بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النبي والبروليتاريا

« السابق التالي »

6. تناقضات الحركة الإسلامية في مصر:

تعبر الطبيعة المتناقضة للحركة الإسلامية عن نفسها في الطريقة التى تفهم بها تطبيق “العودة الى القرآن”. فمن الممكن أن ترى ذلك من خلال اصلاح “قيم” المجتمع القائم، قاصدة ببساطة العودة الى الممارسات الدينية، بينما تترك الأبنية الرئيسية للمجتمع كما هى. أو من الممكن أن تعنى الاطاحة الثورية بالمجتمع القائم. ويمكن ملاحظة هذا التناقض في تاريخ كل من الأخوان المسلمين الأوائل في مصر في الثلاثينات والأربعينات والخمسينات وفي الحركة الإسلامية الراديكالية الجديدة في السبعينات والثمانينات والتسعينات.

تزايد نمو الأخوان المسلمين بسرعة في الثلاثينات والأربعينات حيث جذبت مؤيديها من أولئك الذين زال عنهم الوهم بعد المساومات التى قام بها حزب الوفد الوطنى البرجوازى مع البريطانيين، كما راينا. وقد ساعدها على ذلك تحول اليسار الشيوعى الواقع تحت تأثير ستالين، والذى وصل الى حد تأييد الوجود الاسرائيلى. ومن خلال تجنيد المتطوعين للحرب في فلسطين وضد الاحتلال البريطانى لمنطقة القنال المصرية، بدا الأخوان الملمون أنهم يدعمون الصراع ضد الامبريالية. ولكن بمجرد أن وصل نفوذ الأخوان الى أقصى درجة له، بدأت الدخول بسرعة في المتاعب. فقد بنت قيادتهانفسها على مجموعة من القوى – أى تجنيد جمهور شباب البرجوازية الصغيرة، وعلاقات مع القصر، وصفقات مع الجناح اليمينى من الوفد، ومؤمرات مع صغار الضباط في القوات المسلحة – والذين كانوا أنفسهم يتحركون في اتجاهات مختلفة.

وحيث مزقت الاضرابات والمظاهرات والاغتيالات، والهزيمة العسكرية في فلسطين، وحرب العصابات في منطقة القنال، المجتمع المصرى، كذلك كانت الاخوان المسلمون نفسها عرضة للتحلل. فكان كثير من أعضائها مستائين من السلوك الشخصى للسكرتير العام، زوج أخت البنا عابدين. وأدان البنا نفسه أعضاء الاخوان الذين اغتالوا نقراشى، رئيس الوزراء. وبعد موت البنا في 1949 فوجئ تابعه ” كمرشد عام للجماعة” عند اكتشافه لوجود قطاع ارهابى سرى. وأدى استحواذ العسكريين على السلطة بقيادة عبد الناصر في 52-1954 الى انقسام جوهرى بي أولئك الذين أيدوا الانقلاب وأولئك الذين عارضوه حتى انتهت الجماعات المتصارعة أخيرا في الاخوان الى العراك المباشر للسيطرة على مكاتبها. ومكن ” افتقاد الثقة الكبير في القيادة ” (57) عبد الناصر أخيرا من تحطيم المنظمة التى كانت يوما ما تشكل قوة هائلة. (58)

ولكن افتقاد الثقة لم يكن صدفة. فقد نتج عن انقسامات لا يمكن تخطيها والتى كانت حتمية الظهور في حركة برجوازية صغيرة مع زيادة عمق الأزمة في المجتمع. فمن ناحية، كان هناك من يتبنون وجهة نظر تدعو الى استغلال الأزمة لاجبار الطبقات الحاكمة القديمة لعمل صفقة معهم لفرض ” القيم الإسلامية ” (كان البنا نفسه يحلم بالاشتراك مع الملكية بتأسيس ” خلافة جديدة ” وفي أحد المناسبات أيد الحكومة في مقابل وعدها باحكام قبضتها على استهلاك الخمور وعلى الدعارة)؛ (59) ومن ناحية أخرى، كان هناك أعضاء من البرجواززية الصغيرة الراديكالية الذين يرغبون في تغيير اجتماعى حقيقى، ولكنهم يفهمون أن امكانية تحقيق ذلك فقط تكون من خلال الصراع الفورى المسلح.

