بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النبي والبروليتاريا

« السابق التالي »

10. تناقضات الحركة الإسلامية: السودان

ليست إيران وحدها هي التي سيطر فيها الإسلاميون على السلطة. ففي السنوات القليلة الأخيرة، أصبح للإخوان المسلمين في السودان النفوذ الحاسم في الحكومة العسكرية من خلال الجبهة الوطنية الإسلامية.

بدأ الإخوان المسلمون في السودان في الأربعينيات كامتداد لحركة الإخوان المسلمين التي أسسها البنا في مصر، ولكنها اكتسبت وجودا مستقلا بنظريات خاصة بها، بعد قضاء عبد الناصر على المنظمة الام في الخمسنيات. وترجع اصول التنظيم الى جامعة الخرطوم، حيث تعاركت الحركة مع الشيوعيين للسيطرة على الطلاب. أدى ذلك بقيادتها الاولى الى تأكيد العناصر الراديكالية في الافكار الإسلامية ولكن، في الستينات نجحت القيادة الجديدة بقيادة حسن الترابى في توسيع قاعدة المنظمة، مضيفة ألاف الاعضاء الجدد الى ال2000 عضو الاساسيين فيها.

“شهدت عضويتها أيضا تنوعا كبيرا من خلال ضم العلماء، وأئمة المساجد، والتجار، وقادة الطرق الصوفية وأخرين برغم أن نسسبة العناصر الغير حاصلة على تعليم حديث ظلت صغيرة في الاعضاء النشطين “.(114)

وتزايد أعضائها اكثر في الثمانينات بفضل ظهور قطاع مالى اسلامى بتشجيع الدولة:
“فقد ساعدتهم سياسة التوظيف بالبنك الإسلامي التى فضلت المتدينين. وأدت المؤسسات الإسلامية الى ارتقاء طبقة جديدة تماما من رجال الاعمال الذين اصبحوا اغنياء في يوم وليلة وفتحت مجالات من التحرك الاقتصادى للكثير ممن كانوا سيصبحون، في اعلى تقدير، موظفين كبار بالخدمة المدنية “.

لم تكن جماعة الاخوان المسلمين تمتلك البنوك الإسلامية – فقد كانوا يمولون من السعودية ورأس المال المحلى.لكنها امتكلت قوة هائلة من خلال قدرتها على السيطرة على القروض والخدمات الاخرى للعملاء. (115) تترجم ذلك في التأييد الذى حصل عليه الاخوان بين بعض الاغنياء الجدد وداخل ألة الدولة نفسها: ” اسستمرت الحركة في الاعتماد على مناضلى القلب، ومعظمهم من المهنيين الحاصلين على تعليم حديث، ولكن بدأ خليط هائل من رجال الاعمال (أو مهنيين تحولوا الى تنفيذين) في التميز،. (116)

في انتخابات 1986 بعد الاطاحة بديكتاتورية النيمرى، حصلت جبهة الإخوان، أى الجبهة الوطنية الإسلامية، على18.5 % من اجمالى الاصوات، ومعظم الاصوات حصلت عليها الاحزاب التقليدية. ولكنها حازت ما لايقل عن 23 مقعدا من 28 مقعدا التى انتخبها خريجو الجامعات فقط، واتضح في الحال أن لديها تأييدا كافيا بين قطاع من الطبقات الوسطى الحضرية ورجال الاعمال لتكون الحليف الطبيعى لشخصيات هامة في القوات المسلحة.

وفي انقلاب عام 1989 استولى الجنرال البشير على السلطة، ولكن بدا أن السلطة الحقيقية استقرت في أيدى الجبهة الوطنية الإسلامية. ومنذ ذلك الحين أصبحت الخرطوم أحد مراكز الحركة الإسلامية العالمية، وأحد مناطق جذب المناضلين المنافسة لطهران والرياض.وبرغم ذلك، لم يكن صعود الاخوان في السودان الى السلطة سهلا، فقد تكرر تعرضها لفقد عدد كبير من أعضائها وكثير من قاعدة تأييدها. ولكن من غير المحتمل أن يكون استمرارها في السلطة مأمونا.

سعى الترابى الى بناء نفوذ الاخوان، عندما كان منافسيه في الحكومة، من خلال التحريض بين الطلاب والطبقة الوسطى، والى حد ما بين العمال ولكنه بعد ذلك انتهز كل الفرص للمشاركة في الحكومة بنفسه حتى يزيد من تأثير الاخوان داخل مؤسسات الدولة، وفعل ذلك للمرة الاولى في أوائل الستينات. وقد ساعد تحريض الاخوان بين الطلاب على تحلل ثورة اكتوبر 1964 التى قام بها الطلبة، ومهنيى الطبقة الوسطى والعمال. وبعد ذلك استغلت تواجدها في الحكومة الجديدة لتهدئة الموجة الثورية والضغط لاعاقة الشيوعيين وكذلك جذبت اليها بعض الطبقات المحافظة صاحبة الامتيازات.

