بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ماركسية تروتسكي

« السابق التالي »

4- الفصل الثالث: الاستراتيجية والتكتيك

إن هدف إنشاء حركة عمالية أممية، قديم قدم البيان الشيوعي ذاته بشعاره “يا عمال العالم اتحدوا”، هذا إن لم يكن أقدم بالفعل. في 1864 (الأممية الأولى) كانت هناك محاولات لإعطاء هذا الهدف تعبيرا تنظيميا.وقد انهارت الأممية الثانية في 1914 عندما تخلت أحزابها الكبيرة في الدول المتحاربة عن الأممية،وأيدت حكومات القيصرين الألماني والنمساوي،والملك الإنجليزي،والجمهورية الثالثة البرجوازية الفرنسية.

ولم يكن الأمر أنهم أخذوا بالمفاجأة.فمؤتمرات ما قبل الحرب كررت التنبيه على مخاطر الإمبريالية والنزعة العسكرية،وتهديد الحرب المتزايد،وحاجة الأحزاب العمالية للوقوف،بحزم ضد حكوماتها،بل واستخدام الأزمة الناتجة عن الحرب لتسريع سقوط الحكم الطبقي،الرأسمالي،كما جاء في مؤتمرات شتوتجارت للأممية الثانية 1907.

الاستسلامات التالية في 1914، وهي هزيمة شديدة للحركة الاشتراكية، دعت لينين لإعلان: لقد ماتت الأممية الثانية … تحيا الأممية الثالثة.بعد ذلك بخمس سنوات في 1919، تم تأسيس الأممية الثالثة بالفعل،وقد لعب تروتسكي دورا كبيرا في الأعوام الأولى للأممية.
في وقت لاحق،مع صعود الستالينية في الاتحاد السوفيتي،تم الاتجار بالأممية في خدمة الدولة الستالينية في روسيا.وقد حارب تروتسكي أكثر من أى شخص،ضد هذا الانحطاط،ان الكثير من أقيم كتاباته حول استراتيجية وتكتيكات الأحزاب العمالية الثورية تتعلق بالأممية الثالثة , الكومنترن, سواء في فترة صعوده أو في فترة هبوطه التالية.

” طارحين جانبا تراخ وأكاذيب وفساد الأحزاب الاشتراكية الرسمية التي تخطت عمرها الافتراضي , نحن الشيوعيون, المتحدون في الأممية الثالثة, تعتبر أنفسنا الاستمرار المباشر للمحاولات الهادئة والاستشهاد البطولي لخط طويل من الأجيال الثورية من بابوف إلى كارل ليبكنخنت وروزا لكسمبورج.

إذا كانت الأممية الأولى قد مهدت للنهج المستقبلي للتطور ودلت علي سبله،وإذا كانت الأممية الثانية قد جمعت ونظمت ملايين العمال،فأن الأممية الثالثة أذن هي أممية العمل الجماهيري المفتوح،أممية التحقيق الثوري،أممية الفعل”.(1)
كان تروتسكي في الأربعين من عمره وفي قمة قوته عندما كتب بيان الأممية الشيوعية،الذي أخذت منه السطور السابقة،بصفته قوميسار الشعب للحرب في الجمهورية السوفيتية المحاربة،كان الثاني وراء لينين في كونه المتحدث المعترف به باسم الشيوعية العالمية.

لم تكن رؤيته في ذلك الوقت،بالطبع،متميزة بشكل خاص.لقد كانت الرؤية المشتركة للقيادة البلشفية بأجمعها،وهي رؤية لم تحل دون وجود خلافات شديدة في الرأي حول هذا الموضوع أو ذاك إلا أنها كانت متجانسة في الأساس،ومع ذلك فان تروتسكي سيعتبر مع الوقت الداعية البارز لأفكار الأممية الشيوعية في فترتها البطولية. فالأحداث – التي لم يتوقعها أى من الزعماء الثوريين في 1919 أو أعدائهم – خفضت في وقت لاحق حاملي هذا التراث الأصيل إلى بضعة أفراد، وفاقهم تروتسكي جميعا كعملاق وسط الأقزام.

ومرة أخرى في كتاباته في أواخر العشرينات وخلال الثلاثينات،كان تروتسكي يشير إلى قرارت المؤتمرات الأربعة الأولى للكومنترن كنموذج للسياسة الثورية.ما هي هذه القرارات وفي أية ظروف تم اتخاذها؟

كان اليوم 4 مارس 1919، صوت 35 مندوباً اجتمعوا فى الكرملين، بامتناع واحد عن التصويت لصالح إنشاء الأممية الثالثة أو الشيوعية. لم يكن الاجتماع ذا وزن أو تمثيل كبير فقد كان المندوبون خمسة من الحزب الشيوعى الروسى فقط (بوخارين، شيشرين، لينين، تروتسكي، وزينوفييف) يمثلون حزباً جماهيرياً وثورياً أصيلاً فى نفس الوقت. جاء (ستانج) من حزب العمال النرويجي (NAP) من حزب جماهيري، إلا أن حزب العمال النرويجى، كما اثبتت الأحداث بعد ذلك كان بعيداً عن الثورية فى الممارسة. أما “إبرلاين” من الحزب الشيوعى الألمانى (TDP) حديث التكوين فقد مثل منظمة ثورية حقيقية ولكنها كانت لا تضم سوى بضعة آلاف قليلة. وأغلب المندوبين الباقين مثلوا ما هو قليل جداً.

لقد سلمت الأغلبية بأن “أممية” دون تأييد جماهيري حقيقيي فى عدد من البلاد هى هراء. وطرح زينوفييف “أن التأييد الجماهيرى كان قائماً بالفعل وأن ضعف كثير من الوفود أمراً عرضياً. ولدينا ثورة بروليتارية منتصرة فى بلد كبير. ولديكم فى ألمانيا حزب متجه إلى السلطة سيكون فى بضعة شهور قليلة حكومة بروليتارية. وهل علينا أن نؤجل مع ذلك ؟ إن أحداً لم يفهم ذلك” (2).

لم يكن أى من المندوبين يشك فى أن الثورة الاشتراكية كانت إمكانية فورية فى أوروبا الوسطى وخاصة ألمانيا. وبكلمات إبرلاين:
“إذا لم تكن كل المؤشرات خادعة فإن البروليتاريا تواجه الصراع الحاسم الأخير. مهما كانت الصعوبات، فإن الظروف مواتية للشيوعية” (3).

كان لينين، أكثر الثوريين رزانة وحساباً، قد قال فى خطبته الافتتاحية إن:
“ليس فقط فى روسيا ولكن فى أكثر البلدان تقدماً فى أوروبا، ألمانيا على سبيل المثال الحرب الأهلية هى أمر واقع … الثورة العالمية تبدأ وتزداد قوة فى كل مكان” (4).

لم يكن هذا خيالاً ففى نوفمبر 1918، إنهارت الإمبراطورية الألمانية التى كانت أقوى دولة فى أوروبا حتى ذلك الوقت. حل ستة من قوميسارى الشعب – ثلاثة اشتراكيون ديمقراطيون وثلاثة اشتراكيون ديمقراطيون مستقلون – محل حكومة القيصر، وغطت مجالس العمال والجنود البلد، وكانت السلطة الفعلية فى يدها. صحيح أن زعماء الشيوعيين الديمقراطيين، الذين سيطروا على هذه المجالس، وجهوا كل جهودهم نحو إعادة إنشاء سلطة الدولة الرأسمالية الجديدة تحت قناع “جمهوري جديد”. وقد كان هذا سبباً إضافياً لخلق أممية ثورية ذات قيادة مركزية قوية لإرشاد وتأييد الصراع من أجل ألمانيا سوفييتية. وقد بدا أن هذا الصراع، على الرغم من القمع الدموي لانتفاضة سبارتكوس فى يناير 1919، كان يتنامى. ومن يناير إلى مايو 1919، مع إفرازات وصلت إلى أوج الصيف، شنت حرب أهلية دموية فى ألمانيا (5). وبعد شهر واحد من اجتماع موسكو أعلنت الجمهورية السوفييتية البافارية.

