بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النبي والبروليتاريا

« السابق التالي »

5. الإسلام الراديكالى كحركة اجتماعية:

ان القاعدة الطبيقة للحركة الإسلامية هى نفس القاعدة الطبيقية للحركة الفاشية الكلاسيكية، والاصولية الهندوسية وحركة شيف سينا في الهند، حيث جندت كل هذه الحركات اعضاءها من ابناء الطبقة الوسطى ذوى الياقات البيضاء والطلاب، وكذلك من البرجوازية الصغيرة المهنية والتجارية التقليدية.أدى ذلك، بالاضافة الى عداء معظم الحركات الإسلامية لليسار، وحقوق المرأة والعلمانية، الى أن يسمى كثير من الاشتراكيين والليبرالييين هذه الحركات بالفاشية. ولكن ذلك خطأ.

ليست الفاشية وحدها التى تقوم على أساس طبقى من البرجوازية الصغيرة، لقد كان ذلك أيضا أحد ملامح اليعقوبية، والعالم ثالثية، والستالينية الماوية، والبيرونية. ولا تصبح حركات البرجوازية الصغيرة فاشية الا عندما تصعد عند نقطة معينة من الصراع الطبقى، وتلعب فيه دورا معينا. ولا يقتصر هذا الدور على تحريك البرجوازية الصغيرة فقط، ولكن استغلال شعورهم بالمرارة بسبب ما تسببه لهم أزمة حادة في النظام ثم تشكيلهم في عصابات منظمة مستعدة للعمل في خدمة رأس المال لتدمير المنظمات العمالية.

لذلك كانت حركتى موسولينى وهتلر فاشية بينما، لنقل، حركة بيرون في الارجنتين لم تكن كذلك. برغم أن بيرون قد استعار بعض مظاهر الفاشية، فقد استولى على السلطة في ظروف استثنائية سمحت له بشراء المنظمات العمالية بينما حول أرباح كبار الرأسماليين العقاريين الى الصناعة باستخدام اسلوب تدخل الدولة. وأثناء السنوات الستة الاولى من حكمه سمحت بعض الظروف بارتفاع الأجور الحقيقيى بنسبة بلغت حوالى 60%. كان من الممكن أن يحدث العكس تماما اذا ما حدث هذا في ظل نظام فاشى حقيقى. وبرغم ذلك ظلت الانتليجنتسيا الليبرالية، والحزب الشيوعى الارجنتينى، يطلقون على النظام ” بيروني نازى “، بنفس الطريقة التى يتعمد غالبا كثير من اليساريين تسمية الحركة الإسلامية اليوم بالفاشية. (50)

وبالمثل، تلعب الحركة الإسلامية الجماهيرية في بلاد مثل مصر والجزائر دورا مختلفا عن دور الفاشية. فهى لا تتوجه بالأساس ضد المنظمات العمالية، ولا تطرح نفسها على القطاعات الرئيسية لرأس المال كوسيلة لحل مشكلاتها على حساب العمال. انها في الأغلب تشترك في مواجهة عسكرية مباشرة مع قوات الدولة بطريقة نادرا ما كانت الاحزاب الفاشية تخوضها. وبدلا من أن تكون وكلاء للامبريالية، رفعت هذه الحركات شعارات ضد الامبريالية ونفذت بعض العمليات المعادية للامبريالية أربكت مؤسسات رأسمالية عالمية وقومية هامة (في الجزائر، الموقف من حرب الخليج الثانية، في مصر، ضد السلام مع اسرائيل، في ايران، ضد الوجود الأمريكى في أعقاب الاطاحة بالشاه).

استطاع جهاز المخابرات الامريكية التعاون مع مثقفي باكستان ودول الشرق الاوسط الموالية للغرب لتسليح آلاف من المتطوعين من منطقة الشرق الاوسط للحرب ضد الروس في أفغانستان. ولكن يعود هؤلاء المتطوعون الآن الى الوطن ليكتشفوا أنهم كانوا يحاربون من أجل الولايات المتحدة بينما كانوا يعتقدون أنهم يحاربون من أجل الاسلام، فيشكلون قوة صلبة معارضة لمعظم الحكومات التى شجعتهم على الذهاب. حتى في السعودية، حيث يطبق التفسير الوهابى المتزمت للشريعة الإسلامية بكل قوة الدولة، تسعى المعارضة الآن الى كسب تأييد المجاهدين الأفغان، مشمئزة من نفاق العائلة الملكية التى تندمج كثيرا في الطبقة الرأسمالية العالمية. بينما تنتقم العائلة الملكية، كاشفة عن عدائها لبعض الذين شجعتهم في الماضى، وتمنع التمويل عن جبهة الانقاذ الإسلامية الجزائرية بسبب تأييدها للعراق في حرب الخليج الثانية، وتنفي مليونيرا سعوديا كان يمول الإسلاميين في مصر.

