بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عصر الثورة.. الماركسية في الألفية الجديدة

« السابق التالي »

7. الفصل الخامس: رأسمالية الدولة في روسيا

تمهيد

مضت الآن تسع سنوات على انهيار سور برلين وسقوط الاتحاد السوفيتي وما سُمي بانظمة الكتلة الشرقية. كنت قد توصلت في عام 1947 إلى استنتاج هام مفاده أن تلك الأنظمة الستالينية لم تمثل سوى أنظمة رأسمالية الدولة، وقد كتبت كتابين لبلورة هذه النظرية الجديدة. وبالطبع لا يمكن للمرء أن يتحقق من أفكاره إلا تحت اختبار الأحداث التي يمكن أن تثبت تلك الأفكار أو تنفيها. ولقد أثبتت أحداث انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية صحة النظرية بشكل عملي.

وفي، الحقيقة إذا كانت روسيا دولة اشتراكية أو أن أنظمة الحكم الستاليني دولاً عمالية، أو حتى دولاً عمالية منحطة أو مشوّهة بالبيروقراطية الحاكمة، فإن سقوط الستالينية إذن كان سيعني أن ثمة ثورة مضادة حدثت. بالتأكيد سوف يدافع العمال عن دولتهم العمالية بنفس الشراسة التي يدافعون بها عن نقاباتهم، مهما بدت بيروقراطية أو يمينية التوجه، ضد أولئك الذين يحاولون تحطيمها. فالعمال يدركون جيداً، من خلال خبرتهم اليومية المعتادة، أن نقابتهم، مهما بدت ضعيفة، تمثل خط دفاع أول لهم في مواجهة الاستغلال. العمال الذين يعملون في مصانع تحت مظلة نقابية بالتأكيد يتقاضون أجوراً أعلى وفي ظروف عمل أفضل، من زملائهم الذين ليس لديهم نقابة.

لكن هل دافع العمال في أوروبا الشرقية وروسيا عن أنظمة الحكم عندما كانت تتهاوى في 89- 1991؟! إنهم لم يحاولوا حتى فعل ذلك. كان حجم العنف في كل المواجهات التي قامت أثناء انهيار تلك الانظمة أقل من حجم العنف الذي كان في إضراب واحد في بريطانيا، هو إضراب عمال المناجم في 84- 1985. البلد الوحيد الذي تم فيه استخدام العنف على نطاق أوسع كانت رومانيا، لكن العمال لم يدافعوا عن الدولة ويحمونها من الانهيار، بل كان البوليس السري لشاوشيسكو، الديكتاتور الروماني، هو من دافع عن الدولة.

ثانياً، إذا كانت هناك ثورة مضادة هي التي أسقطت تلك الأنظمة، لكان أولئك الأشخاص الذين قبعوا على قمة المجتمع قد أُزاحوا من أماكنهم. لكن ما حدث أن نفس أولئك الناس الذين كانوا يديرون المجتمع والاقتصاد ويحددون السياسات في ظل النظم الستالينية، ظلوا كما هم على القمة حتى بعد انهيار تلك الأنظمة. إذن فلم تكن أحداث الأعوام 89- 1991 تمثل بالنسبة للحكام لا خطوة للأمام ولا خطوة للخلف، بل ببساطة خطوة تنقلهم إلى طريق موازي.

وهكذا من الواضح أنه ليس هناك فارق جوهري بين نظم الحكم الستالينية وبين نظم الحكم الحالية في روسيا وأوروبا الشرقية. كل ما حدث أن الدولة قد تم استبدالها برجال الأعمال في إدارة عملية الاستغلال الاقتصادي، لكن في الحالتين النظام ببساطة: رأسمالي.

ميلاد رأسمالية الدولة في روسيا

استطاعت الطبقة العاملة في روسيا انتزاع السلطة خلال ثورة أكتوبر 1917، وقد كان تأثير هذه الثورة هائلاً على مستوى العالم كله، حيث قامت ثورات عمالية في ألمانيا والنمسا والمجر، كما صعدت الكثير من الأحزاب الشيوعية ونمت بقوة في فرنسا وإيطاليا كما في بلدان أخرى. كان لينين وتروتسكي مقتنعين تماماً أن مصير الثورة في روسيا يتوقف على انتصار الثورة في ألمانيا، ومن دونها، سوف يكون مصير الثورة الروسية هو الهلاك.