أما القوى العظمى الأخرى فى أوروبا الوسطى، الإمبراطورية النمساوية المجرية، فكانت قد توقفت عن الوجود وكانت الدول التى خلفتها، على درجات متفاوتة من الاختمار الثورى. فى الجزء الناطق بالألمانية من النمسا كانت القوه المسلحة الفعالة الوحيدة هى جيش الشعب، الذى تسيطر عليه الاشتراكية الديمقراطية. وفى المجر، أعلنت الجمهورية السوفيتية فى 21 مارس 1919. وكانت جميع الدول الجديدة أو المعاد إنشاؤها – تشيكوسلوفاكيا، يوجوسلافيا، بل وبولندا – تموج بعدم الاستقرار.

كان دور الزعامات الاشتراكية فاصلاً. لقد أيدت الأغلبية الآن الثورة المضادة باسم الديمقراطية. زعم أغلبهم أنهم – وقد كانوا كذلك بالفعل فى وقت ما – ماركسيون وأمميون. لقد كانوا الآن فى هذا الوقت الحرج، الدعامة السياسية للرأسمالية، مستخدمين الجمل الاشتراكية والمصداقية التى نالوها من سنوات معارضتهم للأنظمة القديمة قبل 1914 لمنع إنشاء السلطة العمالية، وقد اعتبرت محاولاتهم إعادة إنشاء الأممية الثانية فى اجتماع فى برن سبباً ملحاً إضافياً لإعلان الأممية الثالثة. كان لينين قد كتب فى 1914 وليس بعد ذلك:
“لقد ماتت الأممية الثانية، قضت عليها الانتهازية .. تحيا الأممية الثالثة” (6). والآن، بعد ثمانية عشر شهراً من ثورة أكتوبر كان للشعار أن يتحول إلى حقيقة.

ماذا إذن كان الأساس الجوهرى للأممية الثالثة ؟، لقد ارتكزت على مبدأين أساسيين: الأممية الثورية والنظام السوفيتى باعتباره الوسيلة الوحيدة التى سيحكم العمال بها. أعلن القرار الأساس لمؤتمر 1919:
“لقد اتخذت الديمقراطية أشكالاً مختلفة وطبقت بدرجات مختلفة فى جمهوريات اليونان القديمة، ومدن العصور الوسطى، والبلاد الرأسمالية المتقدمة. سيكون من الهراء المحض الاعتقاد بأن أكثر الثورات عمقاً فى التاريخ، الحالة الأولى فى العالم لانتقال السلطة من الأقلية المستِغلة إلى الأغلبية المستَغلة، يمكن أن تحدث داخل إطار الديمقراطية البرلمانية البرجوازية القديم الذى أهلكه الزمن، بدون تغييرات شديدة وبدون خلق أشكال جديدة للديمقراطية، مؤسسات جديدة تجسد الظروف الجديدة لتطبيق
الديمقراطية” (7).

سوفييتات أم برلمان ؟. عقب ثورة أكتوبر، حل الحزب الشيوعى الروسى الجمعية التأسيسية المنتخبة حديثاً، التى كان لحزب الاشتراكيين الثوريين الأغلبية فيها، لصالح السلطة السوفيتية. ولكن عقب ثورة نوفمبر، حل الحزب الاشتراكى الألمانى مجالس العمال والجنود التى كان لديها أغلبية فيها، لصالح الجمعية الوطنية التى لم تكن له أغلبية فيها.

فى الحالتين، كانت مسألة الأشكال الدستورية فى الحقيقة مسألة سلطة طبقية. كانت نتيجة تصرف الحزب الشيوعى الروسى هى خلق دولة عمالية. وكانت نتيجة تصرف الحزب الاشتراكى الألمانى هى خلق دولة برجوازية، جمهورية “فيمار”.

كان ماركس قد كتب، عقب كومونة باريس، أنه “خلال الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، شكل الدولة لا يمكن إلا أن يكون الديكتاتورية الثورية للبروليتاريا”.

لقد توصل الاشتراكيون الديمقراطيون، فى الممارسة، إلى رفض جوهر النظرية الماركسية حول الدولة، وهو أن جميع الدول هى دول طبقية، وأن ليست هناك دولة “محايدة”. لقد توصلوا إلى رفض موقفهم السابق حول حتمية الثورة لصالح الطرق البرلمانية “السلمية” للاشتراكية. ومع ذلك فإن جمهورية فيمار كانت نتاج الإسقاط العنيف للدولة السابقة، مثلها فى ذلك مثل الجمهورية السوفيتية الروسية تماماً. فالجنود المتمردون والعمال المسلحون، وليس الناخبون هم اللذين أسقطوا الإمبراطورية الألمانية.

ويصح هذا بالنسبة للدول التى خلفت الإمبراطورية النمساوية المجرية. إلا أن التحول الأكبر، القضاء على الراسمالية، كان ينبغى تحقيقه بواسطة الآليات العادية للديمقراطية البرجوازية!.

فى الواقع، كان ذلك يعنى التخلى عن الاشتراكية كهدف. أعادت الأممية الثالثة ذكر الموقف الماركسى بحدة فى “برنامج 1919”: “يتمثل انتصار الطبقة العاملة فى تحطيم السلطة المنظمة للعدو وتنظيم السلطة العمالية، إنه يشتمل على تدمير آلة الدولة البرجوازية وإنشاء الدولة العمالية” (8).

إن مسألة الاشتراكية من خلال البرلمان غير واردة. كان لينين، فى 1917 قد اقتبس باستحسان ما ذكره إنجلس عن أن “الاقتراع العام هو مؤشر على نضج الطبقة العاملة لا يمكن له أن يكون ولن يكون أبداً أى شئ أكثر من ذلك فى دولة حديثة” (9)، “لم تكن أية جمهورية برجوازية فى أى وقت، مهما كانت ديمقراطية، ولا كان ممكناً لها أن تكون أى شئ غير آلة لقمع الجماهير العاملة بواسطة رأس المال، وأداة الديكتاتورية البرجوازية، الحكم الأساسى لرأس المال” (10).

هكذا كتب لينين عقب مؤتمر موسكو مباشرة. الجمهورية العمالية، القائمة على أساس المجالس العمالية، كانت ديمقراطية حقاً.
“جوهر السلطة السوفيتية يتمثل فى هذا، أن الأساس الدائم والوحيد لسلطة الدولة بأسرها، لجهاز الدولة كله، هو التنظيم الجماهيرى لتلك الطبقات التى طغى عليها الرأسماليون، أى العمال وأنصاف العمال (الفلاحون الذين لا يستغلون العمل)” (11).

لقد كانت روسيا بعيدة عن هذا المثال، حتى فى 1919، إلا أن الانحرافات تم تفسيرها بتخلف البلد، والحرب الأهلية التى كانت لا تزال محتدمة والتدخل الأجنبى.

أيد تروتسكي آنذاك، وحتى يوم وفاته جميع هذه الأفكار دون أدنى تحفظ. لقد كان متفقاً مع لينين حول مسألة الديمقراطية البرجوازية والإصلاحية فى 1919، ولم يغير رأيه أبداً.

أنشأ المندوبون المجتمعون فى موسكو الأممية الجديدة على أساس التمسك الشديد بالأممية، والانفصال الحاسم والنهائي عن خونة 1914، والسلطة العمالية، والمجالس العمالية، والدفاع عن الجمهورية السوفيتية، وأفق الثورة فى المستقبل القريب فى أوروبا الوسطى والغربية. كانت المشكلة الآن هى خلق الأحزاب الجماهيرية التى تستطيع جعل كل هذا حقيقة.

الوسطية واليسارية المتطرفة
“إن أحزاباً وجماعات التحقت حديثاً بالأممية الثانية تتقدم لعضوية الأممية الثالثة بشكل متزايد، رغم أنها لم تصبح شيوعية حقاً .. إن الأممية الشيوعية إلى حد ما، قد أصبحت موضة .. فى بعض الظروف، قد تواجه الأممية الشيوعية خطر ضعف نقائها من خلال تدفق مجموعات متذبذبة ومترددة لم تمارس قطعاً بعد، مع أيديولوجية الأممية الثانية” (12).

هكذا كتب لينين فى يوليو 1920، إن افتراض مؤتمر 1919 للكومنترن أن حركة ثورية جماهيرية حقيقية كانت موجودة فى أوروبا قد تبينت صحته فى السنة التالية.

