بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النبي والبروليتاريا

« السابق التالي »

8. مفترق الطرق:

تبين تجربة الحركة الإسلامية في مصر والجزائر كيف أنها يمكن أن تنقسم حول مسألتين مختلفتين: أولا حول ضرورة اتباع مرحلة تطول أو تقصر من الاصلاح السلمى للمجتمع القائم أو حمل السلاح؛ ثانيا حول ضرورة الكفاح لتغيير الدولة أو تطهير المجتمع من ” الكفر”.

في مصر تعتمد الأخوان المسلمون حاليا على سياسة إصلاحية تتوجه نحوالدولة. وهى تحاول أن تعمل داخل المجتمع الحالى بانية قوتها حتى تصبح معارضة شرعية، مع سيطرة إعلامها الخاص على مختلف منظمات مهنيى الطبقة الوسطى والتأثير داخل قطاعات أوسع من السكان من خلال المساجد والجمعيات الخيرية الإسلامية. وهى أيضا تميل الى التأكيد على الجهاد لفرض احترام القيم الإسلامية من خلال حملات اعلامية تدعو النظام القائم الى ادخال الشريعة في القانون الرسمى.

هذه هى الاستراتيجية التى تبدو أيضا أنها تجذب قطاعا من قيادة جبهة الانقاذ المسجونين أو المنفيين في الجزائر. في الشهور القليلة الأولى من 1994 كانت هناك تقارير عن مفاوضات بينهم وبين قسما من النظام، مع الاتفاق حول اقتسام السلطة لتطبيق جزء من الشريعة. هكذا حاء في تقرير لصحيفة الجارديان في أبريل 1994 أن رباح كبير، أحد قادة جبهة الانقاذ المنفيين، رحب بتعيين رضا مالك، أحد قادة طبقة التكنوقراط، رئيسا جديدا للوزراء في الجزائر، ” كحدث ايجابى ” (87) – بعد يومين فقط من استنكار جبهة الانقاذ لآخر اتفاق بين الحكومة وصندوق النقد الدولى. (88)

يرى بعض المعلقين المحنكين أن هذه الصفقة تقدم أفضل الطرق للبرجوازية الجزائرية لانهاء حالة عدم الاستقرار والحفاظ على موقعها. هكذا يرى جوان جويتسلولو أن العسكريين كان يمكن أن يتجنبوا الكثير من المتاعب من خلال السماح لجبهة الانقاذ الإسلامية بتشكيل الحكومة بعد انتخابات 1991:

” ستعوق الظروف التى تصعد فيها الى السلطة تطبيق برنامجها بشكل فعال.

فمديونية الجزائر، واعتمادها في التمويل على الدائنين اليابانيين والأوروبيين، والفوضى الاقتصادية والمشاعر العدائية للقوات المسلحة كانت ستشكل عقبة كبيرة يصعب على حكومة جبهة الانقاذ التغلب عليها… فعجزها عن الوفاء بوعودها الانتخابية كان شيئا معروفا مسبقا. وعلى مدار سنة من حكومة محاصرة بقوة من أعدائها، كانت جبهة الانقاذ ستفقد جزءا كبيرا من مصداقيتها”(89) .

تتناسب “الاصلاحية في الحركة الإسلامية “مع احتياجات طبقات اجتماعية هامة معينة – أى أصحاب الأراضى التقليديين والتجار، والبرجوازية الإسلامية الجديدة (مثل أعضاء الأخوان المسلمين الذين أصبحوا مليونيرات في السعودية) وذلك القطاع من الطبقة الوسطى الإسلامية الجديدة الذين حظوا بالتحرك لأعلى. ولكنها لا ترضى الشرائح الأخرى الذين تطلعوا الى الحركة الإسلامية – أى الطلاب والخريجيين الفقراء، أو فقراء الحضر. وكلما سعت جبهة الانقاذ والأخوان المسلمون الى المساومة، كلما تطلعت هذه الشرائح الى اتجاه آخر، معتقدين أن أى تنازل عن مطلب إدخال اسلام السنوات الأولى يعد خيانة.

