بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النبي والبروليتاريا

« السابق التالي »

4. الأساس الطبقى للحركة الإسلامية

  ظهرت الحركة الإسلامية في مجتمعات عانت نتيجة لتأثير الرأسمالية – أولا في شكل الاحتلال الخارجى من قبل الامبريالية، ثم من خلال التحول في العلاقات الاجتماعية الداخلية المصاحبة لظهورطبقة رأسمالية محلية وتأسيس دولة رأسمالية مستقلة.

  حلت طبقات اجتماعية جديدة محل الطبقات القديمة، برغم أن ذلك لم يحدث فورا أو بشكل واضح تماما. لقد تحقق ما وصفه تروتسكى أنه ” التطور الموحد غير المتكافئ “. وقد تراجع الاستعمار في الخارج، ولكن استمرت القوى الامبريالية العظمى – خاصة الولايات المتحدة- في استخدام قواتها العسكرية كأداة مساومة للسيطرة على انتاج البترول، المورد الرئيسى والوحيد للشرق الاوسط. وفي الداخل، أدى تشجيع الدولة – وغالبا ملكيتها – الى تطوير بعض الصناعات الحديثة ذات الحجم الكبير، ولكن استمرت قطاعات كبيرة من الصناعة التقليدية، تعتمد على عدد هائل من الورش الصعيرة حيث يعمل المالك مر اثنين من العمال، غالبا من عائلته. وقد حول الاصلاح الزراعى بعض الفلاحين الر رأسمالية زراعية حديثة – ولكنه أزال عددا أكثر بكثير، تاركا اياهم بملكيات صغيرة أو بدون أرض، وهكذا دفعهم ال محاولةكسب العيش من خلال العمل الاضافي غير الثابت في الورش أو أسواق المناطق الحضرية القذرة في الاطراف. وانتج التوسع الهائل في نظام التعليم عددا ضخما من خريجى الكليات والمدارس العالية، ولكن لا يجد هؤلاء بعد ذلك فرص عمل كافية في القطاعات الجديثة من الاقتصاد ويضعون آمالهم في الدخول الى بيروقراطية الدولة، بينما يحاولون الكسب الاضافي بعمل صغير حول القطاع غير الرسمى- بير السلع العادية من الدكاكين، العمل كمرشدين للسياح، بيرع تذاكر اليانصيب، قيادة تاكسيات…. وغيرها.

  فاقمت ازمات الاقتصاد العالمى على مدار العشرين عاما الماضية كل هذه التناقضات. وجدت الصناعات الحديثة الاقتصاد الوطنى صغيرا جدا بالنسبة لها للعمل بكفاءة، ولكن المنافسة في السوق العالمى قوية جدا بالنسبة لها للبقاء بدون حماية الدولة. وكانت الصناعات التقليدي بشكل عام غير قادرة على التحديث بدون دعم الدولة ولا يمكنها التعويض عن فشل الصناعة الحديثة في توفير فرص عمل لسكان المدن المتزايدين باستمرار. ولكن قطاعات قليلة استطاعات اقامة صلات خاصة بها مع رأس المال العالمى وزاد امتعاضها من سيطرة الدولة على الاقتصاد. وتزايد تلهف أغنياء المدن على البضائع الفاخرة المتوفرة في السوق العالمية، مما زاد من التذمر بين العمال غير الثابتين والعاطلين عن العمل.

  تمثل الحركة الإسلامية محاولة لاستيعاب هذه التناقضات بواسطة أشخاص تربوا على احترام الافكار الإسلامية التقليدية. ولكنها لا تجد تأييدا متساويا من كل قطاعات المجتمع. لأن بعض القطاعات تعتنق ايديولوجية قومية برجوازية علمانية حديثة، بينما قطاعات أخرى تميل نحو شكل ما من وجهة نظر طبقة عاملة علمانية. ويجد الاحياء الإسلامي مساندة من أربع شرائح اجتماعية مختلفة – تفسر كل منها الاسلام بطريقتها الخاصة.