في سبتمبر 1919 صوت مؤتمر بولونيا للحزب الاشتراكى الإيطالي بأغلبية كبيرة بناء على توصية لجنته التنفيذية، لصالح الالتحاق بالأممية الشيوعية. وأكد حزب العمال النرويجي التحاقه، كما انضمت إليها أيضا الأحزاب البلغاري واليوغوسلافي ( الصربي سابقا) والروماني. كانت الأحزاب الثلاثة الأولى منظمات هامة فحزب العمال النرويجي – الذي كان قائما على أساس الالتحاق النقابي, مثل نظيره البريطاني – كان يسيطر على اليسار النرويجي , كما كان الحزب الشيوعي البلغاري يتمتع بتأييد الطبقة العاملة البلغارية بأسرها فعليا, منذ البداية. أما الحزب الشيوعى اليوجوسلافي، فقد نال 54 مقعداً فى الانتخابات الحرة الأولى (والوحيدة) التى جرت فى الدولة الجديدة. فى فرنسا، كان الحزب الاشتراكى، الذى زادت عضويته بأكثر من الضعف، من 90 ألف إلى 200 ألف بين 1918 و 1920، كان قد سار بعيداً نحو اليسار، وكان يغازل موسكو. وهكذا كان الأمر بالنسبة للاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين الألمان، وهى منظمة كانت تكسب مزيداً من الأرض بسرعة على حساب الحزب الاشتراكى الديمقراطي. كما سار على نفس الخط بالأساس الاشتراكيون الديمقراطيون اليساريون السويديون، والجناح اليساري التشيكوسلوفاكي. وأحزاب أصغر فى بلاد أخرى (منها حزب العمال المستقل البريطانى). لقد كان ضغط قواعدهم يجبرهم على إعلان الولاء اللفظي لثورة أكتوبر والتفاوض على القبول فى الأممية الشيوعية. “إن رغبة جماعات (وسطية) بارزة فى الانضمام للأممية الثالثة”. هكذا كتب لينين، “توفر تأكيدا غير مباشر علي أنها ( الأممية الثالثة ) قد اكتسبت تعاطف الغالبية العظمى من العمال ذوي العي الطبقي في جميع أنحاء العالم،وأنها تصبح قوة أكبر مع كل يوم”.(13)

إلا أن هذه الأحزاب لم تكن منظمات شيوعية ثورية.كان تراثهم هو تراث اشتراكية ديمقراطية ما قبل الحرب.الثورية بالكلمات،والسلبية في الممارسة.وكان يقودها رجال مستعدون للقيام بأى التواء أو دوران من أجل استمرار سيطرتهم ومنع إقرار استراتيجية وتكتيك ثوري أصيل.

بدون كتلة الأعضاء الخاصة بتلك الأحزاب، لم يكن للأممية الجديدة أن تأمل فى ممارسة تأثير حاسم فى أوروبا فى المدى القصير. وبدون قطع مع القادة الوسطيين لم يكن لها أن تأمل فى ممارسة تأثير ثورى. ولم يكن الوضع مختلفاً كثيراً بالنسبة للأحزاب الجماهيرية التى كانت داخل الأممية بالفعل. فالحزب الاشتراكى الإيطالى، على سبيل المثال، كان فى داخل قيادته وسطيون بل وبعض الإصلاحيين على طول الخط.

لقد تعقد الصراع ضد الوسطية بفعل عامل أخر. لقد تواجدت قيادات يسارية متطرفة قوية داخل كثير من المنظمات الشيوعية وخارج هذه المنظمات كانت هناك بعض المنظمات النقابية “السنديكالية” التى كانت قد اقتربت من الأممية الثالثة، إلا أنها كانت لا تزال ترفض الحاجة إلى الحزب الشيوعى. لقد كان كسب ودمج هذه القوى الكبيرة عملية صعبة ومعقدة. لقد اقتضت صراعاً على جبهات مختلفة عديدة.

كانت قرارات المؤتمر الثانى ذات أهمية جوهرية. بمعنى ما: كان هذا هو المؤتمر التأسيسى الحقيقى. وقد جرى أثناء أوج الحرب مع بولندا، عندما كان الجيش الأحمر يقترب من وارسو. وفى ألمانيا، كان عمل الطبقة العاملة الجماهيرى قد احبط فى التو محاولة لإقامة ديكتاتورية عسكرية. وفى إيطاليا، كان احتلال المصانع على وشك الابتداء. كان مزاج التفاؤل الثورى أقوى من أى وقت سابق. أعلن زينوفييف، رئيس الأممية: “إننى مقتنع بعمق بأن المؤتمر العالمى الثانى للأممية الشيوعية هو تمهيد لمؤتمر عالمى أخر، المؤتمر العالمى للجمهوريات السوفيتية” (14).

لم تكن هناك حاجة إلا لأحزاب شيوعية جماهيرية حقيقية، تقود الحركة إلى النصر. كان أهم تدخلات تروتسكي فى المؤتمر متعلقاً بطبيعة مثل هذه الأحزاب.

“آيها الرفاق قد يبدو من الغريب حقاً أنه بعد ثلاثة أرباع قرن من ظهور البيان الشيوعى، فإن النقاش يثور فى مؤتمر شيوعى أممى، حول ما إذا كان الحزب ضرورياً أم لا .. من البديهى أننا إذا كنا نتعامل مع السادة شيدمان أو كاوتسكى أو شركائهم فى الفكر الانجليزى، فإنه لن يكون ضرورياً بالطبع، أن نقنع هؤلاء السادة بأن الحزب لا غنى عنه للطبقة العاملة. لقد خلقوا حزباً للطبقة العاملة ووضعوه تحت خدمة البرجوازية والمجتمع الرأسمالى .. فقط لأننى أعرف أن الحزب لا غنى عنه ولأننى واعى جيداً بقيمة الحزب، وفقط لأننى أرى شيدمان على ناحية، وعلى الناحية الأخرى، أرى نقابيين أمريكان أو أسبان أو فرنسيين لا يرغبون فقط فى القتال ضد البرجوازية، وإنما على العكس من شيدمان، يريدون حقاً أن يقطعوا رأسها – لهذا السبب أقول أننى أفضل، أن أتناقش مع هؤلاء الرفاق الأسبان والأمريكان والفرنسيين لكى أثبت لهم أن الحزب لا غنى عنه لتحقيق المهمة المطروحة عليهم – تدمير البرجوازية..

آيها الرفاق، يقوم السينديكاليون الفرنسيون بعمل ثورى داخل النقابات، عندما أتناقش اليوم، مثلاً، مع الرفيق روزمر، فإننا نقف على أرضية واحدة. لقد قال السينديكاليون الفرنسيون، متمردين على تقاليد الديمقراطية وخداعها: إننا لا نريد أية أحزاب، إننا نناضل من أجل النقابات البروليتارية ومن أجل الأقلية الثورية داخلها التى تطبق العمل المباشر .. ماذا تعنى هذه الأقلية بالنسبة لأصدقائنا ؟، إنها القسم المختار من الطبقة العاملة الفرنسية، قسم له برنامج واضح ومنظمة خاصة به، منظمة يناقشون فيها كل الأسئلة ولا يناقشون فقط وإنما يقررون أيضاً، وهى منظمة يلتزمون فيها بنظام معين” (15).

طرح تروتسكي أن تلك كانت جذور المسألة. كان النقابيون الثوريون أقرب كثيراً إلى تكوين حزب شيوعى من الوسطيين الذين أخذوا فكرة الحزب كأمر مفروغ منه. لم يكن الموقف السينديكالى سليماً تماماً، كان من اللازم إضافة شئ “مستودع .. يركز التجربة الكاملة المتراكمة لدى الطبقة العاملة. هكذا نفهم حزبنا. هكذا نفهم منظمتنا الأممية” (16).