ولقد هُزمت الثورة في ألمانيا (1918- 1923) بشكل مأساوي نتيجة لغياب حزب ثوري ذي كوادر منغمسة في النضال الجماهيري، يستطيع أن يقود الثورة لانتصار الطبقة العاملة. ومرة بعد مرة كنا نشهد ثورات عمالية حقيقية لكنها لا تنتهي بانتصار الطبقة العاملة نتيجة لغياب أحزاب ثورية حقيقية: اسبانيا وفرنسا 1936، إيطاليا وفرنسا 44- 1945، المجر 1956، فرنسا 1968، البرتغال 1974، إيران 1979، وبولندا 80- 1981.

أدت هزيمة الثورة في ألمانيا عام 1923 إلى انتشار التشاؤم وإلى انتعاش التيار اليميني في روسيا. وفي نفس الوقت قاد ستالين حملة شعواء بشكل علني ضد تروتسكي، وقد ساعده في ذلك غياب لينين شبه التام عن الحياة السياسية، حيث كان راقداً على فراش الموت. بينما كان تحليل تروتسكي صحيحاً تماماً، فقد استنتج أن صعود الستالينية في روسيا كان نتيجة عزلة الثورة الروسية بعد هزيمة موجة الثورات في أوروبا من ناحية، وضغوط الرأسمالية العالمية من ناحية أخرى. وهكذا فإن تحليله بأن الدولة الستالينية في ذلك الوقت تمثل دولة عمالية منحطة، كان تحليلاً ملائماً. لكن الضغط الرهيب من الرأسمالية العالمية على تلك الدولة الحديثة قد غيّر طبيعتها تماماً.

إذا هاجمني مثلاً كلب مسعور بعنف، سوف أضطر لأن استخدم العنف أيضاً للدفاع عن نفسي. بالتأكيد لا أملك أسنان حادة كالتي لديه، لكن يمكن أن استخدم عصا متينة لردعه. أما إذا قتلت الكلب بالعصا، سيكون عليّ أن ألقي العصا جانباً، أو إذا قتلني الكلب، فسيكف هو عن استخدام أسنانه ضدي. لكن ماذا لو لم أكن قوياً بما فيه الكفاية لقتل الكلب ولا الكلب بالقوة اللازمة لقتلي، وقد تم حجزنا في غرفة صغيرة لشهور طويلة؟! لن يفرّق حينها أحد بيني وبين الكلب.

هوجمت السلطة السوفيتية بجيوش جرارة من ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا واليابان ورومانيا وفنلندا ولاتفيا وليتوانيا، وتركيا أيضاً. تلك الجيوش التي تعاونت مع الجيش الأبيض الروسي الذي قاد الثورة المضادة، لم تستطع هزيمة الجيش الأحمر الثوري في روسيا. وفي نفس الوقت لم تستطع الحكومة الثورية في روسيا إعداد الأحزاب الثورية للقضاء على الحكومات الرأسمالية. لذا دفع الضغط المتواصل للرأسمالية العالمية الحكم الستاليني كي يكون أكثر شبهاً للرأسمالية نفسها. كانت القوانين التي حكمت الاقتصاد والجيش الروسي مماثلة لتلك الموجودة في العالم الرأسمالي.

في 1928 عندما أعلن ستالين أنه في خلال 15 أو 20 عاماً ستلحق روسيا بالدول الصناعية المتقدمة، كان ذلك يعني أنه كان على روسيا أن تنجز في عُمر جيل واحد ما أنجزته بريطانيا في مائة عام من الثورة الصناعية. في بريطانيا تطلب الأمر ثلاثة قرون لتقليص الاعتماد على الانتاج الزراعي ولتطور الرأسمالية، أما في روسيا فقد استغرق الأمر ثلاثة أعوام فقط من خلال ما سُمي بـ”التجميع القسري للفلاحين”.

