بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عصر الثورة.. الماركسية في الألفية الجديدة

« السابق التالي »

5. الفصل الثالث: أهمية النظرية الماركسية

لقد أكد لينين مراراً وتكراراً أن “لا منظمة ثورية بدون نظرية ثورية”. والماركسية، بحسب تعريف ماركس وإنجلز، هي الاشتراكية العلمية، ومثلها مثل أي علم آخر، كالفيزياء أو الكيمياء، لا يمكن فهمها عن طريق حفظ مجموعة من القواعد أو الشعارات الثابتة، إنما يجب دراستها بجدية وعمق.

أشار ماركس وإنجلز إلى أن على الثوريين أن يسعوا لتعميم الخبرة التاريخية لحركة الطبقة العاملة العالمية. إلا أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا على أساس نظرية ثورية ودراسة متعمقة للنضالات المختلفة؛ فلا يمكن أن يعلم المرء شيئاً عن كوميونة باريس من خلال خبرة الحياة اليومية التي يعيشها، ولهذا السبب عليه أن يقرأ ويدرس التاريخ والنظرية الثورية. استطاع ليون تروتسكي أن يصيغ الفكرة بشكل مختلف حين أشار أن الحزب الثوري يمثل ذاكرة الطبقة العاملة، كما عليه أن يكون مدرسة ينشأ فيها كوادر تلك الطبقة.

على المرء أن يدرس الماضي من أجل الاستعداد للمستقبل، هذا أمر بديهي. وصف الزعيم البلشفي كارل راديك، في مذكراته، كيف أن لينين، في وسط كل الأحداث العاصفة عام 1917، أوصاه بقراءة أحد الكتب عن الثورة الفرنسية الكبرى حيث سيساعده ذلك في فهم وتحديد المهام الثورية في الفترة القادمة. وخلال نفس الفترة العصيبة يُذكر أن لينين قد كتب واحد من أهم أعماله النظرية: الدولة والثورة. وفي خضم الثورة الفرنسية الكبرى، بلوّر سان جوست رؤيته عما يحث بشكل واضح حينما قال أن “من يحفرون نصف ثورة، يحفرون قبورهم بأيديهم”.

الثورة لا تبدأ وتنجز كل مهامها في غمضة عين، ولا تطيح بكل شيء بين ليلة وضحاها، بل إنها تبدأ دائماً كأنصاف ثورات، حيث يتواجد ما هو جديد جنباً إلى جنب مع ما هو قديم. هكذا استطاعت ثورة فبراير 1917 الإطاحة بالقيصر والشرطة، كما استطاعت تأسيس سوفيتات (المجالس العمالية المنتخبة)، وكل ذلك كان جديداً. وعلى الرغم من ذلك كان هناك الكثير من الأمور القديمة التي ظلت في مكانها كما هي، حيث استمر الجنرالات الكبار في أماكنهم في الجيش، وحافظ الرأسماليون على ملكيتهم للمصانع، والإقطاعيون على ملكيتهم للأراضي، كما استمرت الحرب الإمبريالية على قدم وساق.

في أبريل 1917، عندما عاد لينين إلى روسيا، كان هناك 10 آلاف عامل وجندي في استقباله في محطة فنلندا في العاصمة بتروجراد. في وسط الحضور، استقبله رئيس سوفييت بتروجراد وقتها، الزعيم المنشفي تشيخيدزه، بباقة من الورود، وقد صاح قائلاً: “نحن نرحب بك باسم الثورة الروسية المنتصرة”. أما لينين فقد أزاح الورود جانباً والتف إلى آلاف العمال والجنود الذين حضروا لاستقباله، وقال: “أي ثورة منتصرة تتحدثون عنها؟ لقد أطحنا بالقيصر! والثورة الفرنسية أطاحت بالملك في 1792. الرأسماليون لايزالوا يمتلكون المصانع، والإقطاعيين لايزالوا يمتلكون الأراضي، والحرب لاتزال مستمرة.. فلتسقط الحكومة المؤقتة.. فلتسقط الحرب.. الأرض والخبر والسلام.. كل السلطة للسوفيتات”، هكذا يصف المؤرخ الشهير سوخانوف المشهد.