واتبعت نفس المناورة مرة ثانية بعد الانقلاب العسكرى الذى وضع الجينرال جعفر النميرى في السلطة في مايو 1969. وقد اضطهد الاخوان مع الاحزاب التقليدية لبعض الوقت. ولكن فترة وجودها في المعارضة سمحت لها باعادة بناء بعض التأييد الشعبى الذى فقدته أثناء تواجدها في الحكومة، بسيطرتها على قيادة التحريض حول أحوال الطلاب وقيادة انتفاضة فاشلة للطلاب ضد النظام في 1973.وبعد ذلك في السبعينات تشبثت بعرض من النميرى “للمصالحة الوطنية ” حتى تنضم الى نظامه، مع تحول الترابى الى رجل قانون عسكرى، ومسئول عن مراجعة القوانين لجعلها تتفق مع الشريعة، (117) وقد كانت هذه هى الفترة التى استخدمت خلالها تطور القطاع المالى الإسلامي لتثبت جذورها بين اصحاب رأس المال.وكان أيضا خلال هذه الفترة أن بدأت في كسب ضباط معينين في الجيش.

وبرغم ذلك، خلقت هذه المناورات توترا مستمرا داخل الاخوان وهددت بصورة متكررة قاعدة تأييدها الاوسع. فلم تكن الكوادر الاساسية للاخوان منذ أوائل الخمسينات راضية على الاطلاق عن سلوك قادتها في غرس قطاعات من النخبة التقليدية من الاغنياء الجدد. ولم يبد مطلقا أ ن منهج الترابى يتناسب مع النظرية الاصلية للطليعة الإسلامية التى تبنوها كطلبة ثوريين في الاربعينات. وقد بدا لهم أنه يغذى الافكار الإسلامية حتى لكسب النفوذ (الاحترام) خاصة عندما بدأ في تجنيد النساء، وتأييد حصولهن على حق التصويت وأصدر كراسا يؤكد أن الاسلام “الحقيقى ” يمنح المرأة نفس الحقوق التى يمنحها للرجل. (118) بالنسبة للمنشقين فقد بدا ببساطة أنه يحاول أن يسترضى الطبقات الوسطى العلمانية. وفوق كل ذلك كان النميرى معروفا يسلوكه المنافي للاسلام وخاصة شرب الخمر. وقد فضل مجموعة من الاعضاء القدماء ثورية شخص مثل سيد قطب، وانشقوا أخيرا ليشكلوا منظمة خاصة بهم لها علاقة بالاخوان المسلمين في مصر. (119)

بدأ التعاون مع نظام تقل شعبيته باستمرار في احباط التأييد الاوسع للاخوان. وشهدت أوائل الثمانينات موجه عالية من الثورة الشعبية ضد النميرى، بمظاهرات طلابية في 81- 1982، واضراب عمال السكة الحديد في 1982، وانقلابات قوات الجنوب في 1983 تبعها اضرابات القضاة والاطباء. وخلال هذه الفترة اصبح الاخوان هم القوة الوحيدة خارج النظام نفسه التى تؤيد نميرى، وبدأت تخشى أن تدمر جنبا الى جنب مع الديكتاتور عندما سقط أخيرا.

عند ذاك استخدم النميرى ورقته الاخيرة. فقد أعلن التطبيق الفورى للشريعة في القانون. لم يكن لدى الاخوان أى خيار الا أن يندفعوا بثقلهم وراءه فلاكثر من ثلاثين عاما كانت اجابتهم على كل مشكلات السودان هى “العودة الى الشريعة”. وقد كانت الشعار البسيط والوحيد الذى يربط رؤيتهم للاصلاح بالتقاليد الإسلامية للجماهير من خارج الطبقة الوسطى الحضرية. ولذلك بدأوا في التحريض تأييدا لتطبيق الشريعة، وذلك في مواجهة المعارضة من القضاه وجزء كبير من النظام القضائى. فشارك مليون شخص في مظاهرة للاخوان تدعو الى مؤتمر عالمى يناقش تطبيق الشريعة، وساعد اعضاء الاخوان على توفير العنصر البشرى في المحاكم الخاصة بتطبيق الشريعة التى أسسها النميرى.