عشرات الملايين من الفلاحين تم جمعهم بشكل قسري وإرسالهم للعمل في المزارع الجماعية لإنتاج أضخم كميات من الحبوب، لتبيعها الدولة في السوق العالمية وتشتري بثمنهم ماكينات حديثة لبناء الصناعة، وأيضاً من أجل إطعام ملايين العمال الصناعيين الجدد بأسعار رخيصة على الدولة. الملايين تم إرسالهم للعمل في معسكرات العبودية في سيبريا. إن فظائع التجميع القسري لستالين يذكرنا بتشبيه ماركس الشهير في المجلد الأول من كتاب رأس المال: “إن الرأسمالية، منذ ميلادها وحتى موتها، مغطاة بالطين والدم”.

إن استعباد العمال في روسيا يذكرنا أيضاً بدور العبودية في الولايات المتحدة التي سهلت انطلاق الرأسمالية الأمريكية، وأيضاً بدور تجارة العبيد في تطوير الرأسمالية في بريطانيا: “إن حوائط بريستول هي الأخرى مغطاة بدم العبيد”.

حينما بنى ستالين امبراطوريته الصناعية والعسكرية العملاقة، كان عليه أن يبدأ من أرضية أضعف كثيراً من تلك التي يقف عليها أنداده في الغرب الرأسمالي. لم تكن القوة العسكرية الجبارة التي بناها ستالين تعكس بأي قدر تطور قوى الانتاج في روسيا، وأولاً وأخيراً لم يكن لدى الفلاحين في روسيا عام 1928 أي جرارات زراعية مثلاً، في حين أنهم كانوا يستخدمون محاريث خشبية عُرفت باسم “السوخا”.

كما أن التصنيع في روسيا كان موجهاً لبناء صناعة ثقيلة لتكون قاعدة لانتاج السلاح. وهذا ما لاحظته بعناية عندما قارنت الأهداف الاقتصادية للخطط الخمسية الخمسة الأولى في روسيا (وللعلم بالشيء، لم يكن يجرؤ أحد أن يفعل ذلك في روسيا في ظل حكم ستالين).

بالنسبة للصناعة الثقيلة مثلاً، كان المستهدف في الخطة الخمسية الأولى انتاج 10.4 مليون طن من الصلب، وفي الخطة الخمسية الثانية 17 مليون طن، وفي الثالثة 28 مليون طن، وفي الرابعة 25.4 مليون فقط نتيجة للحرب، أما في الخطة الخمسية الخامسة فكان مستهدف أن يتم انتاج 44.2 مليون طن من الصلب. من الواضح هنا أم مؤشر انتاج الصلب يعلو بشكل سريع، ونفس الشيء كان بالنسبة للحديد المصبوب والكهرباء والفحم، إلخ.

أما بالنسبة للسلع الاستهلاكية فإن الصورة مختلفى تماماً. منتجات الأقطان كان مستهدف أن يتم انتاج 4.7 مليون متر منها في الخطة الخمسية الأولى، وفي الخطة الخمسية الثانية 5.1 مليون متر، وفي الثالثة 4.9، وفي الرابعة 4.7 مليون متر. وهكذا فإنه خلال 20 عاماً لم يرتفع المستهدف من انتاج الأقطان إطلاقاً. وبالنسبة لمنتجات الصوف فإن الصورة تغدو أكثر كآبة: كانت الخطة الخمسية الأولى تهدف لزيادة الانتاج إلى 270 مليون متر من الصوف، أما الخطة الخمسية الثانية فاستهدفت 227 مليون متر، والثالثة 177 مليون متر، قلت في الرابعة كثيراً إلى 159 فقط. يبدو لنا واضحاً إذن أن المستهدف انتاجه قد هبط بنسبة 40%.

صحيح أن روسيا كانت بارعة بحق في صناعة الصواريخ الفضائية، لكنها لم تكن كذلك في صناعة الأحذية أو الملابس، إلخ.

الرأسمالية محكومة بهدف واحد ألا وهو تراكم رأس المال. على شركة فورد أن تستثمر باستمرار وإلا سوف تهزمها جنرال موتورز بسهولة في السوق؛ فالمنافسة على الأرباح الرأسمالية تدفع كل منهما على الاستثمار المستمر وعلى المراكمة المستمرة في رأس المال. وبالتالي فإن نفس المنافسة على الأرباح الرأسمالية في السوق تدفع كل منهما لزيادة استغلال العمال لديهما. لذا فإن استغلال العمال هو الوجه الآخر من العملة للمنافسة بين الرأسماليين في السوق.

