بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النبي والبروليتاريا

« السابق التالي »

7. تناقضات الحركة الإسلامية في الجزائر:

ان قصة صعود وثورية الحركة الإسلامية في الجزائر مشابهة من زوايا عديدة لتلك في مصر. فقد شجع الديكتاتور الجزائرى بومدين في أواخر الستيات و1970 الحركة الإسلامية المعتدلة لمواجهة اليسار معارضيه القدماء داخل حركة التحرير التى أنهت الاستعمار الفرنسى.

في 1970 بادرت الدولة بحملة اسلامية بقيادة مولود قاسم، وزير الدين والتعليم، التى استنكرت “انحطاط الأخلاق” و”التأثير الغربى” وراء “الانفتاحية” و”شرب الخمور” و”الاحساس بالدونية الذى يتمثل في اتباع الغرب دائما والملابس النصف عارية”.(70) استطاع الإسلاميون استغلال هذه الحملة لزيادة نفوذهم الخاص، حاصلين على الأموال من ملاك الأراضى القلقين من الاصلاح الزراعى لنشر الرسالة التى يمكن أن تشد معظم الشرائح الفقيرة من المجتمع:

“كان جوهر دعاية الاصوليين أن الاسلام مهدد من التسلل الشيوعى والالحادى الذى كان الاصلاح الزراعى يشكل عقبة أمامه.. ونشر الأصوليون أفكارهم الخاصة في أكثر المناطق حرمانا، بعد البناء السريع للمساجد التى تحولت بعد ذلك الى انشاءات صلبة. سئم العمال والعاطلين عن العمل ظروف حياتهم، حيث لم ينتفعوا من الاصلاح الزراعى، فاستجابوا للاصوليين”.(71)

وبعد ذلك في منتصف السبعينات حصلوا على دعم من قطاعات من النظام للقضاء على اليسار في الكليات: ” نجح الأصوليون فيما بين 1976 و1980 بالتآمر مع النظام في القضاء التام على نفوذ الماركسيين”.(72)

وفي أوائل الثمانينات، استمر قطاع من النظام في التطلع الى الرؤى الأكثر اعتدالا من الحركة الإسلامية لتدعمه. فقد سعى شيبان، وزير الشئون الدينية حتى 1986 لبناء هذا الاتجاه الإسلامي، ولهذا ساعد الإسلاميين للحصول على أموال لبناء المساجد من الصناعيين والمؤسسات التجارية (73). ولكن ذلك لم يمكنه من ايقاف تطور رؤى اسلامية راديكالية ترفض النظام. هكذا في مدينة قسطنطين، بينت إحدى الدراسات:

“حلت الأصولية في قطاع واسع من الرأى العام في قسطنطين محل المفاهيم التقليدية من خلال نشر رؤية اسلامية جديدة تدعو الى إحياء مجتمع النبى. وتستمد هذه الأصولية قوتها من الاستفزاز الذى يسيطر على جزء كبير من الشباب، أولئك الخارجين من حسابات النظام الاقتصادى والاجتماعى”.(74)

كانت هذه الرؤية الإسلامية من القوة بحيث كانت قادرة عل اجبار وزارة التعاليم الدينية على تعيين أعضائها كأئمة في المساجد بدلا من أولئك الذين يتبنون رؤى معتدلة.

وبدأ النظام يفقد السيطرة على الميكانيزمات نفسها التى أثارها للتعامل مع اليسار.

وبدلا من أن تسيطر على الجماهير لصالح النظام، وفرت الحركة الإسلامية تركيزا لكل مرارتهم وكراهيتهم لأولئك القادة الذين شاركوا في حرب التحرير في الستينات ولكنهم أصبحوا الآن طبقة حاكمة متميزة. وعمقت الأزمة الاقتصادية التى عانى منها المجتمع الجزائرى في منتصف الثمانينات من الاحساس بالمرارة – حيث تحولت الدولة الى الرأسماليين الغربيين الذين استنكرتهم في الماطى في محاولة للتعامل مع الأزمة.

وأصبح التحريض الإسلامي ضد اولئك الذين يتحدثون الفرنسية وقد ” أفسدتهم الأفكار الغربية ” بسهولة هجوما على مصالح ” الفئة القليلة ولكن المسيطرة من التكنوقراط ذوى التعليم العالى والذين يشكلون أساس طبقة جديدة من البيةروقراطيين ذوى الرواتب العالية”. (75)
بدأ النظام في التحول ضد الإسلاميين بسجن قادتهم في منتصف الثمانينات، حيث أتهم الرئيس الشاذلى الأئمة ” بالديماجوجية السياسية “.(76) وبرغم ذلك، لم تكن النتيجة هى القضاء على الإسلاميين، بل تعزيز موقفهم في معارضة النظام.

