بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عصر الثورة.. الماركسية في الألفية الجديدة

« السابق التالي »

6. الفصل الرابع: العولمة بين الأساطير والحقائق

في السنين الأخيرة، فرض مصطلح “العولمة” نفسه على مفردات الاقتصاد والسياسة في العالم كله. والمصطلح في الحقيقة يلقى قبولاً من قبل قادة كافة الأحزاب السياسية، المحافظة أوالإصلاحية على حد سواء، وكأنه قدر على البشرية أو قدرة إلهية هبطت من السماء. كما أنه يتم ترويجه بحماسة بالغة سواء من خلال الصحف أو التلفزيون، أو الشركات الرأسمالية وحتى قادة النقابات العمالية. لكن هؤلاء الذين يروجون للعولمة كمصطلح وكسياسة اقتصادية عالمية، يفترضون دائماً أن الشركات متعددة الجنسيات أقوى من العمال، وأقوى من الدول نفسها.

ومن الغريب أن نقرأ مقالة للكاتب إدوارد مورتيمر في الفاينانشيال تايمز، تلك الجريدة اليمينة المحافظة، يستعين فيها بالبيان الشيوعي نفسه ليدعم نظرية العولمة. هكذا اقتبس السطور الآتية من البيان:

“إن حاجة البرجوازية إلى تصريف دائم لمنتجاتها، متسع باستمرار، تدفعها إلى كل أرجاء الكرة الأرضية. فلا بد لها أن تُعشعش في كل مكان، وأن تنغرز في كل مكان، وأن تقيم علاقات في كل مكان.

والبرجوازية، باستثمارها السوق العالمية، طبَّعت الانتاج والاستهلاك، في جميع البلدان، بطابع كوسموبوليتي، وانتزعت من تحت أقدام الصناعة أرضيتها القومية وسط سخط شديد من الرجعيين. فالصناعات القومية الهرمة دُمّرت و تدمَّـر يومياً لتحل محلها صناعات جديدة، أصبح اعتمادها مسألة حيوية بالنسبة إلى جميع الأمم المتحضرة، صناعات لم تعد تستعمل المواد الأولية المحلية، بل المواد الأولية من أقصى المناطق، صناعات لا تُستهلك منتجاتها في البلد نفسه فحسب، بل أيضاً في جميع أنحاء العالم. فمكان الحاجات القديمة، التي كانت المنتجات المحلية تسدُّها، تحُل حاجات جديدة تتطلب لإشباعها منتَجات أقصى البلدان والأقاليم. و محل الإكتفاء الذاتي الإقليمي والقومي والانعزال القديم، تقوم علاقات شاملة في كل النواحي، و تقوم تبعية متبادلة شاملة بين الأمم”.

كان إدوارد مورتيمر، بادعائه بأن ماركس هو أبو نظرية العولمة، يحاول أن يمتدح ماركس، لكنه في الحقيقة يهينه. سوف أسرد بصدد ذلك بعض الملاحظات والتعليقات للمقارنة بين الاقتصاد الماركسي والاقتصاد البرجوازي.

لقد أوضح ماركس عدة مرات أن يدين بشكل كبير للاقتصادي القديم آدم سميث، وبشكل أكبر لديفيد ريكاردو. لكنه أوضح أيضاً أن نظريته ليست استكمالاً عادياً للنظريات الاقتصادية الكلاسيكية، بل نقداً وتحدياً لها. هكذا كان، على سبيل المثال، العنوان الثانوي لكتاب “رأس المال” لماركس: “نقد الاقتصاد السياسي”.

في كتاب ثروة الأمم، الذي نُشر في العام 1772، كان آدم سميث يشرح أهمية تقسيم العمل، حيث كان يصف كيف أنه في مصنع لإنتاج الدبابيس يقوم كل عامل بمهمة معينة ويقوم بتكرارها باستمرار. تقسيم العمل هذا يزيد بالتأكيد من الإنتاجية، ولقد تقبل ماركس هذه الفكرة لكنه أضاف أن تقسيم العمل يحوّل العامل إلى نصف آدمي، وفي ذلك يكمن مفهوم ماركس للاغتراب. كما أكد أيضاً أن العمال لا يشكلهم النظام هكذا كما يتشكل الصلصال في اليد، إذ يستطيعون التمرد على النظام ومحاربته أيضاً.