1- الرؤية الإسلامية للمستغلين القدماء:

 أولا يوجد هؤلاء أعضاء الطبقات التقليدية المتميزة الذين يخافون الضياع في التحديث الرأسمالي للمجتمع – وخاصة ملاك الاراضى بما فيهم رجال الدين الذين يعتمدون على عوائد الاراضى المملوكة للمؤسسات الدينية، والتجار الرأسماليين التقليديين، وأصحاب العدد الهائل من المحلات الصغيرة والورش. مثل هذه الشرائح غالبا كانت المصدر التقليدى للتمويل بالنسبة للمساجد ويرون الاسلام طريقة للدفاع عن نمط حياتهم القائم وجعل هؤلاء الذين يترقبون التغيير يستمعون الى أصواتهم. هكذا في ايران والجزائر كانت هذه الشرائح هى التى وفرت التمويل لرجال الدين لمعارضة برنامج الاصلاح الزراعى للدولة في الستينات والسبعينات.

2-الرؤية الإسلامية للمستغلين الجدد:

ثانيا، بعض الرأسالميين، غالبا ظهروا من بين الشريحة الأولى، الذين حازوا النجاح برغم عداء تلك الشرائح التى لها علاقات مع الدولة. مثلا في مصر، شق الاخوان المسلمون الحاليون طريقهم داخل النسيج الاقتصادى لمصر السادات في وقت كانت قطاعات كاملة منه قد تحولت الى رأسمالية غير منظمة. وقد كشف عثمان احمد عثمان، روكفلر المصرى، عن تعاطفه مع الاخوان. (15)

  وفي تركيا يتمتع حزب الرفاه، الذى يقوده عضو سابق في الحزب المحافظ الرئيسى، بتأييد عدد كبير من أصحاب رؤوس الاموال متوسطة الحجم. وفي ايران كان من بين البازاريين الذين أيدوا الخومينى ضد الشاه عدد كبير من الرأسماليين المتذمرين من الطريق التى تميز بها السياسات الاقتصادية أولئك الرأسماليين القريبين من التاج.

3-الرؤية الإسلامية للفقراء:

المجموعة الثالثة هم فقراء الريف الذين عانوا في ظل تقدم الزراعة الرأسمالية والذين دفعوا الى المدن للبحث المستميت عن عمل. وهكذا في الجزائر من بين اجمالى سكان الريف البالغين 8,2 مليون استفاد 2 مليون فقط من الاصلاح الزراعى. وكان على الستة ملايين الاخرين مواجهة الاختيار بين البؤس المتزايد في الريف أو الذهاب الى المدن للبحث عن عمل(16). ولكن في المدن ” ادنى شريحة اجتماعية تتشكل من الكتلة الصلبة من العاطلين المكونين من الفيحين السابقين النازحين الذين أغرقوا المدن بحثا عن عمل وفرصة اجتماعية، منفصلين عن المجتمع الريفي دون أن يندمجوا اندماجا حقيقيا في المجتمع الحضرى”. (17)

  فقد هؤلاء ثوابت الحياة القديمة, تلك الثوابت التي اربتطت عندهم بالثقافة الإسلامية التقليدية دون أن تحل محلها ظروف مادية آمنة أو حياة مستقلة , ” . لم يعد هناك إرشادات واضحة للسلوك والإيمان لملايين الجزائريين الذين يقعون الآنبين تقاليد لم تعد إرشادات واضحة للسلوك والإيمان لملايين الجزائريين الذين يقعون الآن بين تقاليد لم تعد تحوز على ولائهم الكامل وبين حداثة لا يمكنها أن تلبي احتياجاتهم النفسية والروحية وخاصة الشباب منهم ” (18)

في مثل هذا الموقف، حتى التحريض الإسلامي ضد الاصلاح الزراعى لصالح ملاك الاراضى القدماء في السبعينات استطاع جذب الفلاحين والفلاحين السابقين. لأن الاصلاح الزراعى كان رمزا لتحول الريف الذى دمر اسلوبا آمنا، وان كان بائسا، في الحياة. بالنسبة لملاك الارض والفلاحين الذين لا يملكون أراضى، يقدم الإسلاميون نفس الطرح: لقد حرم القرآن مصادرة ما يملك الآخرون، وهو يوصى الاغنياء والحكام حسب السنة بالكرم مع الآخرين. (19)

  تزايدت شعبية الحركة الإسلامية خلال الثمانينات حيث فاقمت الأزمة الاقتصادية التناقض بين جماهير الفقراء والصفوة التى تشكل حوالى 1% في السكان الذين يسيطرون على الدولة والاقتصاد. ولم تتناسب ثروتهم واسلوب حياتهم الغربى مع ادعائهم بأنهم ورث صراع التحرر ضد الفرنسيين. وكان من السهل جدا أن يرى الفلاحون السابقون السلوك ” الغير اسلامى ” لهذه الصفوة كسبب لبؤسهم.