نفس الشيء ينطبق على استغلال الدولة الستالينية للعمال والفلاحين في روسيا. وذلك الاستغلال القاسي كان بكل تأكيد نتيجة المنافسة الرأسمالية في روسيا والقوى الرأسمالية الأخرى، وعلى رأسهم ألمانيا النازية.

منذ عام 1947 أقلعت تماماً عن إطلاق كلمة الاتحاد السوفيتي على روسيا الستالينية، فلقد كانت تلك كذبة كبيرة فلم تكن هناك أي سوفيتات في روسيا وقتها. في كل انتخابات كان هناك مرشح واحد عن كل دائرة انتخابية، وكان الحال بالمثل في ألمانيا النازية، ولم يكن ذلك المرشح يحصل على أقل من 99% ولا أكثر من 100% من الأصوات، فيما عدا مرة واحدة، حينما حصل ستالين في انتخابات عام 1947 على 140% من الأصوات (!!). وفي اليوم التالي أن “سكان الدوائر المجاورة قد أتوا وأعطوا أصواتهم بكل حماسة لستالين”. من الطبيعي أن يتم إعلان نتائج الانتخابات بعد انتهاء التصويت، إلا أن ما حدث عام 1940 كان مختلفاً (!!). في الاقتراع العام الذي عقد حول انضمام لاتفيا وليتوانيا وأستوينا للاتحاد السوفيتي، أعلنت وكالة أنباء موسكو النتائج قبل انتهاء التصويت بيوم كامل، وبالتالي أعلنت جريدة لندن تايمز النتائج نقلاً عن وكالة أنباء موسكو. وكانت النتيجة المزورة طبعاً بالموافقة على الانضمام للسوفييت.

لا يجوز على الإطلاق أن نسمي امبراطورية ستالين بـ “اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية” كما كان يُطلق عليها عادةً. فالاتحاد يتم بشكل اختياري ولا يمكن أن يكون إجبارياً. ولم يكن هناك مثلاً أي اتحاد بين جورجيا وروسيا بنفس الدرجة التي لم يكن فيها اتحاد بين الهند وبريطانيا. كما أنها لم تكن جمهوريات بل أجهزة دول تمارس القمع والاضطهاد على الجماهير. كما أنه من الناحية العملية لم تكن هناك سوفيتات. ولم تكن بأي حال اشتراكية بل رأسمالية دولة ستالينية.

الانتقادات الموجهة لنظرية رأسمالية الدولة

هناك ثلاثة انتقادات أساسية موجهة ضد نظرية رأسمالية الدولة. أولاً، أن الرأسمالية معروفة بالملكية الفردية الخاصة، أما في روسيا فكانت أدوات الإنتاج مملوكة من قبل الدولة وليس من قبل أشخاص. وثانياً أن الرأسمالية لا تعرف التخطيط الاقتصادي، أما الاقتصاد الروسي فكان مخططاً بدقة. أما ثالثاً، فإن ما كان يجب فعله في روسيا الستالينية هو ثورة سياسية لتغيير هيكل السلطة، فقط ثورة سياسية كافية لإصلاح الأمور. أما في ظل الرأسمالية فنحن نحتاج لثورة اجتماعية وليست سياسية فقط.

سوف نتعامل في السطور القادمة مع كل من هذه الانتقادات على حدا.

في 1847، كتب برودون، الفوضوي الفرنسي الشهير، في كتابه “فلسفة البؤس”، أن الرأسمالية “تعني الملكية الخاصة”. وقد وجه ماركس نقد حاد لهذه الفكرة في كتابه السجالي مع برودون، “بؤس الفلسفة”، وقد وصف الملكية الخاصة بأنها معنى مجرد يحتاج إلى تحديد عندما نتحدث عنه في إطار الرأسمالية. فإذا كانت الملكية الخاصة تساوي الرأسمالية، إذن فإن الرأسمالية قد وجدت في المجتمع العبودي، لأنه كان هناك ملكية خاصة للعبيد، أو أنها قد وجدت في المجتمع الإقطاعي لأنه كان هناك ملكية خاصة للأرض. إذن فقد كانت فكرة برودون هشة وضعيفة، إذ أن الملكية الخاصة لا تستطيع وحدها تحديد نمط الانتاج، لكن شكل الملكية الخاصة يمكن أن يحدد أي نمط انتاجي يعيشه المجتمع، وبالتالي شكل المجتمع ذاته.