أصبح ذلك واضحا في أكتوبر 1988. انفجر العداء ضد الطبقة الحاكمة والنظام في انتفاضة شبيهة جدا لتلك التى كانت وشيكة الجدوث في أوروبا الشرقية بعد ذلك بعام. وتحولت الحركة فورا، التى بدأت كسلسلة من الاضرابات العفوية في الجزائر العاصمة، الى معارك كبيرة في الشوارع بين الشباب والبوليس: أعاد الناس، مثل سجين أطلق لتوه، اكتشاف أصواتهم وشعورهم بالحرية. وحتى قوة البوليس لم تعد تخيفهم. (77) كان تمرد أكتوبر 1988 قبل كل شئ احتجاجا للشباب على ظروف حياتهم بعد ربع قرن من الديكتاتورية العسكرية. (78)

اهتز النظام من أساسه نتيجة لهذا التمرد. وكما في أوروبا الشرقية، ظهرت كل أشكال القوى السياسية التى قمعت من قبل. وكتب الصحفيون بحرية لأول مرة، وبدأ المثقفون في الحديث بحرية عن حالة المجتمع الجزائرى الحقيقية.. وعاد السياسيون المنفيون من كل من اليسار واليمين من الخارج، وظهرت حركة نسائية تتحدى قانون العائلة الإسلامي الذى يفرضه النظام، والذى يمنح النساء حقوقا أقل من الرجال. ولكن حالا بدا واضحا أن الإسلاميين كانوا القوى السائدة في المعارضة خارج مناطق البربر. وكان تأثيرهم من زوايا عديدة يشبه نفوذ ” الديمقراطيين ” في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتى في السنة التالية. واجتمع لهم القبول الذى أبداه قطاعات من النظام في الماضى، والدعم الذى يحصلون عليه من بعض الدول الأجنبية القوية
(على سبيل المثال، التمويل من السعودية) مع قدرتهم على التماسك حول رسالة ركزت مرارة جماهير السكان:

” بدا الإسلاميون بفضل عددهم، وشبكة المساجد الخاصة بهم، وقدرتهم على التحرك عفويا كرجل واحد، كأنما يطيعون أوامر لجنة مركزية سرية، كما لو أنهم الحركة الوحيدة القادرة على تحريك الجماهير والسيطرة على مجرى الأحداث. فقد كانوا هم الذين يتقدمون كمتحدث باسم المتمردين، والقادرين على فرض أنفسهم كقادة للحركة في المستقبل… وبعد أن هدأ النظام، الذى لم يعرف مع من يتفاوض، بنادقه الآلية، كان يبحث عن القادة والممثلين القادرين على صياغة مطالب والسيطرة على الجماهير الذين يتحركون بعنف لا يمكن السيطرة عليه. لذلك استقبل الشاذلى عباس مدنى، وبلحاج ومهنى (أشهرالزعماء الإسلاميين) “.(79)

وقد أصبحت الحركة الإسلامية، المنظمة الآن في جبهة الانقاذ، مؤثرة في الشهور التى تلت ذلك لدرجة أنها كانت قادرة على السيطرة على معظم الدوائر الهامة في انتخابات يونية 1990 المحلية، وبعد ذلك حصلت على أكبر عدد من الأصوات في الانتخابات العامة في ديسمبر 1991، برغم تعرضها للقمع الشديد. ألغى العسكريون الجزائريون الانتخابات لمنع الإسلاميين من تشكيل الحكومة. ولكن لم يوقف ذلك التأييد الجماهيرى للاسلاميين خالقة ظروف حرب أهلية تقريبا في البلاد، مع سقوط مناطق بكاملها تحت السيطرة الكاملة للجماعات الإسلامية المسلحة.

وبرغم ذلك كان صعود النفوذ الإسلامي مصحوبا بخلط متزايد حول ما تدعو اليه جبهة الانقاذ الإسلامية. فأثناء سيطرتها على المدن الرئيسية بين يونيو1990 ومايو 1991،:

“كان التغيير الذى أحدثوه متواضعا؛ أى اغلاق البارات، الغاء الحفلات الموسيقية، الحملات – في أوقات العنف – من أجل “احتشام النساء ” وضد أطباق استقبال الأقمار الصناعية المنتشرة التى ” تسمح باستقبل الأفلام الغربية الجنسية”… ولم يعد مدى (أشهر قادة جبهة الانقاذ الإسلامية) ولا مجلس شورى الجبهة برنامجا سياسيا اجتماعيا حقيقيا ولا دعوا الى مؤتمر لمناقشته. وقصر مدنى نفسه على القول بأن ذلك سوف يحدث بعد تشكيل الحكومة”.(80)