يعجز اليساريون الذين يرون ببساطة أن الجماعات الإسلامية جماعات ” فاشية ” عن فهم أثرها في هز استقرار المصالح الرأسمالية في كامل منطقة الشرق الأوسط، وينتهون الى الوقوف بجانب الدولة التى تمثل العميل الأقوى لكل من الامبريالية ورأس المال المحلى !

لقد حدث ذلك مثلا، لتلك القطاعات من اليسار الواقعة تحت تأثير فلول الستالينية في مصر. وحدث مع معظم اليساريين الايرانيين أثناء المراحل الأخيرة من حرب الخليج الأولى، عندما أرسلت الامبريالية الأمريكية اسطولها للحرب الى جانب العراق ضد ايران. بل ويشكل أيضا خطرا على اليسار العلمانى في الجزائر، الذى يواجه اقتراب الحرب الأهلية بين الإسلاميين والدولة.

ولكن اذا كان من الخطأ اعتبار الحركات الإسلامية حركات فاشية، فمن الخطأ أيضا اعتبارها ببساطة حركات ضد الدولة وضد الامبريالية. فهم لايقاتلون فقط ضد تلك الطبقات والدول التى تستغل وتسيطر على الجماهير. انهم يحاربون أيضا ضد العلمانية، وضد النساء اللاتى يرفضن تقبل الآراء الإسلامية عن ” الاحتشام “، وضد اليسار، وفي حالات هامة، ضد الأقليات العرقية والدينية. لقد أسس الإسلاميون الجزائريون قاعدتهم في الجامعات في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من خلال تنظيم ” حملات عقابية ” ضد اليسار بالموافقة الضمنية للبوليس، وأول شخص قتلوه لم يكن موظفا بالدولة ولكن عضوا في منظمة تروتسكية، وقاموا بحركة أخرى هى رفض مجلة هارد روك، والمثلية الجنسية، والمخدرات وموسيقى البونك في معرض الكتاب الاسلام في 1985، في المدن الجزائرية التى يشكلوق القطاع الأقوى فيها، ويقومون بتنظيم هجوم فعلى على النساء اللاتى يجرؤن على كشف حزء من أجسادهن، وقد كانت المظاهرة العلنية الاولى لجبهة الانقاذ الجزائرية في 1989 ردا على مظاهرات ” العلمانيين ” و” النسويين ” ضد العنف الإسلامي، الذى كانت النساء أولى ضحاياه. (51) ان عداء الحركة الإسلامية لا يتجه فقط ضد الدولة ورأس المال الاجنبى، ولكن ايضا ضد أكثر من مليون مواطن جزائرى لم يكن خطأهم أنهم تربوا على الفرنسية كلغتهم الأولى، وكذلك 10% من السكان البربر الذين لا يتحدثون العربية.

وكذلك في مصر، تقتل الجماعات الإسلامية المسلحة العلمانيين والإسلاميين الذين يختلفون معهم بشكل حاد، ويحفزون المسلمين على كراهية و، ضمنيا، تطهير 10% من السكان تصادف أن يكونوا مسيحيين أقباط. وفي ايران أعدم جناح الخومينى في الحركة الإسلامية حوالى 100 شخص ” بتهم جنسية ” مثل المثلية الجنسية، والزنا في 1979-1981، وطردوا النساء من النظام القضائى، ونظموا عصابات اجرامية – حزب الله الايرانى – لمهاجمة النساء المتبرجات ومهاجمة الجناح اليسارى، وقتلوا الآلاف في حملة لقمع مجاهدى الشعب الإسلامي اليساريين. وفي أفغانستان، حولت المظمات الإسلامية، التى أشعلت حربا دموية طويلة ضد الاحتلال الروسى لبلدهم، أسلحتهم الثقيلة نحو بعضهم البعض بمجرد رحيل الروس، محولين مناطق بكاملها في كابول الى حطام.

