بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ماركسية تروتسكي

« السابق التالي »

2- الفصل الأول: الثورة الدائمة

اكتسبت الثورة الصناعية خلال الثلث الأخير من القرن الثامن عشر، وهى أهم وأعمق تغيير في مجمل تاريخ الجنس البشرى بعد تطوير الزراعة في الماضي القديم، ديناميكية لا تقاوم في ركن صغير من العالم. ولكن سرعان ما وجد الرأسماليون البريطانيون مقلدين لهم في دول أخرى اكتسبت فيها البرجوازية السلطة أو اقتربت من اكتسابها.

بحلول القرن الحالي كانت الرأسمالية الصناعية قد سيطرت تماما على العالم، وغطت الإمبراطوريات الاستعمارية البريطانية والفرنسية والألمانية والروسية والأمريكية والبلجيكية والهولندية والإيطالية واليابانية على معظم سطح الكرة الأرضية. أما المجتمعات ما قبل الرأسمالية التي حافظت على استقلال أسمى (الصين وإيران والإمبراطورية التركية وإثيوبيا، الخ) فلقد كانت في الحقيقة واقعة تحت سيطرة إحدى القوى الإمبريالية أو مقسمة بين أكثر من واحدة من تلك القوى ويعبر مصطلح “مناطق النفوذ” عن هذا الوضع بدقة. كان هذا “الاستقلال” الرمزي المتبقي نتيجة للنزاعات بين الإمبرياليات المتنافسة (بريطانيا ضد روسيا في إيران، بريطانيا ضد فرنسا في تايلاند، بريطانيا ضد ألمانيا ومعهم روسيا في تركيا، بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا وروسيا وفرنسا واليابان ومنافسين أصغر في الصين).

إلا أن الدول التي استعمرت أو سُيطر عليها بواسطة القوى الصناعية الرأسمالية لم تحول، عموما، إلى صورة طبق الأصل من الدولة الأم، على العكس، بقيت تلك الدول غير مصنعة بالأساس. كان تطورها الاجتماعي والاقتصادي متأثرا للغاية – أو مشوها للغاية – بواسطة الاستعمار أو السيطرة ولكنها لم تتحول، عامة، إلى نوع المجتمع الجديد.

وما يزال وصف ماركس الشهير لتحطيم صناعة النسيج الهندية (والتي اعتمدت على المنتجات رفيعة المستوى يصنعها حرفيين مستقلين) على يد المنتجات القطنية الرخيصة المصنعة بماكينات لانكشير الإنجليزية وصفا معقولا للتأثير الأولى للرأسمالية الغربية على ما يسمى الآن ب- “العالم الثالث” :الإفقار والتخلف الاجتماعي.

أدت عملية التطور المركب واللامتكافئ، هذه ، لو استخدمنا تعبير تروتسكي، إلى وضع (لا يزال سارياً حتى يومنا هذا في جوهره) لم يتمكن فيه الجزء الأكبر من سكان العالم من التقدم اجتماعيا واقتصاديا بل وألقى به في المؤخرة. كيف كان (وبالطبع يكون) الطريق للأمام لجماهير الشعوب في تلك الدول؟
أضاف تروتسكي، الشاب ذو الـ 26 عاما، إضافة مبدعة لحل هذه المشكلة. كان حلا يضرب بجذوره في كل من واقع التطور اللامتكافئ للرأسمالية على مستوى العالم، وفى التحليل الماركسي للدلالة الحقيقية للتطور الصناعي – ألا وهى خلق الأساس المادي لمجتمع متقدم بلا طبقات – وفى نفس الوقت – طبقة مُستغَلة، البروليتاريا، التي يمكنها رفع نفسها لمستوى الطبقة الحاكمة ومن خلال حكمها إلغاء الطبقات، والصراع الطبقي، وكل أشكال الاغتراب والقهر.

ومن الطبيعي أن تروتسكي طور أفكاره هذه بخصوص روسيا بادئ ذي بدء. لذا فمن الضروري التعرف على الخلفية الأيديولوجية للخلافات بين الثوريين الروس في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات العشرين حتى نفهم البعد الحقيقي للإضافة. كما لا يمكن إغفال وجود حركة عمالية أممية حقيقية في ذلك الوقت.

“فبعد أن يتم إعادة تنظيم أوروبا وأمريكا الشمالية سيكون هذا بمثابة قوة خرافية ومثل عظيم ستتبعه الدول شبه المتحضرة في نهضتها. وستكون الحاجة الاقتصادية وحدها كافية لحدوث ذلك. ولكننا لا يمكننا إلا تقديم توقعات ضعيفة حول المراحل الاجتماعية والسياسية التي سيكون علي تلك الدول المرور فيها حتى تصل أيضا للتنظيم الاشتراكي” (1).

هكذا كتب إنجلز لكاوتسكى في 1882. إنه لم يكن يفكر في روسيا، فالدول التي ذكرت في الخطاب كانت الهند والجزائر ومصر والممتلكات الهولندية والأسبانية والبرتغالية ومع ذلك فإن المنهج العام لإنجلز هو ما سيكون منهج الأممية الثانية (بعد 1889) فشوط التطور السياسي سيعقب شوط التطور الاقتصادي. وحيث تنشأ وتتطور أولا الرأسمالية والتي لا تنفصل عنها البروليتاريا، ستنشأ الحركة الثورية الاشتراكية، التي ستحطم الرأسمالية وتؤدي قي النهاية لتصفية البروليتاريا وكل الطبقات ( بعد فترة من ديكتاتورية البروليتاريا) لندخل في مجتمع المستقبل اللاطبقي.