  وكذلك في ايران، استفاد من التحول الرأسمالى للزراعة المتمثل في الاصلاح الزراعى الذى قام به الشاه في الستينات عدد قليل من الكادحين، بينما ترك الباقون في حالة ليست أفضل مما سبق وأحيانا أسوأ. وقد زاد من عداء الفقراء الريفيين وكذلك النازحين الى الحضر حديثا ضد الدولة – العداء الذى لم يسبب أى ضرر للقوى الإسلامية التى عارضت الاصلاح الزراعى. لذلك عندما استخدم الشاه قوة الدولة في عام 1962 مثلا ضد زعماء الإسلاميين، جعل ذلك منهم مركزا لتذمر أعداد كبيرة من الناس.

  في مصر زاد الانفتاح الاقتصادى على السوق العالمى من خلال الاتفاقيات مع البنك الدولى وصندوق النقد الدولى منذ منتصف السبعينات وما بعدها من سوء أوضاع جماهير الفلاحين والفلاحين السابقين بشكل هائل، مما أدى الى تزايد الشعور بالعداء والمرارة.وفي أفغانستان أدى الاصلاح الزراعى الذى فرض بعد الانقلاب الذى قام به الحزب الشيوعى في 1978 الى سلسلة من الانتفاضات العفوية من كل قطاعات السكان الريفيين:

  ” قضت الاصلاحات على الاساليب التقليدية للعمل التى تعتمد على المصلحة المتبادلة، دون تقديم أى بديل. حرص ملاك الاراضى الذين صودرت ممتلكاتهم على عدم توزيع آية بذور لمزارعيهم، والاشخاص الذين كانوا على استعداد لتقديم القروض يرفضون ذلك الان. وكانت هناك خطط لانشاء بنك للتنمية الزراعية وتأسيس مكتب لمراقبة توزيع البذور والاعلاف، ولكن لم يتم أيا من ذلك عندما بدأت الاصلاحات فعليا. لذلك كان الاعلان عن الاصلاح الزراعى نفسه هو الذى حرم الفلاحين من امدادات الحبوب. ولم يدمر الاصلاح الهيكل الاقتصادى فقط وانما دمر أيضا كامل الاطار الاجتماعى لعملية الانتاج. لذلك لم يكن غريبا أنه بدلا من أن تضع هذه الاصلاحات 98% من الشعب في مواجهة 2% من الطبقات المستغلة، أدت الى تمرد عام في 75% من المناطق الريفية. وعندما بدا أن النظام الجديد غير صالح، حتى الفلاحين الذين رحبوا في البداية به شعروا بأنه من الافضل العودة الى النظام القديم.” (20)

  ولكن لم يكن العداء للدولة فقط هو الذى جعل الفلاحين السابقين مستعدين لتقبل وجهة نظر الإسلاميين. فالمساجد تقدم مركزا اجتماعيا لأناس ضاعوا في مدينة جديدة وغريبة، وكذلك الجمعيات الخيرية الإسلامية والخدمات الاجتماعية الضرورية (العلاجية والتعليمية.. الخ) التى لم توفرها الدولة. لذلك كان تزايد أعداد المدن في الجزائر في السبعينات والثمانينات مصحوبا بزيادة هائلة في أعداد المساجد: ” حدث كل شئ كما لو كان التأخر في عمليتى التعليم والتعريب، وغياب المؤسسات الثقافية وأماكن قضاء وقت الفراغ، وعدم توافر الحريات العامة، ونقص المساكن، جعل ألاف من البالغين والشباب والاطفال يهربون الى المساجد”.(21)

  في هذا السياق، تمكنت الارصدة التى قدمها هؤلاء الذين تتناقض مصالحهم تماما مع الجماهير- طبقة ملاك الاراضى القديمة، والاغنياء الجدد أو حكومة السعودية – من توفير كل من الملاذ الثقافي والمادى للفقراء. ففي المسجد يرى الجميع – برجوازى عصرى أو تقليدى، أصولى، أو عامل في مؤسسة كبيرة – امكانية تحسين أوضاعه وتحقيق أهدافه الخاصة وأحلامه وآماله”. (22)

  لم يقض ذلك على التقسيمات الطبقية تماما داخل المسجد. ففي الجزائر مثلا، كان هناك خلافات عديدة بين أناس جعلتهم أصولهم الطبقية المختلفة ينظرون الى المساجد بطرق مختلفة – مثلا الاختلاف حول عدم قبول تبرعات للمسجد لانها جاءت من مصدر حرام. ” وفي الواقع، نادرا ما استكملت لجنة دينية مدتها، المحددة مبدأيا بسنتين، بالانسجام والاتفاق الذين توصى بهما جماعة الاله الواحد التى يتغنى بها المؤذنون دون توقف”(23). ولكن هذه الخلافات ظلت مغلفة بعباءة دينية اهرية – ولم توقف انتشار المساجد وتزايد تأثير الحركة الإسلامية.