في الواقع، وبرغم أن الإسلاميين يؤكدون على معاداتهم للامبريالية الا أنهم غالبا ما يتخلون عن مواجهتها. لأن امبريالية اليوم عادة ما لا تكون السيطرة المباشرة لدول الغرب على أجزاء من العالم الثالث، ولكن نظاما عالميا من الطبقات الرأسمالية المستقلة (الخاصة والدولة) تندمج في سوق عالمى واحد. وبعض الطبقات الحاكمة تمتلك قوة أكبر من الاخرى ولذلك تكون قادرة على فرض شروطهاالخاصة في المعاملات من خلال سيطرتها على منافذ التجارة، والنظام البنكى، وأحيانا، استخدام القوة السافرة. وهذه الطبقات الحاكمة تقف على قمة هرم الاستغلال، ولكن تلك الطبقات التى تليها مباشرة هى الطبقات الحاكمة للبلاد الفقيرة، التى تعمل في الاقتصاديات القومية المنفصلة، وتستفيد أيضا من النظام، وتربط نفسها باستمرار بالشبكات المتعددة النجنسية المسيطرة وتعمل داخل اقتصاديات العالم المتقدم، حتى وان كانوا أحيانا أخرى يهاجمون من هم فوقهم.

ان معاناة الغالبية العظمى من الناس لا يمكن ببساطة ارجاعها الى القوى الامبريالية العظمى ووكلائها مثل البنك الدولى وصندوق النقد الدولى. انها أيضا تنتج عن المشاركة النشطة في الاستغلال من الرأسماليين الأصغر ودولتهم. هؤلاء هم الذين يطبقون السياسات الفعلية التى تؤدى الى افقار الناس وتدمير حياتهم. وهم أيضا الذين يستخدمون البوليس للقضاء على من يحاولون المقاومة.

وهنا يوجد فرق مهم عما حدث في ظل الامبريالية الكلاسيكية للامبراطوريات الاستعمارية، حيث سيطر المستعمرون بأنفسهم على الدولة وأداروا عملية القمع. في تلك الحالة، كانت الطبقات المستغلة المحلية مشتتة بين اتجاهين، بين مقاومة الدولة عندما تضر بمصالحها، والتعاون معها كحماية لها ضد من تستغلهم. ولكنها لم تكن بالضرورة في الصف الاول ضمن المدافعين عن النسق الكامل لعملية الاستغلال ضد الثورة. ولكنها الآن كذلك. فهى جزء من النظام – حتى وان كانت أحيانا تدخل في خلافات معه. ولم تعد المعارض المتذبذب له. (52)

في هذه الحالة، فان أى أيديولوجية تقصر نفسها على مقاومة الامبريالية الاجنبية كعدو أوحد، تتجنب أى مواجهة حادة مع النظام. فهى تعبر عن معاناة الناس وغضبهم، ولكنها تتجنب توجيههم الى أعدائهم الحقيقيين. وهذه هى حقيقة معظم الرؤى الإسلامية، تماما كما أنها حقيقة معظم الرؤى القومية في العالم الثالث في الوقت الحالى. انهم يشيرون الى عدو أساسى، أى النظام العالمى، وأحيانا يصطدمون بقوة مع الدولة. ولكنهم يبرئون غالبية البرجوازية المحلية من المسئولية – وهى أهم حليف للامبريالية على المدى الطويل.

وتقارن دراسة حديثة للخومينية قام بها ابراهيميان بين الحركة الإسلامية وبين البيرونية والاشكال المماثلة من ‘الشعبوية‘:

“تبنى الخومينى نظريات راديكالية… وأحيانا ما بدا أكثر راديكالية من الماركسيين. ولكن بينما كان يتبنى رؤى راديكالية استمر مخلصا في تحمل مسئولية الحفاظ على ملكية الطبقة الوسطى. هذا الشكل من راديكالية الطبقة الوسطى جعله مشابها للشعبويين في أمريكا اللاتينية، خاصة البيرونيين”. (53)

ويسترسل ابراهيميان فيقول:

“أعنى بالشعبوية حركة تقوم بها الطبقة المتوسطة المالكة تحرك الطبقات الأدنى، خاصة فقراء الحضر، بشعارات راديكالية موجهة ضد الامبريالية، والرأسمالية الأجنبية، والمؤسسة السياسية.. وتعد الحركات الشعبوية برفع مستويات المعيشة بصورة كبيرة وجعل البلاد مستقلة تماما عن القوى الخارجية. بل أنها تمتنع عمدا عن تهديد البرجوازية الصغيرة ومبدأ الملكية الخاصة، وهذا أهم بالنسبة لها من مهاجمة الاوضاع القائمة بخطابة راديكالية. هكذا تؤكد الحركات الشعبوية بالضرورة على أهمية اعادة البناء الثقافي والقومى والسياسى، وليس أهمية الثورة الاقتصادية والاجتماعية”. (54)

تتجه هذه الحركات الى الخلط بين الامور من خلال التحول عن أى صراع حقيقى ضد الامبريالية الى صراع أيديولوجى خالص ضد ما يرونه آثارها الثقافية. وتعتبر ” الاستعمار الثقافي ” بدلا من الاستغلال المادى، مصدر جميع الأخطاء. ولا يكون الصراع بالتالى موجها ضد القوى المسئولة عن افقار الشعب، بل ضد من يتحدثون اللغات ‘الأجنبية‘، ويتبنون الأديان ‘الغريبة‘، أو يرفضون أنماط الحياة ‘التقليدية”المزعومة.وهذا يتناسب تماما مع قطاعات معينة من رأس المال المحلى التى يسهل عليها ممارسة ” الثقافة المحلية “، على الأقل في العلن. وهو أيضا يحقق مصالح مادية مباشرة لقطاعات من الطبقة الوسطى التى يمكنها بناء مستقبلها الوظيفي الخاص عن طريق ازاحة أخرين من وظائفهم. ولكنه يحد من الأخطار التى تسببها هذه الحركات على الامبريالية كنظام.

تعمل الحركة الإسلامية اذن على اثارة الغضب الجماهيرى وتعويقه، على تشكيل مشاعر الجماهير على ضرورة عمل شئ وتوجيه هذه المشاعر الى مجالات ضيقة، وعلى هز استقرار الدولة والحد من الصراع الحقيقى ضدها.

وتنشأ الطبيعة المتناقضة للحركة الإسلامية عن الأساس الطبقى لكوادرها الأساسية. فلا يمكن للبرجوازية الصغيرة كطبقة أن تتبع سياسة متماسكة مستقلة خاصة بها. وكان ذلك صحيحا دائما بالنسبة للبرجوازية الصغيرة التقليدية – أى أصحاب الورش الصغيرة، والتجار والمهنيين المستقلين. ويسيطر عليها دائما رغبة محافظة في الأمان تتطلع الى الماضى وتأمل في الافادة بشكل فردى من التغيير الثورى. وهذا بالضبط صحيح أيضا بالنسبة لفقراء الطبقة المتوسطة الجديدة – أو الأكثر منهم فقرا من العاطلين عن العمل وخريجى الجامعات والمدارس الثانوية ممن كان يمكن أن يصبحوا أعضاء في الطبقة المتوسطة الجديدة – في البلاد المتخلفة اقتصاديا اليوم. ولذلك يحلمون بماض ذهبى مزعوم. أو يرون مستقبلهم مرتبطا بتقدم اجتماعى شامل من خلال التغيير الثورى. أو يوجهون الاستفزاز الناتج عن تطلعاتهم الى قطاعات أأخرى من السكان الذين يستحوذون على وظائف الطبقة الوسطى بصورة ’ غيرعادلة ’: أى الأقليات الدينية والعرقية، أو أصحاب لغة مختلفة، أو النساء التى تعمل بطريقة “غير تقليدية”.

