بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النبي والبروليتاريا

« السابق التالي »

3. الاسلام – الدين والايديولوجية

يبدأ الخلط غالبا بالتخبط حول قوة الدين نفسه. فيراه المتدينون أنه قوة تاريخية لذاتها، سواء أكان خيرا أم شرا. وكذلك أيضا يفعل معظم البرجوازيين المعادين للدين من أنصار الفكر الحر. وبالنسبة لهم، يكمن طريق التحرر البشرى في محاربة تأثير المؤسسات الدينية والافكار الغيبية في ذاتها.

ولكن برغم أن المؤسسات والأفكار الدينية تلعب دورا بارزا في التاريخ، فان ذلك لا يحدث بالانفصال عن بقي الواقع المادى. فالمؤسسات الدينية تنمو، بطبقاتها من الكهنة والمعلمين، في مجتمع معين، وتتفاعل مع هذا المجتمع. وهى لا تستطيع البقاء في مجتمع متغير الا اذا وجدت طريقة ما لتغيير قاعدة تأييدها. لذلك، مثلا، عاشت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، التى تعود أصولها الى أواخر العهد القديم، من خلال التأقلم بداية مع المجتمع الاقطاعى لمدة الف عام، وبعد ذلك بذلت مجهودا أكبر في التأقلم مع المجتمع الرأسمالى الذى حل محل لاقطاعية، مغيرة الكثير من جوهر تعاليمها في العملية. ان الناس دائما قادرون على اضفاء تفاسير متنوعة على الافكار الدينية التى يعتنقونها، تعتمد على موقعهم المادى، وعلاقاتهم بالآخرين والصراعات التى ينخرطون فيها. والتاريخ ملئ بأمثلة لأناس يعترفون بالمعتقدات الدينية بصورة نموذجية تقريبا، وينتهون الى الجانب العكسى في الصراعات الاجتماعية الكبرى. حدث ذلك مع التمزق الاجتماعى الذى اجتاح أوروبا أثناء الازمة الكبرى للاقطاعية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، عندما طرح لوثر، وكالفن، ومانزر وآخرون كثيرون من القادة الدينيين على أتباعهم وجهة نظر متكاملة جديدة من خلال اعادة تفسير النصوص المقدسة.

ان الاسلام لا يختلف من هذه النواحى عن أى دين آخر. فمن جانب، نشأ الاسلام في مجتمع تجارى في بلاد العرب في القرن السابع عشر، في وسط مجتمع يسود فيه نظام قائم على أساس قبلى. وقد ازدهر خلال سلسلة من الامبراطوريات العظمى التى انقسمت بواسطة بعض هؤلاء الذين أمنوا بنظرياته. وهو يقوم اليوم كأيديولوجية رسمية لدول رأسمالية عديدة (السعودية والسودان وباكستان وايران.. الخ)، وكذلك هو مصدر الالهام لكثير من الحركات المعارضة.

وقد أمكنه الاستمرار في هذه المجتمعات المختلفة لانه استطاع التكيف مع مصالح طبقية متغيرة. وبالتالى توفرت له الاموال لبناء المساجد وتعيين الدعاة من التجار العرب، والبيروقراطيين، وملاك الاراضى، وتجار الامبراطوريات العظمى، والصناعيين في الرأسمالية الحديثة. ولكنه حظى في نفس الوقت بولاء الجماهير من خلال توصيل رسالة تتضمن تعزية للفقراء والمقهورين. وفي كل مناسبة كانت هذه الرسالة توازن بين الوعد بدرجة من الرعاية للمقهورين وتوفير الحماية للطبقات المتسغلة ضد أى انتفاضة ثورية.

هكذا يؤكد الاسلام على أنه يجب على الاغنياء سداد ضريبة اسلامية تعادل 2,5 % (الزكاة) لمساعدة الفقراء، وأن الحكام يجب أن يحكموا بالعدل، وأن الازواج يجب أن يحسنوا معاملة الزوجات. ولكنه أيضا يعتبر مصادرة الفقراء لاموال الاغنياء سرقة، ويؤكد على أن الخروج على حكومة ” عادلة ” جريمة يجب معاقبتها بأقصى العقوبات التى يقرها القانون، ويمنح النساء حقوقا أقل من الرجال في الزواج، وفي الميراث، وفي الاولاد في حالة الطلاق. انه يجذب الاغنياء والفقراء على حد سواء بتنظيم عملية الاضطهاد، فيشكل حماية ضد كل من الاضطهاد الاشد وضد الثورة. انه مثل المسيحية، والهندوسية والبوذية يمثل كلا من القلب في عالم بلا قلب وأفيون الشعوب.

