بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النبي والبروليتاريا

لقد أخطاء الاشتراكيون بالنظر الى الحركات الإسلامية على أنها اوتوماتيكيا “رجعية ” و”فاشية ” أو أنها أوتوماتيكيا ” معادية للامبريالية ” و”تقدمية ” ان الحركة الإسلامية الراديكالية، بمشروعها في اعادة تشكيل المجتمع على النموذج الذى اقامه محمد في القرن السابع بالجزيرة العربية، في الواقع هى “يوطوبيا ” نابعة من قطاع بائس من الطبقة الوسطى الجديدة. وكما في أى “يوطوبيا برجوازية صغيرة “(128) ،فان مؤيديها في الممارسة، يواجهون الاختيار بين محاولات بطولية عبثية لفرضها في مواجهة اولئك الذين يديرون المجتمع الحالى، أو المساومة معهم، بتوفير طابع ايديولوجى زائف لاستمرار القمع والاستغلال. وهذا هو حتما ما يؤدى الى الانشقاقات بين الجناح الراديكالى الارهابى من الحركة الإسلامية من جانب، والجناح الاصلاحى من الجانب الأخر.وهذا هو أيضا ما يدفع بعض الراديكاليين الى التحول عن استخدام السلاح في محاولة تأسيس مجتمع بدون “طغاه ” الى استخدامه لفرض اشكال السلوك “الإسلامي ” على الأفراد.

لايمكن للاشتراكيين اعتبار طوبيى البرجوازية الصغيرة كأعدائنا الاساسيين فهم ليسوا المسئولين عن النظام الرأسمالى العالمى أى قمع ألاف الملايين من البشر من أجل الاتجاه الأعمى للتراكم، ونهب قارات بكاملها بواسطة البنوك، أو الأليات التى دفعت الى سلسلة من الحروب البشعة منذ اعلان “النظام العالمى الجديد ” ولم يكونوا مسئولين عن فظائع حرب الخليج الأولى، التى بدأت بمحاولة صدام حسين للتقرب من الولايات المتحدة ومشايخ الخليج،وانتهت بتدخل الولايات المتحدة المباشر لصالح العراق.ولايقع عليهم اللوم بالنسبة للمذابح في لبنان، حيث خلق الاكتساح الزدوج، أى تدخل سوريا ضد اليسار والاحتلال الاسرائيلى، الظروف التى شكلت العسكرية الشيعية. ولايقع عليهم اللوم في حرب الخليج الثانية، مع “القذف الموجه ” الى مستشفيات بغداد وذبح 80000 شخص عند هروبهم من الكويت الى البصرة. وسوف يستمر الفقروالبؤس والقمع والتعدى على حقوق الانسان في بلاد مثل مصر والجزائر حتى لو اختفي الإسلاميون غدا. لهذه الاسباب لايمكن للاشتراكيين تأييد الدلة ضد الإسلاميين. ومن يفعلون ذلك، على أساس أن الإسلاميين يهددون المبادئ العلمانية، يسهلون فقط على الإسلاميين أن يصفوا اليسار كجزء من مؤامرة “االطغاة العلمانيين ” “الكافرين ” ضد القطاعات الاشد بؤسا في المجتمع. انهم يكررون اخطاء اليسار في مصر والجزائر عندما مدحوا انظمة لم تقدم شيئا للجماهير على أساس انها ” تقدمية ” – الأخطاء التى مكنت الإسلاميين من النمو.

ويتناسون أن اى دعم تقدمه الدولة للمبادئ العلمانية هو فقط يعتمد على الظروف، واذا كان في مصلحتها، فسوف تقوم الدولة بعمل صفقة مع أكثر الإسلاميين تزمتا لفرض أجزاء من الشريعة خاصة الاجزاء التى تتضمن العقوبات الشديدة على الجماهير في مقابل تخلى الراديكاليين عن أعتقادهم بتحدى الاستبداد، هذا هو ما حدث في باكستان في ظل ضياء الحق والسودان في ظل النميرى، وهذا بالتأكيد ما تنصح به ادارة كلينتون العسكريين الجزائريين أن يفعلوه.