كان سميث وريكاردو يعتقدان أن السعي للربح هو نشاط طبيعي للإنسان، لكن وعلى العكس منهم، أكد ماركس أن ذلك يتغير وفق التطورات التاريخية. في السوق، حيث التنافس بين الرأسماليين أو الشركات الرأسمالية العملاقة أو الدول الرأسمالية، يندفع كل طرف لمراكمة رأس المال تحت تأثير المنافسة نفسها. وحينما يتنافس الرأسماليون فيما بينهم في السوق، فإنهم يلقون تكلفة تلك المنافسة على أكتاف العمال في صورة الاستغلال الاقتصادي، لكن العمال يناضلون ضد ذلك أيضاً. وهذا مايجعلنا نقول أن العمال ليسوا مجرد مفعول بهم في التاريخ، لكنهم أيضاً فاعلين أساسيين فيه. أما نظرية العولمة فهي ترسخ بقوة لفكرة أن السلطة والثروة يجب أن تكون في حيازة الطبقات العليا في المجتمع أما الطبقات السفلى فهي محرومة تماماً من أدنى قدر من السيطرة على السلطة. وبالنسبة لمنظري العولمة وأيديولوجيي السوق الحر، فإن هذا هو قمة العدل.

قوة العمال في الشركات متعددة الجنسيات

في ظاهر الأمر، يبدو أن العمال في مصنع واحد مثلاً من مصانع إحدى الشركات المتعددة الجنسية العملاقة، وكأن لا حول لهم ولا قوة. فإذا كانت شركة فورد يعمل لديها ربع مليون عامل، فما إذن قوة بضعة آلاف من عمالها في بريطانيا ليقفوا ويواجهوا إدارة فورد العملاقة؟!

لكن الحقيقة مختلفة تماماً عما يبدو في الظاهر. فعندما أضرب نحو 3 آلاف عامل في جنرال موتورز في دايتون وأوهايو في 1996، أغلقت عمليات جنرال موتورز عبر الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وتوقف حينئذ 125 ألف عامل في جنرال موتورز عبر العالم خلال أيام قليلة. لقد كلف الإضراب الشركة حوالي 45 مليون دولار في اليوم الواحد، وحينها كانت حكومة كلينتون مضطربة للغاية وتدعو العمال لفض الإضراب والعودة للعمل.

وعندما تم تنظيم إضراب عام في الدنمارك، اضطرت شركة ساب لإيقاف الانتاجفي السويد، إذ أنه لم يعد لديها مواد الانتاج التي كانت تصلها من الدنمارك، كما توقف العمل في فنلندا وأعلنت شركة فولفو أنخطوط الانتاج في السويد وهولندا قد تأثرت بشدة.

عندما أضرب عمال شركة فورد في بريطانيا عام 1988، توقفت الشركة كلها عبر أوروبا خلال ثلاثة أو أربعة أيام. وهكذا، بسبب الشركات متعددة الجنسيات، أصبح العمال أكثر قوة بكثير من ذي قبل. يحتاج المرء كي يلاحظ ذلك فقط أن يقارن الأمثلة السابقة بأول إضراب عام في التاريخ، ذلك الذي وقع في بريطانيا في 1832، حيث اضطر العمال لتنظيم لجان تطوف المصانع لتحريض زملائهم على المشاركة في الإضراب.

يوجد خلف نظرية العولمة منطق كامل يحكمها ويضع محدداتها. وهذا المنطق يشبه كثيراً منطق البنتاجون عندما أعلن الحرب على فيتنام، حيث كان القادة العسكريين الأمريكيين مقتنعين تماماً أن القوة العسكرية للولايات المتحدة لا تُقهر. أما فيتنام فهي أضعف كثيراً ولا تستطيع الصمود في وجه البنتاجون. نتذكر أنه في القرن التاسع عشر استطاعت بريطانيا هزيمة الهند، أما القوة العسكرية الأمريكية في ستينات القرن العشرين بالتأكيد هي أكبر من القوة العسكرية لبريطانيا القرن التاسع عشر بما لا يُقاس. في نفس الوقت، فإن بلد مثل فيتنام هي أصغر كثيراً في المساحة وأقل كثيراً من حيث الكثافة السكانية من الهند. وإذا استطاعت بريطانيا الانتصار في القرن التاسع عشر على الهند، فإنه بالتالي تستطيع الولايات المتحدة الانتصار على فيتنام بسهولة بالغة.

ذلك هو المنطق الميكانيكي بكل فجاجته وسطحيته. فإذا نظرنا إلى الأمر بشكل جدلي سنجد الصورة على النقيض تماماً من ذلك. في انتفاضة الهند في 1857، قُتل جندي بريطاني، لكن ما الضرر الضخم الذي لحق ببريطانيا عند مقتل ذاك الجندي؟! كم تبلغ قيمة جندي أو عامل واحد بالنسبة لبريطانيا؟! لنقل 100 جنيه استرليني. القوة العسكرية للولايات المتحدة هي بلا شك كما قلنا أكبر أضعافاً مضاعفة، وقد تبلغ قيمة الطائرة الأمريكية، لنقل مليون دولار. إلا أن الولايات المتحدة قد فقدت آلاف الجنود والطائرات والدبابات في حربها ضد فيتنام، وهُزمت في النهاية بعد حرب ضروس خاضتها المقاومة الفيتنامية ضدها.