لم يكن من الممكن أن تكون منظمة دعائية بالأساس. أثناء حديثه أمام اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية فى مواجهة اليسارى المتطرف الهولندى جورتر الذى كان قد اتهم الأممية الثالثة بـ “ملاحقة الجماهير” أعلن تروتسكي:
“ماذا يقترح الرفيق جورتر ؟ ماذا يريد ؟ الدعاية ! هذه خلاصة منهجه كله. يقول الرفيق جورتر أن الثورة ليست متوقفة لا على الحرمان ولا على الظروف الاقتصادية وإنما على الوعى الجماهيرى، فإن الوعى الجماهيرى بدوره تشكله الدعاية. الدعاية هنا ينظر إليها بطريقة مثالية تماماً، قريبة جداً من مفهوم مدرسة التنوير والعقلانية فى القرن الثامن عشر .. إن ما تريد عمله الآن هو بمثابة استبدال للتطور الديناميكى للأممية بوسائل التجنيد الفردى للعمال من خلال الدعاية. إنك تريد نوعاً من الأممية النقية المكونة من المختارين” (17).

النوع السلبى، الدعائى، من اليسارية المتطرفة، لم يكن هو الشكل الوحيد الممثل فى الكومنترن فى بداياته. فى 1921 نمت نزعه انقلابية فى قيادة الحزب الألمانى. فى مارس من هذا العام، وفى غياب حالة ثورية على المستوى الوطنى (محلياً، فى أجزاء من ألمانيا الوسطى، كان يوجد ما يشبه حالة ثورية) حاولت قيادة الحزب أن تدفع معدل السرعة، أن تستبدل حركة جماهيرية حقيقية بمناضلى الحزب .. كانت نتيجة “عمل مارس” هذا هزيمة خطيرة. انخفضت عضوية الحزب من حوالى 350 ألف إلى حوالى 150 ألف وقد استخدمت “نظرية الهجوم” لتبرير تكتيك الحزب الشيوعى الألمانى.

“تم تقديم ما يسمى بنظرية الهجوم، ما هى خلاصة هذه النظرية ؟. خلاصتها هى أننا دخلنا عصر تفسخ المجتمع الرأسمالى، أى بكلمات أخرى، العصر الذى يجب فيه إسقاط البرجوازية. كيف ؟. عن طريق هجوم الطبقة العاملة، على هذا الشكل المجرد تماماً، فإن النظرية سليمة بلا شك. إلا أن بعض الأفراد سعوا إلى تحويل هذا الرأسمال النظرى إلى عملة مقابلة تتكون من مقامات أصغر، وأعلنوا أن هذا الهجوم يتكون من عدد متوالى من الهجمات الأصغر”.

هكذا لاحظ تروتسكي فى خطاب فى صيف 1921، وقد أضاف:
“ايها الرفاق، إن تشبيه الصراع السياسى للطبقة العاملة بالعمليات العسكرية، قد أسئ استخدامه كثيراً. ولكن إلى حد معين يمكن للمرء أن يتحدث هنا عن تشابه من النواحى العسكرية، نحن أيضاً كان لدينا (أيام مارس). إذا تحدثنا الألمانية، و(أيام سبتمبر) إذا تحدثنا الإيطالية (الإشارة إلى فشل الحزب الاشتراكى الإيطالى فى استغلال الأزمة الثورية فى سبتمبر 1920). ماذا يحدث بعد هزيمة جزئية ؟. يقع بعد الاختلال فى الجهاز العسكرى، وينشأ بعض الاحتياج إلى فكرة التقاط الأنفاس، احتياج لإعادة التوجيه، وتقدير أكثر دقة للقوى المتقابلة: أحياناً لا يكون كل هذا ممكناً إلا فى ظروف تراجع استراتيجى، ولكن لكى نفهم هذا جيداًُ، لكى نرى فى الحركة إلى الوراء، فى التراجع جزءاً من خطة استراتيجية موحدة، فمن الضرورى توفر خبرة معينة .. ولكن إذا فكر المرء بشكل مجرد تماماً وأصر على الحركة للأمام دائماً .. على أساس أن كل شئ يمكن تجاوزه عن طريق نفحه إرادية إضافية، فآية نتائج إذاً يحصل عليها المرء ؟. دعونا نأخذ على سبيل المثال أحداث سبتمبر فى إيطاليا، أحداث مارس فى ألمانيا. يقال لنا أن الحالة فى هذين البلدين لا يمكن علاجها إلا بهجوم جديد .. فى ظل هذه الظروف، فإن هذا قد يجعلنا نلقى هزيمة أكبر وأخطر كثيراً. لا يا رفاق، بعد هزيمة كهذه يجب أن نتراجع” (18).

الجبهة الموحدة
والواقع أنه بحلول صيف 1921 كانت قيادة الكومنترن قد قررت أن تراجعاً استراتيجياً بمعنى أكثر عمومية كان ضرورياً. كتب تروتسكي فى البرافدا فى يونيو:
“فى السنة الأكثر حرجاً للبرجوازية سنة 1919 كانت بروليتاريا أوروبا قادرة بلا شك على الاستيلاء على السلطة بالحد الأدنى من التضحيات، لو كان هناك على رأسها حزب ثورى أصيل، يطرح أهدافاً واضحة ويكون قادراً على السير نحو تحقيقها، أى حزب شيوعى قوى. ولكن لم يكن هناك أى حزب على هذا النحو .. أثناء السنوات الثلاث الأخيرة قاتل العمال كثيراً وعانوا كثيراً من تضحيات كبيرة ولكنهم لم يكسبوا السلطة. نتيجة لذلك، أصبحت الجماهير العمالية أكثر حذراً منها فى 1919 – 1920” (19).

تم التعبير عن نفس الفكر فى “أطروحات حول الوضع العالمى” التى كتبها تروتسكي وتم إقرارها فى المؤتمر الثالث للكومنترن فى يوليو 1921:
“أثناء السنة التى مرت بين المؤتمرين الثانى والثالث للأممية الشيوعية، انتهت سلسلة من الانتفاضات والصراعات العمالية بهزائم جزئية (تقدم الجيش الأحمر إلى وارسو فى أغسطس 1920، إنتفاضة العمال الألمان فى مارس 1921). ويبدو أن الفترة الأولى لحركة ما بعد الحرب الثورية، المتميزة بالطابع التلقائى لهجماتها وعدم الدقة الواضح لأهدافها ووسائلها والذعر الشديد الذى أنشأته بين الطبقات الحاكمة، قد انتهت جوهرياً. ولا شك أن الثقة بالنفس لدى البرجوازية كطبقة، والاستقرار الخارجى لأجهزة دولتها، قد زادا قوة .. بل أن قادة البرجوازية يتباهون بقوة أجهزة دولهم وانتقلوا إلى الهجوم ضد العمال فى كل البلاد سواء على الجبهة الاقتصادية أو السياسية” (20).

بعد انتهاء المؤتمر بقليل، بدأت اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية تضغط على الأحزاب لتحويل التركيز فى عملها على الجبهة المتحدة. وقد لخص تروتسكي بوضوح شديد جوهر هذا السبيل فى أوائل 1922:
“إن مهمة الحزب الشيوعى هى قيادة الثورة البروليتارية .. لتحقيقها ينبغى للحزب الشيوعى أن تكون قاعدته الغالبية الساحقة للطبقة العاملة، لا يستطيع الحزب تحقيق هذا إلا بالبقاء كمنظمة مستقلة تماماً لها برنامج واضح ونظام داخلى صارم. ولهذا لم يكن هناك مفر من قيام الحزب بقطع أيديولوجي مع الإصلاحيين والوسطيين. وبعد أن يضمن لنفسه الاستقلال الكامل والتجانس الأيديولوجي لقواعده فإن الحزب الشيوعي يناضل من أجل التأثير على غالبية الطبقة العاملة ولكن من البديهي تماما أن الحياة الطبقية للبروليتاريا لا تعلق أثناء فترة الإعداد للثورة هذه . فالصدامات مع الصناعيين، مع البرجوازية، بمبادرة من هذا الطرف أو ذاك تأخذ مجراها الطبيعى.