كان علي الماركسيين الروس ، والذين تأسست أولي منظماتهم وهي مجموعة “تحرير العمل” ، عام 1883، أن ينظروا لروسيا داخل هذا الإطار التاريخي. ولم يكن لدي بليخانوف ، قائد هذه المجموعة ، أي شك في ذلك، لقد جادل بليخانوف في الثمانينات والتسعينات بأن الإمبراطورية الروسية كانت مجتمعا قبل رأسمالي بالأساس ولذا كان مقدرا لها أن تمر خلال عملية التطور الرأسمالي قبل أن يبدأ طرح مسألة الاشتراكية. رفض بليخانوف بشدة الفكرة التي داعبت ماركس نفسه وهي أن روسيا يمكنها ، نتيجة لتطورات معينة في أوروبا ، تفادي المرحلة الرأسمالية تماما وتحقيق انتقال للاشتراكية علي أساس حركة فلاحيه تقضي علي الاوتوقراطية وتهدف للحفاظ علي عناصر الملكية المشاعية التقليدية للأرض (المير) والتي كانت ما تزال موجودة في الثمانينات من القرن الماضي.

كانت آراء بليخانوف والتي تطورت في جداله مع مدرسة “الطريق الفلاحى للاشتراكية” (النارودنيين) هي نقطة انطلاق الماركسية الروسية اللاحقة. إن الرأسمالية كانت تتطور في روسيا ، وإن المير كان نظام يندثر، وإن الطريق الروسي الخاص (الفلاحى) للاشتراكية كان وهم رجعي – كل تلك الأفكار كانت أساسية للجيل التالي من الماركسيين الروس مثل لينين، وبعد ذلك بسنوات قليلة تروتسكي وكل رفاقهم. وإن أول ثلاثة مجلدات من الأعمال الكاملة للينين تحتوي أساسا علي نقد للناروديين وتدليل علي حتمية – وتقدمية – الرأسمالية في روسيا. وقد أسست مجموعة الإيسكرا ، والتي بدأت في 1900 لخلق منظمة قومية موحدة من المجموعات والحلقات الاشتراكية الديمقراطية المبعثرة ، أسست نفسها بقوة علي رؤية أن الطبقة العاملة الصناعية وهى نتاج التطور الرأسمالي هي قاعدة هذه المنظمة.

وكما طرحت ثلاثة أسئلة في تلك الفترة : أولا، ما هي العلاقة بين الأدوار السياسية للطبقة العاملة(والتي كانت ما تزال أقلية صغيرة) والبرجوازية والفلاحين (الأغلبية الساحقة) ، ومن ثم ، ما هو الطابع الطبقي للثورة القادمة في روسيا، وأخيرا، ما هي العلاقة بين الثورة وحركات الطبقة العاملة في دول الغرب المتقدمة؟.

والإجابات المختلفة علي تلك الأسئلة مثلت واحداً من موضوعين (الآخر كان حول طبيعة الحزب الثوري) شكلا الفروق بين ما سيصبح فيما بعد اتجاهين متضادين في الاشتراكية الديمقراطية الروسية. وحتى نفهم نظرية تروتسكي : الثورة الدائمة ، من الضروري أن نفحص سريعا تلك الإجابات كما ظهرت في صورة متطورة بعد ثورة 1905.
المنشفية

يمكن تلخيص الرؤية المنشفية بهذه الطريقة : إن تطور قوي الإنتاج ( أي التخلف الاقتصادي العام لروسيا ممزوجا بصناعة حديثة صغيرة ولكن مهمة ونامية ) يحدد ما هو ممكن – ألا وهو ثورة برجوازية – مثل الثورة البرجوازية في فرنسا 1789 -1794. لذا يجب أن تستولي البرجوازية علي السلطة – لتؤسس جمهورية برجوازية – ديمقراطية تمحي بقايا العلاقات الاجتماعية ما قبل الرأسمالية وتفتح الطريق أمام تطور سريع للقوي الإنتاج (وتطور سريع للبروليتاريا أيضا) علي أساس رأسمالي. وأخيرا سيطرح النضال من أجل الثورة الاشتراكية علي جدول الأعمال.

ولذا فإن الدور السياسي للطبقة العاملة هو دفع البرجوازية للأمام في مواجهة القيصرية ولكن عليها الحفاظ على استقلالها السياسي- أي أنه لا يمكن للاشتراكيين الديمقراطيين الدخول في حكومة ثورية مع قوي غير بروليتارية.

أما بالنسبة للفلاحين فلا يمكنهم لعب أي دور سياسي مستقل. يمكنهم أن يلعبوا دورا ثوريا ثانويا في مساعدة الثورة البرجوازية المدنية بالأساس ، وبعد انتهاء هذه الثورة سيتعرض الفلاحون لانقسام اقتصادي سريع إلي شريحة من الفلاحين الرأسماليين (ستكون محافظة) وشريحة من أصحاب الملكيات الصغيرة وشريحة من البروليتاريا الزراعية.

ولا يوجد أي علاقة عضوية بين الثورة البرجوازية الروسية والحركة العمالية الأوروبية ، رغم أن الثورة الروسية ( لو حدثت قبل الثورة الاشتراكية في الغرب) ستقوي الاشتراكية الديمقراطية في الغرب.

في الحقيقة كانت المنشفية اتجاه متنوع، حيث ركز مناشفه مختلفون علي أجزاء مختلفة من هذه الرؤية العامة (التي هي أساسا رؤية بليخانوف) ولكنهم قبلوا هذا الإطار العام.