4-الرؤية الإسلامية للطبقة الوسطى الجديدة:

وبرغم ذلك، ليست الطبقات المستغلة التقليدية ولا جماهير الفقراء هى التى تمثل العنصر الحيوى الذى يؤيد الاحياء والاسلام السياسى – أى الكوادر الفعالة الذين يقومون بالدعاية لافكاره والمخاطرة بالاصابة أو السجن أو الموت في المواجهة مع أعدائه.

  فالطبقات المستغلة التقليدية بطبيعتها محافظة جدا. وهى على استعداد للتبرع بالاموال حتى يقاتل الآخرون- خاصة للدفاع عن مصالحها المادية. وقد فعلت ذلك عندما ووجهت بالاصلاح الزراعى في الجزائر في أوائل السبعينات، وعندما هاجم النظام البعثى في سوريا مصالح تجار المدن في مطلع الثمانينات، (24) وعندما شعر التجار وصغار رجال الاعمال الايرانيين بأنهم عرضة لهجمات الشاه في 76-1978 وبتهديد اليسار لهم في 79-1981. ولكنهم يخافون أن تتعرض مشاريعهم للخطر، ناهيك عن حياتهم نفسها. ولذلك، لايمكن أن يكونوا تلك القوة التى مزقت مجتمعات مثل مصر والجزائر، وتسببت في انتفاضة بلدة حاما بكاملها في سوريا، وقامت بالعمليات الانتحارية ضد الامريكيين والاسرائيليين في لبنان – وتسببت في أن تأخذ الثورة الايرانية منحى أكثر راديكالية بكثيرمما هو متوقع من أى قطاع آخر من البرجوازية الايرانية.

  مصدر هذه القوة في الواقع هو طبقة رابعة مختلفة تماما – قطاع من الطبقة الوسطى الجديدة التى نشأت نتيجة للتحديث الرأسمالى لكل بلاد العالم الثالث.

  في ايران جاءت كوادر الحركات الإسلامية الثلاثة التى سيطرت على سياسات السنوات الاولى من الثورة من هذه الاصول. هكذا تبين احدى وجهات النظر القاعدة الجماهيرية لأول رئيس وزراء بعد الثورة – أى بازارجان:

  “مع توسع نظام التعليم في ايران في الخمسينات والستينات، استطاعت حتى المجموعات الكبيرة من الطبقة الوسطى التقليدية دخول الجامعات. وقد شعر هؤلاء المتعلمون الجدد بحاجة ماسة لتبرير استمرار تماسكهم حول الاسلام لانفسهم عندما ووجهوا بالمؤسسات التى يسيطر عليها الصفوة القديمة المتفرنجة. فانضموا الى جمعيات الطلاب المسلمين (التى ينظمها بازارجان).. وعند الدخول الى حياة الوظيفة، كان المهندسون غالبا ما ينضمون الى جمعيات المهندسين الإسلامية، التى أسسها أيضا بازارجان. وقد شكلت شبكة الجمعيات هذه فعلا القاعدة الاجتماعية المنظمة لبازارجان وحركة التحديث الإسلامية.. اعتمدت دعوة بازارجان وتاليقانى على اسلوب تنمية الشعور بالكرامة لدى أعضاء الطبقات الوسطى التقليدية الناشئين والذى ساعدهم على اثبات هويتهم في مجتمع تسيطر عليه سياسيا ما يطلقون عليهم النخبة المتفرنجة والملحدة والفاسدة “.(25)

  علق ابراهيميان حين كتب عن مجاهدى الشعب في ايران أن دراسات عديدة عن السنوات الأولى للثورة الايرانية:

تحدثت عن جاذبية الاسلام الراديكالى بالنسبة ’للمقهورين’، ولكن لم يكن المقهورون عموما هم الذين يشكلون قاعدة المجاهدين، ولكنها تشكلت من القطاع الواسع من الطبقة الوسطى الجديدة الذين ينتمون الى أسر كانت جزءا من البرجوازية الصغيرة التقليدية. وقدم تحليلات للمواقع الطبقية للمجاهدين الذين قبض عليهم في ظل الشاه وتعرضوا للاضطهاد في ظل الخومينى لتأييد وجهة نظره”.(26)

  وبرغم أن القوة الإسلامية الثالثة، أى حزب الخومينى الجمهورى الإسلامي المنتصر، عادة ما يشار الى أنه يدار من خلال المؤسسات الدينية المرتبطة بالبازاريين – الرأسمالية التجارية التقليدية – فقد كشف موعادل أن أكثر من نصف أعضائه كانوا من المهنيين، والمدرسين، وموظفي الحكومة أو الطلاب – حتى وان كان ربعهم ينتمون الى عائلات البازاريين. (27) وقد لاحظ بايات أن النظام اعتمد على المهندسين الذين يعملون في المصانع في حملته للقضاء على المنظمات العمالية في المصانع. (28)

  وتعلق أزار تبارى أنه بعد سقوط الشاه اختارت أعداد كبيرة من النساء في المدن الايراني ارتداء الحجاب واصطفوا ضمن أتباع الخومينى ضد اليسار. وأعلنت أن تلك النساء كن ينتمين الى ذلك القطاع من الطبقة الوسطى الذى يشكل الجيل الاول الذى يعانى عملية’ الاندماج الاجتماعى ’. لقد دفعت تلك النساء، اللاتى غالبا ما كن ينتمين الى عائلات من البرجوازية الصغيرة التقليدية، الى التعليم العالى حيث تدهورت فرص الكسب التقليدية بالنسبة لعائلاتهن مع التصنيع. وتوفرت لهن فرصة العمل في مهن مثل التعليم والتمريض. ولكن ” كان على تلك النساء أن يعانين من التجربة المؤلمة غالبا لتأقلم الجيل الأول”:

  “عندما بدأت شابات من هذه العائلات في الذهاب الى الجامعة أو العمل في المستشفيات، تعرضت كل المفاهيم التقليدية لهجوم يومى من محيط الغرباء، حيث تختلط النساء مع الرجال، ولا يرتدين الحجاب، وأحيانا ما يرتدين حسب آخر مودة أوروبية. وغالبا كانت النساء مشتتات بين التقاليد العائلية الثابتة وضعوط البيئة الجديدة. فلا يمكنهن ارتداء الحجاب في العمل، ولا يمكنهن مغادرة المنزل بدون الحجاب.”

وكان أحد ردود الفعل الشائعة لهذه الضغوط المتناقضة هو “التراجع نحو الاسلام”، وقد عبرت عن ذلك مظاهرات قامت بها نساء مختمرات بشكل متزمت أثناء التحريك الكبير”. وأعلنت تبارى أن هذا الرد كان يتناقض بشكل واضح مع موقف النساء اللاتى ينتمين الى عائلات كانت جزءا من الطبقة المتوسطة الجديدة لمدة جيلين أو ثلاثة أجيال، واللاتى رفضن ارتداء الحجاب وانضممن الى الليبراليين أو اليساريين (29)  . وفي أفغانستان يلاحظ روى:

  “ولدت الرؤية الإسلامية بين القطاعات الحديثة من المجتمع وتطورت من انتقاد الحركة الشعبوية التى سبقتها.. ان الإسلاميين مثقفون، ونتاج لأحدث بقاع المجتمع التقليدى، وأصولهم الاجتماعية هى ما اصطلحنا على تسميتها ببرجوازية الدولة – وهم نتاج نظام التعليم الحكومى الذى يؤدى فقط الى التوظف في آلة الدولة.. ان الإسلاميين نتاج النظام التعليمى للدولة. وقليل جدا منهم حصوا على تعليمهم في مجال الفنون. وفي ساحة الجامعة، يختلط معظمهم مع الشيوعيين، الذين يتعارضون معهم بعنف، فضلا عن اختلافهم مع العلماء(المتدينين الاكاديمين) الذين يحملون نحوهم شعورا متناقضا. فهم يشتركون في كثير من المعتقدات مع العلماء، ولكن الفكر الإسلامي تطور من خلال الاتصال بالايديولوجيات الغربية الكبرى، التى يرون أنها تشكل مفتاح التطور التكنولوجى للغرب. وبالنسبة لهم، فان المشكلة هى تطوير أيديولجية سياسية حديثة تكون قاعدتها الاسلام، ويرون أن ذلك هو السبيل الوحيد لفهم العالم الحديث والوسيلة الافضل لمواجهة الاستعمار الاجنبى”. (30)

