بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ماركسية تروتسكي

« السابق التالي »

3- الفصل الثاني: الستالينية

إن الأمل فى تحقيق مجتمع حر ولا طبقى هو أمل قديم للغاية، ففى أوروبا مثلاً نجد دلائل موثقة على ذلك فى ضوء ما تبقى من أفكار الثائرين والهراطقة، ونجد فى مجتمعات أقدم كثيراً من ذلك حركات شبيهه فى بدايات المسيحية مثلاً وفى بدايات الإسلام.

لقد طرح ماركس فكرة جديدة نوعياً، من الممكن تلخيصها كالآتى: إن آمال أكثر المفكرين تقدماً فى الأجيال السابقة (قبل الصناعية) – مهما كانت قيمتها الإلهامية للمستقبل ومهما كان إعجابنا بها – فهى لم تكن إلا آمال وأفكار طوباوية لم يكن من الممكن تحقيقها.

إن المجتمع الطبقى والاستغلال والاضطهاد ستظل أموراً حتمية طالما ظلت قوى الإنتاج وإنتاجية العمل فى مستوى منخفض نسبياً. مع نمو الرأسمالية الصناعية لم تعد هذه الأشياء حتمية إذا ما أطيح بالرأسمالية. لقد اصبح المجتمع اللاطبقى المبنى على أساس الوفرة (النسبية) إمكانية موضوعية، لقد خلق تطور الرأسمالية نفسه آداه تحقيق المجتمع اللاطبقى: البروليتاريا الصناعية.

كانت هذه الأفكار بالطبع، القاسم المشترك لماركسية ما قبل 1914، واتخذها كل الثوار الماركسيين كمسلمات، ولكن المجتمع الذى أفرزته ثورة أكتوبر فى روسيا لم يكن مجتمعاً حراً ولا طبقى،حتى فى المراحل الأولى للثورة كان الوضع بعيداً كل البعد عن تصورات ماركس للدولة العمالية (كما طرحها فى الحرب الأهلية فى فرنسا) وعن أفكار لينين (فى كتاب الدولة والثورة)، وقد تطور الوضع فيما بعد إلى استبدادية مطلقة.

من الصعب المبالغة فى أهمية هذه الحقائق، فوجود دولة، وفيما بعد سلسلة من الدول، ادعت أنها اشتراكية فى حين أنها لم تكن إلا كاريكاتيرات مقززة للاشتراكية، لابد وأن يعتبر عاملاً أساسياً فى بقاء الرأسمالية الغربية.

يدعى إيديولوجيو اليمين أن الستالينية هى النتيجة الحتمية لمصادرة أملاك الطبقة الرأسمالية. أما إيديولوجيو الاشتراكية الديمقراطية فادعوا أن الستالينية هى النتاج الحتمى للمركزية البلشفية، وأن ستالين الحليف الطبيعى للينين.

كان تروتسكي أول من تصدى لتحليل الستالينية مستخدماً المادية التاريخية. مهما كانت الانتقادات التى من الممكن أن يثيرها هذا التحليل فقد كان بمثابة نقطة البداية لكل التحليلات الماركسية الجادة التى طرحت فيما بعد.

كيف كان الواقع الاجتماعى فى1921 فى روسيا حيث كان لينين ما يزال يرأس مجلس قوميسارى الشعب، وتروتسكي ما يزال قوميسار الشعب للحرب ؟. فى أواخر 1921 تحدث لينين مدافعاً عن السياسة الاقتصادية الجديدة وقال:
“إذا انتفعت منها الرأسمالية سينمو الإنتاج الصناعى، وستنمو معه البروليتاريا، سينتفع الرأسماليون من سياستنا وسيخلقون البروليتاريا الصناعية، التى أصبحت فى بلادنا، بسبب الحرب والفقر المدقع والدمار، مخلوعة من أساسها الطبقى، ولم تعد موجودة كبروليتاريا. البروليتاريا هى الطبقة التى تعمل فى إنتاج القيم المادية فى الصناعة الرأسمالية الثقيلة وحيث أن الصناعة الرأسمالية الثقيلة قد دمرت، وأصبحت المصانع معطلة تماماً، فإن البروليتاريا قد اختفت، إنها تظهر أحياناً فى الإحصائيات، ولكنها لم تعد متماسكة اقتصادياً”(1).

إن البروليتاريا لم تعد موجودة كبروليتاريا ! ما الذى حدث إذن للديكتاتورية البروليتارية، للبروليتاريا كطبقة حاكمة؟

دمرت الحرب والحرب الأهلية الصناعة الروسية التى كانت أصلاً ضعيفة بالمقارنة بالصناعة الغربية. ظلت روسيا الثورية فى حالة حرب مع ألمانيا والنمسا – المجر منذ ثورة أكتوبر وحتى مارس 1918 عندما وقعت معاهدة بريست ليتوفسك. فى الشهر التالى وصلت أول جيوش التدخل “المتحالفة”، دخل اليابانيون إلى فلاديفوسك وبدءوا فى الزحف على سيبيريا. لم تنسحب هذه القوات حتى نوفمبر 1922. فى تلك السنوات، غزت قوات من أربع عشر دولة أجنبية أراضى الجمهورية الثورية (بما فى ذلك قوات من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا) تم أيضاً تسليح وتمويل جنرالات الجيش الأبيض فى أوج حرب التدخل. فى صيف 1919، كانت الجمهورية السوفيتية قد أصبحت دولة صغيرة فى وسط روسيا الأوروبية حول موسكو مع بعض القلاع خارج هذه المنطقة يدافعون عنها بصعوبة، وحتى فى الصيف التالى حيث كان الجيش الأبيض قد هزم بشكل حاسم، كان لابد من إرسال ربع المخزون الكلى من القمح فى الجمهورية السوفيتية إلى الجيش الغربى الذى كان يحارب الغزاة البولنديين.