ولكن ثورة 1905 كشفت العيوب الجوهرية في هذه الرؤية : فالبرجوازية رفضت أن تلعب الدور المنوط بها. بالطبع لم يتوقع بليخانوف، الدارس المتعمق للثورة الفرنسية الكبرى، أن تقود البرجوازية الروسية صراعا جذريا ضد القيصرية بدون ضغط عظيم من أسفل. كما استولت الدكتاتورية اليعقوبية – وهي الحد الأقصى للثورة الفرنسية – علي السلطة بين 1793 -1794 تحت الضغط العنيف للسان كليوت، وهم جماهير العامة في باريس، وبالمثل يمكن للطبقة العاملة في روسيا أن تكون قوة الدفع الرئيسية التي تضطر الممثلين السياسيين للبرجوازية (أو جزء منهم) أن يستولوا علي السلطة. ولكن ثورة 1905 وما حدث في أعقابها بينت أنه لم يكن هناك أي ميل “روبسبيرى” داخل البرجوازية الروسية، ففي مواجهة المد الثوري اندفعت البرجوازية إلي أحضان القيصر.

منذ 1898 أعلن البيان التحضيري للمؤتمر الأول للاشتراكيين الديمقراطيين الروس أن “كلما اتجهنا للشرق في أوروبا كلما أصبحت البرجوازية أضعف من المنظور السياسي وأجبن وأوقح وكلما عظمت المهام الثقافية والسياسية التي تؤول إلي البروليتاريا”.(2)

لم تكن المسألة جغرافية بل تاريخية. لقد جعل تطور الرأسمالية الصناعية والبروليتاريا الحديثة من البرجوازية طبقة محافظة في كل مكان، حتى في الدول التي كان التصنيع فيها جنينياً، وبالفعل، أوضح فشل الثورة الألمانية 1848 – 1849 هذه النقطة قبل ذلك بكثير.
البلشفية

انطلقت الرؤية البلشفية من نفس المقدمات التي انطلق منها المناشفة وهى أن الثورة القادمة ستكون، ولا يمكنها إلا أن تكون، ثورة برجوازية من ناحية طابعها الطبقي. رفضت الرؤية البلشفية من البداية أي اعتماد علي الضغط علي البرجوازية، وطرحت بديلا لذلك :

أن تحويل الوضع الاقتصادي والسياسي في روسيا ليصبح وضعا برجوازيا وديمقراطيا هو أمر حتمي لا يمكن الفرار منه. وأضاف لينين في كتيبه الشهير “تكتيكان للاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية” (يوليو 1905) :
“لا تستطيع أي قوة علي الأرض منع هذا التحول، ولكن الفعل المركب للقوي الموجودة يمكن أن يسفر عن أحد شيئين، أي يمكن أن يسبب أحد شكلين لهذا التحول. إما : 1) أن تنتهي الأمور بإنتصار حاسم للثورة على القيصرية. 2) أن لا تكفي هذه القوي لانتصار حاسم، وتنتهي الأمور بعقد صفقة مع العناصر الأقل تماسكا والأكثر تفردا من البرجوازية… لابد أن نكون واعين تماما في عقولنا من هي القوي الاجتماعية الحقيقية المعارضة للقيصرية… والقادرة علي كسب انتصار حاسم ضد القيصرية. لا يمكن أن تكون… البرجوازية الكبيرة مثل تلك القوي فنحن نري أنهم لا يريدون حتى هذا النصر الحاسم. إن وضعهم الطبقي يمنعهم من مواجهة حاسمة مع القيصرية، فهم مكبلين بشكل ثقيل بملكيتهم الخاصة. برأس المال والأرض لدرجة تمنعهم من الدخول في أي صراع حاسم. إنهم يحتاجون القيصرية بشدة ، يحتاجون بيروقراطيتها وجيشها ليستخدموهما ضد البروليتاريا والفلاحين… يحتاجونها لدرجة لا تسمح لهم بأن يريدوا تحطيمها لا، إن القوى الوحيدة القادرة علي إحراز انتصار حاسم علي القيصرية، هي الشعب، أي البروليتاريا والفلاحين… إن الانتصار الحاسم للثورة علي القيصرية يعني إقامة الدكتاتورية الثورية – الديمقراطية للبروليتاريا والفلاحين..

لا يمكنها إلا أن تكون ديكتاتورية لأن تحقيق التغيرات العاجلة والتي لا يمكن للبروليتاريا و الفلاحين الاستغناء عنها سيفسر عن مقاومة شديدة من ملاك الأراضي والبرجوازية الكبيرة والقيصرية… ولكن بالطبع ستكون هذه ديكتاتورية ديمقراطية وليست اشتراكية… في أحسن الأحوال، ستأتي بإعادة توزيع راديكالية للأراضي في صالح الفلاحين، وستقيم ديمقراطية متماسكة وكاملة ويتضمن ذلك تكوين جمهورية ، إزالة كل السمات القهرية للعلاقات الآسيوية ليس فقط في الريف، بل في المصانع أيضا وإرساء أساس تحسين عميق في ظروف العمال ورفع مستوي معيشتهم وأخيرا وليس بآخر ستحمل الشعلة الثورية لأوروبا. مثل هذا الانتصار لن يحول حتى الآن وبآي وسيلة من الوسائل ثورتنا من ثورة برجوازية إلى ثورة اشتراكية”. (3)

طرح لينين أن خط المناشفة لم يكن مجرد خطأ بل تعبير عن عدم رغبة في القيام بالثورة ودفعها إلي الأمام. إن تصميم المناشفة علي التعلق بالليبراليين البرجوازيين لابد وأن يؤدي لشلل. أما الفلاحين، علي الناحية الأخرى، فكان لديهم مصلحة حقيقية في تحطيم القيصرية وبقايا الإقطاع في الريف. لذا، فإن الديكتاتورية الديمقراطية – وهى حكومة ثورية مؤقتة تضم ممثلين للفلاحين إلي جانب الاشتراكيين الديمقراطيين – كانت النظام “اليعقوبى”، المناسب الذي سيحطم الثورة المضادة ويقيم جمهورية ديمقراطية (بمساواة كاملة وتقرير المصير لكل القوميات)، وسيصادر الأراضي الزراعية الكبرى وبجعل يوم العمل ثماني ساعات” (4).