ولكن الاشتراكيين لا يمكن أن يؤيدوا الإسلاميين أيضا، فهذا يعنى المطالبة باستبدال أحد أشكال الاضطهاد بشكل آخر، وأن يردوا على عنف الدولة بالتخلى عن الدفاع عن الاقليات العرقية والدينية والنساء والمثليين جنسيا، وأن يشاركوا في التأمر على كبش الفداء الذى يجعل استمرار الاستغلال الرأسمالى ممكنا دون اعتراض بشرط أن يتخذ شكلا ” اسلاميا “. وسوف يعنى التخلى عن هدف السياسة الاشتراكية المستقلة المبنية على تنظيم العمال في صراعهم لكل المقهورين والمستغلين وراءهم، لصالح حركة تذيلية لطوبوية البرجوازية الصغيرة التى لايمكنها أن حتى أن تنجح بشروطها الخاصة.

الإسلاميون ليسوا حلفاءنا، فهم يمثلون طبقة تحاول السيطرة على الطبقة العاملة وبقدر نجاحها تجر العمال اما في اتجاه مغامرة عبثية وكارثية أو في أتجاه الاستسلام الرجعى للنظام القائم أو غالبا في الاتجاه الاول ثم الثانى. ولكن هذا لايعنى أن نأخذ موقفا سلبيا رافضا للاسلاميين، فقد نموا على أساس مجموعات اجتماعية كبيرة تعانى في ظل المجتمع القائم، والذين يمكن تنظيم شعورهم بالتمرد لصالح اهداف تقدمية بشرط وجود قيادة ناتجة عن ارتفاع مستوى الصراع العمالى. وحتى بعد هذا الارتفاع في مستوى الصراع بقليل يمكن أن يتأثر العديد من الافراد الذين تجذبهم الرؤى الراديكالية في الحركة الإسلامية بالاشتراكيين بشرط أن يربط الاشتراكيين بين الاستقلال السياسى التام عن كافة أشكال الحركة الإسلامية مع الاستعداد لانتهاز فرص جذب الإسلاميين الافراد الى أشكال راديكالية حقيقية من الصراع بجانبهم.

أن الحركة الإسلامية الراديكالية مليئة بالتناقضات، دائما ما تكون البرجوازية الصغيرة مشدودة في اتجاهين، نحو التمرد الراديكالى ضد المجتمع القائم ونحو المساهمة معه، ولذلك فان الحركة الإسلامية دائما تتأرجح بين الصراع من أجل تحقيقى الاحياء الكامل للمجتمع الإسلامي، والمساومة من أجل فرض الاصلاحات “الإسلامية ” تعبر هذه التناقضات عن نفسها بالضرورة في صراعات مريرة وغالبا ما تكون عنيفة داخل الجماعات الإسلامية وفيما بينها.ان من ينظرون الى الحركة الإسلامية على أنها جمود رجعى فريد ينسون وجود الصراعات بين اسلاميين مختلفين حول الموقف الذى يتخذونه عندما كانت السعودية وايران في مواجهة بعضهم البعض أثناء حرب الخليج الأولى. وكانت هناك رؤى أدت الى قطع جبهة الانقاذ الإسلامية في الجزائر صلتها مع حلفائها السعوديين، أو بالإسلاميين في تركيا الى تنظيم مظاهرات مناصرة للعراق من مساجد يمولها السعوديون أثناء حرب الخليج الثانية.وهناك معارك عسكرية شرسة تشتعل بين الجيوش الإسلامية المتصارعة في افغانستان. واليوم يوجد جدال داخل منظمة حماس بين الفلسطينيين عما اذا كان يجب المساومة مع بقايا الادارة الفلسطينية بزعامة عرفات – وبالتالى بشكل غير مباشر مع اسرائيل – في مقابل تطبيقها للشريعة الإسلامية. هذه الخلافات حول التوجه تظهر بالضرورة بمجرد تعامل الاسلام “الاصلاحى ” مع الدول القائمة الندمجة في النظام العالمى.لأن كل من هذه الدول في صراع مع بعضها، وكل منهم يتفق بطريقته الخاصة مع الامبرياليات السائدة

ومن الضرورى أن تظهر خلافات مماثلة في كل مرة يرتفع فيها مستوى الصراع العمالى، فمن يمولون المنظمات الإسلامية يريدون نهاية هذا الصراع، ان لم يكن تحطيمه. وبعض الشباب الإسلامي الراديكالى سيؤيد الصراع بشكل غريزى. وسوف يتشبث قادة المنظمات في الوسط، يهمسون بضرورة تصديق اصحاب العمل وضرورة ضبط النفس والصبر بالنسبة للعمال.