إذا كانت الملكية الخاصة يمكن أن تنطبق على مجتمع العبيد ومجتمع الأقنان ومجتمع عمال الصناعة، إذن فالعبيد يمكن أن يكونوا ملكية خاصة أو ملكية دولة. العبيد قد بنوا الأهرامات في مصر القديمة، وأولئك العبيد لم يكونوا تابعين لمالك خاص، لكنهم كانوا ملكاً للفرعون –أي الدولة. وفي العصور الوسطى، كانت علاقات الانتاج السائدة بين الخدم والأقنان وبين السيد الإقطاعي الذي كان يمتلك الحقول، لكن أيضاً كان هناك خدم يعملون في ملكية الكنيسة، والكنائس لم تكن مملوكة لأشخاص. وكون أن الكنائس ليست ملكية خاصة لأحد، لم يخفف أعباء العمل على الخدم الذين كانوا يعملون لديها.

هذا بخصوص الانتقاد الأول الذي يوجهه البعض لنظرية رأسمالية الدولة، فالمجتمع الطبقي لا يرادف الملكية الخاصة فقط، بل أنه قد يرادف ملكية للدولة أيضاً كما رأينا في العصور السابقة.

أما بخصوص الانتقاد الثاني الذي يقول أن في روسيا الستالينية كان هناك اقتصاد مخطط، أما الرأسمالية فلا تعرف التخطيط الاقتصادي، فهذا الانتقاد غير صائب هو الآخر.

إن السمة العامة للرأسمالية هي التخطيط الدقيق على مستوى كل وحدة انتاجية على حدا، في حين لا يوجد مثل هذا التخطيط بين الوحدات الانتاجية وبعضها. في أي مصنع من مصانع شركة فورد لا ينتجون مثلاً موتورين أو ثلاث عجلات لكل سيارة، لكن هناك تخطيط مركزي لإنتاج الموتورات والعجلات، إلخ. هناك إذن تخطيط في شركة فورد بكل مصانعها. لكن هناك فوضى هائلة فيما بين فورد وجنرال موتورز. صحيح أن الاقتصاد في روسيا الستالينية كان مخططاً بدقة، لكن لم يكن هناك أي درجة من التخطيط بين الاقتصاد الروسي والاقتصاد الألماني، على سبيل المثال.

الانتقاد الثالث الذي يميز بين الثورة السياسية والثورة الاجتماعية، قائلاً بأن روسيا الستالينية كانت بحاجة “فقط لثورة سياسية” لإصلاح الحكم، ذلك الانتقاد يغدو تافهاً عندما تكون الدولة نفسها هي صاحبة الثروة كما كان الحال في روسيا الستالينية.

في فرنسا 1830، كانت هناك ثورة سياسية أطاحت بالحكم الملكي وأسست الجمهورية. لكن ذلك لم يعن أي تغيير في البنية الاجتماعية للمجتمع، إذ أن ملاك الثروة كانوا الرأسماليين وليس الدولة. لكن حينما تحوذ الدولة الثروة الاجتماعية، فإن الاستيلاء على السلطة السياسية من الحكام يعني الاستيلاء على سلطتهم الاقتصادية، لذا ليس هناك فاصلاً في هذه الحالة بين الثورة السياسية والثورة الاجتماعية.

الستالينية أجهضت حركة الطبقة العاملة العالمية

بمجرد أن استولى ستالين على السلطة في الحكومة الروسية، بدأت محاولاته بشكل جدي لتسخير الأحزاب الشيوعية في كل مكان في العالم في خدمة سياسة روسيا الخارجية. وسنضرب في السطور القادمة القليل من الأمثلة على ذلك.

عندما كان هتلر يتقدم نحو السلطة في ألمانيا، دعا تروتسكي بناء جبهة متحدة لكافة التنظيمات العمالية، وبالأساس الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي الديمقراطي الألمانيين، لمواجهة الزحف النازي. أما ستالين، فقد اعتبر أن الاشتراكيين الديمقراطيين هم “اشتراكيين فاشيين”، وفرض عدم العمل المشترك معهم. كما وصف تروتسكي نفسه بالفاشية.