فى هذه الصدامات – بمقدار ما تشمل من المصالح الحيوية للطبقة العاملة كلها، او أغلبيتها، أو هذا القسم أو ذاك – تشعر الجماهير العاملة بالحاجة للوحدة فى العمل، أو الوحدة فى مقاومة هجوم الرأسمالية، أو الوحدة فى اتخاذ المبادرة ضدها. إن أى حزب يضع نفسه بشكل ميكانيكى فى الوجه المقابل لهذه الحاجة لدى الطبقة العاملة للوحدة فى العمل، سيدان حتماً فى عقول العمال. ومن ثم، فإن مسألة الجبهة المتحدة ليست على الإطلاق، سواء من حيث الأصل أو من حيث المضمون، مسألة خاصة بالعلاقات المتبادلة بين الفصيل البرلمانى الشيوعى والاشتراكى أو بين اللجان المركزية لكلا الحزبين .. وعلى الرغم من أن الانفصال حتمى فى هذه الحقبة بين التنظيمات السياسية المتنوعة التى تبنى نفسها على أساس الطبقة العاملة فإن مسألة الجبهة المتحدة تنشأ من الحاجة الملحة لتأمين إمكانية جبهة متحدة للطبقة العاملة فى الصراع ضد الرأسمالية.

والحزب لمن لا يفهم هذه المهمة، هو مجرد جمعية دعائية وليس تنظيم للعمل الجماهيرى ..
إن وحدة الجبهة تفترض استعدادنا، فى حدود معينة وحول قضايا محددة لربط ممارساتنا عملياً بممارسة تلك التنظيمات الإصلاحية. للدرجة التى تظل فيها هذه التنظيمات تعبر اليوم عن إرادة قطاع هام من البروليتاريا المحاربة.

ولكن ألم ننفصل نحن عنهم ؟. نعم لأننا نختلف معهم حول مسائل جوهرية للحركة العمالية، ومع ذلك نحن نسعى لاتفاق معهم !، نعم فى كل الحالات التى تكون فيها الجماهير التى تتبعهم مستعدون للاشتراك فى كفاح مشترك مع جماهيرنا وعندما يضطر الاصلاحيون لدرجة تقل أو تكثر أن يصبحوا أداة لهذا الكفاح ..

إن سياسة تستهدف تأمين جبهة متحدة لا تتضمن بالطبع ضمانات أوتوماتيكية على أن تلك الوحدة ستتحقق فى كل الظروف على العكس، ففى حالات كثيرة بل من المحتمل فى غالبية الحالات ستكون الاتفاقات التنظيمية نصف محققه أو غير محققة على الإطلاق. ولكن من الضرورى أن تعطى الجماهير المكافحة دائماً الفرصة لإقناع أنفسهم بأن عدم تحقيق الوحدة فى الممارسة لم يكن نتيجة لتضاد شكلى لا يمكن حله، ولكن كان نتيجة غياب إرادة حقيقية للنضال لدى الإصلاحيين” (21).

كان المؤتمر الرابع للكومنترن 1922 والذى اهتم أساساً بمسألة الجبهة المتحدة، هو الأخير الذى حضره لينين والأخير الذى اعتبر تروتسكي قراراته صحيحه فى جوهرها. وبعد ذلك بعشرة أعوام وفى بيان المبادئ الأساسية طرح تروتسكي موقفه من قرارات المؤتمر الأولى للكومنترن:
“تقف المعارضة اليسارية الأممية على أرضية المؤتمرات الأربعة الأولى للكومنترن. وهذا لا يعنى أنها تنحنى أمام كل حرف من قراراتها، فكثير من هذه القرارات كان لها طابع لحظى وقد نقضتها الأحداث التالية. ولكن كل المبادئ الأساسية (بخصوص الإمبريالية والدولة البرجوازية والديمقراطية والإصلاحية ومسائل الانتفاضة وديكتاتورية البروليتاريا والعلاقة مع الفلاحين والقوميات المضطهدة والعمل فى النقابات والبرلمانية وسياسة الجبهة المتحدة) كل هذه المبادئ تظل حتى اليوم أعلى تعبير للإستراتيجية البروليتارية فى حقبة الأزمة العامة للرأسمالية. ترفض المعارضة اليسارية القرارات التحريفية للمؤتمر الأممى الخامس والسادس (1924 – 1928)” (22).

شهد عام 1923 ظهور الحكم الثلاثى لستالين وزينوفييف وكامينيف من جهة، والمعارضة اليسارية من الجهة الأخرى. وشهد نفس العام فى أوروبا هزيمتين كبيرتين للكومنترن. ففى يولية تبنى الحزب الشيوعى البلغارى، وهو حزب جماهيرى يتمتع بتأييد الطبقة العاملة بأكملها تقريباً سياسة سلبية تماماً فى مواجهة الانقلاب اليمينى ضد حكومة الحزب الفلاحى. وبعد ذلك، بعد تدمير النظام البرجوازى الديمقراطى وتكوين حكم عسكرى ديكتاتورى وإرهاب الجماهير، شن الحزب يوم 22 سبتمبر إنتفاضة مفاجئة بدون أى تحضير سياسى جاد. كانت النتيجة هى تدمير الانتفاضة وبداية فترة إرهاب أبيض متوحش.

وفى ألمانيا حدثت أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة، وكان السبب فيها هو الاحتلال الفرنسى لمنطقة “الرو”، والتضخم الفلكى الذى جعل النقود فعلياً بلا قيمة. “كان الوضع الألمانى فى خريف 1923 اكثر يأساً من أى وقت منذ 1919 والبؤس أكبر، والأمل فى المستقبل أضعف” (23). وتم التخطيط لانتفاضة فى أكتوبر بعد أن كان الحزب الشيوعى قد شكل حكومة ائتلافية مع الاشتراكيين الديمقراطيين فى سكسونيا، ولكن الخطة تم إلغائها فى اللحظة الأخيرة (فى هامبورج لم يصل قرار الإلغاء فى الوقت المناسب وحدثت انتفاضة معزولة وتم تحطيمها بعد يومين)

رأى تروتسكي أن فرصة تاريخية قد ضيعت. ومنذ ذلك الوقت أصبحت سياسة الكومنترن تشكل بشكل متزايد فى البداية على أساس احتياجات جناح ستالين فى الصراع الداخلى للحزب فى الاتحاد السوفيتى ثم بعد ذلك على أساس احتياجات السياسة الخارجية لحكومة ستالين.

وبعد انحراف “يسارى” قصير فى 1924، دفع الكومنترن فى اتجاه يمينى واستمر حتى 1928 ثم فى اتجاه يسارى متطرف (1928 – 1934)، وأخيراً دفع بشدة فى إلى اليمين فى فترة الجبهة الشعبية (1935 – 1039). وقد حلل تروتسكي ونقد كل هذه المراحل والتحولات. ومن الملائم تقديم نقده باستخدام ثلاثة نماذج.

اللجنة النقابية الأنجلو – سوفيتية
بجانب الثورة الصينية (1925 – 1927) والتى تم تناولها، كانت سياسة الحزب الشيوعى البريطانى (تحت توجه الكومنترن) قبل وخلال الإضراب العام فى 1926 هى أهم علامة على كارثية هذه التوجهات.

كان إضراب مايو 1926 نقطة تحول حاسمة فى التاريخ البريطانى وكان هزيمة أكيدة للطبقة العاملة. وقد أنهى هذا الإضراب فترة طويلة، وإن كانت متقطعة، من النضالية العمالية وأدى إلى السيطرة طويلة الأجل للجناح اليمينى فى النقابات بسياساته المتواطئة طبقياً وأدى هذا أيضاً إلى تقوية إصلاحية حزب العمال على حساب الحزب الشيوعى.

كان المد فى الحركة النقابية فى 1924-1925 يتجه يساراً. وكانت حركة الأقلية التى أنشأها الحزب الشيوعى عام 1924 حول شعارات مثل ” أوقفوا التراجع” و” العودة إلى النقابات” تزداد نفوذاً. وفى نفس الفترة ازداد نفوذ وتأثير مجموعة من القيادات اليسارية فى الحركة النقابية الرسمية. وبدأ فى ربيع 1925 مؤتمر النقابات العمالية فى التعاون مع اتحاد النقابات العمالية السوفيتية من خلال اللجنة الأنجلو-سوفيتية الاستشارية المشتركة. وقد أعطى ذلك أعضاء المجلس العام نوع من الرداء” الثورى” وغطاءاً ضد الانتقادات من اليسار.