العولمة والدولة

فكرة أخرى يستند إليها مؤيدو العولمة والمدافعون عنها، هو أن الدولة لا تستطيع أن تفعل شيئاً لزيادة معدلات التوظيف والقضاء على البطالة، وأن زمن الكينزية قد انتهى ولابد أن تحل العولمة محلها باعتبارها الخيار الوحيد المتبقي.

منذ بداية الحرب العالمية الثانية وحتى عام 1973، شهد العالم أطول فترة رخاء اقتصادي في تاريخ الرأسمالية، حيث استطاعت الكينزية إنقاذ الرأسمالية من الأزمات الاقتصادية طيلة تلك الفترة. كانت الكينزية تسعى إلى زيادة الإنفاق الاجتماعي وتنظيم الطلب الاقتصادي وتقليص معدلات الربح. ربما يكون التعبير الأكثر تحمساً لتأييد السياسات الكينزية كان في كتاب أنطوني كروسلاند “مستقبل الاشتراكية” الذي نُشر في العام 1956. وطبقاً لكروسلاند فإن فوضى الرأسمالية تولي بعيداً ومعها كل مظاهر الصراع الطبقي، والنظام الآن في وجهة نظره يصبح أكثر ديمقراطية وعقلانية. تذوب الرأسمالية بنفسها، وكل الكلام حول أن الانتاج يستهدف الربح ولا يستهدف الاحتياجات البشرية، كل هذا الكلام طبقاً لكروسلاند، أصبح غير مقبول. وكما يذكر فإنه قد حدثت هناك ثورة سلمية جعلت الصراع الطبقي مفهوم غير موجود حتى كي يفكر المرء فيه: “لا يستطيع أحد الآن التفكير أنه يمكن أن تتحالف الدولة مع أصحاب الأعمال ضد نقابات العمال”. لقد كتب أن “بريطانيا اليوم تعيش في حالة وفرة واسعة”، أما الاشتراكيين فعليهم أن يصرفوا النظر عن الأمور الاقتصادية. إلى ماذا يلتفتون إذن؟!

كتب السيد كروسلاند أننا “يجب أ نوجه اهتماماتنا إلى أشياء أخرى مفيدة وأكثر أهمية على المدى الطويل، مثل السعادة والحرية والمتعة الشخصية.. إيجاد مقاهي مفتوحة وممتعة، شوارع مضيئة ليلاً، فنادق ومطاعم أفضل وأكثر راحة.. صور ومناظر جميلة في الشوارع والأماكن العامة، تصميمات أفضل للأثاث ولملابس النساء، تماثيل راقية بين البنايات السكنية، إضاءة أفضل ومصابيح أكثر أناقة في الشوارع، إلخ”.

إن وصف الرأسمالية في عهدها القديم بأنها كانت إنسانية وعقلانية أمر لا يمكن تصديقه بالمرة. في الحقيقة كانت الرأسمالية منذ نعومة أظفارها، بحسب كلمات ماركس، مغطاة بالطين والدم، ولم تتغير بشكل نوعي إلى يومنا هذا ولن تتغير في المستقبل. إن بربرية الرأسمالية هي اليوم أسوأ كثيراً مما كانت عليه قبل قرن ونصف مضى. ولكي ندرك ذلك علينا فقط أن نتذكر الموت في غرف الغاز أو ما حدث في هيروشيما وناجازاكي أو الـ 20 مليون طفل الذين يموتون في العالم الثالث سنوياً لأن البنوك الدولية الكبرى تعتصر ثروات بلدانهم.