وبعد عامين من انتصار هتلر، أتى رئيس الوزراء اليميني لفرنسا إلى موسكو ووقع اتفاقية تحالف بين فرنسا وروسيا. وفي هذه الأثناء كانت هناك نبرة جديدة من موسكو موجهة للشيوعيين الفرنسيين: يجب أن نؤيد فرنسا الديمقراطية وحكومتها الحرة. وهكذا صوّت هؤلاء الشيوعيون على الميزانية العسكرية التي عرضتها الحكومة في البرلمان.

وفي أغسطس 1939 بعد التحالف بين ستالين وهتلر، فيما عُرف باتفاقية فرساي، أخذت الأحزاب الشيوعية انعطافة جديدة في سياساتها. وعندما احتلت ألمانيا القسم الغربي لبولندا واحتلت روسيا القسم الشرقي لها، صرح مولوتوف، وزير الخارجية الروسي ما يلي “طلقة واحدة من الشرق وطلقة أخرى من الغرب وستنتهي اتفاقية فرساي البغيضة إلى لا شيء”. لكنه لم يضف أن هذا يعني الحرب في بولندا، وأن تلك الحرب كانت تعني أن ثلاثة ملايين يهودي وملايين البولنديين “انتهوا أيضاً إلى لا شيء”.

لن أنسى أبداً افتتاحية جريدة البرافدا الروسية في الأول من مايو لعام 1940، التي كانت تتحدث عن الأمم محبي السلام، السوفيتية والألمانية. وكانت الجريدة تعني ألمانيا تحت حكم هتلر. وعندما قام هتلر بغزو ألمانيا في يونيو 1941، تغيرت سياسة الأحزاب الستالينية بشكل جذري، ورفعت جريدة البرافدا شعارها الشهير الذي كررته كثيراً وقت الحرب: “الألماني الجيد هو الألماني الميت”. في 1943 قرأت قصة قصيرة في جريدة البرافدا كتبها إليا إيرنبرج، حيث كان يصف جندي ألماني يستسلم رافعاً يديه لأعلى في مواجهة جندي سوفيتي، حينها قال الألماني “أنا ابن حدّاد”، ماذا كان رد فعل الجندي الروسي إذن؟ يروي إيرنبرج أن الجندي الروسي قد رد قائلاً “انت لازلت ألماني دموي” وطعنه حتى الموت.

سأتذكر هنا موقف شخصي آخر. بعد شهرين فقط من بداية الحرب العالمية الثانية، تم القبض عليّ، وكان الأمين العام للحزب الشيوعي الفلسطيني هو زميلي في نفس الزنزانة. كان في البداية يظن أن تلك الحرب هي حرب ضد الفاشية، لذلك قرر أن يتطوع في الجيش البريطاني. وبعد ذلك جاء الرد عليه متأخراً بقبول تطوعه في الجيش، حينها كان الرجل قد أدرك أن الحرب ليست ضد الفاشية كما كان يظن سابقاً، لذلك رفض مغادرة السجن للتطوع في جيش بريطانيا. لقد كان الحزب الشيوعي الفلسطيني يعاني تخبط سياسي حاد، ويمكننا أن نلاحظ ذلك بسهولة عندما نرى أن في شارع واحد في مدينة حيفا مكتوب على إحدى الحوائط “عاشت الحرب ضد الفاشية”، وعلى الحائط المقابل “تسقط الحرب الإمبريالية”، والشعاران موقعان باسم الحزب الشيوعي الفلسطيني. وعندما غزى النازيين روسيا في 1941، تبنى الحزب الشيوعي الفلسطيني شعاره الشهير “يسقط هتلر وحليفه السري تشرشل”، وبعد ذلك بفترة قصيرة جداً ظهر شعار آخر مختلف تماماً “عاش الجيش الأحمر وحليفه الجيش البريطاني”. الغريب أن كل تلك الشعارات المتناقضة يرفعها نفس الحزب تعليقاً على نفس الحرب.

مع اقتراب نهاية الحرب، وعندما كانت الموجة الثورية في أوروبا هائلة، عملت الأحزاب الشيوعية في أوروبا على تنفيذ سياسات موسكو وإخماد نيران الثورات. في أغسطس 1940، عندما تمكنت المقاومة العمالية المسلحة، بقيادة الحزب الشيوعي الفرنسي، من طرد الغزاة النازيين من باريس، عاد موريس توريز، السكرتير العام للحزب الشيوعي، من موسكو، وأعلن في باريس أنه يجب الحفاظ على “جيش واحد، بوليس واحد، ودولة واحدة”. وهكذا تم نزع سلاح المقاومة العمالية.