كان جوهر نقد تروتسكي هو أن الحزب الشيوعى البريطانى كان، بضغط من موسكو، يقوم ببناء الثقة فى هؤلاء البيروقراطيين اليساريين ( كان الشعار المركزى للحزب الشيوعى هو كل السلطة للمجلس العام) الذين كانوا بالضرورة سيخونون الحركة فى اللحظة الحاسمة ( وهذا ما فعلوه بالطبع) وهذا بدلاً من أن تقوم كوادر الحزب بالبناء بشكل مستقل داخل القواعد باستخدام أى إطار يوفره النقابيون اليساريون، ولكن ، دون الاعتماد عليهم وبدون تشجيع القيادات القاعدية على الاعتماد عليهم، بل على العكس التأكيد على أنهم سيخونون، والتحذير من هذه الخيانة والتحضير لها.

كتب تروتسكي فيما بعد:
“زينوفييف جعلنا نفهم أنه يعتمد على أن تجد الثورة مدخلها ليس من خلال المدخل الضيق للحزب الشيوعى البريطانى ولكن من خلال البوابات الواسعة للنقابات العمالية. وقد استبدل النضال من أجل كسب الجماهير المنظمة فى النقابات من خلال الحزب الشيوعى بأمل الاستخدام الأسرع لأجهزة النقابات “الجاهزة” من أجل الثورة. ونبع من هذا الموقف الخاطئ سياسة اللجنة الأنجلو-سوفيتية التى وجهت ضربة للاتحاد السوفيتى وكذلك للطبقة العاملة البريطانية وهى ضربة لم تتعداها إلا الهزيمة فى الصين… وكنتيجة لأعظم حركة ثورية فى بريطانيا منذ أيام الشارتية، لم ينمو الحزب الشيوعى البريطانى فى حين يتربع المجلس العام على العرش بشكل أقوى وأكثر رسوخاً مما كان عليه قبل الاضراب العام. هذه هى نتائج تلك “المناورة الاستراتيجية الفريدة”. (24)

لم يطرح تروتسكي أن سياسة العمل الشيوعى المستقل ستؤدى بالضرورة إلى انتصار الإضراب:
” لم يطرح أى ثورى يزن كلماته أن انتصاراً كان مؤكداً من خلال اتباع هذا الخط. ولكن انتصاراً كان ممكناً فقط عبر هذا الطريق. كما إن الهزيمة على هذا الطريق هى التى يمكن أن تؤدى فيما بعد إلى انتصار”.(25)

ولكن هذا الطريق:
” يبدو طويلاً وغير مؤكد لبيروقراطى الأممية الشيوعية. وقد اعتبروا أنه من خلال التأثير الشخصى على أمثال “بورسل” و “هيكس” و “كوك” وآخرين… يمكن جذبهم بالتدريج وبشكل غير ملحوظ إلى الأممية الشيوعية. ولضمان مثل هذا النجاح… كان يجب عدم إزعاج أو إقلاق الأصدقاء الأعزاء (بروسل وهيكس وكوك) وكان يجب اتخاذ تدبير راديكالى وهو إخضاع الحزب الشيوعى لحركة الأقلية… عرف الجماهير فقط بورسل وهيكس وكوك، الذين رشحتهم موسكو أيضاً، كقيادات لهذه الحركة.

هؤلاء الأصدقاء “اليساريون” قد خانوا البروليتاريا فى الاختبار الجاد. وقد دخل العمال الثوريون فى حالة من التخبط وغرقوا فى حالة اللامبالاة وامتد بالطبع إحباطهم إلى الحزب الشيوعى الذى لم يكن سوى الجزء السلبى فى آلة الخيانة والغدر. وقد انهارت حركة الأقلية، وإلى الصفر عاد الحزب الشيوعى إلى حلقة صغيرة يمكن تجاهلها”. (26)

إن الاعتماد على قيادات نقابية “يسارية” لا زال أحد الخصائص المميزة للإصلاحيين اليساريين عن الثوريين. ولا زال نقد تروتسكي ذا أهمية بالغة اليوم.

ألمانيا فى الفترة الثالثة
بدأ المؤتمر العالمى السادس للكومنترن (صيف 1928) كعملية رد فعل عنيفة للخط اليمينى فى فترة 1924-1928. وقد فرض خط يسارى متطرف ذا طبيعة بيروقراطية خاصة على الأحزاب الشيوعية فى كل مكان، بغض النظر عن الظروف المحلية. كان هذا الخط انعكاساً لبدء الخطة الخمسية الأولى وللتجميع القهرى فى الريف بالاتحاد السوفيتى، وقد أعلن هذا الخط “الفترة الثالثة” كفترة من النضالات الثورية المتصاعدة.

كان هذا يعنى عملياً أنه فى الوقت الذى كانت فيه الفاشية تشكل خطراً حقيقياً ومتنامياً، خاصة فى ألمانيا، تم اعتبار الاشتراكيين الديمقراطيين بمثابة العدو الأساسى. وقد أعلن المؤتمر العاشر للكومنترن عام 1929 أن: “تصبح الفاشية أكثر فأكثر المنهج المهيمن للحكم البرجوازى. وفى البلاد التى بها أحزاب اشتراكية ديمقراطية قوية تأخذ الفاشية شكل ” الفاشية الاجتماعية” والتى تخدم بشكل متزايد البرجوازية كأداة لشل نشاط الجماهير فى النضال ضد نظام الديكتاتورية”. (27)

وقد استتبع ذلك أن سياسة الجبهة المتحدة كما كانت تفهم حتى ذلك الوقت كان يجب التخلص منها. لم يعد مطروحاً محاولة إجبار الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الجماهيرية والنقابات التى يسيطرون عليها للدخول فى جبهة متحدة ضد الفاشيين، فهم أنفسهم كانوا فاشيون اجتماعيون. حتى أضاف المؤتمر الحادي عشر للكومنترن أن الاشتراكية الديمقراطية ” هل العامل المحرك لتطور الدولة الرأسمالية نحو الفاشية” . (28).

إن هذا التحليل الخاطئ تماما لطبيعة الفاشية والاشتراكية الديمقراطية قد أدى إلى افتراض أن هناك إمكانية للتواجد المشترك ” لأحزاب اشتراكية ديمقراطية قوية , ونظام ديكتاتورية فاشية وأن مثل هذا الوضع كان موجوداً بالفعل فى ألمانيا حتى قبل وصول هتلر للسلطة ” والدليل أن حكومة “فون بابن شليخر” أسست فى ألمانيا بمساعدة “الرايخسفير” و “الشتالهلم” والنازيون شكل من الديكتاتورية الفاشية”. (29) هكذا طرح المؤتمر الثانى عشر للكومنترن فى 1932.

وقد كتب تروتسكي ضد هذا الغباء الإجرامى بإلحاح وقلق متزايدين من 1929 وحتى كارثة 1933. وبلا شك فإن براعة وقوة أعماله حول الأزمة الألمانية لم يتخطاها أى ماركسى.

إن الفكرة الأساسية فى كل هذه الكتابات هى ضرورة “الجبهة العمالية المتحدة ضد الفاشية” وهو عنوان إحدى أشهر هذه الكتابات. ولكن الطرح كان أكثر تعقيداً من ذلك بكثير، وقد أجبر تروتسكي نفسه على المتابعة الدقيقة للاطروحات العجيبة التى كان يطرحها الستالينيون الألمان دفاعاً عن مالا يمكن الدفاع عنه. وقد واجهت ودحضت كتاباته فى هذه الفترة تشكيلة متنوعة من الاطروحات شبه الماركسية، وفى نفس الوقت شرحت بوضوح استثنائى ” أعلى تعبير للاستراتيجية البروليتارية” وسيمكننا فقط التعرض لجزء صغير من هذه الكتابات هنا:
“تصور الصحافة الرسمية للكومنترن الآن نتائج الانتخابات الألمانية (سبتمبر 1930) كأنها انتصار عظيم للشيوعية، والتى تطرح اليوم شعار ألمانيا السوفيتية كشعار أدنى. إن المتفائلين البيروقراطيين لا يريدون التفكير فى معنى علاقات القوة التى توضحها الإحصاءات الانتخابية، فهم ينظرون إلى أرقام الأصوات التى حققها الشيوعيون بشكل مستقل عن المهام الثورية التى يخلقها الوضع الحالى والعقبات التى يشكلها.