ولكن لا يمكن أن يكون لمجموعة من الافكار مثل هذه الجاذبية لمختلف الطبقات، خاصة عندما يعانى المجتمع من توترات اجتماعية حادة، الا اذا كانت مليئة بالغموض. فلابد أن تستجيب لتفسيرات مختلفة، حتى وان أدى هذا الى صراع بين مؤيديها.

كان هذا صحيحا بالنسبة للاسلام منذ بدايته. فبعد موت محمد في عام 632 ميلادية، أى بعد عامين فقط من دخول الاسلام مكة، انفجر الشقاق بين أتباع أبو بكر، الذى أصبح أول خليفة لمحمد في قيادة المسلمين، وعلى، زوج فاطمة ابنة النبى. رأى على أن بعض أحكام أبو بكر كانت قمعية. وتزايد الشقاق حتى حاربت الجيوش الإسلامية المتصارعة بعضها البعض في موقع الجمل التى نتج عنها عشرة الاف قتيل. وكان نتيجة لهذا الشقاق أن ظهر الانفصال بين رؤيتى الشيعة والسنة الاسلاميتين. لم يكن هذا الا أول الانشقاقات العديدة. فقد ظهرت مجموعات متتالية أصرت على أن المضطهدين كانوا يعانون على يد الملحدين وطالبت بالعودة الى الاسلام “الحقيقى” لزمن النبى. وكما يقول “أكبر أحمد”:

على مدى التاريخ الإسلامي، كان القادة الإسلاميون يدعون الى العودة الى النموذج. وقد عبروا غالبا عن حركات اجتماعية أو سياسية عرقية غامضة. ووضع الاساس للانتقال الكلى الحاد في الفكر الإسلامي من الشيعة، بامتداداتها مثل الاسماعيلية، الى حركات أكثر معاصرة. والتاريخ الإسلامي ملئ بالمهديين الذين يقودون التمرد ضد السلطة المسيطرة وغالبا ما يموتون بسبب ذلك. وغالبا ما كان القادة من فقراء الفلاحين أو الجماعات العرقية المحرومة. وقد عزز استخدام لغة اسلامية احساسهم بالحرمان ودعم الحركة. (7)

ولكن حتى التيار السائد من الاسلام، في أشكاله الشعبية على الاقل، لا يشكل مجموعة متجانسة من الافكار. فقد أدى انتشار الدين الإسلامي ليشمل كامل المنطقة من ساحل الاطلنطى في الشمال الغربى لافريقيا الى مضيق البنغال الى احتواء شعوب داخل المجتمع الإسلامي أدخلت على الاسلام الكثير من ممارساتها الدينية القديمة، حتى وان تناقض هذا مع بعض مبادئ الاسلام ” الحقيقى “. لذلك غالبا ما يحتوى الاسلام الشعبى على فرق للقديسين (المشايخ) المحليين أو الاثار المقدسة برغم أن الاسلام العقائدى يعتبر مثل هذه الممارسات وثنية لا تحترم المقدسات. وانتشرت الطرق الصوفية، برغم أنها لا تشكل منافسا رسميا للاسلام السائد، مؤكدة على الجانب الاسطورى والغيبى الذى يعترض عليه الكثير من الاصوليين. (8)

في ضوء ذلك، فان أى دعوة للعودة الى ممارسات عصر النبى ليست في الواقع دعوة للحفاظ على الماضى ولكن دعوة لاعادة تشكيل سلوك الناس على شئ ما مختلف تماما.

كان هذا صحيحا بالنسبة لحركة الاحياء الإسلامي على مدى القرن الماضى. فقد نشأت كمحاولة لاستيعاب الاحتلال المادى والتحول الثقافي لآسيا وشمال افريقيا من قبل أوروبا الرأسمالية. فقد نادى زعماء هذه الحركة بأن هذا كان ممكنا فقط لأن القيم الإسلامية قد شوهت بسبب المطامع الدنيوية للامبراطوريات العظمى في القرون الوسطى. وكان الاحياء ممكنا فقط ببعث روح اسلام مرحلة التأسيس التى عبر عنها الخلفاء الاربعة الأوائل (أو الى عبر عنها على بالنسبة للشيعة). وعلى سبيل المثال، كانت هذه الروح هى التى مكنت الخومينى من الانكار الفعلى لكل التاريخ الإسلامي خلال ال 1300 عام الماضية:

“لسوء الحظ، استمر الاسلام الحقيقى لمدى بسيطة فقط بعد نزوله. عانى الاسلام في ظل الامويين (أول حكم عربى وراثى بعد على) ثم العباسيين (الذين هزموهم في عام 750 ميلادية) من كافة أشكال التشويه. وبد ذلك استمر الملوك الذين حكموا ايران على نفس المنوال. لقد شوهوا الاسلام تماما وأقاموا شيئا آخر مختلفا في مكانه.” (9)
هكذا، فرغم أن الافكار الإسلامية تقدم على أنها نظرية تقليدية تقوم على رفض العالم الحديث، من قبل كل من المدافعين عنها ومعارضيها، فان الامر في الواقع أكثر تعقيدا من ذلك. فالتطلع الى اعادة خلق ماضى اسطورى يتضمن عدم ترك المجتمع الحالى كما هو، ولكن تدميره. والاكثر من ذلك، لا يمكن أن يهدف هذا التدمير الى انتاج نسخة كربونية من اسلام القرن السابع عشر، حيث لا يرفض الإسلاميون كل ملامح المجتمع الحالى. فهم، على أى حال يقبلون الصناعة الحديثة، والتكنولوجيا، والكثير من العلوم التى تعتمدا عليها- والحقيقة أنهم يرون أن الاسلام، كنظرية أكثر عقلانية وأقل خرافة من المسيحية، يتناسب أكثر مع العلم الحديث. ولذلك فان زعماء الصحوة الإسلامية في الواقع يحاولون تقديم شئ ما لم يوجد أبدا من قبل، يصهر الموروثات القديمة مع أشكال الحياة الاجتماعية الحديثة.

هذا يعنى أنه من الخطأ اعتبار كل الإسلاميين ببساطة رجعيين، أو مساواة الاصولية الإسلامية ككل بأشكال الاصولية المسيحية التى تشكل حصن الجناح اليمينى في الحزب الجمهورى في الولايات المتحدة. ربما يستخدم زعماء مثل الخومينى، وزعماء جماعات المجاهدين المتصارعة في أفغانستان، أو قادة جبهة الانقاذ الإسلامية في الجزائر، نظريات تقليدية ويشكلوا عنصر جذب لحنين الطبقات الاجتماعية المتجهة الى الفناء الى الماضى، ولكنهم أيضا عنصر جذب للتيارات الثورية الناتجة عند تحويل الرأسمالية للمجتمع، ويذكر أوليفر روى في حديثه عن الإسلاميين الافغان أن:

” الاصولية مختلفة تماما (عن التقليدية): فتكون الاهمية القصوى بالنسبة للاصولية للعودة الى النصوص الدينية، مع تجنيب التباسات التراث. وتسعى دائما الى العودة الى حالة سابقة، وتتميزباعادة قراءة النصوص والبحث عن الاصول. وتعتبر عدوها التراث وليس الحداثة، أو بالاحرى، بالنسبة للاسلام، كل ما هو ليس تراث النبى. ان الاصولية اصلاح حقيقى للدين”.(10)

ان الاسلام التقليدى أيديولوجية تسعى للابقاء على نظام اجتماعى يدمره التطور الرأسمالى- أو على الاقل، الانتساب الى هذا النظام من أجل اخفاء تحول طبقة حاكمة قديمة الى رأسمالية حديثة، كما حدث بالنسبة للنموذج الذى طورته العائلة المالكة في السعودية. الاسلام أيديولوجية تحاول تغيير المجتمع وليس الحفاظ على نمط الحياة القديم، برغم أنها تتفق مع نفس مبادئ اسلام الرسول. ولهذا السبب، حتى اصطلاح الاصولية ليس مناسبا بشكل حقيقى. وكما يلاحظ ابراهيميان:

“يتضمن اصطلاح ” الاصولية” عدم مرونة دينية ونقاء ثقافي، وفكر سياسى تقليدى، بل ورؤية اجتماعية محافظة تقوم على محورية المبادئ النظرية للنصوص الدينية. ان الاصولية تتضمن رفض العالم الحديث” (11)

ولكن الحركات المشابهة لحركة الخومينى في ايران تستند في الواقع على مواءمة أيديولوجية ومرونة ثقافية مع تمرد سياسى ضد النظام القائم، وقضايا اجتماعية واقتصادية تشعل المعارضة الجماهيرية للوضع القائم. (12)