حل تروتسكي
رفض تروتسكي الاعتماد علي البرجوازية الثورية بشدة مثلما فعل لينين وسخر تروتسكي من التصور المنشفى فهو:
“رؤية لا تاريخية خلقتها استنتاجات وتشبيهات صحفية … فلأن الثورة في فرنسا قد نفذها إلى النهاية الديمقراطيون الثوريون – اليعاقبة – فلذا تستطيع الثورة الروسية تسليم السلطة فقط إلى أيدي البرجوازية الديمقراطية الثورية. ومن خلال خلق هذه المعادلات الرياضية الجامدة للثورة يحاول المناشفة إدخال قيم حسابية لا وجود لها”.(5)

ولكن من كل النواحي الأخرى اختلفت نظرية تروتسكي :الثورة الدائمة ، التي يعود فضل كبير في تطويرها للماركسي الألماني – الروسي بارفوس، عن الموقف البلشفي.

أولا، وأهم شئ، فلقد استبعدت النظرية احتمال إمكانية أن يلعب الفلاحون أي دور سياسي مستقل: “الفلاحون لا يمكنهم أن يلعبوا أي دور ثوري قيادي، فالتاريخ لا يمكن أن يحمل “الموزيك” مهمة تحرير أمة برجوازية من قيودها. بسبب تبعثرهم، وتخلفهم السياسي، وبالذات تناقضاتهم الداخلية العميقة التي لا يمكن أن تحل داخل إطار النظام الرأسمالي، يمكن للفلاحين أن يكيلوا للنظام القديم بعض الضربات القوية من الخلف بواسطة انتفاضات عفوية في الريف، من ناحية، وبخلق قلاقل داخل الجيش من ناحية أخرى”.(6)

تطابق هذا الموقف مع خط المناشفة وتماشى مع تحليل ماركس للفلاحين الفرنسيين كطبقة. فلأن المدينة تقود في المجتمع الحديث لا يمكن إلا لطبقة مدنية أن تلعب دورا قياديا ولأن البرجوازية ليست ثورية (ولأن البرجوازية الصغيرة المدنية غير قادرة في أي حال على لعب نفس دور السان كيلوت) فإنه:
“يظل الاستنتاج بأن البروليتاريا، فقط، في صراعها الطبقي، واضعة جماهير الفلاحين تحت قيادتها الثورية، يمكنها إكمال الثورة إلى النهاية”.(7)

لابد أن يؤدى هذا إلى حكومة عمالية، و”ديكتاتورية” لينين الديمقراطية هي ببساطة وهم:
“إن هناك تناقض بين السيطرة السياسية للبروليتاريا، واستعبادها الاقتصادي فبغض النظر عن الراية السياسية التي وصلت تحتها البروليتاريا للسلطة لابد أن تسلك طريق السياسة الاشتراكية. سيكون من الطوباوية المطلقة تصور أن البروليتاريا يمكنها، بعد أن وصلت للسلطة السياسية من خلال الميكانزم الداخلي للثورة البرجوازية، أن تحدد مهمتها بخلق ظروف جمهورية ديمقراطية للسيطرة الاجتماعية البرجوازية ، حتى لو كانت تريد ذلك”.(8)

ولكن كل هذا يؤدى فورا إلى تناقض. لقد كانت نقطة الانطلاق المشتركة لكل الماركسيين الروس هي أن روسيا افتقدت الأساس المادي الإنساني للاشتراكية- صناعة متطورة جدا وبروليتاريا حديثة تمثل نسبة كبيرة من الشعب واكتسبت التنظيم والوعي كطبقة “من أجل ذاتها”، كما أعتقد ماركس.

كان لينين قد رفض بشدة في “تكتيكان للاشتراكية الديمقراطية”:
“الفكرة العبثية وشبه الفوضوية التي تريد تطبيق برنامج الحد الأقصى والاستيلاء على السلطة من أجل الثورة الاشتراكية. إن درجة التطور الاقتصادي (وهذا شرط موضوعي) وتطور الوعي الطبقي وتنظيم الجماهير العريضة للبروليتاريا (وهذا شرط ذاتي مرتبط أساسا بالشرط الموضوعي) يجعلان من المستحيل أن تتحرر الطبقة العاملة فورا وبالكامل. يمكن لأكثر الناس جهالة فقط أن يغلقوا أعينهم للطابع البرجوازي للثورة الديمقراطية التي تجرى الآن (أي في عام 1905)”.(9)

من وجهة نظر ماركسية، لا يمكن التعرض بالنقد لفكرة لينين، طالما أننا ننظر إلى روسيا فقط. ولعله من الضروري أن نؤكد على هذه النقطة الأولية إذا أخذنا في الاعتبار التطورات اللاحقة فالاشتراكية بالنسبة لماركس ولكل من اعتبروا أنفسهم من أتباعه في ذلك الوقت، كانت تمثل التحرر الذاتي للطبقة العاملة. لذا فإنها تفترض وجود صناعة حديثة واسعة النطاق وبروليتاريا واعية طبقيا قادرة على التحرر الذاتي.