من السهل أن نظن أن آلاف العمال والجنود رحبوا بكلام لينين وهتفوا مؤيدين له، لكن هذا ما لم يحدث، حيث وقف العمال مذهولين ومستنكرين لما قاله لينين. كانت الجماهير منبهرة بإسقاط القيصر وجهازه البوليسي، ولم يفهم أحد لماذا يوجه لينين النقد في هذه اللحظة. أما الصوت الوحيد الذي ظهر في ظل صمت جماهير العمال والجنود، كان صوت جولدنبرج، العضو السابق في اللجنة المركزية للحزب البلشفى، حيث صاح متهماً لينين بالجنون. لقد فهم لينين ما أشار إليه سان جوست في الثورة الفرنسية جيداً، وهكذا شق، هو وحزبه، الطريق لقيادة الثورة من أجل انتصارها النهائي.

ومنذ 1917 حتى الآن، لا شك أن الكثير من الثورات قد اندلعت في أغلب بلدان العالم، إلا أن كل هذه الثورات توقفت في منتصف الطريق، وبالتالي انتهت بثورة مضادة قضت على المكتسبات التي حققتها.

لنأخذ بعض الأمثلة على ذلك. في نوفمبر 1918، استطاعت الثورة في ألمانيا الإطاحة بالقيصر وبناء مجالس عمالية مثل السوفيتات في روسيا، إلا أن الجنرالات وملاك المصانع قد حافظوا على مواقعهم في المجتمع. وفي 1919 اغتال ضباط الجيش كل من روزا لكسمبرج وكارل ليبكنخت وعدد آخر من القادة الشيوعيين، وبعد عدد من السنوات اعتلى النازيون السلطة في ألمانيا. هكذا تحولت ثورة الجماهير إلى ثورة مضادة عليهم.

في 1979، تطورت سلسلة من الإضرابات العمالية في إيران إلى إضراب عام في البلاد بقيادة مجالس العمال (شورى) واستطاعت الإطاحة بالشاه. كان كل من الحزب الشيوعي الإيراني (تودة) وحركة الفدائيين، يمثلون القيادة الحقيقية للعمال، لكنهما كانا تابعين لسياسات موسكو. وللأسف قام الشيوعيون بالتحالف مع آية الله الخوميني، وهو نفسه الذي ذبحهم بعد ذلك.

مثال آخر من أندونيسيا. عندما نال الشعب الأندونيسي الاستقلال عن هولندا في 1949، تولى البرجوازي الوطني أحمد سوكارنو قيادة البلد. كانت أيديولوجيته ترتكز على مبادئ الـ”بانكاسيلا”، وأسسها الرئيسية هي الإيمان بالله وبالوحدة الوطنية. للأسف الشديد لم يقم الحزب الشيوعي بتحدي سوكارنو، بل على العكس اتفق معه تماما على الحاجة إلى الوحدة الوطنية. وكانت النتيجة أن كلمات سان جوست تحققت. كان لدى الحزب الشيوعي الإندونيسي من الأعضاء ما يفوق بكثير عدد أعضاء الحزب البلشفي وقت الثورة: ثلاثة ملايين عضو في مقابل ربع مليون عضو. الطبقة العاملة الإندونيسية كانت أكبر من الطبقة العاملة الروسية عشية الثورة. الفلاحون كانوا أكثر عددا في إندونيسيا منهم في روسيا. ولكن في 1965 نظم جنرال عيّنه سوكارنو، اسمه سوهارتو، انقلابا بدعم الولايات المتحدة وحكومتي حزب العمال في بريطانيا واستراليا. والنتيجة أن ما بين نصف مليون ومليون شخص تم ذبحهم.
يجب علينا أن نتعلم من تجارب الماضي من أجل الاستعداد للمستقبل. يجب، على سبيل المثال، أن ندرس الاقتصاد الماركسي لنفهم تناقضات النظام الرأسمالي التي تدفعه للسقوط في هوة أزمات وانفجارات عنيفة.