وقد حقق الحزب الشيوعى حوالى 4.6 مليون صوت مقارنة بـ 3.3 مليون فى 1928. من وجهة نظر الميكنة البرلمانية “الطبيعية” مكسب 1.3 مليون هو مكسب جدير بالإحترام حتى إذا أخذنا فى الاعتبار الزيادة فى العدد الكلى للمصوتين. ولكن المكسب الذى حققه الحزب يصبح ضئيلاً إذا ما قورن بقفزة الفاشية من 800 ألف إلى 6.4 مليون صوت. واللافت للنظر أيضاً أن الاشتراكية الديمقراطية وعلى الرغم من خسائر كبيرة، قد حافظت على كوادرها الأساسية وحققت أصواتاً عالمية أكثر بكثير مما حققه الحزب الشيوعى.

وفى الوقت نفسه،إذا سألنا أنفسنا عن أفضل ظروف دولية ومحلية تستطيع تحويل الطبقة العاملة نحو الشيوعية بشكل أسرع، لن نجد ظروفاً أكثر مناسبة لمثل هذا التحول من الوضع الحالى فى ألمانيا… الأزمة الاقتصادية وانهيار الحكام وأزمة البرلمان، والفضح الذاتى الرهيب للاشتراكية الديمقراطية فى الحكم. من زاوية هذه الظروف التاريخية الملموسة، يظل التأثير المحدود للحزب الشيوعى الألمانى، رغم كسب 1.3 مليون صوت، صغير نسبياً.

إن الصفة المميزة الأولى لحزب ثورى حقيقى هى القدرة على النظر إلى الواقع وجهاً لوجه… من أجل ان تؤدى الأزمة الاجتماعية إلى ثورة بروليتارية. من الضرورى أن يحدث هذا بجانب شروط أخرى، تحول حاسم للطبقة البرجوازية الصغيرة فى اتجاه البروليتاريا. وهذا التحول سيعطى البروليتاريا فرصة لتضع نفسها فى مقدمة الأمة لقيادتها. لقد أوضحت الانتخابات الأخيرة، وهنا نرى أهميتها الأساسية، تحولاً فى الاتجاه العكسى. لقد انعطفت البرجوازية الصغيرة، تحت وطأة الأزمة، ليس فى اتجاه الثورة البروليتارية، ولكن فى اتجاه أقصى شكل من الرجعية الإمبريالية وجذبت وراءها قطاعات ليست ضئيلة من البروليتاريا.

إن النمو الضخم للنازية هو تعبير لعاملين:
الأزمة الاجتماعية العميقة التى افقدت جماهير البرجوازية الصغيرة اتزانها وغياب حزب ثورى يمكن أن تعتبره اليوم الجماهير الشعبية القيادة الثورية الحقيقية. إذا كان الحزب الشيوعى هو حزب الأمل الثورى، فإن الفاشية هى ، كحركة جماهيرية، الحزب اليائس المضاد للثورة. عندما تعتنق الجماهير البروليتارية ككل الأمل الثورى فهى تجذب بالضرورة قطاعات واسعة من البرجوازية الصغيرة على طريق الثورة. وبالتحديد فى هذا المجال، قد أوضحت الانتخابات الأخيرة صورة عكسية: فقد اعتنقت جماهير البرجوازية الصغيرة اليأس المضاد للثورة بقوة شديدة لدرجة أنها جذبت وراءها قطاعات كبيرة من البروليتاريا…

الفاشية فى ألمانيا قد أصبحت خطراً حقيقياً، كتعبير حاد للوضع العاجز للنظام البرجوازى والدور المحافظ للاشتراكية الديمقراطية فى النظام والضعف المتراكم للحزب الشيوعى للإطاحة به. إن الذى ينكر ذلك هو إما أعمى أو متبجح”.(30)

طرح تروتسكي أن إصلاح الوضع يتطلب أولاً نفض الحزب الشيوعى من تطرفه الراديكالى العقيم. يجب استبدال سياسة “التهديد البيروقراطى” وهى محاولة (لاغتصاب الطبقة العاملة بعد الفشل فى إقناعها) بسياسة مناورات نشطة على أساس سياسة الجبهة المتحدة.

“إن تعبئة أغلبية الطبقة العاملة الألمانية للهجوم هى مهمة صعبة. فكنتيجة لهزائم 1919 و 1921 و 1923 ولمغامرات “الفترة الثالثة” فقد طور العمال الألمان، المرتبطون فوق ذلك كله بتنظيمات محافظة قوية، درجة عالية من التردد والخوف. ولكن على الجانب الآخر فإن التضامن التنظيمى للعمال الألمان، والذى منع بشكل كامل تقريباً حتى الآن دخول الفاشية فى صفوفهم، يفتح المجال لإمكانيات واسعة للنضالات الدفاعية. ويجب ملاحظة أن سياسة الجبهة المتحدة أكثر تأثيراً بشكل عام فى الدفاع عنها فى الهجوم. إن القطاعات الأكثر محافظة أو تخلف يمكن جذبهم بسهولة أكبر للنضال من أجل ما لديهم، من النضال لمكاسب جديدة”. (31)

لقد استخدم الستالينيون كل أشكال السفسطة لإبهام المسألة ولتصوير ما كان ذات مرة سياسة الكومنترن على أنه “تروتسكية مضادة للثورة”. وقد طرحوا أن الجبهة المتحدة يمكن أن تأتى فقط من أسفل، أى أن الاتفاقيات مع الاشتراكيين الديمقراطيين مرفوضة ولكن الاشتراكيون الديمقراطيون الأفراد يمكنهم المشاركة فى “الجبهة المتحدة الحمراء”- على شرط قبولهم قيادة الحزب الشيوعى!

وقد تم التشجيع المتزايد للوهم القاتل والملخص بشعار “بعد هتلر، يأتى دورنا”. وقد أكد تروتسكي كثيراً أن هذه الرؤية هى رؤية السلبية والعجز مقنعة بشعارات راديكالية. وقد عاد مراراً وتكراراً لمسألة الجبهة المتحدة وفضح السفسطة وتجاهل الإهانات والتركيز على المسائل الأساسية كما فى المثال البارع:

“أخذ تاجر ماشية فى مرة عدة ثيران إلى المذبح، وجاء الجزار واقترب بسكينه الحادة واقترح أحد الثيران “لنتضامن معاً ونقتل هذا الجلاد بقروننا”. ورد ثور آخر “لو سمحت، كيف يكون الجزار أسوأ من التاجر الذى أتى بنا إلى هنا بنبوته؟” وكان هذا الثور قد حصل على تعليمه السياسى فى مؤسسة مانويلسكى.

وكان الرد “ولكننا سنستطيع التعامل مع التاجر فيما بعد!” غير أن الثيران ردوا فى صوت واحد ” لن ينفع هذا… أنت تحاول أن تحمى أعدائنا فى اليسار، أنت نفسك جزار اجتماعى! ورفضوا أن يتضامنوا” من أساطير أيسوب. (32)
ظل الحزب الشيوعى متماسكاً بمنهجه القاتل وجاء هتلر إلى السلطة وحُطمت الحركة العمالية.

الجبهة الشعبية والثورة الأسبانية
دفع انتصار هتلر زعماء الاتحاد السوفيتى للبحث عن “تأمين” من خلال حلف عسكرى مع القوتين الغربيتين المهيمنتين حتى ذلك الوقت-فرنسا وبريطانيا- وإلى دفع الكومنترن بقوة لتبنى سياسات يمينية. وذلك كعامل مساعد للدبلوماسية الستالينية، وكان هذا هو الدور الجديد للكومنترن. وقد أقيم المؤتمر السابع والأخير عام 1935 كبرهان علنى على أن الثورة لم تصبح على الإطلاق مطروحة على جدول الأعمال. وقد نادى المؤتمر بـ “جبهة شعبية متحدة ” تناضل من أجل السلام وضد إثارة الحرب. وتضم كل المهتمين بإبقاء السلام.(33)

وقد ضمت قائمة المهتمين بإبقاء السلام، المنتصرون فى 1918: الطبقات الحاكمة الفرنسية والبريطانية، وهم هدف الخط الجديد.
وقد صرحت القيادة التنفيذية للكومنترن فى مايو 1936:
“إن الوضع اليوم ليس ما كان عليه فى 1914، فالآن ليس فقط الطبقة العاملة والفلاحون وكل الجماهير الكادحة هم المصرون على إبقاء السلام ولكن أيضاً الدول المضطهدة والضعيفة التى تهدد الحرب استقلاليتها… وفى المرحلة الحالية هناك عدد من الدول الرأسمالية يهمها أيضاً إبقاء السلام. ولذلك هناك إمكانية لخلق جبهة واسعة من الطبقة العاملة وكل الجماهير الكادحة وأمم بأكملها ضد خطر الحرب الإمبريالية”. (34)

إن مثل هذه الجبهة كانت بالطبع دفاع عن الوضع الإمبريالى القائم حينذاك. وكان يجب استخدام لغة إصلاحية بشكل مرن لإخفاء هذه المسألة وهذا ما حدث بشكل ناجح جداً لفترة.