على الرغم من ذلك كان تروتسكي مقتنعا بأن الطبقة العاملة فقط هي التي يمكنها لعب الدور القيادي في الثورة الروسية وأنه، لو فعلت ذلك، لأمكنها الاستيلاء على السلطة ولكن ماذا بعد؟:
“ستواجه السلطات الثورية المشاكل الموضوعية للاشتراكية، ولكن التخلف الاقتصادي لروسيا يمنع حل هذه المشاكل. لا يوجد مخرج من هذا التناقض داخل إطار ثورة قومية. ستواجه الحكومة العمالية منذ البداية مهمة توحيد قواها مع قوى البروليتاريا الاشتراكية في غرب أوروبا. فقط بهذه الطريقة ستصبح سيطرتها الثورية المؤقتة مدخلا للديكتاتورية الاشتراكية، لذا، ستصبح الثورة الدائمة، بالنسبة للبروليتاريا الروسية مسألة حفاظ على بقاء الطبقة”.(10)

وهنا تقلب الفكرة الأصلية لإنجلز رأسا على عقب. فالتطور اللامتكافئ للرأسمالية يؤدى إلى تطور مركب تصبح فيه روسيا المتخلفة، مؤقتا، طليعة الثورة الاشتراكية العالمية.

ظلت نظرية الثورة الدائمة محورية في ماركسية تروتسكي إلى نهاية حياته، في ناحية واحدة فقط اختلفت أفكار تروتسكي بعد 1917 عن الرؤية المذكورة. فرؤية ما قبل 1917 اعتمدت على الفعل العفوي للطبقة العاملة. كما سنرى، كان تروتسكي في تلك الفترة خصما قويا للبلشفية المركزية، ورفض عمليا الدور القيادي للحزب. في 1917 غير تروتسكي موقفه من هذه المسألة. وبنى تروتسكي تطبيقاته اللاحقة لنظرية الثورة الدائمة حول دور الحزب العمالي الثوري.

النتيجة
إن كل النظريات، على الأقل النظريات التي تدعى العلمية، تجد اختبارها الحاسم في الممارسة. فالدليل على جودة الطعام، كما يقول المثل الشعبي، هو الأكل، ولكن قد يتأخر الاختبار العملي الحاسم، يتأخر حتى بعد موت المنظر وأنصاره ومعارضيه.

على خلاف العلوم الطبيعية – حيث يمكن دائما إقامة تجارب (حتى لو لم تكن الوسائل اللازمة متوفرة في الحال) فإن الماركسية كعلم التطور الاجتماعي (وبالطبع، منافسيها البرجوازيين، أشباه العلوم، الاقتصاد وعلم الاجتماع وهلم جرا) لا يمكن اختبارها بناء على مدة زمنية اعتباطية بل في أثناء التطور التاريخي، وحتى هنا يكون الاختبار وقتيا فقط.

السبب بسيط جداً، رغم أن النتائج معقدة للغاية. “فالبشر يصنعون تاريخهم” كما يقول ماركس “رغم أنهم لا يفعلون ذلك في ظروف من اختيارهم”. الأفعال الإرادية ، لملايين وعشرات الملايين من البشر، المشكلين تاريخيا والضاغطين ضد ظروف فرضها عليهم التطور التاريخي السابق (والتي لا يكونوا واعين بها عموماً) تنتج آثارا أكثر تعقيدا من أن يتوقعها أكثر المنظرين بعدا في النظر إن مقولة نابليون “فلنشتبك ثم نرى” ، التي تعبر عن رأى نابليون في علم الحرب، لابد أن يأخذها الثوريون في الاعتبار، الثوريون المشتركون في محاولة واعية لتشكيل مجرى الأحداث.

لقد كان الثوريون الروس في بداية القرن العشرين أكثر حظا من أغلب الثوريين. فقد جاء الاختبار الحاسم لهم سريعا. فشهد عام 1917 اشتراك المناشفة، المعادين من حيث المبدأ للاشتراك في حكومة غير بروليتارية، في حكومة من أعداء الاشتراكية لتنفيذ حرب إمبريالية ومحاولة وقف الثورة.

لقد أثبت ذلك في الممارسة توقع لينين في 1905 بأن المناشفة هم “جيروند”، الثورة الروسية. لقد شهد 1917 البلاشفة، أنصار الدكتاتورية الديمقراطية وحكومة تحالف ثورية مؤقتة، بعد فترة من التأييد النقدي لما أسماه لينين عند عودته إلى روسيا بـ – حكومة رأسماليين، يتحولون بحسم نحو استيلاء الطبقة العاملة على السلطة تحت تأثير كتيب لينين أطروحات إبريل وضغط العمال الثوريين داخل صفوف البلاشفة.

وشهد البرهان الرائع على صحة رؤية تروتسكي عندما تبنى لينين عمليا وإن لم يكن من خلال الكلمات منظور الثورة الدائمة وتخلى بدون طقوس عن منظور الدكتاتورية الديمقراطية.

أيضا شُهد تروتسكي معزولا وعاجزا عن التأثير على مجرى الأحداث في الأزمة الثورية الكبرى في 1917 إلى أن قاد جماعته الصغيرة والمثقفة إلى داخل الحزب البلشفي الجماهيري. لذا أثبت في 1917 أن نضال لينين الطويل والمرير من أجل حزب عمالي خالي من أي أثر أيديولوجي للماركسيين البرجوازيين الصغار (طالما أمكن تحقيق هذا الاستقلال بوسائل تنظيمية) كان نضالا عظيما (هذا النضال الذي أطلق عليه تروتسكي لأكثر من عقد “عمل حلقي” )”.(11)

كان تروتسكي صائباً حول المسألة الإستراتيجية المركزية في الثورة الروسية ولكنه كان، كما طرح تونى كليف، “جنرالا عظيما بدون جيش يذكر”(12). وقد كتب تروتسكي فيما بعد أن اختلافه مع لينين في 1903 – 1904 حول الحاجة للحزب كان أكبر “خطأ ارتكبه في حياته”.