والقيادة في النضال تتطلب وضع استراتيجيات واضحة للمستقبل، ولذلك يجب على القيادة الثورية أن يكون لديها فهم نظري عميق للمجتمع والاقتصاد والسياسة والتاريخ والفلسفة، إلخ.

ليس من الجيد أن يكون الفهم النظري الذي نتحدث عنه محصوراً في إطار مجموعة صغيرة من أعضاء الحزب، وهكذا جادل لينين حول ضرورة معرفة كل عضو من أعضاء الحزب الثوري بالماركسية. بيد أن الحزب الثوري لا يمكن أن يكون نسخة موازية للمصنع أو الجيش في ظل النظام الرأسمالي. حيث أنه في المصنع يقرر الرأسماليون والمديرون كل شيء وعلى العمال أن ينفذوا القرارات فقط، وفي الجيش يصدر الضباط الأوامر وما على الجنود إلا الطاعة العمياء. أما في الحزب الثوري، يجب أن يكون لكل عضو الحق والمساحة والقدرة على التفكير والمشاركة في اتخاذ القرار وتنفيذه أيضاً.

يمكن بالتأكيد أن يكون هناك تفاوت في مستوى الوعي والمعرفة النظرية بين أعضاء منظمة أو حزب ثوري واحد. لكن هذه الدرجة من التفاوت يجب، بشكل إرادي، أن يتم تجاوزها عن طريق رفع مستوى وعي ومعرفة كافة الأعضاء. حيث أن أخطر شيء يمكن أن يلحق بالحزب الثوري من الداخل هو أن يسيطر على قرارات الحزب مجموعة من المثقفين المعزولين عن الواقع، وأن يدعوا أنهم يمثلون السياسة الثورية للبروليتاريا. يمكن اعتبار ذلك بمثابة إهانة حقيقية للعمال داخل الحزب، حيث أن ذلك ينفي قدرة العمال على فهم النظرية واستيعابها وبالتالي المشاركة في صياغة توجهات الحزب.

قضى ماركس 26 عاماً من حياته في كتابة “رأس المال”. لماذا إذن كل تلك الفترة الطويلة؟! مع العلم بأنه لم ينه الكتاب حتى وفاته. تم نشر الجزء الأول فقط أثناء حياته، أما الأجزاء الثاني والثالث فقد حررهما إنجلز بعد وفاة ماركس. لماذا أيضاً كان الماركسيون الروس ينظمون ندوات ومحاضرات ليلية طوال تسعينات القرن التاسع عشر لتعليم العمال الماركسية الثورية؟ تكمن الإجابة على هذه الأسئلة في إدراك أهمية النظرية الثورية بالنسبة للحركة الثورية.

أحد أهم الأعمال التي تدافع عن دور النظرية في بناء وعمل الحزب الثوري هو كتاب لينين “ما العمل؟”، الذي أنجزه عام 1902، حيث جادل لينين في هذا الكتاب ضد خصومه (الاقتصادويين) الذين كانوا يزعمون أن وعي العمال لا يمكن أن يتجاوز الوعي الاقتصادي، وبالتالي فإن نضالهم لا يمكن هو الآخر أن يتجاوز النضال النقابي من أجل رفع الأجور أو تقليص عدد ساعات العمل. كما أكد الماركسي الإيطالي، أنطونيو جرامشي، في كثير من كتاباته، على ضرورة أن يتسلح العمال بالنظرية الثورية.