استمرت نفس التناقضات تتخلل الحركة الإسلامية في مصر اليوم. بدأ الأخوان المسلمون الجدد في العمل بصورة شبه شرعية حول مجلة الدعوة في أواخر الستينات، مديرة ظهرها الى أى وجهة نظر تدعو للاطاحة بالنظام المصرى. وبدلا من ذلك حددت هدفها في اصلاح المجتمع المصرى نحو الخط الإسلامي بواسطة الضغط من الداخل. ويجب أن تكون المهمة، كما وضعها المرشد العام للاخوان في كتاب له من السجن أن يكونوا ” دعاة لا قضاة “.(60) كان ذلك يعنى في الممارسة تبنى اتجاه ” اصلاح اسلامى “، والسعى للوقوف بجانب نظام السادات. (61) وفي المقابل استخدم النظام الإسلاميين للتعامل مع أولئك الذين اعتبرتهم في ذلك الوقت أعدائها الرئيسيين – أى اليسار: ” تعامل النظام بحماس مع الجناح الاصلاحى من الحركات الإسلامية – متجمعا حول مجلته الشهرية ” الدعوة ” وفي أحواش الجامعات من خلال الجمعيات الإسلامية – حيث طهر الإسلاميون الجامعات من أى شئ فيه رائحة الناصرية أو الشيوعية “.(62)

اختزت مصر كلها بموجة من الاضرابات والمظاهرات وأعمال العنف في 13 محافظة في يناير 1977، ردا على زيادة الدولة لاسعار الخبز وسلع استهلاكية ضرورية أخرى. كانت هذه أكبر انتفاضة في البلاد منذ ثورة 1919 الوطنية ضد البريطانيين. أدانت كل من الجمعيات الإسلامية والاخوان المسلمون الانتفاضة وأرسلوا خطابات تأييد للدولة ضد ما أسموه ” مؤامرة شيوعية “.

فالأهم بالنسبة لهذه ” الاصلاحية ” الإسلامية هو تغيير أخلاقيات المجتمع، بدلا من تغيير المجتمع نفسه. وليس الأهم هو اعادة بناء المجتمع الإسلامي (الأمة) من خلال تحويل المجتمع، ولكن فرض أشكال معينة من السلوك داخل المجتمع القائم. وعدوها ليس الدولة أو ” الطغاة ” المحليين، ولكن قوى خارجية يعتقدون أنها تقضى على القيم الدينية – وهى في نظر “الدعوة ” ” اليهودية والصليبية ” (أى المسحيين بما فيهم الاقباط) و” الشيوعية ” و” العلمانية “. ويتضمن الجهاد للتعامل مع هؤلاء صراعا لفرض الشريعة (النظام التشريعى الذى يحدده الفقهاء الملمون من القرآن والتراث الإسلامي). فهى معركة لدفع الدولة الحالية الى فرض شكل معين من الثقافة على المجتمع، بدلا من كونها معركة للاطاحة بالدولة.

هذا المفهوم يتفق جيدا مع رغبات الطبقات الاجتماعية التقليدية الذين يؤيدون نموذجا معينا من الحركة الإسلامية (بقايا طبقة ملاك الأراضى القديمة والتجار)، ومع أولئك الذين كانوا يوما ما شباب اسلامى راديكالى ولكنهم استقروا الآن (بسبب الثراء في السعودية أو الترقى الى مواقع مريحة داخل مهنيي الطبقة الوسطى) ومع أولئك الإسلاميين الراديكاليين الذين يئسوا من التغيير الاجتماعى الراديكالى عندما ووجهوا باضطهاد الدولة لهم.

ولكنه لا يتناسب على الاطلاق مع التطلعات العنيفة لجماهير الطلاب والخريجين الفقراء، أو مع جماهير الفلاحين السابقين الذين يختلطون بالاجزاء الفقيرة في المدن. فينجذبون بسهولة الى رؤى أكثر راديكالية بكثير”لمعنى العودة الى القرآن” – رؤى لا تهاجم فقط الآثار الغربية على الدول الإسلامية الحالية، بل أيضا تهاجم هذه الدول نفسها.