أوصلت ثورة أكتوبر الطبقة العاملة الروسية إلي السلطة وفعلت ذلك في إطار مد ثوري صاعد ضد الأنظمة القديمة في وسط، وبدرجة أقل، غرب أوروبا. اعتمدت رؤية تروتسكي، ورؤية لينين بعد إبريل 1917، بشكل جوهري على نجاح الثورة البروليتارية في “بلد أو بلدين على الأقل” (كما كان يطرح لينين بحذره المعهود) من البلدان الرأسمالية المتقدمة.

ولكن هذه الموجة الثورية في ألمانيا والنمسا والمجر وإيطاليا وأماكن أخرى قد قضى عليها قبل أن تتحقق الثورة البروليتارية أو قبل أن تثبت دعائمها حيث تحققت مؤقتاً، وذلك بسبب سيطرة الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية على الحركة (تلك الأحزاب التي أثبتت في الممارسة منذ أغسطس 1914 أنها أصبحت محافظة وقومية) وبسبب تأرجحات وسلبية قادة الانشقاقات “الوسطية” من تلك الأحزاب بين 1916-1921.

سنتعرض لتحليل تروتسكي لنتائج تلك الوقائع فيما بعد. ولكن أولا سيكون من المفيد أن ننظر للثورة الصينية الثانية (1925 -1927) ونتائجها، بناء على نظرية تروتسكي.

الثورة الصينية 1925 – 1927
تأسس الحزب الشيوعي الصيني في يوليو 1921 في مناخ تسوده مشاعر معادية للإمبريالية، ونضال قوي للطبقة العاملة في المدن الساحلية حيث كانت الطبقة العاملة الصناعية حديثة التكوين، ولكن كبيرة الحجم، تناضل من أجل تنظيم ذاتها. واستطاع الحزب الشيوعي الصيني الصغير والمتكون في البداية من المثقفين، أن يصبح في أعوام قليلة القيادة الفعلية للحركة العمالية الوليدة.

كانت الصين وقتذاك شبه مستعمرة، مقسمة بشكل غير رسمي بين الإمبريالية البريطانية والفرنسية والأمريكية واليابانية. وكانت قد تمت إزالة الإمبرياليتين الألمانية والروسية بواسطة الحرب والثورة قبل 1919.

حافظت كل قوة إمبريالية علي “منطقة نفوذها” وساندت كل منها الإقطاعي المحلي أو الزعيم العسكري المحلي أو الحكومة “الوطنية ” المحلية. وقد وفرت بريطانيا، القوة الإمبريالية المهيمنة في ذلك الوقت لـ وو بي فو أقوى الزعماء الحربيين في وسط الصين والمسيطر على المناطق المجاورة لنهر “يانجستى”، الأسلحة والمال والخبراء. ووفرت اليابان نفس الخدمات لتشانج تسو لين، لورد منشورياً الحربي. بينما سيطرت عصابات عسكرية أصغر مرتبطة بواحدة من القوي الإمبريالية علي معظم بقية البلاد.

كان الاستثناء كانتون والمنطقة المحيطة بها. هناك كان سان يات سن رائد الوطنية الصينية، قد نجح إلى حد ما فى تأسيس قاعدة علي أساس برنامج استقلال وطني وتحديث وإصلاحات اجتماعية تحت راية “يسارية” مبهمة. اعتمد حزب سان يات سن، الكومينتانج الذي كان جسما بدون شكل وبدون تأثير قبل 1922، علي تسامح الزعيم الحربي “التقدمي” في المنطقة.

إلا أنه بعد بدء تحركهم منذ 1922، عقد قادة الكومينتانج اتفاقية مع حكومة الاتحاد السوفيتي في 1924 أرسلت بمقتضاها مستشارين سياسيين وعسكريين إلي كانتون وبدأت في إرسال الأسلحة. أصبح الكومينتانج حزبا مركزيا له جيش قوي نسبياً . أكثر من ذلك بدأ في إرسال أعضاء الحزب الشيوعي الصيني من أواخر 1922 إلي داخل الكومينتانج بصفتهم “الفردية” بل كان ثلاثة من أعضاء الحزب الشيوعي أعضاءً في اللجنة التنفيذية للكومنتانج. كانت هذه السياسة والتي واجهت مقاومة داخل الحزب الشيوعي الصيني، قد فرضت بواسطة اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية. كان الحزب الشيوعي الصيني مرتبطاً فعلياً بالكومنتانج. وبعد ذلك وفي بداية صيف عام 1925 انفجرت حركة إضراب جماهيري -أسبابها اقتصادية جزئيا ولكن سرعان ما تسيست نتيجة للقمع التي تعرضت له من القوات الأجنبية والبوليس – في شنغهاى وانتشرت إلي المدن الصينية الكبرى في وسط وجنوب الصين متضمنة كانتون وهونج كونج. استمرت المسيرات الجماهيرية الضخمة في المدن بين مد وجزر حتى بداية 1927. في أوقات مختلفة، وجدت حالة من ازدواجية سلطة، مثلث فيها لجان الإضراب التي قادها الحزب الشيوعي الصيني وشكل ما سمى بالحكومة الثانية أو رقم (2).

وفي نفس تلك الفترة انفجرت انتفاضات الفلاحين في عدة مقاطعات مهمة. واهتز نظام الزعامات الحربية تماما . أراد الكومنتانج أن يركب الموجة بمساندة الحزب الشيوعي الصيني ثم يستولى علي السلطة على المستوى القومى بدون تغيير اجتماعي. في بداية 1926 سمح للكومنتانج بالانضمام للأممية الشيوعية كحزب متعاطف !!.