كانت المدن في ذلك الوقت في حالة مجاعة, فر أكثر من نصف سكان بتروجراد وتقريباً نصف سكان موسكو إلى الريف, وكرست الصناعات التي تمكنوا من الإبقاء عليها بالكامل تقريباً للإنتاج الحربي, واستدعى هذا التضحية بالبنية الإنتاجية ككل من أجل الإبقاء على نشاط جزء منها. أدت هذه الظروف إلى بداية تحلل الطبقة العاملة الروسية, التي كانت تشكل أصلاُ أقلية صغيرة.

إن الوقائع معروفة بما يكفى وهى معروضة ببعض التفصيلات فى الجزء الثانى من كتاب إى بى كار “الثورة البلشفية”(2).

بحلول عام 1921 كان مجمل الإنتاج الصناعى قد تضائل إلى ثمن ما كان عليه فى عام 1913، علماً بان الإنتاج فى 1913 كان ضئيلاً جداً بالنسبة للإنتاج الأمريكى أو البريطانى أو الألمانى.

استطاعت الثورة أن تبقى من خلال مجهودات وتضحيات هائلة أدارتها ديكتاتورية ثورية تعدت بكثير ديكتاتورية اليعاقبة فى 1793 فى قدرتها على التعبئة السياسية ولكن ثمن هذا البقاء كان الدمار الإقتصادى، كما ظلت الثورة معزولة فبحلول 1921 كانت الحركة الثورية فى أوروبا قد انحسرت بوضوح.

ما يشغلنا هنا هو النتائج الاجتماعية لهذه الوقائع. كانت سياسة ما سمى “بشيوعية الحرب” خلال 1918 – 1921، فى الواقع نظام حصار اقتصادى وحشى. شملت هذه السياسة فى جوهرها مصادرة القمح من الفلاحين بالقوة وتفكيك الصناعة والتجنيد الإجبارى وقمع هائل من أجل البقاء.

كان جزء كبير من إنتاج الفلاحين للقمح، قبل الثورة، يحول إلى المدن فى شكل إيجارات وفوائد ضرائب أو تعويضات مدفوعة إلى الطبقات الحاكمة القديمة، كانت روسيا القيصرية مصدراً هاماً للقمح. مع تحطيم النظام القديم انتهى هذا الدور وأصبح الفلاحون ينتجون من أجل الاستهلاك أو التبادل ولكن مع دمار الصناعة لم يتبق شيئاً تقريباً للتبادل لذا بدأت المصادرة بالقوة.

كانت الثورة قد استمرت فى بلد أغلبية سكانه من الفلاحين بسبب تأييد جماهير الفلاحين المنتفعين من الثورة – وهو تأييد سلبى فى أغلب الأحيان.

ولكن مع نهاية الحرب الأهلية، انتهى هذا التأييد وأوضحت انتفاضات كرونشتادت، وتامبوف أن الفلاحين وقطاعات من الطبقة العاملة اصبحوا معارضين للنظام، أدخلت السياسة الاقتصادية الجديدة “النيب” بسبب هذه الظاهرة ضرائب محددة “مدفوعة بالقمح” حيث أن النقود كانت قد أصبحت عديمة القيمة فى زمن شيوعية الحرب، بدلاً من المصادرات العشوائية. ثانياً، تم السماح بإحياء التجارة الخاصة والإنتاج الصغير الخاص. ثالثاً، تم فتح أبواب (بشكل غير ناجح) لرأس المال الأجنبى للتمتع بامتيازات. رابعا، وكان هذا فى غاية الأهمية، أدخلت النيب الإلزام الصارم بمبدأ الربحية فى أغلب الصناعات المؤممة مع إدخال نظام مالى صارم على أساس معيار الذهب لتحقيق استقرار فى العملة وفرض نظام السوق على المشروعات العامة والخاصة.

حققت هذه الإجراءات التى تمت بين 1921 – 1928 انفراجاً اقتصادياً كان هذا الانفراج بطيئاً فى البداية ولكن بحلول 1926 – 1927 وصل مستوى الإنتاج الصناعى إلى ما كان عليه فى 1913، متحدياً إياه فى بعض المواقع. كان النمو فى إنتاج المحاصيل الغذائية (أساساً: القمح) أبطأ كثيراً، وازداد الإنتاج ولكن استهلاك الفلاحين كان قد ازداد مع الثورة وبقيت المدن فى حالة نقص. تحقق هذا الانفراج الإقتصادى من خلال إجراءات رأسمالية أو شبه رأسمالية ولذا كان لها عواقب اجتماعية موازية.

“اصبح للمدن التى نسيطر عليها سمات غريبة، شعرنا بأنفسنا نغرق فى الوحل .. المال هو الذى يسير الآلة بأكملها كما كان فى الرأسمالية. مليون ونصف عامل يحصلون على معونات غير كافية فى المدن الكبيرة .. ولدت الطبقات من جديد تحت أعيننا، عند اسفل السلم يحصل العاطلون على 24 روبل فى الشهر وعند أعلى السلم يحصل المهندس (أى التقنى المتخصص) على 800 روبل، وبين الاثنين يحصل موظف الحزب على 222 روبل ولكنه يحصل على أشياء كثيرة مجاناً. كانت هناك فجوة واسعة تزداد اتساعاً بين ثراء الأقلية وبؤس الأغلبية”(3).

تسببت سياسات النيب فى حدوث أحياء عددى للطبقة العاملة، إلا أن إحياءً سياسياً لم يحدث، أو على الأقل لم يكن كافياً لزعزعة سلطة البيروقراطى ورجل النيب، والكولاك. كان كرباج البطالة الواسعة النطاق – الذى كان أشد قسوة كثيراً فى روسيا العشرينات منه فى بريطانيا الثلاثينات – عاملاً أساسياً فى هذا.

دولة عمالية مشوهه
كان تحلل الطبقة العاملة قد وصل إلى مستوى متقدم عندما اندلع نقاش فى الحزب الشيوعى الروسى قرب نهاية عام 1920 حول ما سمى بمسألة النقابات. على السطح كانت المسالة حول احتياج العمال لمنظمات نقابية للدفاع عن أنفسهم ضد دولتهم ولكن على مستوى أعمق كان الخلاف حول مسائل اكثر جوهرية.