رفع ذلك من جاذبية الاخوان وسط دوائر تقليدية معينة، خاصة عندما بدأت المحاكم في القبض على بعض الشخصيات البارزة وفضح فسادهم.وزادت القوة الجديدة التى حازتها من جاذبيتها للعاملين في آلة الدولة الذين يتطلعون للترقى ولكن بينما ادت هذه الاجراءات الى زيادة شعبية الاخوان بين بعض القطاعات التقليدية من السكان وبصورة اكبر بين من يديرون الدولة، فقد أدت ايضا الى زيادة هائلة في التذمر ضدهم بين قطاعات أخرى، فقد اغضبت العلمانيين أو معتنقى الاديان الاخرى (غالبة السكان في جنوب البلاد) دون أن تكون، في الواقع، قادرة على تحسين أحوال جماهير المسلمين. كانت اسطورة الشريعة هى أنها نظام قانونى جديد سيقضى على كل المظالم. ولكن لم يمكن تحقيق ذلك من خلال اصلاح لم يكن الا مجرد اصلاح قانونى، بل واصلاح قام به نظام فاسد لاجماهيرية له. ولذلك لم يعنى هذا القانون الجديد حقا الا استخدام العقوبات الشرعية، أى الحدود – قطع يد السارق، رجم الزانى، وهكذا.

في الستنيات استطاع الاخوان بناء أنفسهم بين الانتليجنيتسيا الحضرية جزئيا بسبب تغافلها عن هذا الجانب من الشريعة. كان الاعتقاد الإسلامي الذى قبله الترابى هو ” الدوران حول المسألة بالتأكيد على أن الحدود تطبق فقط في مجتمع اسلامى نموذجى الذى يختفي فيه الفقر تماما “.(120) ورغم ذلك، فالدليل الواضح تماما الان هو أن الشريعة بتغييرها للنظام القانونى اصبحت وسيلة استخدام هذه العقوبات، وتحول الترابى 180 درجة مهاجما من يعلنون أنه لايمكن فرض الاخلاق على الناس من خلال التشريع. (121)

وقد تواكب التذمر ضد محاكم الشريعة التذمر ضد القطاع المالى الإسلامي، فقد ساعد ذلك بعض اعضاء الطبقة الوسطى الى الترقى لاعلى داخل قطاعات هامة من الاعمال.ولكنه بالضرورة قد احبط اكثر منهم بكثير:

“نشأت حالة من التذمر في وسط المجتمع التجارى وبين ألاف من المتطلعين الذين اعتقدوا أن سبب حرمانهم من فوائد النظام الجديد هو محسوبية الاخوان… وفي النهاية، كانت الادعاءات حول افساد الاخوان للنظام المصرفي الإسلامي هى الوصمة الوحيدة الاكثر ضررا التى برزت في عصر النميرى واسقطتهم في نظر القطاعات الكبيرة من السكان ” (122)

واخيرا، فان تحالف الاخوان مع النميرى حول تطبيق الشريعة أجبرهم على التماس العذر له في وقت كانت تتزايد الثورة ضده. حتى برغم تحرك النميرى أخيرا ضد الاخوان بضغط من الولايات المتحدة قبل أن تطيح به انتفاضة شعبية بقليل، وكان الاوان قد فات بالنسبة للاخوان لان يرتبطوا بالثورة بأى معنى.

لقد استمرت، لتحوز سلطة اكبر من ذى قبل بين يديها خلال أربع سنوات، لأنها قدمت لضباط الجيش الذين انقلبوا أخيرا ضد النميرى شيئا لم يكن لدى أحدا أخر – ألاف الاعضاء النشطين المستعدين لمساندتهم في حربهم الاهلية الضارية ضد المتمردين غير الاسلامين في جنوب البلاد وفي قمعهم للتمرد في مدن الشمال.

كان تحالف القوى العلمانية التى قادت الثورة ضد النميرى قد اعاقته المصالح الطبقية المتناقضة، وعجز عن تحويل التمرد الى حركة للتغيير الكامل للمجتمع، شاملة اعادة التوزيع الشاملة للثروة ومنح حق تقريرالمصير للجنوب، أو عن القضاء عليه. سمح هذا للاخوان بطرح أنفسهم بقوة على ضباط الجيش كالقوة الوحيدة القادرة على فرض الاستقرار، كاشفة عن قوتها بوضوح من خلال تنظيم مظاهرات كبيرة ضد أى تنازلات لصالح متمردى الجنوب. ولذلك كان استحواذ العسكرين على السلطة في 1989 مرة ثانية، حتى تمنع اتفاقية سلام مقترحة بين الحكومة والمتمردين، وتأمرت مع الاخوان.