وما فعلته جبهة الانقاذ فعلا هو إعلان معارضتها لمطالب العمال بتحسين الأجور. وقد عارضت في هذه الشهور اضراب عمال النظافة في الجزائر العاصمة، واضراب عمال الخدمة المدنية، وكذلك الاضراب العام ليوم واحد الذى دعى اليه اتحاد النقابات ” الحكومة ” السابق. وبرر مدنى كسر اضراب عمال النظافة في تحقيق صحفي، شاكيا أن ذلك كان يجبر أناس محترمين مثل الأطباء والمهندسين على كنس الشوارع:

“من حق عمال النظافة أن يضربوا، ولكن ليس من حقهم احتلال العاصمة وتحويل البلاد الى مزبلة. ويوجد اضرابات تقوم بها النقابات وتصبح مجالا لنشاط المفسدين، أعداء الله والوطن، الشيوعيين وآخرين، الذن ينتشرون في كل مكان بسبب تراجع كوادر جبهة التحرير الوطنية… (81)

تناسب هذا الموقف ” المحترم ” تماما مع مصالح الطبقات التى مولت الإسلاميين منذ زمن الاصلاح الزراعى حتى الآن وتناسب أيضا مع هؤلاء الاعضاء الناجحين من البرجوازية الصغيرة الذين كانوا جزءا من جبهة الانقاذ الإسلامية – أى الأساتذة، والأئمة الراسخين، ومعلمى المدارس الثانوية. وقد جذب أيضا أولئك الريفيين الذين مكنهم ولاؤهم للحزب الحاكم السابق – أى جبهة التحرير – من الرخاء المادى، وأصبحوا فلاحين رأسماليين ناجحين أو رجال أعمال أعمال صغار. ولكنه لم يكن كافيا لارضاء جماهير الفقراء في الحضر الذين تطلعوا الى جبهة الانقاذ أملا في الخلاص أو اجبار الطبقة الحاكمة والعسكريين على التراجع وقبول حكومة تشكلها جبهة الانقاذ الإسلامية.

في نهاية مايو 1991 تحول قادة جبهة الانقاذ، أمام تهديدات العسكريين بافساد العملية الانتخابية بدلا من خطر انتصار الجبهة، و” قاموا بانتفاضة حقيقية أعادت الى الأذهان أكتوبر 1988: قنابل مولوتوف، غازات مسيلة للدموع، متاريس، ودفع على بلحاج، الإمام الزعيم، بعشرات الآلاف من المتظاهرين الى الشوارع. (82) وسيطرت جبهة الانقاذ لبعض الوقت على مركز العاصمة الجزائرية، يدعمها عدد هائل من الشباب الذين بدا لهم الاسلام والجهاد البديل الوحيد عن بؤس المجتمع الذى يدافع عنه العسكريون.

في الواقع، كلما ازدادت جبهة الانقاذ قوة، كلما ترددت بين الهدوء والثورة، داعية الجماهير الى عدم الاضراب في مارس 1991 وبعد ذلك دعتهم الى الاطاحة بالدولة بعد شهرين فقط في مايو.

ظهرت نفس التناقضات في الحركة الاسمية في الثلاث سنوات منذ أن تزايدت حدة حرب العصابات في كل من المدن والريف. ” وقد أثار الحكم على عباس مدنى وعلى بلحاج بالسجن 12 عاما ثورة كبرى داخل جبهة الانقاذ وانقساما في قواعدها. وأشاع حجز آلاف الأعضاء والمتعاطفين معها في معسكرات في الصحارى الارهاب في المدن وحرب العصابات في الريف (83) . ونشأت منظمتين مسلحتين، هما الحركة الإسلامية المسلحة، والجماعات الإسلامية المسلحة، التى حصلت على تأييد الجماعات المسلحة في كل مناطق البلاد. ولكن كانت الحركتان السريتان تتميزان ” بالانقسامات الداخلية”: (84)

” في مقابل “الاعتدال “المفترض للحركة الإسلامية المسلحة، التى تغتال “فقط” ممثلى “النظام الفاجر”، تعرض الجماعات الإسلامية المسلحة الجهاد المتطرف، والذى يختار ضحاياه من الصحفيين، والكتاب، والشعراء والنسويين والمثقفين… منذ نوفمبر 1993 قتل 32 من الأئمة المسلمين المعتدلين والنساء المتبرجات…

أدت معارك قتل الأخوة بين الحركة الإسلامية المسلحة والجماعات الإسلامية المسلحة الى ضحايا كثيرة.. وينسب البعض موت 7 من الارهابيين الى هذه المشاجرات، ولكن البعض الآخر ينسبه الى العصابات التى ينظمها البوليس. (85) وتتهم الجماعات الإسلامية المسلحة القادة التاريخيين لجبهة الانقاذ بالانتهازية والخيانة وبالتخلى عن برنامجهم في التطبيق الكامل للشريعة.” (86)

« السابق التالي »