هل كانت دولة 1917 العمالية لا تزال موجودة ؟، كانت الديموقراطية السوفيتية قد فنيت عملياً فى الحرب الأهلية.الحزب الشيوعي كان قد حرر نفسه من الحاجة لتأييد أغلبية الطبقة العاملة وأصبحت السوفيتيات مجرد ختم من المطاط لقرارات الحزب كما تطورت عملية العسكرة والمركزة بشكل هائل داخل الحزب.

ثارت المعارضة العمالية ضد هذه التطورات، ونادت باستقلالية النقابات منذرة بسيطرة الحزب ومسترجعة تراث سيطرة العمال علي الإنتاج (الذي كان مطلب حزبي في فترة سابقة).

إن تبني هذه الإجراءات كان سيعني نهاية النظام – فأغلبية الجزء المتبقي من الطبقة العاملة كان قد أصبح في ذلك الوقت لا مبالي، إذا لم يكن معادياّ للبلاشفة، كذا أيضاّ جماهير الفلاحين اللذين كانوا يشكلون الغالبية العظمى من السكان. الديمقراطية في هذه الظروف لم تكن تؤدي إلا إلى الثورة المضادة وديكتاتورية يمينية.

اضطر الحزب لاستبدال الطبقة العاملة المتلاشية بنفسه، وفي الحزب نفسه ازدادت سلطة المستويات القيادية علي العضوية المتنامية ولكن بشكل غير منظم (وصل عدد أعضاء الحزب الشيوعي الروسي بالتقريب إلى 115 ألف عضو في أوائل 1918 و 313 ألف عضو في أوائل 1919 و 650 ألف عضو في صيف 1921 – كان العمال الصناعيون يشكلون أقلية متضائلة من هذه العضوية).

أصبح الحزب وصياً علي طبقة عاملة لم تعد قادرة علي إدارة شئونها بنفسها (وضع كان من المرجو أن يكون مؤقتاً). ولكن الحزب نفسه لم يكن محصناّ من التأثر (لأنهم هم أيضاً كانوا قد أصبحوا انعكاساً لتخلف روسيا وانهيار الطبقة العاملة) بالقوى الاجتماعية القوية التي ولدها التدهور الصناعى وانخفاض إنتاجية العمل والتخلف الحضاري والثقافي وفي الواقع كان لازماّ لكي يعمل الحزب كوصي أن يتم حرمان غالبية أعضائه من أى دور فعال في إدارة الأحداث.

كان الحل الذي طرحه تروتسكي لهذه المشكلة في البداية، هو الاستمرار علي نهج الاستبدالية:
“من الضروري أن نخلق فيما بيننا وعياّ بالحق التاريخي للحزب. إن الحزب مجبر علي إبقاء ديكتاتورية بغض النظر عن التموجات المؤقتة في المزاج العفوي للجماهير وبغض النظر عن الاهتزازات المؤقتة في الطبقة العاملة.إن هذا الوعي يمثل لنا عنصر الوحدة الأساسي”(4).
أدى هذا الموقف، لطرحه فكرة ضرورة استيعاب جهاز الدولة للنقابات (كما حدث بعد ذلك في ظل ستالين، فعلياّ إن لم يكن شكلياً). لم يكن هناك حاجة أو مبرر حتى لاستقلالية نسبية للنقابات التى لم تكن تمثل إلا مركزاً للمعارضة.

كانت أطروحات لينين المعارضة لهذا الموقف في ديسمبر 1920 ويناير 1921 ،في غاية الأهمية بالنسبة للتطورات التالية في تحليل تروتسكي عن “دولة عمالية”. “اسمحوا لي أن أقول أن هذه فكرة مجردة من الطبيعي أن نكتب عن دولة عمالية في 1917 ولكنه يصبح الآن خطأ واضحاً أن نقول بما أن هذه دولة عمالية بدون أي برجوازية، ضد من إذن تتم حماية الطبقة العاملة ولأي غرض؟، إن المسألة كلها أن هذه ليست بالضبط دولة عمالية. هنا يرتكب الرفيق تروتسكي أحد أخطائه
الأساسية” (5).

وكتب لينين في الشهر التالي:
“كان يجب أن أقول: أن الدولة العمالية تجريد. عندنا في الواقع دولة عمالية بهذه الخصوصية،أولاً، أن البلد يهيمن عليه السكان الفلاحون وليس الطبقة العاملة، ثانياً، أنها دولة عمالية ذات تشوهات بيروقراطية”.(6)

دولة عمالية ذات تشوهات بيروقراطية في ببلد يهيمن عليه الفلاحون. في المرحلة الثانية، النيب، تبنى تروتسكي هذا الموقف وعمق مضمونه.

ليس من الضروري هنا إعطاء وصف تفصيلي لتطورات المعارضة اليسارية (1923) والمعارضة الموحدة(1926 – 1927) (7). واللتين لعبا فيهما تروتسكي الدور الرئيسي، يكفي عرض بعض مواقفهم الأساسية.

طالبت المعارضة اليسارية والموحدة بمقرطة الحزب وتحجيم أجهزته وأيضاً ببرنامج مخطط للتصنيع يمول من الضغط علي الكولاك ورجال النيب من أجل محاربة البطالة ولإحياء الطبقة العاملة اقتصادياً وسياسياً وبذلك إحياء أساس الديمقراطية السوفيتية.

أعلن برنامج المعارضة:
“لابد من تقوية الوضع المادي للبروليتاريا داخل البلد مطلقاّ ونسبياّ(نمو عدد العمال والموظفين وخفض عدد الباطلين وتحسين المستوى المادي للطبقة العاملة .. إن التأخر المزمن في الصناعة وأيضاً في النقل والكهرباء والبناء،هذا التأخر عن تلبية احتياجات ومطالب السكان وعن الاقتضاء العام والنظام الاجتماعي ككل،يخنق بقبضة حديدية التحول الاقتصادي للبلد”(8).