ففى المرحلة الأولى أدى الحماس الجماهيرى للوحدة إلى تحقيق الأحزاب الشيوعية لمكاسب ضخمة: فقد نمى الحزب الفرنسى من 30 ألف عام 1934 إلى 150 ألف بنهاية 1936 بالإضافة إلى 100 ألف من منظمة الشباب الشيوعى. وقد سلح الأعضاء الجدد ضد انتقادات اليسار بإيمان أن التروتسكيين يعملون كعملاء للفاشية!.

وفى مايو 1935 تم التوقيع على المعاهدة الفرنسية- السوفيتية وبحلول شهر يوليو وصل الحزب الشيوعى والحزب الاشتراكى الفرنسى إلى اتفاق مع الحزب الراديكالى وهو العمود الفقرى للديمقراطية البرجوازية الفرنسية. وفى إبريل 1936 فازت “الجبهة الشعبية” المكونة من الأحزاب الثلاث فى الانتخابات العامة على أساس سياسة “الأمن الجماعى” والإصلاح. ونال الحزب الشيوعى 72 مقعداً وكانت حملته الدعائية على أساس شعار ” من أجل فرنسا قوية وحرة وسعيدة” وأصبح جزء أساسى من الأغلبية البرلمانية بقيادة “ليون بلوم” زعيم الحزب الاشتراكى ورئيس وزراء حكومة الجبهة الشعبية. واستطاع “موريس ثوريز”، السكرتير العام للحزب الشيوعى، أن يزعم “أننا حرمنا عدونا بشجاعة من الأشياء التى سرقت منا وسحقت تحت الأقدام. لقد استعدنا نشيد المارسييز وراية الألوان الثلاث”. (35)

وعندما استتبع الانتصار الانتخابى لليسار موجة ضخمة من الإضرابات والاعتصامات ( وقد شارك بها 6 ملايين عامل فى يونيو 1936) بذل الأبطال السابقون “للنضال الثورى المتصاعد” جهداً كبيراً لاحتواء الحركة فى أطر ضيقة ولإنهائها على اساس تنازلات “اتفاقية ماتينون” ( أساساً 40 ساعة عمل بالأسبوع واجازات مدفوعة الأجر) وبحلول نهاية العام كان الحزب الشيوعى، والذى أصبح على يمين حلفائه الاشتراكيين الديمقراطيين، ينادى بتوسيع “الجبهة الشعبية” إلى “جبهة فرنسية” من خلال ضم بعض المحافظين اليمينيين المعاديين بشدة للألمان على أسس قومية.

كان الحزب الفرنسى أول المنفذين لهذه السياسات، لأن التحالف مع فرنسا كان مركزياً لسياسة ستالين الخارجية، ولكن سرعان ما تم تبنيها من قبل الكومنترن كله.

وعندما اندلعت الثورة الأسبانية فى يوليو 1936، كرد فعل لمحاولة فرانكو الاستيلاء على السلطة، فعل الحزب الشيوعى الأسبانى، والذى كان جزء من الجبهة الشعبية الأسبانية التى فازت بالانتخابات فى فبراير واستولى على السلطة، كل ما بوسعه للإبقاء على الحركة داخل إطار “الديمقراطية” وقد نجح فى ذلك بمساعدة الدبلوماسية الروسية والاشتراكيين الديمقراطيين بالطبع.

وقد صرح “يسوس هرنانديس”، محرر الجريدة اليومية للحزب:
“من الخطأ تماماً تصور أن هدف الحركة العمالية هو إنشاء ديكتاتورية البروليتاريا بعد انتهاء الحرب… نحن الشيوعيون أول من يرفض هذا التصور.إن ما يحركنا هو فقط الرغبة فى الدفاع عن الجمهورية الديمقراطية”. (36)

ونتيجة لهذا هذا الخط دفع الحزب الشيوعى الأسباني وحلفائه البرجوازيين سياسات الحكومة الجمهورية أكثر فأكثر إلى اليمين. ففى أثناء الحرب الأهلية الممتدة أخرج البوم (P.O.U.M) من الحكومة وكان هذا الحزب على يسار الحزب الشيوعى وكان تروتسكي قد انتقده بشدة لدخوله أصلاً فى الجبهة الشعبية وبالتالى تجريد نفسه من قوته السياسية وإعطاء “غطاء ” يسارى للحزب الشيوعى ثم للجناح اليسارى للحزب الاشتراكى الأسبانى.

أدى “الدفاع عن النظام الجمهورى مع الدفاع عن الملكية” (37) إلى فترة من الحكم الإرهابى فى الجمهورية الأسبانية ضد اليسار. وهذا ما مهد السبيل، كما طرح تروتسكي، لانتصار فرانكو. وقد كتب فى ديسمبر 1937:
“لقد أظهرت البروليتاريا الأسبانية قدرات عسكرية من الدرجة الأولى. فى وزنها النسبى فى الحياة الاقتصادية للبلد وفى مستواها السياسى والثقافى، وقفت البروليتاريا الأسبانية فى اليوم الأول للثورة فى مستوى أعلى من البروليتاريا الروسية فى بداية 1917. وقد وقفت تنظيماتها كالعقبات الأساسية فى طريقها للنصر. لقد تكونت الفئة المسيطرة من الستالينيين، وفى توافق مع وظيفتهم المضادة للثورة، من مرتزقة ووصوليين وعناصر بلا طبقة وبشكل عام كل أنواع الحثالة الاجتماعية.

أما ممثلى التنظيمات العمالية الأخرى: إصلاحيون بلا إصلاحات، وفوضويين مرددين للشعارات ووسطيوا البوم (P.O.U.M) العاجزون، كل هؤلاء تذمروا وتأهلوا وترددوا وتناوروا ولكن فى النهاية تأقلموا مع الستالينيين. وكنتيجة لنشاطهم المشترك تم إخضاع معسكر الثورة الاجتماعية- العمال والفلاحون، للبرجوازية أو بالأصح لظلها. لقد تم استنزافها حتى الموت وتدمير طابعها.

لم يكن هناك نقصاً فى البطولة من جانب الجماهير أو من جانب الثوريين الأفراد. ولكن الجماهير تركوا لمبادراتهم الذاتية فى حين ظل الثوريون مفككين وبدون برنامج وبدون خطة عمل. وكان يهم القيادات العسكرية الجمهورية تحطيم الثورة الاجتماعية أكثر من إحراز انتصارات عسكرية. وقد فقد الجنود ثقتهم بقياداتهم وفقدت الجماهير ثقتها فى الحكومة وتراجع الفلاحون وأصبح العمال منهكون، فالهزيمة يتبعها هزيمة ونمى الإحباط سريعاً.

لم يكن هذا كله من الصعب التكهن به منذ بداية الحرب الأهلية فمن خلال وضع الجبهة الشعبية لنفسها مهمة إنقاذ النظام الرأسمالى حكمت على نفسها بالهزيمة العسكرية. ومن خلال قلب البلشفية على رأسها نجح ستالين تماماً فى تنفيذ دور حفار قبر الثورة”. (38)
إن المسألة ليست فقط ذات أهمية تاريخية ولكن أيضاً ذات أهمية عملية مباشرة. إن كتابات تروتسكي حول الاستراتيجية والتكتيك فى علاقاتها بهذه القضايا الكبرى هى بالفعل كنز عظيم. ويمكن القول وبدون مبالغة أنه لم ينتج أحد منذ 1923 أعمالاً تقترب حتى من أعمال تروتسكي فى البراعة والعمق وهى بالفعل أعملاً لا غنى عنها للثوريين اليوم.

« السابق التالي »