هكذا، يعد كتاب “علامات في الطريق” من النصوص الاساسية للاسلاميين في مصر، كتبه أحد أعضاء الأخوان المسلمين أعدمه عبد الناصر في 1966 وهو سيد قطب. لم يهاجم هذا الكتاب فقط افلاس الايديولوجيات الغربية والستالينية، ولكنه أيضا يؤكد أن الدولة يمكن أن تدعو نفسها اسلامية وتظل تعتمد على بربرية معادية للاسلام (الجاهلية، الاسم الذى يطلقة الملمون على مجتمعات ما قبل الاسلام في الجزيرة العربية). (63)
هذه الاوضاع يمكن تصحيحها فقط بواسطة ” طليعة الامة ” التى تقوم بثورة من خلال اتباع مثال “الرعيل الاول من المسلمين” (64) – وهو الانسحاب من المجتمع القائم كما فعل محمد عندما هاجر من مكة من أجل بناء قوة قادرة على الاطاحة به. ذهبت وجهات النظر هذه الى أبعد من اعتبار الامبريالية العدو الأوحد، وبدلا من ذلك، هاجمت للمرة الأولى الدولة المحلية مباشرة. وقد أربكت المعتدلين من الاخوان المسلمين الجدد، الذين يفترض أنهم يقدرون مؤلفهم كشهيد. ولكنها شجعت آلاف عديدة من الراديكاليين الشباب. هكذا في منتصف السبعينات أعدمت احدى الجماعات، التكفير والهجرة التى يقودها شكرى مصطفي بسبب اختطافها أحد موظفي الأوقاف في 1977، التى ترفض المجتمع الحالى كمجتمع ” غيراسلامى “، وكذلك المساجد الحالية، والدعاة الدينيين الحاليين، وحتى الأخوان المسلمين الجدد المرتبطين ” بالدعوة “.(65) وكانت تعتبر أن أعضاءها فقط هم المسلمون الحقيقيون ويجب يجب عليهم الانفصال عن المجتمع القائم، والعيش في تجمعات منفصلة والتعامل مع الآخرين ككفار.

في البداية كانت الجمعيات الإسلامية في الجامعات واقعة تحت تأثير الأخوان المسلمين المعتدلين، ولم يدينوا فقط الانتفاضة ضد زيادة الأسعار وانما قاموا أيضا بالتعتيم على اعدام شكرى بعد ذلك في نفس السنة. ولكن بدأت توجهاتهم في التحول، خاصة عندما بدأ السادات ” عملية السلام ” مع اسرائيل في اواخر 1977. وفورا تبنى كثير من مناضلى الجامعة أفكارا أكثر راديكالية في بعض جوانبها من أفكار شكرى: فلم ينفصلوا فقط عن المجتمع القائم، بل بدأوا في التنظيم للاطاحة به، مثل اغتيال جماعة الجهاد بقيادة عبد السلام فراج للسادات في أكتوبر 1981.

وجه فراج انتقاداته العنيفة بوضوح لاستراتيجيات أحزاء مختلفة من الحركة الإسلامية – تلك القطاعات التى قصرت نفسها على العمل في المجالات الخيرية الإسلامية، هؤلاء (أى الأخوان المسلمون الجدد) الذين يحاولون بناء الحزب الإسلامي الذى يمكنه فقط أن يضفي الشرعية على الدولة القائمة، والذين يعتمدون على الدعوة ولذلك يتجنبون الجهاد، وهؤلاء الذين يدافعون عن الانسحاب من المجتمع حسب اتجاهات جماعة شكرى، وكذلك الذين يرون أولوية الجهاد ضد الأعداء الخارجيين للاسلام (في فلسطين وأفغانستان). وأصر على الصراع الفورى المسلح ضد كل هؤلاء، ان “الجهاد ضد الطاغية” واجل كل المسلمين:

“ان الجهاد ضد العدو في الداخل أولى من الجهاد ضد العدو في الخارج… فمسئولية وجود الاستعمار أو الامبريالية في بلادنا الإسلامية تقع على هذه الحكومات الكافرة. ولذلك يكون الصراع ضد الامبريالية عبثيا وغير مشرف، بل مضيعة للوقت”.(66)

أدت وجهة نظر فراج مباشرة الى رؤية للتمرد ضد الدولة. ولكن لم يقض هذا على الاختلافات الهامة داخل مجموعته بين قطاع القاهرة، الذى تشكل حول الهدف الأساسى لاسقاط الدولة الكافرة، والقطاع الآخر في أسيوط، الذى ” اعتبر التنصير المسيحى للمسلمين العقبة الرئيسية أمام انتشار الاسلام “.(67)

كان هذا يعنى في الممارسة أن توجه مجموعة أسيوط معظم نيرانها ضد الأقلية القبطية (وغالبيتهم من فقراء الفلاحين) – السياسة التى كان طلاب الجامعة قد اتبعوها فعلا بنجاح مذهل في أوائل العام الدراسى، عندما أشعلت حربا أهلية طاحنة بداية في وسط مصر في المنيا، وبعد ذلك في القاهرة في الزاوية الحمراء:”لم تتردد الجماعة في اشعال نيران العنف الطائفي حتى تضع الدولة في موقف حرج وتبين أنها مستعدة للحلول محل الدولة، ولنقل، خطوة خطوة. (68)

كنت جماعة الجهاد في أسيوط اذن تتبع سياسة مجربة وناجحة لكسب تأييد شعبى محلى من خلال اثارة الأحقاد الطائفية. مكنها ذلك بسرعة من السيطرة على أسيوط في أعقاب اغتيال السادات. وعلى العكس، لم يفز مناضلى القاهرة، باصرارهم أن الدولة هى العدو، بشكبات متضامنة أو مغذية، وحركتهم المنعزلة – أى اغتيال السادات – لم يتبعها انتفاضة السكان المسلمين في القاهرة التى سعى اليها بعنف فراج وأصدقاؤه. (69) .

وبدلا من أن يؤدى الاغتيال الى تمكين الإسلاميين من الاستحواذ على سلطة الدولة، استطاعت الدولة استغلال فرصة التخبط الناتج عن الاغتيال للقضاء على الإسلاميين. وبسبب القبض على الآلاف واعدام كثير من القادة، أدى القمع الى اضعاف الحركة بصورة هائلة.

وبرغم ذلك، لم تنتهى الأسباب التى دفعت كثير من الشباب الى التوجه نحو الإسلاميين. فمع نهاية الثمانينات استردت الحركة ثقتها وبدأت في النمو السريع في بعض مناطق القاهرة والاسكندرية. وكان ذلك مصحوبا بحملة ارهابية قوية ضد البوليس وقوات الأمن.

بعد ذلك في ديسمبر 1992، قامت الدولة بحملة جديدة غير مسبوقة من القمع. واحتلت الأحياء العشوائية في القاهرة، مثل امبابة، بعشرين ألف جندى بالدبابات والعربات المدرعة. وقبضت على عشرات الآلاف ونظمت عصابات لقتل الهاربين من المناضلين الإسلاميين. وأغلقت أهم المساجد التى يستخدمها المسلمون الراديكاليون بالأسمنت. وقبضت على آباء وأطفال وزوجات المناضلين وعذبتهم.

ومرة ثانية كما حدث في الثمانينات، نجحت حملة الارهاب التى قامت بها الدولة. ولم تكن الحركة الإسلامية قادرة على، ولا حتى حاولت، تحريك تأييد حماهيرى في شكل مظاهرات. وبدلا من ذلك، اندفعت في استراتيجية ارهابية تماما لم تهز استقرار نظام مبارك بجدية، حتى وان كانت قد دمرت فعليا صناعة السياحة.

في نفس الوقت، استمر الاخوان الملمون في التصرف كمعارضة موالية، والتفاوض مع النظام على التطبيق التدريجى للشريعة في قوانين الدولة، والاحجام عن التمرد ضد القمع.

« السابق التالي »