إن التناقض الداخلي لهذا الموقف يكمن من ناحية،في أن مقرطة الحزب كانت ستسمح للسخط الفلاحى والعمالي أن يجد التعبير المنظم عنه،ومن ناحية أخري فزيادة ضغط الدولة علي الأغنياء الجدد (وبالذات علي الأغنياء الفلاحين) كان سيؤدي إلى نفس التوتر الشديد الذي شهدته فترة شيوعية الحرب والذي تسبب في قمع المعارضة الشرعية خارج الحزب في البداية ثم القضاء علي المعارضة بداخل الحزب وإقامة ديكتاتورية جهاز الحزب بعد ذلك.

كانت المعارضة أيضاّ مخنوقة. لقد كان برنامجها يهدد ويتحدى المصالح المادية للطبقات الثلاث المستفيدة من النيب:البيروقراطية ورجال النيب والكولاك. إن نجاح المعارضة كان متوقفاً على إحياء نشاط الطبقة العاملة والتي كانت تشكل السند الوحيد الممكن لها. ولكن سياسات النيب جعلت ذلك الإحياء مستحيل تقريباّ طالما ظلت الثورة معزولة.

عارض ستالين، قائد وممثل الشرعية المحافظة بين مسئولي الحزب والدولة الذين كانوا في الواقع يحكمون البلاد، عارض بشدة مطلبي التصنيع المخطط والمقرطة (كما فعل أيضاّ حلفاؤه علي أقصى يمين الحزب – بوخارين ومؤيدوه). كان هذا المضمون الاجتماعي لشعار “الاشتراكية في بلد واحد” والذي تبنته المجموعة الحاكمة منذ 1925، والذي كان بمثابة إعلان عن تأييد للوضع الحالي وضد أي نوع من الانتفاضات وضد التوقعات الثورية وضد اتباع سياسة ثورية نشطة في الخارج. حتى في أبريل 1924 كان ستالين ما زال يردد الموقف السائد وقد لخصه بنفسه كالتالي:
“إن مجهودات بلد واحد تكفي للإطاحة بالبرجوازية – يثبت ذلك نجاح ثورتنا ولكن من أجل إحراز الانتصار النهائي للاشتراكية ولتنظيم عملية الإنتاج الاشتراكي لا تكفي مجهودات بلد واحد، خاصة إذا كان بلداً فلاحياً مثل بلدنا – لهذا نحتاج إلى مجهودات الطبقة العاملة في عدد من البلدان المتقدمة” (9).

لم يكن هذا أكثر من وصف الواقع الاجتماعي الاقتصادي وإعادة طرح لأفكار لينين.ولكن هذا الرأي الأصلي والذي كان يتبناه الماركسيون الروس بكل اتجاهاتهم، كان يوضح الطبيعة المؤقتة للنظام واعتماده، من أجل تطور اشتراكي علي ثورات في الغرب. وهو ما أصبح هنا غير مقبول بالمرة من قبل الشرائح الحاكمة.

فلقد كانت الاشتراكية في بلد واحد بمثابة إعلان لاستقلالهم عن الحركة العمالية.

لخص تروتسكي التجربة, بعد الهزيمة النهائية للمعارضة ونفيه من روسيا, في مقال كتب في فبراير 1929:
“بعد الاستيلاء على السلطة, فصلت بيروقراطية مستقلة نفسها عن وسط الطبقة العاملة.كان هذا الانفصال وظيفياّ في البداية ثم أصبح فيما بعد اجتماعياّ.بالطبع كان للتطورات بداخل البيروقراطية صلة وطيدة بالتطورات الجارية في البلد ككل فعلى أساس السياسة الاقتصادية الجديدة ظهرت من جديد شريحة عريضة من البرجوازية في المدن وأعيد إحياء المهن الحرة، وفي الريف، رفع الفلاح الغني،الكولاك،رأسه،واقتربت قطاعات عريضة من الموظفين الحكوميين بسبب صعودهم فوق الجماهير علي وجه التحديد من الشرائح البرجوازية وخلقت روابط أسرية بينهم وبشكل متزايد أصبحت المبادرة والنقد من قبل الجماهير تعتبر تدخلاً .. إن أغلبية هؤلاء الموظفين الذين صعدوا فوق الجماهير محافظون بشدة .. هذه الشريحة المحافظة والتي تشكل التأثير الرئيسي لستالين في صراعه ضد المعارضة تميل أكثر من ستالين نفسه والنواة الأساسية في فصيلة،إلى الذهاب بعيداّ نحو اليمين” (10).

الاستنتاج السياسي النابع من هذا التحليل هو إمكانية حدوث ثرميدور سوفيتي، يذكرنا بما حدث في التاسع من ثرميدور (27 يوليو 1794)، حيث أطاح المجتمع بديكتاتورية اليعاقبة ووضع محلها نظاماّ يمينياً (الإدارة من 1795) والتي أشرفت علي الردة السياسية والاجتماعية في فرنسا ومهدت الطريق لديكتاتورية بونابرت من 1799. كان الثرميدور نهاية الثورة الفرنسية العظمية وقد كانت الظروف الآن تهدد بثرميدور روسي.

“إن عناصر من عملية ثرميدورية، بخصوصية كاملة بالتأكيد، نجدها أيضاّ في بلاد السوفيتيات. أصبحت هذه العوامل شديدة الوضوح في الأعوام الأخيرة. فالذين في السلطة اليوم أما أنهم لعبوا أدوارا ثانوية في الأحداث الهامة أو كانوا معادين للثورة ولم ينضموا إليها إلا بعد انتصارها.انهم يعملون الآن كستار لتلك الشرائح المعادية للاشتراكية ولكنها في نفس الوقت أضعف من أن تنفذ انقلاب مضاد للثورة ولذلك تبحث عن تحرك ثرميدوري سلمي يعود بهم إلى الطريق المؤدي إلى المجتمع البرجوازي.أنهم يرغبون في التدحرج إلى أسفل مع استخدام الفرامل علي حد تعبير أحد إيديولوجيي تلك الشريحة (11).