كان قد تم استبعاد تروتسكي من مجال التأثير علي السياسة منذ 1925 رغم أنه بقي عضوا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الروسي. وكما ذكر دويتشر، فقد طلب تروتسكي في إبريل 1926 انسحاب الحزب الشيوعي الصيني من الكومنتانج (13)
وتعود أول وثيقة نقدية مهمة كتبها حول هذا الموضوع إلي سبتمبر 1926:
“لقد دخل النضال الثوري في الصين منذ 1925 مرحلة جديدة تتصف أساسا بالتدخل النشيط للقاعدة الواسعة للبروليتاريا. وفي نفس الوقت، تتجه البرجوازية التجارية والعناصر المثقفة المرتبطة بها إلي اليمين متخذين مواقف عدائية ضد الإضرابات والشيوعيين والاتحاد السوفيتي.

من الواضح تماما في ضوء هذه الحقائق الجوهرية أنه لابد من طرح مسألة إعادة النظر في العلاقة بين الحزب الشيوعي والكومنتانج…
إن اتجاه جماهير العمال الصينيين لليسار هو حقيقة أكيدة مثل اتجاه البرجوازية الصينية لليمين. فحيث أن الكومنتانج تأسس علي التوحد السياسي والتنظيمي مع البرجوازية، لابد أن ينقسم الآن تحت ضغط الصراع الطبقي…

لقد كان اشتراك الحزب الشيوعي في الكومنتانج سليم تماماً عندما كان الحزب في فترة الدعاية والاستعداد للعمل السياسي المستقل مستقبلياً، ولكن الهادف في الوقت ذاته في المشاركة في نضال التحرير الوطني الواقع، ولكن حقيقة نهوض البروليتارية الصينية العظيم ورغبتها في النضال وفي التنظيم الطبقي المستقل، حقيقة لا يمكن إغفالها. إن المهمة الحالية للحزب الشيوعي هي القيادة المستقلة المباشرة للطبقة العاملة المستيقظة. ليس بالطبع لإبعاد الطبقة العاملة عن النضال الوطني الثوري، بل لتأكيد دورها ليس فقط كأشد المقاتلين صلابة ولكن أيضا كقيادة سياسية مسيطرة داخل نضال الجماهير الصينية…

إن الاعتقاد بأنه يمكن كسب البرجوازية الصغيرة من خلال المناورات الذكية والنصح الجيد وذلك من داخل الكومنتانج إنما هو طوباوية يائسة. سيكون الحزب الشيوعي أكثر قدرة علي التأثير المباشر وغير المباشر في البرجوازية الصغيرة المدنية والريفية كلما كان الحزب ذاته قويا، أي، كلما نجح الحزب في كسب الطبقة العاملة الصينية. ولكن هذا ممكن فقط علي أساس حزب طبقي وسياسة طبقية مستقلة”.(14)

كان هذا أمر مرفوضا تماماً من ستالين وزملائه. كانت سياستهم هي التعلق بالكومنتانج وإرغام الحزب الشيوعي الصيني علي إخضاع ذاته للكومنتانج مهما كان الأمر، بهذه الطريقة كانوا يأملون أن تكون هناك استمرارية حليف للاتحاد السوفيتي يعتمد عليه في جنوب الصين، ومن المحتمل أن يستولي علي السلطة في كل الصين فيما بعد.

تم تبرير هذه السياسة نظرياً بإحياء أطروحة “الديكتاتورية الديمقراطية”. الثورة الصينية هي ثورة برجوازية وبالتالي، هكذا جادل ستالين وزملاؤه، يجب أن يكون الهدف هو ديكتاتورية ديمقراطية للعمال والفلاحين. ومن أجل الحفاظ علي كتلة العمال والفلاحين يجب أن تقيد الحركة نفسها بالمطالب الديمقراطية، لم تكن الثورة الاشتراكية في جدول الأعمال – أما الصعوبة الكامنة في الحقيقة الواضحة لعدم كون الكومينتانج حزب فلاحين فقد تم التعامل معها بالقول أن الكومينتانج كان حزبا متعدد – الطبقية، كتلة من أربعة طبقات (البرجوازية، البرجوازية الصغيرة المدنية، العمال والفلاحين).

“ماذا تعني كتلة من أربع طبقات؟ هل واجهتم مثل هذا التعبير من قبل في الأدبيات الماركسية ؟؟ إذا قادت البرجوازية جماهير الشعب المضطهدة وذلك تحت الراية البرجوازية وتستولي علي سلطة الدولة من خلال قيادتها إذن فلا يمكن أن يعتبر ذلك كتلة بل الاستغلال السياسي للجماهير المضطهدة بواسطة البرجوازية”.(15)

النقطة الحقيقية هي أن البرجوازية ستستسلم للإمبرياليين وبالتالي حتميا سيلعب الكومينتانج دوراً مضاداً للثورة.
“إن البرجوازية الصينية واقعية وملمة عن قرب بطبيعة الإمبريالية بالقدر الكافي لكي تفهم أن نضالا جادا حقيقيا ضد الأخيرة يتطلب هبات من الجماهير الثورية ستكون أساسا خطرا علي البرجوازية ذاتها… وإذا كنا علمنا عمال روسيا منذ البداية عدم التصديق في استعداد الليبرالية وقدرة البرجوازية الصغيرة الديمقراطية علي سحق القيصرية وتحطيم الإقطاع فيجب علينا بنفس الهمة أن نحقن العمال الصينيين منذ البداية بنفس روح عدم الثقة. إن النظرية الجديدة – الكاذبة تماما التي طالعنا بها ستالين وبوخارين عن الروح الثورية “الكامنة” في برجوازيات المستعمرات هي في جوهرها ترجمة للمنشفية إلي لغة السياسة الصينية”.(16)