  ان أهم مصدر للتجنيد بالنسبة لجبهة الانقاذ الإسلامية في الجزائر هو طلبة المدارس الثانوية والجامعات المتحدثون بالعربية (كنقيض للفرنسية)، وذلك القطاع الواسع من الشباب الذين يرغبون في التعليم العالى ولكن لم يستطيعوا الحصول على مكان بالكليات:

  ” تجند جبهة الانقاذ الجزائرية أعضاءها من ثلاث قطاعات من السكان: من طبقة التجار المتوسطين، بالاضافة الى بعض الاغنياء منهم، وشباب العاطلين الذين حرموا من التعليم العالى، ويشكلون حثالة البروليتاريا الجديدة في الشوارع، ومن شريحة من المثقفين المتحدثين بالعربية والمتطلعين لأعلى. والمجموعتان الاخيرتان هما الأكثر عددا وأهمية”. (31)

  لقد بنى المثقفون الإسلاميون مركزهم الاجتماعى من خلال سيطرتهم على كليات اللغة العربية والدراسات الدينية في الجامعات، مستخدمين اياها للسيطرة على وظائف عديدة كأئمة للمساجد ومعلمين في المدارس الثانوية (الليسيه). ويشكلون شبكة لضمان ندب اسلاميين آخرين في مثل هذه الوظائف لغرس الافكار الدينية في عقول الجيل الجديد من الطلاب. وبالتالى يتمكنون من التأثير على عدد هائل من الشباب.

  ويكتب أحمد روعاديا أن الجماعات الإسلامية بدأت في النمو من منتصف السبعينات وما بعدها، وتمتعوا بتأييد الطلاب المتحدثين بالعربية في الجامعات الذين تسبب عدم تمكنهم من الفرنسية في حرمانهم من الحصول على وظائف في الادارة، ومجالات التكنولوجيا المتقدمة والادارة العليا (32)

. هكذا مثلا، هب صراع مرير مع رئيس جامعة قسطنطين في منتصف الثمانينات، الذى اتهم بالتشكك في “سمو اللغة العربية ” و” الولاء للاستعمار الفرنسى ” لسماحه باللغة الفرنسية بالاستمرار كلغة أولى في الكليات التكنولوجية والعلمية. (33)

  ” بجد أصحاب المؤهلات من المتحدثين بالعربية صعوبة في الدخول في كل القطاعات الهامة، وقبل كل شئ تلك الصناعات التى تتطلب المهارات الفنية واللغات الاجنبية… ولا يستطيع المتحدثون بالعربية، حتى وان حصلوا على دراسات عليا، الحصول على مكان في الصناعة الحديثة. وينتهى غالبيتهم الى التوجه نحو المساجد”. (34)

  ويشكل الطلاب، من الخريجين الجدد المتحدثين بالعربية، والاهم، الطلاب السابقون العاطلون عن العمل جسرا الى الاعداد الهائلة من الشباب الساخط خراج الكليات الذين لم يستطيعوا الحصول على أماكن في الكليات برغم قضاء سنوات في نظام تعليم فاشل وفقير. هكذا، برغم وجود حوالى مليون طالب الآن في التعليم الثانوى، يتوقع أربعة أخماسهم الرسوب في الثانوية العامة (البكالوريا) – شرط دخول الجامعة – ومواجهة حياة غير آمنة على هامش الوظيفة. (35)

  “تكتسب التوحيدية – أى النظرية الإسلامية – قوتها من السخط الاجتماعى الذى يعانيه جزء كبير من الشباب، الساقط من حسابات النظام الاجتماعى والاقتصادى. وهى تطرح طرحا بسيطا: اذا كان هناك غضب وفقر ومعاناه، فالسبب أن من يسيطرون على السلطة لا يلتزمون بمبدأ الشورى الشرعية، ولكن يعتمدون على القوة.. وأن اعادة تطبيق اسلام السنوات الأولى سوف يقضى على كل أشكال عدم المساواة”. (36)