ولا يعتمد تحولهم الى اتجاه ما على عوامل مادية مباشرة فقط. بل يعتمد أيضا على الصراعات التى تحدث على المستوى القومى والعالمى. هكذا أثارت الصراعات ضد الاستعمار والامبريالية في الخمسينات والستينات كثير من الطبقة الوسطى الصاعدة في العالم الثالث، ونشأ شعور عام بأن التنمية الموجهة من الدولة تمثل طريق التقدم. وبدا أن اليسار العلمانى، أو على الأقل التيار القومى أو الستالينى، كممثل لهذه الرؤية، قد حظى بدرجة من الهيمنة في الجامعات. في تلك الفترة، حتى أولئك الذين بدأوا بتوجهات دينية جذبهم ما كان ينظر اليه كيسار – من خلال مثال الحرب الفيتنامية ضد أميركا أو من خلال ما يدعى بالثورة الثقافية في الصين – وبدأوا في رفض الفتاوى الدينية التقليدية، مثل مسألة المرأة. حدث ذلك مع فقراء التحرر الكاثوليك في أمريكا اللاتينية ومجاهدى الشعب في ايران. وحتى في أفغانستان فان الطلبة الإسلاميين.

” تظاهروا ضد الصهيونية أثناء حرب الايام الستة، وضد السياسات الامريكية في فييتنام ومزايا المؤسسة الحاكمة. وقد عارضوا بقوة شخصيات هامة في الجانب التقليدى، وعارضوا الملك وخاصة ابن أخيه داوود.. وثاروا ضد النفوذ الاجنبى في أفغانستان لكل من الاتحاد السوفييتى والغرب، وكذلك ضد المضاربين في فترة المجاعة عام 1972 من خلال المطالبة بضرورة الرقابة على الملكية الخاصة.” (55)

تغيرت الأحوال في أواخر السبعينات والثمانينات. فمن ناحية، بدأت موجة عالمية لفضح ما عرف بالنموذج الاشتراكى، مثلا، في دول أوروبا الشرقية، كنتيجة لحقول الموت في كمبوديا، والحرب المحدودة بين الصين وفييتنام، وتحرك الصين نحو المعسكر الأمريكى. تزايدت حدة هذا الفضح في أواخر الثمانينات كنتيجة للتغيرات في أوروبا الشرقية وسقوط الاتحاد السوفييتى.

حدث ذلك بصورة أعنف بكثير في بلاد شرق أوسطية معينة من أى مكان آخر في العالم لأن الأوهام لم تكن مجرد سياسة خارجية. بل كانت الأنظمة المحلية تدعى أنها تطبق أشكالا وطنية من ” الاشتراكية “، تستند بشكل أكثر أو أقل الى نموذج أوروبا الشرقية.

حتى أولئك اليساريون الذين انتقدوا حكوماتهم مالوا الى قبول وتمثل تلك الادعاءات. فقد تطوع يسار الجامعات في الجزائر في أوائل السبعينات للذهاب الى الريف والمساعدة في “الاصلاح الزراعى”، برغم أن النظام اضطهد منظمة الطلاب اليساريين وأبقى على سيطرة البوليس على الجامعات. وفي مصر أصر الشيوعيون على اعلان أن عبد الناصر كان اشتراكيا، حتى بعد أن ألقى بهم في السجن.

ومن ناحية أخرى، كان ظهور دول اسلامية معينة كقوة سياسية – أى سيطرة القذافي على السلطة في ليبيا، قيادة السعودية للحظر البترولى ضد الغرب في وقت الحرب العربية الاسرائيلية في 1973، وبعد ذلك، ما هو أهم، التأسيس الثورى لجمهورية ايران الإسلامية في 1979.

بدأت الحركة الإسلامية في الانتشار بين الشرائح الأساسية من الطلبة والشباب الذين تطلعوا يوما ما الى اليسار: ففي الجزائر، مثلا، ” بدأ ينظر الى الخومينى من قبل الشرائح الشابة كما كان ينظر الى ماو وجيفارا يوما ما”. (56)

وتزايدت شعبية الحركة الإسلامية قوة بعد قوة حيث بدا أنهم يطرحون تغييرا ثوريا وعاجلا. فقد كان قادة الحركة الإسلامية منتصرين.

وبرغم ذلك لم تختفي تناقضات الحركة الإسلامية، بل عبرت عن نفسها بقوة في العقد التالى. وبدلا من أن تكون قوة لا تتوقف، كانت الحركة الإسلامية في الواقع عرضة لضغوطها الداخلية التى دفعت أتباعها بصورة متكررة للتحول ضد بعضهم البعض. وتماما كما كان تاريخ الستالينية في الشرق الأوسط تاريخ فشل وخيانات وانشقاقات وقمع، كذلك كان تاريخ الحركة الإسلامية في الثمانينات والتسعينات.

« السابق التالي »