ولكن من الممكن أن يوجه رد فعلهم نحو ذلك في اتجاهات مختلفة. فربما يظل سلبيا في مواجهة الدولة، داعين الى استراتيجية الانسحاب من المجتمع، ويكون التشيد فيها على الدعوة وتنقية الأقليات الإسلامية، بدلا من التشديد على المواجهة. كانت تلك هى الاستراتيجية الأصلية لجماعة شكرى في مصر في منتصف السبعينات، وهى أيضا رؤية بعض الدعاة لراديكاليين القلقين من قوة الدولة اليوم.

أو من الممكن أن تتحول الى الصراع المسلح. ولكن بالضبط كما يمكن أن يوجه الصراع السلمى ضد الدولة أو ضد مظاهر الفجر وحدها، كذلك يمكن أن يكوون الصراع المسلح صراعا للاطاحة بالدولة، أو حركات مسلحة ضد “أعداء الاسلام “وسط السكان عموما – الأقليات العرقي والدينية، والنساء المتبرجات، والأفلام الأجنبية، ونفوذ “الامبريالية الثقافية “وهكذا. ربما يبدو منطق الموقف هو دفع الناس نحو خيار الصراع المسلح ضد الدولة. ولكن يوجد منطق مضاد قوى في العملية، تقع جذوره في التكوين الطبقى لاتباع الحركة الإسلامية.

فكما رأينا، ان القطاعات التى تؤيد لاحركة الإسلامية من الطبقات المستغلة تنسحب بشكل طبيعى الى اتجاهاتها الأكثر إصلاحية. وحتى عندما لايكون لهم خيار الا حمل السلاح، فهم يريدون أن يفعلوا ذلك بطريقة تقلل الى الحد الأدنى الاحتجاج الاجتماعى الأوسع. فهم يسعون الى الانقلابات بدلا من الحركة الجماهيرية. واذا حدث ذلك رغما عنهم، يحاولون انهاءه بأسرع وقت ممكن.

يستطيع فقراء البرجوازية الصغيرة الجديدة التحرك أبعد بكثير نحو مفهوم الحركة المسلحة. ولكن موقعهم الاجتماعى الهامشى الخاص يمنعها من رؤية ذلك كتطور من الصراعات الجماهيرية مثل الاضرابات. وبدلا من ذلك تتطلع الى المؤامرات التى تعتمد على الجماعات الصغيرة المسلحة – المؤمرات التى لا تؤدى الى التغيير الثورى الذى أراده قادتهم، حتى عندما يحققون أهدافهم المباشرة مثل اغتيالهم للسادات. ومن الممكن أن تحدث خللا كبيرا في المجتمع الحالى ولكنها لا تستطيع تثويره.

كانت هذه تجربة الشعبويين في روسيا قبل 1917. وكانت تجربة جيل من الطلبة والخريجين في كل منطقة العالم الثالث الذين اتجهوا نحو الجيفارية والماوية في أواخر الستينات (والذين ما زال أتباعهم يحاربون في الفلبين وبيرو). وهى تجربة الإسلاميين المسلحين في مواجهة الدولة في مصر والجزائر اليوم.

ربما يكون الطريق الوحيد للخروج من هذا المأزق أن يبنى الإسلاميون أنفسهم على أساس طبقات غير هامشية ومتوسطة الحجم. ولكن الأفكار الأساسية للحركة الإسلامية تجعل ذلك مستحيلا حيث يدعو الاسلام، حتى في شكله الأكثر راديكالية، الى العودة الى مجتمع الأمة الذى يوفق بين الأغنياء والفقراء، وليس الإطاحة بالآغنياء. هكذا يطرح البرنامج اٌلإقتصادى لجبهة الإنقاذ خطة “للمشروعات الصغيرة “التى تنتج “الاحتياجات المحلية “مدعية أن ذلك بديلا عن “الرأسمالية الغربية “والتى لا تتميز فعلا عن الدعاية الانتخابية للعديد من الأحزاب الليبرالية والمحافظة المنتشرة في العالم. (90) وشددت في محاولاتها لتشكيل “نقابات إسلامية “في صيف 1990 على واجبات العمال، لأن النظام القديم منحهم حقوقا كثيرة و”عود العمال على الكسل “كما تدعى. وأصرت على أن الصراع الطبقى “لا يوجد في الإسلام ‘، لأن النصوص المقدسة لم تتحدث عنه.