  وبسبب تأثيرها على شريحة واسعة من الطلاب والخريجين والعاطلين عن العمل والمثقفين، تستطيع الرؤية الإسلامية أن تنتشر وتسيطر على وسائل الدعاية في الاكواخ والاحياء القذرة حيث يعيش الفلاحون السابقون. حركة كهذه لا يمكن وصفها بحركة ” محافظة “. لأن الشباب المتعلم المتحدث بالعربية لا يتجه الى الاسلام لأنه يريد أن يظل الوضع كما هو عليه، ولكن لأنه يظن أن الاسلام يطرح تغييرا اجتماعيا شاملا. (37)

  تطورت الحركة الإسلامية في مصر بداية منذ 65 عاما، عندما أسس حسن البنا جماعة الاخوان المسلمين. وقد نمت في الثلاثينات والاربعينات عندما بدأت في الانتعاش بعد فشل حزب الوفد الوطنى العلمانى في تحدى السيطرة البريطانية على البلاد. تشكلت قاعدة الحركة أساسا من موظفي الخدمة المدنية والطلاب، وكانت احدى القوى الهامة في حركات التمرد في الجامعة في أواخر الاربعينات وأوائل الخمسينات. (38) ولكنها انتشرت لتضم اليها بعض عمال المدن والفلاحين، بعضوية قدرت بأنها وصلت الى نصف مليون. في سياق بناء الحركة كان البنا على استعداد تام للتعاون مع شخصيات معينة قريبة من الملكية المصرية، وقد رأى الجناح اليمينى في الوفد في الاخوان المسلمين حركة مضادة لنفوذ الشيوعيين بين العمال والطلبة.(39)

  ولكن الاخوان المسلمين لم يستطيعوا المنافسة مع الشيوعيين الا في الحصول على تأييد فقراء الطبقات الوسطى – ومن خلالهم الى قطاعات من فقراء المدن – لأن لغتها الدينية كانت تتضمن تبنيها لاصلاحات أبعد مما يرغب فيه حلفاؤها اليمينيون. وكانت أهدافها لا تتفق اطلاقا مع استمرار الاوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية القائمة والتى كانت الطبقات الحاكمة تدعمها. أكد هذا على ” أن العلاقة بين الاخوان المسلمين والحكام المحافظين ستكون غير مستقرة وضعيفة جدا”. (40)

  وبالفعل، فقد تم تدمير الاخوان تقريبا بمجرد أن تركزت السلطة الكاملة في أيدى النظام العسكرى الجديد الذى قام حول عبد الناصر في أوائل الخمسينات. فقد أعدم ستة من قادة الأخوان شنقا في ديسمبر 1954 ودفع بالآلاف من أعضائها الى معسكرات التعذيب. وأدت محاولة احياء الحركة في منتصف الستينات الى اعدامات أكثر، ولكن، بعد موت عبد الناصر، سمح لها تابعيه السادات ومبارك بالتواجد بشكل شبه شرعى – على أساس أن تتجنب الجماعة قيادة أى مواجهة ضد النظام. وكانت قيادة ما يطلق عليه أحيانا ” الاخوان المسلمين الجديد ” على استعداد لتقبل هذه الشروط، متبعين رؤية رجعية معتدلة نسبيا، وحصلوا على مبالغ ضخمة من الاموال من أعضاء تم ترحيلهم الى السعودية في الخمسينات وحققوا رخاء ماديا من البترول. (41) وقد مكن ذلك الاخوان من طرح ” نموذج بديل للدولة الإسلامية”، “ببنوكهم وخدماتهم الاجتماعية والتعليمية، ومساجدهم”.(42)

  ولكن ذلك أدى أيضا الى فقدهم لسيطرتهم على الجيل الجديد من الراديكاليين الإسلاميين الذين نشأوا، كما نشأ الاخوان أنفسهم في الاصل، في الجامعات والقطاع الفقير من ” الطبقة الوسطى الحديثة “. هؤلاء هم الإسلاميون الذين قاموا باغتيال السادات في 1981 ويشعلون الكفاح المسلح منذ ذاك ضد كل من الدولة والانتليجنتسيا العلمانية:

  ” عندما نتحدث عن الاصوليين في مصر، نعنى جماعة قليلة من الناس المعارضين حتى للاخوان المسلمين.. هذه الجماعات تتكون أساسا من الشباب. وهم شديدى النقاء، مستعدون للتضحية بحياتهم، وعمل أى شئ. ويستخدمون كقوة ضاربة لحركات مختلفة لانهم قادرون على القيام بالعمليات الارهابية.”  (43)

