بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عصر الثورة.. الماركسية في الألفية الجديدة

« السابق التالي »

9. الفصل السابع: الماركسية والاضطهاد

يكمن الجوهر الحي للماركسية الثورية في أن تحرر الطبقة العاملة لا ينتج سوى من حركة الطبقة العاملة ذاتها. وفي نفس الوقت كان ماركس يجادل بأن الأفكار السائدة في كل مجتمع هي أفكار الطبقة الحاكمة، وفي الأغلب تؤدي تلك الأفكار لانقسام العمال إلى قوميات وأجناس وأديان مختلفة، إلخ. بيد أن اضطهاد البيض للسود، الرجال للنساء، إلخ، يفرق صفوف الطبقة العاملة ويبعثر وحدتها، وسياسة “فرق تسد” توطد سلطة الرأسماليين.

لكن كيف إذن يؤثر الاضطهاد على حياة العمال المضطهدين؟ العمال السود في بريطانيا مثلاً يتم استغلالهم كعمال، حيث يتقاضون أجوراً أقل ويعملون في ظروف سيئة، ويسكنون مساكن رديئة، كما يُحرمون من أغلب الخدمات الاجتماعية. أما الاضطهاد الواقع عليهم يزيد من قسوة الاستغلال.

نفس الشيء يحدث للنساء العاملات؛ فهن يضطررن لتحمل عبء مضاعف حيث يسعين للعمل وكسب العيش وفي نفس الوقت يتحملن مسئولية تربية الأطفال والعنالية بالمنزل. إنهن يعملن في مهن يضطررن كثيراً لتركها من أجل الالتفات للأطفال. وبالنسبة لهن، فإن الاضطهاد الواقع عليهن أيضاً يزيد من قسوة استغلالهن.

كيف يؤثر الاضطهاد إذن على حياة العمال الذين يمارسون ذلك الاضطهاد؟ إنهم يعتقدون بالتأكيد أنهم أعلى شأناً من العمال المضطهَدين. لكن هي يستفيدون حقاً من هذا الوضع؟

يعتقد العمال البيض في الولايات الجنوبية في أمريكا أنهم يستفيدون من اضطهاد زملائهم العمال السود، إذ أنهم يتقاضون أجوراً أعلى، لديهم مساكن أفضل، وهكذا. لكن العمال البيض يتقاضون أكثر بكثير في الشمال. وفي الحقيقة فإن حتى العمال السود في الشمال أجورهم أعلى من العمال البيض في الجنوب.

العمال البروتستانت في أيرلندا الشمالية يعتقدون أن مهاجمة وضرب الكاثوليك أمر جيد بالنسبة لهم، وإلا لماذا يقدمون على ذلك؟ صحيح أن العامل البروتستانتي في أيرلندا الشمالية لديه فرصة أعلى من العامل الكاثوليكي في الحصول على وظيفة أفضل كثيراً، لكن نفس العامل البروتستانتي يتقاضى أقل كثيراً من زميله في بيرمنجهام أو جلاسجو.

نفس الشيء ينطبق على الرجل والمرأة العاملة. العامل يتقاضى أكثر من العاملة، لذا فهو يستفيد من كونها مضطهدة. لكن تلك الرؤية سطحية تماماً لما يبدو عليه الأمر.

إذا كنت مثلاً تسافر على متن قطار رديء وقذر، مثلك مثل أي رجل أبيض في ظل الرأسمالية، سوف تجد مقعد بجانب النافذة وتجلس عليه. أما المرأة أو الرجل الأسود فسوف يجلسون بعيداً عن النافذة، وعلى مقاعد قد تكون رديئة أيضاً. المشكلة الحقيقية هنا تكمن في القطار نفسه. كلنا مضطرين لاستقلال نفس القطار وليس لأي منا تحكم على السائق الذي يقود القطار عبر النفق.