والمطلوب هو أن يعامل صاحب العمل عماله بنفس الطريقة التى يأمر بها القرآن المؤمنين لمعاملة عبيدهم – أى “أخوة”.(91)

وليس غريبا أن أى من “الجماعات الإسلامية “لم تنجح في أى مكان في بناء قاعدة لها في المصانع حتى ولو عشر القوة التى بنوها في القطاعات الأخرى. ولكن بدون هذه القاعدة لن يمكنها بمفردها تحديد مسار التغيير الإجتماعى، حتى لو نجحت في هدم النظام الحالى. فأولئك الذين يعيشون على هامش المجتمع يمكنهم في ظروف معينة إثارة أزمة كبرى داخل نظام غير مستقر فعلا. ولا يمكنهم تحديد كيفية الخروج من هذه الأزمة.
ربما تستطيع الجماعات الإسلامية إثارة تلك الأزمة في أحد الأنظمة الموجودة ولذلك يستطيعون عزل قادتها الحاليين. ولكن ذلك لن يمنع الطبقة الحاكمة، التى سيطرت في ظل هؤلاء القادة، من الاتفاق مع الإسلاميين الأقل نظالية للتمسك بالسلطة. وبعد تلك الأزمة بوقت قصير يواجه المناضلون الإسلاميون أنفسهم آلة الموت الجبارة على أيدى الدولة.

إنه ذلك الضغط من الدولة هو الذى يشجع بعضهم للتحول عن الهجوم المباشر على النظام إلى المهمة السهلة في مهاجمة ‘مظاهر الكفر”الأقليات – الإتجاه الذى يشدهم في المقابل للإقتراب من تيار الإسلاميين الإصلاحيين”المعتدل‘.

في الواقع، يوجد دياليكتيك معين داخل الحركة الإسلامية. يتعلم الإسلاميون الذين يناضلون ضد الدولة، بعد تحمل الجزء الأكبر في الصراع المسلح الفاشل، الطريق الصعب في إحناء الرؤوس، وبدلا من ذلك يتحولون للصراع من أجل فرض السلوك الإسلامي إما مباشرة أو من خلال الإصلاحية الإسلامية. وهكذا يظهر مناضلون جدد باستمرار ينشقون ويتجهون الى طريق الحركة المسلحة حتى يتعلم هؤلاء أيضا حدود الحركة المسلحة المنعزلة عن قاعدة اجتماعية مؤثرة.

لا يوجد تحرك أوتوماتيكى من معرفة حدود الحركة الإصلاحية الإسلامية الى الإتجاه نحو السياسة الثورية. بل تؤدى حدود الإصلاحية إلى إما جماعات وعصابات إرهابية تحاول التحرك دون قاعدة حماهيرية، أو في اتجاه الهجوم الرجعى على ضحايا مشكلات النظام.

ولأن كلا الاتجاهين يعبر عن نفسه بنفس اللغة الدينية، يوجد غالبا سيادة لاتجاه على آخر. فمن يريدون الهجوم على النظام والإمبريالية يهاجمون الأقباط والبربر والنساء المتبرجات. ومن لديهم كراهية غريزية للنظام ككل يقعون في فخ الرغبة في التفاوض حول فرض الشريعة من خلال الدولة. وعندما توجد انقسامات بين المجموعات المتصارعة – أحيانا ما تكون عنيفة لدرجة أنهم يشرعون في قتل بعضهم البعض كمرتدين عن الإسلام الحقيقى – يعبر عنها بطرق تخفي الأسباب الإجتماعية الحقيقية وراءها. لو أن أحد الإسلاميين المتطلعين لأعلى كف عن الجهاد، فان ذلك يبرهن فقط على أنه شخصيا “مسلم سئ، (أو حتى مرتد)؛ وهذا لا يمنع في حد ذاته إسلاميا آخرا متطلعا لأعلى من أن يكون ” مسلما جيدا ”

« السابق التالي »