إن النتيجة معروفة جيدا لقد قام تشانج كاي تشيك ، رئيس الكومنتانج بأول انقلاب له ضد اليسار في كانتون في مارس 1926. وخضع الحزب الشيوعي، تحت الضغط الروسي للكومنتانج. وعندما شن جيش تشانج “الحملة الشمالية” حطمت موجة من انتفاضة الطبقة العاملة والفلاحين قوات زعماء – الحرب ، إلا أن الحزب الشيوعي المخلص، فعل كل ما بوسعه لكي يمنع “التجاوزات”. قبل أن يدخل تشانج لشنغهاى في مارس 1927 كان زعماء الحرب قد هزموا بواسطة إضرابين عامين وانتفاضة مسلحة قادها الحزب الشيوعي الصيني. أمر تشانج العمال بإلقاء أسلحتهم ورفض الحزب الشيوعي أن يقاوم. ثم، في إبريل، تم ذبح الشيوعيين ونسف الحركة العمالية. أعقب ذلك وقوع انقسام في الكومنتانج. وشكل القادة المدنيين للكومنتانج، الخائفين (عن حق) من اعتزام تشانج كاي تشيك بأن يصبح ديكتاتورا عسكريا علي الصين، حكومتهم في ووهان (هانكو).

وأصبح الحزب الشيوعي الصيني، مطالب الآن من الكومنترن أن يساند نظام الكومنتانج “اليساري”، مقدما وزراء للعمل والزراعة. واستخدم زعيم يسار الكومنتانج وانج تشينج واي الشيوعيين لخدمة أغراضه وبعد أشهر قليلة قام بانقلاب. بعد ذلك رأس الحكومة العميلة في الجزء من الصين الذي كانت تحتله اليابان. وأضطر الحزب الشيوعي إلي اللجوء للعمل السري وسرعان ما فقد قاعدته الجماهيرية في المدن ، ففي كل مواجهة هامة استخدم هذا الحزب نفوذه لإقناع العمال بعدم مقاومة الكومنتانج.

بعد ذلك، ولأن الصراع الداخلي في الحزب في روسيا كان قد وصل لمرحلة حرجة قامت مجموعة ستالين – بوخارين الحاكمة في الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي بتحول 180 درجة. فمن التنازلات المتكررة للكومنتانج أجبر الحزب الشيوعي الصيني للقيام بعملية انتحارية. كان ستالين وبوخارين يحتاجان لانتصار في الصين لمواجهة انتقادات المعارضة (التي كانا يخططان لطردها). في المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي في ديسمبر 1927. أرسل مبعوث جديد للكومنترن هاينز نيومان، لكانتون حيث حاول القيام بانقلاب في أوائل ديسمبر كان مازال لدى الحزب الشيوعي قوة سرية مهمة في زال لدى الحزب قوة سرية مهمة فى المدينة. اشترك خمسة آلاف شيوعى معظمهم من عمال المدينة، فى تلك الإنتفاضة. ولكن لم يكن هناك أى إعداد سياسى، أى تحريض، أى اشتراك لجماهير الطبقة العالمة. وتم عزل الشيوعيين، وسحقت “كميونة كانتون” فى نفس المدة تقريباً التى سحقت فيها إنتفاضة بلانك فى باريس 1839 – فى يومين – ولنفس الأسباب. كانت النتيجة مذبحة اكبر بكثير جداً من مذبحة شنغهاى. وانتهى وجود الحزب الشيوعى فى كانتون.

لقد ثبتت صحة نظرية الثورة الدائمة مرة أخرى ولكن بشكل سلبى، وحصلت السيطرة الإمبريالية على الصين على صك جديد للحياة.

فلنفترض، رغم كل ما سبق، أن الحزب الشيوعى الصينى إتبع نفس الطريق الذى اتبعه البلاشفة بعد إبريل 1917. هل كانت الديكتاتورية ممكنة فى بلد متخلف مثل الصين فى العشرينات من هذا القرن؟

كان تروتسكي متفتحاً فى هذه المسألة:
“إن مسألة الطريق غير الرأسمالى، للتطور فى الصين قد طرحها لينين بشكل مشروط، لأن الأمر كله كان بالنسبة له – كما هو بالنسبة لنا – بديهياً أنه لو تركت الثورة الصينية لتعتمد على قوتها الذاتية، أى بدون المساعدة المباشرة للبروليتاريا المنتصرة فى الاتحاد السوفيتى وللطبقة العالمة فى كل البلاد، لانتهت فقط لأوسع احتمالات التطور الرأسمالى، وبظروف أفضل للحركة العمالية .. ولكن، أولاً وقبل كل شئ، لم تثبت حتمية الطريق الرأسمالى بأى شكل من الأشكال، ثانياً، يمكن حل المهام البرجوازية بطرق مختلفة”.(17)
سيكون من الضرورى العودة للنقطة الأخيرة، ففى النصف الثانى من القرن العشرين حدثت مجموعة من الثورات من أنجولا إلى كوبا إلى فيتنام إلى زنزبار (جزء من تنزانيا الآن) لم تكن ثورات بروليتارية، ولم تكن بالتأكيد ثورات برجوازية بالمعنى الكلاسيكى.

لم يكن بإمكان تروتسكي أن يتوقع مثل هذا التطور، ولا كان بإمكان أى أحد آخر فى ذلك الوقت أن يتوقعه. إن نظرية الثورة الدائمة والتى أثبتت صحتها بحسم فى النصف الأول من هذا القرن لابد، وهذا واضح، أن يعاد النظر فيها فى ضوء التطورات التالية. سنتعرض لهذه المسألة فى الفصل الأخير من هذا الكتاب.

« السابق التالي »