وبرغم ذلك، يعرف الاخوان في السلطة اجابة واحدة فقط لكل المشكلات التى تواجه النظام – وهى زيادة القمع الوحشى المغلف في لغة دينية. ففي مارس 1991 أدخلت الشريعة مرة ثانية مع الحدود. والأن تواكبت الحرب في الجنوب مع القمع الموجه ضد الطوائف الغيرعربية الأخرى، شاملة الفيور والنوبيين، ذلك برغم ادعاءات الترابى، في فترة المعارضة، بأنه يرفض أى شكل من الاسلام يقوم على الشوفينية العربية. وكان أحد نماذج القمع ضد من يعارضون الحرب في الجنوب أحكام الاعدام التى صدرت منذ عامين ضد مجموعة من االاشخاص في دافور ” لتحريضهم على الحرب ضد الدولة وحيازة اسلحة ” وقد حكم على أحد الاشخاص بالشنق وأن تصلب جثته علنا بعد ذلك. (123) وعن اقتراب انتخابات النقابات والؤسسات المهنية كانت هناك تقارير عن الارهاب والاعتقالات والتعذيب. (124) حتى بعض المحافظين الذين أيدوا الحملة الإسلامية اصبحوا الأن يتعرضون للقمع. وكان النظام يحكم قبضته على الطرق الصوفية ” التى اعتقدوا أن احتفالاتها تربى التمرد الشعبى “،(125) ويوجه معظم الناس اللوم الى النظام والاخوان على تفجير أحد مساجد الصوفية أوائل هذا العام والذى قتل فيه 16 شخص.

وبرغم ذلك لم يوفرالقمع الاستقرار للنظام الا بصورة مؤقتة، فقد كانت هناك سلسلة من أعمال العنف في المدن منذ سنتين بسبب نقص السلع وزيادة الاسعار. ولم تستمر بوادرالتحدي الأولى لصندوق النقد الدولي, حيث بدا تطبيق برنامج “الإنقاذ الاقتصادي” الذي يعتمد على “التحرير الاقتصادي و “يتضمن كثير من السياسات التي يطالب بها الصندوق دائما” (126) وكذلك تجديد المفاوضات مع الصندوق, أدى ذلك إلى تدهور حاد في مستويات المعيشة,وغضب جماهيري أكثر وحركات تمرد أكثر.

في نفس الوقت، فأن النظام معزول عالميا عن الانظمة الإسلامية الرئيسية الأخرى: اختلف الاخوان مع ايران لوقوفهم ضدها في حرب الخليج الاولى، ومع السعودية بتأييدهم للعراق في حرب الخليج الثانية. وربما لهذا السبب حاولت أن تطرح نفسها كعامل جذب للاسلاميين في مناطق أخرى الذين لم يتأثروا بهاتين الدولتين وبالاخوان المسلمين المصرين – حتى برغم أن سياسات الترابى كانت، لمدة ثلاثين عاما، امتدادا للثورية التى دافعت عنها هذه الجماعات الإسلامية.

ورغم ذلك فان الاخوان السودانيين انفسهم يقعون تحت ضغط هائل، فتوجد اشاعات أن الجبهة الوطنية الإسلامية ربما تنشق الى جانبين، مع تهميش المندفعين، واشتراك المعتدلين نسبيا مع الاجنحة المحافظة من حزب الامة والحزبين التقليديين الرئيسيين. ويوجد انقسامات بين الجيل الأول من اعضاء الجبهة الوطنية الإسلامية المستعدين للتواجد جنبا الى جنب مع الاحزاب العلمانية والمتحمسين من الشباب الغير قابل للمساومة. (127)

نقطة أخيرة جديرة بالذكر عن السودان. لم يكن صعود الاخوان الى السلطة هناك نتاجا لقوة خرافية ما لديها.بل أن اسباب ذلك تقع في فشل القوى السياسية الاخرى أن تطرح حلا للأزمة العميقة والمتفاقمة في البلاد. ففي الخمسينات والستينات كان للحزب الشيوعى قوة اكبر من الاخوان.ونافس الاخوان على التأثير بين الطلبة وكان لهم اتباع بين نقابيى المدن.ولكنه في 64 – 1969 اختار أن يستخدم هذا النفوذ، ليس لتقديم برنامج ثورى للتغيير، ولكن للدخول في حكومة غير ثورية، التى انقلبت عليهم بعد ذلك بمجرد أن هدأت موجة الثورة الشعبية.لقد كان تأييد الاخوان للنميرى تحديدا في السنوات الاولى لحكمه هو الذى منحها الفرصة لاحراز السبق في الجامعة وتحطيم قاعدة الشيوعيين.

« السابق التالي »