  شكلت تنظيمات الطلاب المسلمين، التى أصبحت القوة الاولى في الجامعات المصرية أثناْء رئاسة السادات ” المنظمات الجماهيرية الحقيقية الوحيدة للحركات الإسلامية “.  (44) وقد تزايدت كرد فعل للظروف داخل الجامعات والمستقبل البائس الذى يواجه الطلاب اذا تخرجوا:

  “ارتفع عدد الطلاب من أقل من 200000 في 1970 الى أكثر من نصف مليون في 1977.. وفي غياب الموارد الضرورية، أدى توفير التعليم العالى المجانى لأكبر عدد ممكن من شباب البلاد الى تدهور نظام التعليم “. (45)

  ويمثل الزحام مشكلة، خاصة للطالبات اللاتى يتعرضن لكافة أشكال المضايقات في قاعات المحاضرات والاتوبيسات المزدحمة. واستجابة لهذا الموقف:

  “حازت الجماعة الإسلامية قوتها الهائلة من خلال قدرتها على تفهم (هذه المشكلات) وطرح حلول فورية – مثلا، استخدام أرصدة اتحاد الطلاب لتشغيل خطوط مينى باص للطالبات(مع أولوية الطالبات اللاتى يرتدين الحجاب)، الدعوة الى الفصل بين البنات والشباب في قاعات المحاضرات، تنظيم مجموعات مراجعة للمناهج تتقابل في المساجد، اصدار طبعات رخيصة للكتب الضرورية “. (46)

  وحتى الخريجون لم يستطيعوا الافلات من البؤس المزمن لغالبية المجتمع المصرى:

  ” لكل خريج الحق في الحصول على وظيفة عامة. هذا الاجراء بالفعل هو مصدر البطالة المقنعةالهائلة في مكاتب الجهاز الادارة المتضخم، الذى يتقاضى فيه الموظفون مرتبات ضعيفة جدا.. ويستطيع الموظف الحصول على طعامه من خلال شراء المنتجات المدعومة من الدولة، ولكنه من غير المحتمل أن يرتفع فوق الحد الادنى للبقاء… وغالبا ما يكون لكل موظف في الدولة عمل ثانى أو ثالث… ويقضى عدد لايحصى من الموظفين في الدولة، الذين يجلسون في الصباح على المكاتب في واحدة أو أخرى من الوزارات العديدة، وقت الظهر في العمل كسباكين أو سائقى تاكسى، هى أعمال يؤدونها بصورة غير كاملة ربما يشغلها أيضا غير المتعلمين. ان الفلاحة الأمية التى تأتى الى المدينة لتعمل كخادمة للأجانب يدفع لها أقل أو أكثر من ضعف رابت معيد في الجامعة”. (47)

  ان الطريق الوحيد للخروج من هذه المعضلة بالنسبة لمعظم الخريجين هو الحصول على عمل في الخارج، خاصة في السعودية أو دول الخليج. وليست هذه فقط هى الطريقة الوحيدة للتخلص من البؤس، بل انها بالنسبة لمعظم الناس الشرط المسبق للزواج في مجتمع حيث العلاقات الجنسية قبل الزواج نادرة.

  استطاع الإسلاميون التعبيرعن هذه المشكلات بلغة دينية. وكما كتب كيبل عن أحد أعضاء الجماعات الإسلامية، ان موقفه لا يتضمن” التجرك كمتعصب للقرون الماضية.. فهو يضع يده – بطريقته الخاصة – على مشكلة ملحة من مشكلات المجتمع المصرى الحديث. (48)

  وكما حدث في الجزائر، بمجرد أن أقام الإسلاميون قاعدة جماهيرية في الجامعات، أصبحوا بعد ذلك في موقف يمكنهم من الانتشار في محيط أوسع – في شوارع المدن البائسة حيث يختلط الطلاب والخريجون مع جمهور آخر من الساعين الى كسب العيش. حدث ذلك بعد أن أحكم النظام قبضته بقوة على الحركة الإسلامية في الجامعات في أعقاب المفاوضات حول اتفاقية السلام مع اسرائيل في أواخر السبعينات. “فمع ذلك، بدلا من أن يتوقف نشاط الجماعة، منحهم هذا القمع دفعة ثانية… وبدأت رؤية الجماعة في الانتشار وراء عالم الطلاب. وذهبت الكوادر الإسلامية والدعاة للدعوة في المناطق الفقيرة المجاورة”. (49)

« السابق التالي »