إن البطالة في ألمانيا، التي وصلت إلى 8 مليون عاطل في عام 1932، اختفت تماماً بعد ذلك بسنتين فقط. لكن ذلك لم يكن بسبب أن أدولف هتلر قد قرأ النظريات الاقتصادية لجون ماينارد كينز، لكن في الحقيقة بسبب برنامج التسليح عكف هتلر على تفنيذه في ألمانيا. إن تفسير الرخاء الطويل الذي شهدته الرأسمالية يكمن في فهم نظرية اقتصاد الحرب الدائم. في مارس 1957، وفي مقالتي المنشورة بعنوان “اقتصاد الحرب الدائم”،حاولت أن أشرح أثر اقتصاد الحرب الدائم على استقرار الرأسمالية، وكيف أن تناقضات هذه العملية تقضي على الرخاء في النهاية. وقد شرحت أن البلدان التي تنفق كثيراً على انتاج السلاح، تفتح أسواقها وتقلل من انخفاض معدل الربح، لكن تلك البلدان التي تنفق أقل، تستفيد بشكل أكبر من الرخاء الاقتصادي أكثر من البلدان ذات الإنفاق الأعلى على انتاج السلاح، وسيكون لديهم موارد أكبر للإنفاق على تحديث الصناعة بدلاً من الإنفاق على إنتاج الطائرات الحربية والدبابات، وتلك البلدان هي التي تفوز في المنافسة في نهاية الأمر. وهذا بالضبط ما حدث؛ فبينما أنفقت روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا بشكل جبار على الانتاج العسكري، كانت بلدان مثل اليابان وألمانيا الغربية تنفق أقل كثيراً بما لا يُقاس. لذا، فإن المارك الألماني والين الياباني أصبحا أقوى كثيراً مقارنةً بالدولار الأمريكي والجنيه الاسترليني. وفي عام 1973، بعد حرب فيتنام، انهار الدولار وارتفعت أسعار النفط بشدة، وانهارت معهما الكينزية.

في مؤتمر حزب العمال الحاكم في 1976، أعلن رئيس الوزراء البريطاني جيمس كالاجان الآتي: “لفترة طويلة كنا نظن أننا يمكننا الإفلات من الكساد وزيادة التوظيف عن طريق تقليص الضرائب وزيادة الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية. لكني اليوم أخبركم بكل صراحة أن هذا الخيار لم يعد موجوداً”.

لقد مهدت السياسات الكينزية للسياسات النقدية التي أتت بعدها والتي فرضت نفسها على مستوى عالمي. كما أن سياسات ثاتشر (رئيسة الوزراء البريطانية التي عبّدت الطريق للسياسات النقدية والليبرالية الجديدة في بريطانيا) قد أخذت شكلها وتبلورت بشكل كامل حتى قبل انتخاب ثاتشر لمنصب رئيس الوزراء. وبحسب كلمات بيتر ريدل، المحرر السياسي لجريدة الفاينانشيال تايمز: “لو كان هناك ما يُسمى بتجربة ثاتشر، فإن تلك التجربة قد أطلقها دينيس هيلي (مستشار حزب العمال لبيت المال البريطاني)”.

في وسط الأزمات الاقتصادية الطاحنة، تبدو الإصلاحية وكأنها مثل المظلة المصنوعة من الورق في ليلة ممطرة. قد تبدو تلك المظلة مفيدة لوقت طويل طالما أن السماء لا تمطر. لكن لتحدي هجمات الرأسمالية وللدفاع عن الإصلاحات الاجتماعية، ينبغي تجاوز الإصلاحية ذاتها. فقط الثوريون هم الذين يستطيعون القتال “إلى النهاية” للدفاع عن المكتسبات والحقوق الاجتماعية ضد هجمات الرأسمالية.

إذا قرر أحد الرأسماليين مثلاً إغلاق المصنع، سيضطر العمال في هذه الحالة تحدي حق ملكيته للمصنع. لحل أزمة البطالة يجب أن تتقلص عدد ساعات العمل الأسبوعية بشكل كبير وأن يتم استقبال عمال جدد ليعملوا في ساعات العمل التي تم إزاحتها من على كاهل العمال الموجودين في الأصل، وفي هذه الحالة سيقول الرأسمالي أنه ليس عليه أن يدفع أكثر لعمالة جديدة من أجل أن يظل المصنع مفتوحاً وأن يستمر العمل فيه، وهنا يسضطر العمال أيضاً لتحدي حق ملكيته للمصنع.

هناك بين الرأسمالية والاشتراكية هوة ساحقة لأسفل، ونحن لا نصدق –مثلما يعتقد الإصلاحيون- أنه يمكن التحول من نظام إلى آخر بشكل تدريجي. لا يمكن عبور تلك الهوة من خلال عدد من الخطوات القصيرة. وإذا كان أحد يشك في ذلك، عليه فقط أن يصعد فوق قمة أحد المباني الشاهقة في المدينة، وأن ينظر إلى المسافة التي تفصل بينه وبين قمة المبنى المجاور، إذا جح في العبور إلى القمة المجاورة عن طريق بعض الخطوات المستقيمة القصيرة، فقد تنجح الإصلاحية في الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية.

« السابق التالي »