إن القطاعات الأكثر تعرضاً للاضطهاد من الطبقة العاملة، دائماً ما تعكس أحوالهم الفظائع الأبشع للرأسمالية.كتب تروتسكي ذات مرة أن المرء إذا كان يرغب في بناء مجتمع جديد، فعليه أن ينظر في عيون النساء المضطهدات. وإذا كان يرغب في إدراك مدى وحشية الرأسمالية، عليه أن ينظر في عيون اليهود خلال الحرب العالمية الأولى. ونحن نقول: إذا كان يريد إدراك حقيقة المجتمع البريطاني، فعليه أن ينظر في عيون نيفيل ودورين لورينز الذي قُتل ابنهما الشاب الأسود على يد خمسة من النازيين الذين حمتهم الشرطة البريطانية.

كيف إذن يمكن توحيد العمال البيض مع السود، أو العمال الرجال مع زملائهم النساء؟! لقد وضع فلاديمير لينين الفكرة الرئيسية في ذلك بمنتهى البساطة في 1902. لقد أوضح بجلاء أنه عندما ينظم العمال إضراباً عن العمل من أجل أجور أعلى، فهم إذن مناضلون نقابيون جيدون. أما إذا أضربوا عن العمل من أجل منع الهجوم على اليهود أو قمع التظاهرات الطلابية، فهم إذن اشتراكيون جيدون.

الإضراب الذي ينخرط فيه العمال البيض والسود جنباً إلى جنب، قد يساهم في تجاوز العنصرية. الإضراب يقوي التضامن، والتضامن قد يأخذ العمال أبعد من القضية الراهنة، أما تأثير الإضراب على نفوس العمال والتغيرات التي تلحق بهم وبأفكارهم، فتلك هي النتائج الأكثر أهمية للإضراب.

يمكن للتضامن أن يبدأ بمظاهرة ضد العنصرية التي قد تخلق حالة من الوحدة بين العمال السود. كانت اللقاءات التضامنية التي تم تنظيمها لمقابلة عائلة لورينز كبيرة جداً، وقد شارك فيها أناس بيض وسود. ولا شك أن ذلك سيؤثر ليس فقط على موقف الكثير من الناس تجاه الشرطة التي حمت القتلة النازيين، بل أيضاً سيساهم في إثراء حالة التضامن بين الناس حول قضايا أخرى.

مرة أخرى، إن الإضراب الذي يقف فيه الرجال والنساء، كتف بكتف، يساهم في إنهاء التفرقة بينهم على أساس الجنس. يجب هنا أن نتذكر كوميونة باريس حين قاتلت النساء بكل تضحية وتفاني، إلى درجة أن أحد الصحفيين البريطانيين قد كتب أنه “لو كان كل الكوميونيين نساء، لكانت الكوميونة قد انتصرت”.

منذ سنوات، كنت بنفسي في اجتماع حاشد في لندن، عندها كنت أقول: “عندما تأتي الثورة، لن يكون غريباً أن يصبح رئيس مجلس العمال في لندن، أنثى، صغيرة السن، سوداء”. وكنت قد اخترت تلك الصفات لأنها ببساطة جميعها تتحدى الأفكار السائدة التي تزرعها الرأسمالية، حيث يتم اعتبار صغر السن، قلة حكمة. ويتم احتقار الشخص الأسود. أما المرأة فلا تفقه شيئاً مقارنة بالرجل.

وبعد الاجتماع، اقتربت مني امرأة سوداء صغيرة السن، وقالت “أنا امرأة وسوداء وصغيرة. إذن أنا من تتحدث عنها”. وجاء ردي عليها كالتالي: “أنتي مخطئة يا آنستي. سوف تأتي الثورة خلال 10 سنوات على الأقل، وحينها سوف تكونين أكبر سناً بكثير”. وبالطبع لا يمكن أخذ كلامي بشكل حرفي، فيمكن مثلاً أن يصبح رئيس مجلس العمال في لندن، عامل أيرلندي في الـ70 من عمره وله 15 حفيد.

ينبغي على الثوري أن يكون معارضاً للاضطهاد إلى النهاية. الثوري الأبيض يجب أن يكون أكثر معارضة للاضطهاد من السود أنفسهم. يجب أن يعارض الثوري معاداة السامية بقوة أكثر من أي يهودي. الرجل الثوري يجب ألا يتسامح مع أي واقعة اضطهاد للمرأة أوالتحرش بها. يجب أن يكون الثوري سنداً لكافة المضطهدين.

« السابق التالي »