ولكن هذا التطور لم يكن قد حدث بعد ولم يكن حتميا. كانت الدولة العمالية مازالت باقية وان كان بشكل متآكل. كان تروتسكي يؤمن بأن الحصيلة النهائية:
“سيحددها مسار الصراع نفسه كما تخوضه القوى الحية في المجتمع.سيكون هناك فترات صعود وانحسار يعتمد مداها بشكل كبير علي الوضع في أوروبا والعالم ككل” (12).

كانت هناك إذن ثلاث قوى أساسية متفاعلة في الاتحاد السوفيتي:قوى اليمين، العناصر الرأسمالية الجديدة، الكولاك ورجال النهب، الخ .. الذين كان يخدمهم قطاع كبير من الجهاز الحاكم، الطبقة العاملة والتي كان يمثلها سياسياً المعارضة التي كانت قد قمعت الآن، وأخيراّ البيروقراطية الوسطية – فصيل ستالين في قمة الجهاز – التي لم تكن هي نفسها ثرميدورية ولكنها استندت علي الثرميدوريين وأخذت تتأرجح بين اليسار واليمين في محاولتها للحفاظ علي السلطة. ما بين 1923 و 1928 كان الميل يميناً ثم جاء بعد ذلك الميل اليساري. كتب تروتسكي في عام 1931 عن “مسار1928 – 1931”:
“إن هذا المسار يمثل، إذا تركنا جانباّ التأرجحات والانزلاقات الضرورية، محاولة من قبل البيروقراطية للتكيف مع البروليتاريا ولكن بدون التخلي عن المبادئ الأساسية في سياستها أو ما هو أكثر أهمية، سلطتها المطلقة. إن تأرجحات الستالينية توضح أن البيروقراطية ليست طبقة، وليست عنصراً تاريخياً مستقلا، بل هي أداة أو جهاز تنفيذي للطبقات. إن المسار اليساري يثبت أنه مهما كان المدى الذي وصل إليه المسار اليميني فهي علي الرغم من ذلك قد تطورت علي أساس ديكتاتورية البروليتاريا” (13).

كانت السلطة إذن ما تزال في أيدي الطبقة العاملة – أو علي الأقل كان بإمكان الطبقة العاملة استرجاع السلطة بدون تحول جذري:
“إن إدراك طبيعة الدولة السوفيتية الحالية كدولة عمالية لا يعني فقط أن البرجوازية لا تستطيع الاستيلاء علي السلطة إلا من خلال انتفاضة مسلحة بل يعني أيضاّ أن البروليتاريا السوفيتية مازالت قادرة علي إخضاع البيروقراطية لها وإحياء الحزب من جديد وإعادة نظام الديكتاتورية بدون ثورة جديدة ولكن باستخدام أساليب وطريق الإصلاح” (14).

كانت هذه الاطروحات في الوقت الذي كتبت فيه، قد أصبحت بدون أى أساس فقد كان تحليل القوى الثلاث في العشرينات محاولة واقعية لتحليل ماركسي لمسار التطورات في الاتحاد السوفيتي ولكنه أصبح غير صالح للتطورات اللاحقة.

كانت الطبقات الرأسمالية الجديدة وتأثيرها علي الجناح اليميني للحزب الحاكم أمراً واقعاً في فترة 1924 – 1927. كان أيضاّ الدور المتذبذب لفصيل ستالين الحاكم. في ذلك الوقت، كما وصفه تروتسكي، ولكن تغيراً جذرياّ قد حدث في 1928 – 1929.

بحلول 1928 دخلت سياسة النيب أزمتها الأخيرة.كان لرجال النيب والكولاك مصالح حيوية في الإبقاء عليها وفي توسيع نطاق التنازلات المعطاة لرأس المال الصغير في الريف والمدن. لم يكن لقيادات البيروقراطية وأتباعهم في الدرجات السفلي للسلم البيروقراطي نفس هذه المصالح كانت المصلحة الحيوية الوحيدة لهم هي مقاومة المقرطة في الحزب والدولة وكانوا قد تحالفوا مع قوي الرأسمالية الصغيرة (وجناح اليمين البوخاريني في الحزب) ضد المعارضة وضد خطر صحوة الطبقة العاملة.

ولكن عندما واجهت البيروقراطية، بعد تحطيم المعارضة، هجوم الكولاك من خلال إضراب القمح فى 1927 – 1928 اكتشفت أن القاعدة الأساسية لها هي ملكية الدولة، وهما عنصران لم يكن لهما أى علاقة عضوية بسياسات النيب. دافعت البيروقراطية عن مصالحها بعزم ضد حلفاء الأمس.

كان الكولاك عمليا يتحكمون في كل القمح المسوق، أى القمح الذى يفيض من استهلاك الفلاحين (تقريباً خمس الفلاحين ينتجون أربعة أخماس القمح المباع في السوق). وأدت محاولتهم لرفع الأسعار من خلال حجب محاصيلهم عن السوق إلى اضطرار البيروقراطية لاستخدام سلاح المصادرة، ومع بدء هذه السياسة، التي قوضت أسس النيب، اضطروا للأخذ ببرنامج التصنيع الذي كانت تطرحه المعارضة ولكن بشكل مبالغ فيه لأقصى درجة، كما تم تنفيذ سياسة التجميع الجبري في الريف، القضاء علي الكولاك كطبقة، باختصار انطلقت الخطة الخمسية الأولى.

فسر تروتسكي هذه التطورات كانعطاف يسارى (مؤقت) للبيروقراطية الستالينية كمحاولة لتكييف نفسها مع البروليتاريا. وكان هذا خطئا كبيراّ لتروتسكي فقد كانت هذه السنوات هي نفسها التي شهدت تفتيت البروليتاريا السوفيتية وتعريضها لأول مرة، لاستبدادية شمولية حقيقية فانخفضت الأجور الحقيقية بحدة، كما كان ارتفاع الأسعار أسرع بكثير من الارتفاع في الأجور النقدية وتوقفت أى إحصائيات ذات معنى عن الصدور بعد 1929 ولكن في إحدى التقديرات التي نشرت بعد الأحداث بفترة طويلة (1966) كان تقدير الأجر الحقيقي 88.6 في 1932 (100 = 1928) إن التقدير الصحيح للأجر الحقيقي، إذا كان في استطاعتنا معرفته، سيكون أقل بكثير من 88.6. كما علق “ألكسنوف” وهو مصدر هذه المعلومات (15).