وبرغم ذلك، غالبا ما يوجد لبس حول الفروق بين الايديولوجية الإسلامية والايديولوجية التقليدية. وبالذات لأن نظرية الاحياء الاجتماعى مغلفة في لغة دينية، فهى قابلة لتفسيرات مختلفة. ومن الممكن أن تعنى فقط القضاء على “السلوكيات السيئة” من خلال العودة الى أشكال السلوك المفترض أنها سبقت ” تشويه ” الاسلام الناتج عن “الاستعمار الثقافي”. ويكون التشديد بالتالى على ” احتشام ” المرأة وارتداء الحجاب، ونهاية الاختلاط ” الغير منظم ” بين الجنسين في المدارس وأماكن العمل، ومعارضة الموسيقى الشعبية الغربية، وهكذا. وهكذا استطاع على بلحاج، أحد القادة ذوى الشعبية الكبيرة في جبهة الانقاذ الإسلامية الجزائرية، أن يستنكر ” العنف ” ضد المسلمين الناتج عن ” الاحتلال الثقافي “:

” نعتقد نحن المسلمون أن أخطر أشكال العنف الذى نعانيه ليس العنف الجسدى، فنحن مستعدون له… بل العنف الذى يمثل تحديا للمجتمع الإسلامي من خلال فرض التشريع الشيطانى بدلا من الشريعة.

هل هناك عنف أشد من ذلك الذى يتمثل في احلال ما حرم الله؟ وفتح مؤسسات لصناعة الخمور(عمل الشيطان) يحميها البوليس؟ هل يمكن الاعتقاد في أى عنف أشد من عنف تلك المرأة التى تحرق الحجاب في مكان عام وأمام عيون الجميع، معلنة أن قانون الأسرة يضطهد المرأة وتجد من يؤيدها من المتشبهين بالنساء وأنصاف الرجال والمتحولين جنسيا.

ليس من العنف مطالبة المرأة بالمكوث في البيت، في جو من الطهر والحماية والتواضع وخروجها فقط في حالات الضرورة التى يحددها المشرع، أو المطالبة بالفصل بين الجنسين بين طلبة المدارس، ومنع هذا الاختلاط المشين الذى يسبب العنف الجنسى.” (13)

ولكن الاحياء يمكن أن يعنى أيضا تحدى الدولة وعناصر السيطرة السياسية للامبريالية. هكذا أغلق الإسلاميون الايرانيون أكبر محطة اذاعة للولايات المتحدة في آسيا واحتلوا سفارتها. ولعب حزب الله في الجنوب اللبنانى ومنظمة حماس في الضفة الغربية وغزة دورا رئيسيا في الصراع المسلح ضد اسرائيل. ونظمت جبهة الانقاذ الإسلامية الجزائرية مظاهرات ضخمة ضد حرب الولايات المتحدة ضد العراق برغم انهم فقدوا التمويل السعودى نتيجة لذلك. بل أن الاحياء يمكن أن يعنى، في حالات معينة، تأييد الصراع المادى ضد استغلال العمال والفلاحين، كما فعل المجاهدون الايرانيون في 79-1982.

من الطبيعى أن تجذب التفسيرات المختلفة للاحياء هؤلاء الذين ينتمون الى طبقات مختلفة.

ولكن الخطاب الدينى يمكنه أن يمنع معرفة الفروق بين هؤلاء المنخرطين فيه وبعضهم البعض. ففي حمية الصراع يستطيع الافراد الخلط بين المعانى، كذلك يبدو الصراع ضد تبرج المرأة كصراع ضد شركات البترول الغربية والبؤس الشديد لجماهير الشعب.
هكذا في الجزائر في أواخر الثمانينات بلحاج:

“جعل من نفسه صوتا لكل أولئك الذين ليس لديهم ما يفقدونه.. ودعا الى التطبيق الحازم لاوامر الاسلام من خلال فهمه له في أنقى صورة دينية. أعلن بلحاج في كل يوم جمعة الحرب على العالم ككل.وكان الهدف المفضل لخطبته الاسبوعية اليهود والمسيحيين والصهاينة والشيوعيين والعلمانيين والليبراليين والماديين، وحكومات الشرق والغرب، ورؤساء الدول عرب أو مسلمين وأعضاء الاحزاب المتفرنجة والمثقفين. “(14)

وبرغم ذلك، يوجد خلف هذا التخبط في الافكار مصالح طبقية حقيقية مؤثرة.

« السابق التالي »