وأخيرا يدفع تطور الرأسمالية نفسه القادة الإسلاميين الى القيام بتحولات أيديولوجية فيالاوقات التى يقتربون فيها من السلطة.فيضعون القيم الإسلامية في مواجهة القيم الغربية “ولكن معظم مايدعونه بالقيم الغربية لاتقع جذورها في ثقافة أوروبية وهمية ما، ولكنها نشأت عن تطور الرأسمالية خلال القرنيين الماضيين.هكذا فمنذ قرن ونصف، كانت الرؤية السائدة بين الطبقة الوسطى الانجليزية عن الجنس مماثلة بوضوح لتلك التى يدعو اليها انصار الاحياء الإسلامي اليوم (الجنس خارج الزواج حرام، ولايحق للمرأة تعرية حتى كعبيها، واللاشرعية وكانت وصمة عار لايمكن للناس نسيانها)، وكان للمرأة حقوق أقل في بعض الشئون من تلك التى تمنحها لها معظم الرؤى الإسلامية اليوم (كان الميراث للابن الاكبرفقط، بينما يمنح الاسلام الابنة نصف نصيب الرجل، لم يكن لها حق الطلاق، بينما يمنحها الاسلام هذا الحق في ظروف محدودة جدا) لم يكن مل غير الميول الانجليزية شيئا ما نابعا من النفوس الغربية ” الهوى ” أو أى قيم “يهودية مسيحية مزعومة “ولكن تأثير التطور الرأسمالى – فحاجتها الى عمل المرأة دفعتها الى تغيير بعض المبادئ، والاهم من ذلك، وضعت المرأة في موقف تستطيع من خلاله المطالبة بتغيير أكثر بكثير.

لهذا السبب، حتى في البلاد االتى كانت الكنيسة الكاثولكية تتمتع بقوة هائلة فيها مثل ايرلندا وايطاليا وبولندا واسبانيا كان عليها أن تقبل مترددة تراجعا في نفوذها ولا تستطيع البلاد التى فيها الاسلام دين الدولة تحصين نفسها من الضغوط نحو تغيرات مماثلة برغم محاولاتها الشاقة.

يتضح ذلك من تجرية جمهورية ايران الإسلامية، فبرغم كل الدعاوى حول الدور الاساسى للمرأة كأم وزوجة، وكل الضغوط لاخراجهم من مهن معينة مثل المحاماة، فقد تزايدت قليلا نسسبة النساء في قوة العمل واستمرت لتشكل 28% من موظفي الحكومة وهى نفس النسسبة في وقت الثورة. (129) في مقابل ذلك، أضطر النظام الى تغيير موقفه من منع الحمل، (130) باستخدام 23% من النساء وسائل منع الحمل، وأحيانا الى تهدئة حدته في فرض الخمار. وبرغم أن النساء محرومات من المساواة في الحقوق مع الرجل في الطلاق وقوانين العائلة، فما زال لهن حق التصويت (وتوجد امراتين أعضاء في البرلمان) ويذهبن الى المدارس ولهن نصيب محدود من الاماكن في الجامعة في كل المجالات ويشجعن على دراسة الطب والتدريب العسكرى (131) وكما يلاحظ ابراهيمان عن الخومينى:

” غالبا ما كان أتباعه المقربون يسخرون من التقليدين لكونهم مودة قديمة واتهموهم بأنهم مهوسون بالاتباع النقى مانعين بناتهم من الذهاب للمدرسة، ويصرون على ارتداء بناتهم الصغار للخمار حتى في عدم وجود رجال ويستنكرون الميول العقلية مثل الادب والموسيقى ولعب الشطرنج، والاسوأ من ذلك يرفضون الاستفادة من الصحف والراديو والتليفزيون.” (132)

لاشئ من ذلك جدير بالدهشة، فمن يديرون الرأسمالية الايرانية ودولتها لا يستطيعون التخلى عن قوة عمل المرأة في قطاعات هامة من الاقتصاد. وكذلك بدأت تلك القطاعات من البرجوازية الصغيرة الذين يشكلون العمود الفقرى في الحزب الجمهورى الإسلامي في ارسال بناتها الى الجامعة والبحث عن عمل منذ السبعينات تحديدا لانها احتاجت الى الرواتب الاضافية لزيادة دخل العائلة وزيادة فرص الزواج لبناتهم، ولم يكونوا في الثمانييات على استعداد لالغاء ذلك لمجرد الاخلاص للتعليم الدينية.