بدأت الخطة الخمسية بفترة من التوجيه للاقتصاد علي أساس خطة شاملة،والنمو الصناعي السريع،والتجميع الجبري في ا لريف،وتدمير ما تبقى من حقوق سياسية ونقابية للطبقة العاملة والنمو السريع لعدم المساواة الاجتماعية والتوتر الاجتماعي الشديد والعمل بالسخرة علي نطاق واسع، بدأت أيضاً ديكتاتورية ستالين الفردية ونظام الإرهاب البوليسي التابع له وبعدها بقليل بدأت عملية القتل المنظم (بالرصاص أو بالموت البطيء في معسكرات العمل) لأغلبية الكوادر الأصلية في الحزب الشيوعي ولأغلبية الفصيل التابع لستالين في العشرينيات. ثم أيضاً قتل أعداد كبيرة من مواطنين أخريين في الاتحاد السوفيتي ومن الشيوعيين الأجانب. باختصار كانت هذه ذروة حكم ستالين.

كان تحليل تروتسكي الأولي لهذه الأحداث علي أنها تمثل انعطافه إلى اليسار، مؤشراً علي سقوطه في الاستبدالية بخصوص الاتحاد السوفيتي ولم يستطع أبداً تصحيح هذا الخطأ بشكل كامل. إن فكرة إن البيروقراطية ليست عنصراّ تاريخياّ مستقلاّ وأنها أداة أو جهاز تنفيذي لطبقات أخري كانت قد فندت تماماً عندما دمرت نفس هذه البيروقراطية طبقة الكولاك وفتت الطبقة العاملة.

في نفس الوقت كان من الممكن بصعوبة مناقشة الوقائع فى بداية الثلاثينات،فقد فرض النظام الشمولي الجديد تعتيم كلي علي المعلومات الصحيحة وتم استبدالها بجهاز دعاية رهيب ولكن تروتسكي كان من أقل الناس المخدوعة بهذا. ولكن رؤيته النظرية هي التي أدت به إلى طرح إمكانية الإصلاح في الاتحاد السوفيتي. خرج في تلك الفترة التشبيه الشهير والخادع للاتحاد السوفيتي بنقابة مبقرطة، وطالما استمرت استراتيجية الإصلاح، ظلت هذه التحليلات علي الأقل متسقة منطقياً.

الدولة العمالية والثرميدور والبونابرتية
في أكتوبر 1933، غير تروتسكي موقفه بشكل مفاجئ قائلاّ بأن النظام لا يمكن إصلاحه.ولا بد من الإطاحة به.إن طريق” الإصلاح” لم يعد ممكناّ. الثورة فقط هي التي بإمكانها تحطيم البيروقراطية:
“بعد تجربة السنوات القليلة الماضية يصبح من الطفولي تصور أن البيروقراطية الستالينية من الممكن إزاحتها من خلال مؤتمر للحزب أو السوفيتات.في الواقع كان آخر مؤتمر للحزب البلشفي في بدايات 1923، المؤتمر الثاني عشر للحزب.

لم تكن كل المؤتمرات التالية إلا مواكب للبيروقراطية، واليوم تم التخلي حتى عن هذه النوعية من المؤتمرات.لم يعد هناك طرق دستورية طبيعية لإزاحة الفئة الحاكمة،لن تجبر البيروقراطية علي التخلي عن السلطة لطليعة البروليتاريا إلا عن طريق القوة” (16).

لابد إذن من تحطيم النقابة المبقرطة، وليس إصلاحها،صحيح أن هذه المقالة تضمنت مقولة”أن التمزق في التوازن البيروقراطي في الاتحاد السوفيتي اليوم سيكون بالتأكيد في صالح القوى المضادة للثورة”،ولكن هذا الموقف الملتبس سرعان ما تغير إلى موقف ثوري.

نقد تروتسكي وراجع،بأمانته المعتادة،رؤيته الإصلاحية السابقة فكتب في 1935:
“إن مسألة “الترميدور” مرتبطة بتاريخ المعارضة اليسارية في الاتحاد السوفيتي .. وفي أى حال كانت المواقف حول هذه المسألة في 1926 كالآتي بالتقريب:
مجموعة “المركزية الديمقراطية” (ف0م0سميرنوف وسبر نوف وآخرين ممن طاردهم ستالين حتى الموت في المنفى)أعلنوا أن “الترميدور واقع قد أنجز “كان المنتسبون لمنبر المعارضة اليسارية يرفضون هذا الزعم بشكل مبدئي … من الذي أثبتت الأحداث صواب موقفه ؟ … الراحل ف. م. سمير نوف – أحد أفضل ممثلي المدرسة البلشفية القديمة – رأى أن التأخر الصناعي ونمو الكولاك ورجال النيب (البرجوازية الجديدة) والعلاقة الخاصة بينهم وبين البيروقراطية وأخيراّ انحطاط الحزب قد وصل إلى درجة تجعل العودة إلى الاشتراكية بدون ثورة جديدة أمراّ مستحيلا.إن البروليتاريا قد فقدت السلطة .. المكاسب الأساسية لثورة أكتوبر قد تم تصفيتها” (17).

كان استنتاج تروتسكي:
“إن”ثرميدور الثورة الروسية العظيمة ليس أمامنا ولكنه وراءنا بمسافة كبيرة.يستطيع الثرميدوريون الاحتفال بالعيد العاشر تقريبا لانتصارهم ( أي أنه حدث حوالي عام1925)” 18).