وعلى الرغم من أهمية أن يتسلح الثوريين ويتماسكوا على النظرية الثورية، والدور الهام الذي يلعبه المثقفون الثوريون في صفوف أحزابهم، إلا أن هناك العديد من الأمثلة التاريخية التي توضح كيف أن الكثير منهم كان في موضع هجوم شرس، فقط لأنهم مثقفون. هكذا كان الجناح اليميني في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني يهاجم روزا لكسمبرج بكل حدة. ربما كانوا يكرهون حقيقة أنها امرأة، أو أنها ليست ألمانية (كانت روزا من أصل بولندي). وهكذا أيضاً كان الوضع مشابه لما حدث مع ليون تروتسكي منذ 1923 حينما كان لينين على فراش الموت، حيث هاجمه ستالين باعتباره “من المثقفين”، ولاحقاً قام بإبعاده تماماً باعتباره “من الغرباء” في إشارة سافرة إلى أصله اليهودي.

لكن بشكل عام، فإن سوء تقدير أو تسفيه أهمية دور النظرية الثورية والتماسك عليها والتسلح بها، يعد إهانة واحتقار للعمال، حيث أن ذلك يفترض خطئاً أن العمال غير قادرين على استيعاب الأفكار الثورية أو على الأقل غير مهتمين بها.

إلا أن قراءة الأدبيات أو الاستماع إلى بعض المحاضرات حول الماركسية الثورية ليسا كافيين لتماسك عضوية حزب أو منظمة ثورية على الأفكار الماركسية، فالتماسك على الأفكار يجب أن يأخذ منحى أكثر عملية في الواقع. وحينما أكد لينين على أن كل عضو في الحزب الثوري هو قائد للنضال، كان يعني أن كل عامل في الحزب ينبغي أن تكون لديه القدرة على قيادة نضال زملائه غير الأعضاء في الحزب. وبهذا المعنى ينبغي على كل عضو في الحزب الثوري أن يقدم إجابات حية لتساؤلات زملائه في العمل أو جيرانه، إلخ، حول ما يجري حولنا من أحداث.

لنعطي مثالاً على ذلك: الكثير من الناس يتساءلون “لماذا نسعى لثورة.. ألم تؤدي الثورة الروسية إلى الطغيان والاستبداد؟!”. في هذه الحالة، على عضو الحزب الثوري أن يكون لديه القاعدة النظرية والمعرفة التي تؤهله لكي يوضح ويشرح ما حدث لروسيا بعد الثورة، مثل هزيمة الثورة في ألمانيا مما أدى لعزلة روسيا، لانحطاط السلطة فيها، لصعود ستالين الذي قضى على الثورة وبنى رأسمالية الدولة في روسيا التي اعتمدت القهر والاستبداد السياسي والاقتصادي. وهكذا فإن الحوارات الدائمة بين الأعضاء الحزبيين والناس العاديين توضح للأعضاء ما يعرفونه وما يريدون إقناع الناس به، والأهم من ذلك، ما لا يعرفونه وما يجب أن يطلعوا عليه ويتعلموه.

إن جوهر الماركسية يكمن في فلسفة الجدل (الديالكتيك). لذا فإن الحوار والجدال الدائم حول الأفكار بين أعضاء الحزب وبقية الناس، أمر حيوي للغاية. لكن كيف يمكن أن ينخرط عضو الحزب في نقاشات مثل هذه مع بقية الناس غير الأعضاء في الحزب؟ قد يكون أحد الوسائل إلى ذلك هو بيع الجريدة الثورية، ليس فقط في المظاهرات وفي الشوارع، لكن الأهم من ذلك على زملائهم في أماكن العمل أو الجامعات وعلى جيرانهم، وفي الأوساط التي يتواجدون فيها بشكل طبيعي.

تلك هي إحدى الأفكار الأساسية للينين، حيث اعتبر الجريدة الثورية بمثابة الناظم الجماعي لأعضاء الحزب الثوري.

« السابق التالي »