لا تستطيع اى الايديولوجية الإسلامية تجميد التطور الاقتصادى وبالتالى التطور الاجتماعى اكثر مما تستيطيع أى أيديولوجية أخرى. ولذلك فمرة بعد مرة ستظهر التوترات العنيفة داخلها وتعبر عن نفسها من خلال منازعات أيديولوجية عنيفة بين انصارها. والشباب الإسلامي عادة ذكى ويهتم بمنتجات المجتمع الحديث.فهم يقرأون الكتب والصحف ويشاهدون التلفزيون، وبالتالى يعرفون كل الانقسامات والصدامات داخل حركاتهم الخاصة. وبرغم أنهم يصطفون بقوة في مواجهة ” العلمانيين ” سواء من اليسار أوالبرجوازية، سوف يجادلون بعضهم البعض بعنف – بالضبط مثل فعل انصار الروس وانصار الصين من عالم الحركات الستالينية المتحجر منذ ثلاثين عاما. وهذا الجدال سوف يبدأ في زرع شكوك خفية في اذهان بعضهم على الاقل. يستطيع الاشتراكيون الاستفادة من هذه التاقضات لدفع بعض الإسلاميين الاكثر راديكالية الى مراجعة انتمائهم للافكار والمنظمات الإسلامية – ولكن فقط اذا استطعنا تأسيس منظمة مستقلة خاصة بنا، والتى لاتتذيل الإسلاميين أو الدولة.

سوف نجد انفسنا في بعض القضايا في نفس الجانب مع الإسلاميين ضد الدولة والامبريالية. كان ذلك مثلا في عدد من البلاد أثناء حرب الخليج الثانية. ويجب أن يكون صحيحا في بلاد مثل فرنسا وبريطانيا عندما نكون في مواجهة التميز العنصرى، وعندما يكون الإسلاميون في المعارضة، فأن شعارنا يجب أن يكون “مع الإسلاميين أحيانا، ودائما ضد الدولة ” ولكن حتى في ذلك الوقت، تستمر معارضتنا للاسلاميين حول قضايا أساسية. فنحن مع الحق في نقد الدين كما أننا مع الحق في ممارسته، ونحن مع حق عدم ارتداء الحجاب كما أننا مع حق الشابات في البلاد العنصرية مثل فرنسا في ارتدائه اذا رغبن في ذلك، ونحن ضد التميز الذى تمارسه المؤسسات الكبيرة في بلاد مثل الجزائر ضد من يتحدثون العربية، ولكننا ايضا ضد التمييز ضد البربر وتلك القطاعات من العمال وفقراء الطبقة الوسطى الذين تربوا على التحدث بالفرنسية. والاهم من ذلك، نحن ضد أى اجراء يضع قطاعا من المقهورين والمستغلين في مواجهة قطاع أخر على اساس أصول دينية أو عرقية. ويعنى ذلك أننا كما ندافع عن الإسلاميين ضد الدولة سوف ندافع أيضا عن اضطهاد النساء والبربر والاقباط والمثليين جنسيا ضد بعض الإسلاميين.

وعندما نجد أنفسا في نفس الجانب مع الإسلاميين، فأن جزءا من مهمتنا الجدال الشديد معهم وتحديهم ليس فقط في موقف منظماتهم من المرأة والاقليات ولكن أيضا عن المسألة الجوهرية ما اذا كان المطلوب هو التصدق من الاغنياء أو الاطاحة بالعلاقات الطبقية القائمة.

لقد أرتكب اليسار خطأين في التعامل مع الإسلاميين في الماضى، الاول كان تجاهلهم كفاشيين لا يوجد بيننا وبينهم شئ مشترك والثانى كان النظر اليهم كتقدميين لا يجب توجيه النقد ضدهم. ولعب هذان الخطأن معا دورا في مساعدة الإسلاميين على النمو على حساب اليسار في معظم بلاد الشرق الاوسط، ومن الضرورى وجود رؤية مختلفة ترى الحركة الإسلامية نتاجا لآزمة اجتماعية عميقة لايمكن حلها وأن نناضل لكسب بعض الشباب الذين يؤيدونها الى رؤية اشتراكية ثورية مستقلة ومختلفة عنها تماما.

« السابق التالي »