هل كان المركزيون الديمقراطيون إذن على حق في 1926؟. رد تروتسكي الآن بنعم أولا. كانوا محقين في مسألة الثرميدور ولكن مخطئين حول دلالته. إن النظام السياسي الحالي في الاتحاد السوفيتي للإمبراطورية منها للقنصلية في فرنسا ولكنه أكد: في الأسس الاجتماعية والتوجهات الاقتصادية يظل الاتحاد السوفيتي دولة عمالية.

كان هذا التحليل معقولاّ في إطار التشابهات الشكلية. فالثرميدوريون وبونابرت كما أشار تروتسكي كانوا يمثلون ردة علي أساس الثورة البرجوازية وليس عودة إلى النظام القديم.

كان جوهر أطروحة سبر نوف أن البروليتاريا كانت قد فقدت السلطة بالفعل وكان تروتسكي رافضّا لهذه الفكرة بشدة. في ذلك الوقت كان تروتسكي يعتبر أن الحزب مهما بلغت درجة بقرطته،ما زال يمثل الطبقة العاملة فلا تستطيع الطبقة العاملة،على عكس البرجوازية أن تمسك بالسلطة إلا من خلال منظماتها.

وقد أعلن 1924:
“أيها الرفاق لا يوجد بيننا من يريد أو يستطيع أن يكون محقا في مواجهة الحزب. فالحزب، في التحليل الأخير، يكون دائماّ علي حق لأنه الأداة الوحيدة التي تمتلكها الطبقة العاملة لإنجاز مهامها الأساسية … لا يستطيع أحد أن يكون محقاّ إلا مع الحزب ومن خلال الحزب لأن التاريخ لم يخلق أى وسيلة أخرى للتحقيق من صحة المواقف … هناك المثل الإنجليزي القائل، وطني محقاً كان أو مخطئاً، نستطيع أن نقول الآن، بمبررات أعظم كثيراً: حزبي، محقا كان أو مخطئا”في مسائل محددة وفي لحظات معينة” (19).

كان موقف تروتسكي قي أواخر 1933 هو أن الحزب – الحزب الروسي – كان قد أصبح أداة في البداية للثرميدور والآن للبونابرتية.

بما أن الحزب قد توقف عن كونه أداة للطبقة العاملة-لا بد من الإطاحة بالنظام بالقوة.وبما أن العمال الروس لم يكن لديهم أى أدوات أخرى(كانوا في الواقع مفتتين وتحت وطأة الإرهاب)فما الذي تبقى إذن من الدولة العمالية؟

لا شئ، كان هذا هو الاستنتاج الوحيد الممكن إذا كانت المصطلحات ستظل لها معانيها المسلم بها حتى ذلك الوقت.كان هناك ضرورة لثورة جديدة ولانتفاضة ثورية منتصرة لتستعيد الطبقة العاملة الحكم في الاتحاد السوفيتي.كانت الطبقة العاملة قد فقدت سلطتها ولم يكن هناك طريق سلمي دستوري لاسترجاع السلطة من جديد. لم يعد إذن للدولة العمالية وجود.كانت الثورة المضادة قد تمت.

رفض تروتسكي هذه الاستنتاجات وكان عليه لذلك أن يحدث تغيير جوهري في تعريفه للدولة العمالية:
“إن السيطرة الاجتماعية لطبقة (أى ديكتاتوريتها) من الممكن أن تجد أشكالا سياسية متنوعة جداّ.يثبت ذلك تاريخ البرجوازية كله منذ القرون الوسطى وحتى يومنا هذا.أصبحت الآن تجربة الاتحاد السوفيتي كافية لمد هذا القانون السوسيولوجي- بكل التغيرات الضرورية-لديكتاتورية البروليتاريا هي الأخرى … إن السيطرة الحالية لستالين لا تتشابه بأى شكل مع حكم السوفيتات في الفترة الأولى من الثورة … ولكن هذا الاغتصاب للسلطة أصبح ممكنا لأن المضمون الاجتماعي لديكتاتورية البيروقراطية تحدده تلك العلاقات الإنتاجية التي خلقتها الثورة البروليتارية.وبهذا المعنى يحق لنا القول بأن ديكتاتورية البروليتاريا وجدت التعبير المشوه ولكن الأكيد لها في ديكتاتورية البيروقراطية” (20).

ظل تروتسكي متمسكا بهذا الموقف في جوهره للخمس سنوات الأخيرة من عمره.وقد شرح تروتسكي هذا الموقف باستفاضة في كتابه “الثورة المغدورة” (1937) الغني بالتفاصيل والأمثلة الحية.

إن جوهرية وأهمية هذا التحول عن أفكاره السابقة لا يمكن المبالغة فيه.إن القول بإمكانية حدوث تشوه أو انحراف أو انحطاط بيروقراطي للدولة العمالية (كما طرح لينين) يختلف تماماّ عن القول بعدم وجود أى صلة ضرورية بين ديكتاتورية البروليتاريا وسلطة العمال.

أصبحت ديكتاتورية البروليتاريا تعني أساساّ ملكية الدولة للصناعة واقتصاد مخطط (مع أنه لم يكن هناك تخطيط يذكر في فترة النيب)، تظل الدولة”عمالية”حتى مع تجزؤ الطبقة العاملة وتعرضها لحكم ديكتاتوري مستبد.

لا بد من القول هنا أن تروتسكي كان يواجه ظاهرة غير مسبوقة.فقد كان هو وجميع المعارضين في العشرينات،يرى أن الخطر الرئيسي على النظام يأتي من القوة المتصاعدة للرأسمالية الصغيرة. هذا ما كانوا يعنونه بالثرميدور.لم تكن النتيجة الفعلية متوقعة.فقد توسعت ملكية الدولة بشكل سريع ولعبت البيروقراطية في الواقع دورا مستقلا.وهي حقيقة لم يعترف بها تروتسكي بشكل كامل أبدا.كان النظام الذي نشأ فريدا في ذلك الوقت.

