن البيان الشيوعي –مرة أخرى على عكس كل ذلك- يرى أن الدولة هي مجرد سلاح في يد الطبقة الحاكمة: “الدولة ليست إلا جهاز لإدارة شئون ومصالح الطبقة البرجوازية ككل”.

وفي موضع آخر كتب ماركس أيضاً أن الدولة ليست إلا “رجال مسلحين دائمين مزودين بكل ما يلزمهم لآداء مهمتهم” –الجيش، الشرطة، المحاكم والسجون، إلخ. لقد أطلق ماركس على مهام الجيش “صناعة المذابح”، ليس هذا فحسب، بل أن تلك الصناعة تعتمد على الصناعة الحقيقية. بكلمات أخرى، إن ما يحدد قوى التدمير هي قوى الإنتاج نفسها.

هكذا يسير الأمر على مر تاريخ المجتمعات الطبقية. في العصور الوسطى مثلاً، عندما كان الفلاح يمتلك حصان ومحراث خشبي، كان الفارس يمتلك حصان أقوى وسيف حديدي. وفي الحرب العالمية الأولى، عندما كان يتم إرسال ملايين من الناس إلى الجيش من أجل القتال، كان يتم إرسال ملايين آخرين للمصانع الحربية لإنتاج البنادق وطلقات الرصاص، إلخ. واليوم، عندما يضغط إصبع على الزر لإرسال ملايين الدولارات عبر حسابات البنوك، تستطيع ضغطة زر أيضاً إبادة 60 ألف إنسان كما حدث في هيروشيما. إن صناعة المذابح والصناعة الإنتاجية تتوائمان كما يتوائم القفاز في اليد، حتى الهيكل الاجتماعي للجيش (صانع المذابح) تتوافق تماماً مع هيكل المجتمع ذاته؛ فإذا كان الجيش لديه الجنرالات والضباط الكبار نزولاً إلى الجنود، فالأمر مماثل في المصنع؛ حيث يوجد المدير ورئيس العمال ومن ثم العمال أنفسهم. إنه نظام معين في التراتب لابد أن يتوازى مع مثيله.

الثورة البروليتارية

من أجل تحطيم الرأسمالية، يجب على الطبقة العاملة أن تستولي على السلطة السياسية. لكن، كما جادل ماركس من قبل، لا يمكن للعمال أن يستولوا على آلة الدولة ويديرونها كما هي؛ ذلك لأن الدولة الحالية لا تعكس سوى الهيكل الطبقي للمجتمع الرأسمالي. لذلك فإن على العمال أن يحطموا هيكل الدولة وأن يستبدلونه بدولة أخرى حيث لا يوجد جيش نظامي ولا بيروقراطية تتحكم في مقدرات الأمور، وحيث يتم انتخاب كافة المسئولين ويصبح بالإمكان عزلهم بسهولة، وحيث لا يمكن لأي نائب أو ممثل للعمال أن يتقاضى أجراً أكثر من متوسط أجر العامل العادي. توصل ماركس لهذه الاستنتاجات بعد ما شهده في كوميونة باريس 1871 التي أنجز فيها العمال كل ذلك. وحتى من قبل الكوميونة، كتب ماركس في البيان الشيوعي: “حتى الآن، كانت كل الحركات في التاريخ إما حركات الأقلية أو حركات لمصلحة الأقليات. أما الحركة البروليتارية فهي الحركة المستقلة والواعية والقائمة بذاتها للأغلبية الساحقة في سبيل الأغلبية الساحقة”.

لقد أوضح ماركس لماذا نحتاج ثورة: الطبقة الحاكمة لن تتخلى عن السلطة والثروة إلا إذا أُجبِرَت على ذلك بالقوة، والطبقة العاملة لن تتخلص من “وحل القرون السابقة” بدون ثورة حقيقية.

لكن الرأسمالية لها تأثيران متناقضان على العمال، فهي من ناحية، توحد مصالح العمال، ومن ناحية أخرى تخلق الانقسامات بينهم. التنافس على الوظائف، على السكن المناسب أوعلى الترقيات، إلخ، كل ذلك يبعثر صفوف العمال. بينما النضال ضد رؤساء وملاك العمل هو ما يوحدهم، وتصل هذه الوحدة إلى أقصاها في الإضرابات العامة للجماهير العمالية. لكن الثورة لا يمكن أن تحدث بسهولة بين ليلة وضحاها؛ فالثورة عملية طويلة من الإضرابات والمظاهرات والنضالات المختلفة التي تتوج في النهاية باستيلاء العمال على السلطة.

إن السمة الأكثر أهمية للثورة تتجلى في التغيرات الفكرية والنفسية في صفوف الطبقة العاملة. الجماهير في روسيا تقدم لنا مثالاً هاماً للتدليل على ذلك، حيث كان اليهود، في ظل سيطرة القيصرية على روسيا، مضطهدين بكل قسوة وعنف. كان القيصر يدبر لهم حملات تطهير منظمة، ولم يكن لهم الحق في العيش في أي من العاصمتين (موسكو وبتروجراد) بدون تصريحات يصعب الحصول عليها، كما كان يتم التمييز ضدهم في السكن والتعليم، إلخ. وبشكل عام كان اليهود مكروهين من باقي سكان روسيا القيصرية.