في إيطاليا، كانت حركة المقاومة بقيادة الحزب الشيوعي أيضاً، وكان هدفها كسر قبضة موسوليني في الحكم. ومن ثم عاد توجلياتي، السكرتير العام للحزب الشيوعي الإيطالي من موسكو، ليعلن تأييد الحزب لحكومة حلفاء الملك الذي كان قد تعاون مع موسوليني نفسه، وتأييد جنرالات الجيش، الذين كانوا أصدقاء لموسوليني نفسه أيضاً.

يمكننا أن نضرب في نفس السياق أمثلة كثيرة جداً عن خيانة الأحزاب الستالينية للثورة في بلدانهم. كان الفرصة الثورية التي تولدت مع نهاية الحرب العالمية الثانية، أضخم بكثير من تلك التي كانت مع نهاية الحرب العالمية الأولى، بينما لعبت الأحزاب الستالينية دوراً حاسماً في إجهاض تلك الفرصة مرة بعد أخرى، ومنعت الإمكانية من أن تبدو حقيقة.

أهمية نظرية رأسمالية الدولة

لأكثر من 60 سنة كانت تلك الأحزاب الستالينية تحظى بتأييد جبار في حركة الطبقة العاملة العالمية، ولقد دفعت الاشتراكية الثورية التروتسكية إلى هامش الصراع الطبقي. لكن الآن، ومع سقوط الحكم الستاليني في روسيا، تغيرت الكثير من الأمور.

في فبراير 1990، سُئل إريك هوبسبام، معلم الحزب الشيوعي البريطاني، عن رأيه فيما يُقال حول أن “العمال قد أسقطوا دولة العمال في الاتحاد السوفيتي”. جاء رد هوبسبام كالتالي: “من الواضح أنها لم تكن دولة عمال. لم يصدق أحد في الاتحاد السوفيتي أنها دولة عمالية. والعمال أنفسهم لم يعتقدوا يوماً أنها دولتهم”. تخيلوا إذا كان هوبسبام قد أخبرنا بذلك قبل انهيار الاتحاد السوفيتي بـ50 أو حتى 20 عاماً (!!)

إن التحول الحاد في رأي الحزب الشيوعي البريطاني يمكن أن نلاحظه بوضوح في اجتماعات اللجنة التنفيذية للحزب وقت انهيار الاتحاد السوفيتي. قالت نينا تمبل، السكرتير العام للحزب، في إحدى تلك الاجتماعات “أظن أن تحليل حزب العمال الاشتراكي حول طبيعة الدولة في روسيا، كان صائباً، لقد كان التروتسكيون محقين في أنه لا توجد اشتراكية في أوروبا الشرقية. وأظن أننا كان لابد أن نقول ذلك منذ زمن طويل”.

إن التصريح السابق لنينا تمبل يشبه كثيراً إذا صرح البابا في يوم من الأيام أن الرب ليس له وجود، كيف سيستمر عمل الكنيسة الكاثوليكية في مثل هذه الحالة؟!

كانت الفوضى التي سادت في الأحزاب الستالينية في ذلك الوقت عارمة. أما أولئك الذين استنتجوا، منذ زمن طويل قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، أن النظام الاقتصادي في روسيا لا يمثل الاشتراكية بل رأسمالية الدولة، لقد بنى هؤلاء جسراً يعبر بهم إلى المستقبل حاملين معهم التراث الأصيل للماركسية، تراث الاشتراكية من أسفل الذي حافظوا عليه من الانحرافات الأيديولوجية طيلة سنين عديدة.

كانت الأحزاب الستالينية تحظى بتأييد هائلن وقد استطاعت لفترات طويلة التأثير في قطاعات واسعة من الجماهير، كما أنها أثرت حتى على أولئك الاشتراكيين الذين لم يعتبروا أنفسهم ستالينيين أو الذين اعتبروا أنفسهم معادين للستالينية. لقد اعتبرت تلك الأحزاب ستالين كوريث شرعي للثورة الروسية وليس حافر قبرها.

« السابق التالي »