لم يكن هناك إعادة إحياء للبرجوازية.وأيضا حدث في الاتحاد السوفيتي نمو اقتصادي سريع في وقت كان الغرب فيه يعاني من ركود صناعي عميق وهي مسألة ظل تروتسكي يؤكد عليها دفاعاّ عن زعمه بأن النظام لم يكن رأسمالياّ.

التشخيص
كتب تروتسكي في” البرنامج الانتقالي” لعام 1938:
“خرج الاتحاد السوفيتي من ثورة أكتوبر كدولة عمالية.وقد فتحت ملكية الدولة لوسائل الإنتاج،وهي شرط ضروري لتطور الاشتراكية، الإمكانية لنمو سريع لقوى الإنتاج،ولكن جهاز الدولة العمالية شهد انحطاطا كاملا في نفس الوقت.فقد تحول من سلاح في يد الطبقة العاملة إلى سلاح العنف البيروقراطي ضد الطبقة العاملة ولدرجة متنامية سلاح لتخريب اقتصاد البلد.إن بقرطة دولة عمالية معزولة ومتخلفة وتحول البيروقراطية إلى شريحة ذات امتيازات وسلطة مطلقة يشكل الدحض المقنع ليس فقط النظري بل أيضا العملي لنظرية الاشتراكية في بلد واحد.لذا يجسد الاتحاد السوفيتي في تناقضات هائلة.ولكنه ظل دولة عمالية منحطة. هذا هو التشخيص الاجتماعي أما التشخيص السياسي فله طابع مختلف:إما أن تصبح البيروقراطية لدرجة أكبر أداة البرجوازية العالمية داخل الدولة العمالية وتطيح بالأشكال الجديدة للملكية وتعيد البلد مرة أخرى للرأسمالية،أو تحطم الطبقة العاملة البيروقراطية وتفتح الطريق للاشتراكية” (21).

ولكن لماذا يجب أن الوضع كذلك! .. كان تروتسكي مقتنعا بأن البيروقراطية كانت غير مستقرة بالمرة ومتنوعة سياسيا.وزعم في 1938 أن اتجاهات عديدة كانت بداخلها من البلشفية الحقيقية إلى الفاشية التامة.كانت هذه الاتجاهات مرتبطة بقوى اجتماعية وتشمل:
“اتجاهات رأسمالية واعية … أساساّ القطاع الأغنى من المزارع الجماعية… والذي يوفر لنفسه قاعدة عريضة من الاتجاهات البرجوازية الصغيرة بتراكم الثروات الشخصية علي حساب الفقر العام،وتشجيعهم بشكل واعي للبيروقراطية”(22).

وبداخل البيروقراطية:
“تعبر اتجاهات فاشية مضادة ومتنامية بشكل مستمر عن مصالح الإمبريالية العالمية.هؤلاء المرشحون لدور الكومبرادور يعتبرون ولأسباب وجيهة أن الشريحة الحاكمة الجديدة لن تستطيع تأكيد مواقعهم المتميزة إلا من خلال نبذ التأميم والتجميع واحتكار التجارة الخارجية من أجل استيعاب”الحضارة الغربية” … أى الرأسمالية.فوق هذا النظام ذو التناقضات المتصاعدة تتمسك الأوليجاركية الثرميدورية والتي أصبحت اليوم ليس أكثر من مجموعة ستالين البونابرتية،تتمسك بالحكم من خلال أساليب إرهابية.إن تصفية البلاشفة القدامى والممثلين الثوريين للجيل المتوسط والشاب قد سبب اضطراب في التوازن السياسي في صالح الجناح اليميني البرجوازي من البيروقراطية وحلفائها في سائر أنحاء البلاد.من هؤلاء أي من اليمين،نتوقع محاولات أكثر تصميما لتغيير الطبيعة الاشتراكية للاتحاد السوفيتي ولتقريبها من نمط الحضارة الغربية في شكلها الفاشي” (23).

من المثير للاهتمام أن ينبه تروتسكي في ذلك الوقت للتشابه بين الفاشية الستالينية عندما كانت الجبهة الشعبية لا تزال في مجدها.وقد كتب في” الثورة المغدورة” أن “الستالينية والفاشية،بالرغم من الفارق العميق في الأساس الاجتماعي،هما ظواهر متماثلة” (24).

وأيضا كتب “كما في البلاد الفاشية، والتي لا يختلف عنها جهاز ستالين السياسي إلا في توحشه الأكثر
سفوراً” (25).

ما يشتركون فيه،هو تحطيم كل المنظمات العمالية المستقلة وتفتيت الطبقة العاملة هو مثير للدهشة،ولكن علي افتراض أن هناك فرق عميق في الأساس الاجتماعي،هل يعني هذا أن دولة عمالية فاشية قد وجدت؟..ولكن الأهم من ذلك هو مسألة الاتجاهات البيروقراطية الراغبة في إعادة الرأسمالية، وهو مادفع تروتسكي لكى يناقش فى كتاباته فى تلك الفترة مسألة حق التوريث:
“ليس للامتيازات إلا نصف قيمتها إذا لم يكن من الممكن نقلها للأبناء، ولكن حق التوريث لا يمكن فصله عن حق الملكية. ليس من الكافي أن تكون مديرا لشركة من الضروري أن تكون حاملا لأسهم” (26).

يوضح تروتسكي هكذا،الضغط الشديد علي البيروقراطية من أجل التخلي عن سيطرتها في الاتحاد السوفيتي لتصبح الشريك الأصغر “الكومبرادور” للقوى الإمبريالية المختلفة.

ظل الاتحاد السوفيتي، بالنسبة لتروتسكي، “مجتمع متناقض في منتصف الطريق بين الرأسمالية والاشتراكية .. في التحليل الأخير ستحسم المسألة (التقدم إلى الاشتراكية أو العودة إلى الرأسمالية) من خلال صراع القوى الاجتماعية الحية في الساحة المحلية والعالمية” (27).

كان هذا الصراع قد تطور بالفعل بطريقة أجهدت تروتسكي إلى أقصى حد في السنوات الأخيرة السابقة علي وفاته.

« السابق التالي »