تعالوا نتأمل ماذا حدث عندما قامت الثورة الروسية في 1917. لقد تحولت أفكار الروس بشكل جذري تجاه اليهود وذابت الانقسامات بين اليهود وبين بقية الروس، حتى أنه تم انتخاب ليون تروسكي في منصب رئيس سوفييت بتروجراد، وبعد ذلك كقائد للجيش الأحمر. وكامينيف كرئيس لسوفييت موسكو، كما تم انتخاب سفيردلوف رئيساً للجمهورية السوفيتية. وكل هؤلاء الثوريين منحدرين من أصول يهودية.

سنضرب مثالاً آخر، من الثورة الروسية، على التحولات الفكرية لدى الجماهير. خلال شهر أكتوبر الذي انتصرت فيه الثورة، كان الثوري الروسي لوناتشارسكي يعقد لقاءات جماهيرية يحضرها 30 أو 40 ألف شخص لمدة ساعتين أو ثلاثة ساعات، للحديث حول مواضيع مثل الأدب عند وليام شكسبير، أو الدراما الإغريقية، إلخ.

لقد لخص لينين الشروط الواجب توافرها من أجل قيام وانتصار ثورة عمالية يمكنها أن تصنع مثل هذه التحولات في البشر:

1) الأزمة العميقة التي تشمل المجتمع بأسره.
2) حالة السخط لدى الطبقة العاملة التي لا ترضى بالعيش بهذه الطريقة.
3) حالة من فقدان الثقة لدى الطبقة الحاكمة في قدرتها على الاستمرار في السيطرة على المجتمع، ومن ثم الانقسام والصراع في صفوفها حول طريق الخروج من الأزمة.
4) وأخيراً وجود حزب ثوري يستطيع قيادة الطبقة العاملة إلى النصر.

الاشتراكية أو الفاشية

لقد أشرنا من قبل إلى مقولة ماركس في البيان الشيوعي حيث كان يشرح أن النضال الطبقي قد ينتهي “إما بتحول ثوري للمجتمع وإما بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين”. لقد توصل ماركس لهذا الاستنتاج على أساس خبرة سقوط المجتمع الروماني العبودي. لقد هُزم سبارتاكوس، ولم يستطع العبيد تنظيم أنفسهم للإطاحة بطبقة مالكي العبيد. إلا أن المجتمع العبودي قد سقط أيضاً. اختفى العبيد وحل محلهم الأقنان، وكذلك مالكي العبيد الذين حل السادة الإقطاعيين محلهم.

استطاع إنجلز أن يضع صياغة أخرى لنفس الفكرة حين تحدث عن احتمالات مستقبل البشرية “إما الاشتراكية أو البربرية”. واستطاعت روزا لكسمبرج تطوير الفكرة إلى أبعد من ذلك، في حين أنها لم ترى بربرية وهمجية في العالم بالقدر الذي نراه اليوم. إنجلز توفى في 1895، أما روزا فقد أغتيلت في يناير 1919، ولم يشهد أي منهما القتل في غرف الغاز، ولا الإبادة التي تمت في هيروشيما وناجازاكي، ولم يسمعوا عن مجاعات أفريقيا. لم يشهدوا أي من تلك المظاهر البشعة للبربرية.

عندما كان النازيون على أعتاب السلطة في ألمانيا، كان قادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني يظنون أن الوضع الراهن أفضل بكثير من النازيين وأن عليهم أن يحافظوا على هذا الوضع لكي يواجهوا الصعود النازي. وهكذا قاموا بالتصويت في صالح السياسي المحافظ فيدل مارشال هايدنبرج ليصبح رئيساً للبلاد، لمجرد أنه ليس نازياً. لكن هايدنبرج استدعى هتلر، في 30 يناير 1933، ليصبح رئيساً للوزراء.

الفاشية ببساطة هي حركة تعبر عن اليأس من تغيير المجتمع، بينما الاشتراكية تعبر عن الأمل في ذلك. ولذلك فإن النضال ضد الفاشية لا يستلزم النضال ضد الفاشيين وحسب، بل أيضاً النضال ضد كافة الظروف التي تقود المجتمع إلى اليأس من التغيير. من البديهي أن تطهر منزلك من الفئران، لكن يجب أيضاً أن تطهر البالوعات التي تتكاثر فيها تلك الفئران. يجب علينا النضال ضد الفاشيين، لكن يجب أيضاً النضال ضد الرأسمالية نفسها؛ فهي التي تصنع كل تلك الظروف التي تغذي الفاشية، حيث البطالة والفقر والحرمان من الخدمات والأمان الاجتماعي، إلخ.

أكثر حيوية بما لا يُقاس

تعاني الرأسمالية اليوم تناقضات أعمق بكثير من تلك التي عاشتها حين مات ماركس في 1883. تلك التناقضات تتجلى في الأزمات الدورية العميقة، وفي الحروب التي تجتاح العالم، إلخ. وعلى الجانب الآخر أصبحت الطبقة العاملة أقوى بكثير مما كانت عليه في 1883. ومن الطريف أن نذكر أن حجم الطبقة العاملة في كوريا الجنوبية وحدها أكبر من حجمها في العالم كله حينما مات ماركس، مع العلم بأن اقتصاد كوريا الجنوبية يحتل المرتبة رقم 11 بين دول العالم. أضف إلى ذلك العمال في أمريكا وروسيا واليابان وألمانيا وبريطانيا، إلخ. وهذا لا يعني سوى أن الإمكانية والفرصة أمام تحقق الاشتراكية أعلى بكثير مما سبق.

« السابق التالي »