بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ماركسية تروتسكي

« السابق التالي »

5- الفصل الرابع: الحزب والطبقة

أكد ماركس أن تحرير الطبقة العاملة هو عمل الطبقة العاملة ذاتها، ولكنه طرح أيضاً “أن الطبقات الحاكمة تسيطر على أدوات الإنتاج الذهنى وبالتالى تكون الأفكار المهيمنة فى أى حقبة هى أفكار الطبقة الحاكمة” من هذا التناقض تبرز ضرورة الحزب الاشتراكى، إن طبيعة الحزب، وقبل كل شئ طبيعة علاقته بالطبقة العاملة ظلت مسائلة مركزية فى الحركة الاشتراكية منذ البداية. لم تكن أبداً مجرد مسألة تنظيمية “تقنية” كان الجدل، فى كل مرحلة حول علاقة الحزب بالطبقة، وبالتبعية حول طبيعته أيضاً، جدلاً حول أهداف الحركة، كان الاختلاف حول الوسائل، يتضمن فى جزء منه بالضرورة خلافاً حول الأهداف. هكذا كانت صدامات ماركس مع بردون، وشابير، وبلانك، وباكونين وآخرين حول هذا الموضوع مرتبطة تماماً بالخلافات حول طبيعة الاشتراكية ووسائل تحقيقها.

وإذا نظرنا إلى روسيا، نجد أن الخلاف حول هذا الموضوع بدأ منذ بداية المحاولات لبناء حزب الطبقة العاملة. كانت نظرة تروتسكي الأولى حول الحزب الثورى هى بالأساس ما أطلق عليه فيما بعد “النظرة اللينينية”، والتى كان هو قد طرحها بمعزل عن لينين فى منفاه فى سيبريا فى 1901 (1). على أى حال كان تروتسكي من أوائل مؤيدى “إيسكرا” ووقف مدافعاً عن فكرة منظمة عالية المركزية فى مؤتمر حزب العمال الاشتراكى الديمقراطى الروسى فى 1903.

“إن قواعدنا…تمثل عدم الثقة المنظم من الحزب تجاه كل أقسامه، أى السيطرة التامة على كل المنظمات المحلية ومنظمات المناطق والمنظمات القومية”.(2)

وبعد أن أخذ تروتسكي صف المناشفة فى إنشقاق المؤتمر ارتد بعنف عن هذه النظرة، وأصبح فى خلال سنة واحدة أبرز ناقد لمركزية المناشفة. ” إن طريقة لينين تؤدى إلى أن تحل مؤسسات الحزب التنظيمية محل الحزب كله وأن تحل اللجنة المركزية محل مؤسسات الحزب، وفى النهاية يأتى الديكتاتور” (3)،هكذا كتب تروتسكي فى 1904.

كان تروتسكي مثل روزا لوكسمبرج، يتخوف من “محافظة الحزب” ويؤكد بشدة على أهمية تحرك الطبقة العاملة العفوية:
“لقد أصبح لدى الأحزاب الاشتراكية الأوربية، وخاصة أقواهم الحزب الألمانى، روح محافظة تنمو وتقوى كلما نما حجم الجماهير المتأثرة بهم، وكلما ازدادت كفاءة التنظيم وانتظام الحزب. ولذا، من الممكن أن تكون الاشتراكية الديمقراطية عقبة فى طريق الصدام المباشر بين العمال والبرجوازية”. (4)

للتغلب على هذه المحافظة، اعتمد تروتسكي على المد التلقائى للثورة الذى “يقتل روتين الحزب، ويدمر محافظته” كما كتب بعد ثورة 1905 (5) وهكذا يتقلص دور الحزب إلى الدعاية بالأساس. أنه ليس طليعة الطبقة العاملة.

كانت لتخوفات تروتسكي تلك بالطبع ما يبررها. ففى روسيا من 1905 إلى 1907 حتى الحزب البلشفي أظهر محافظته، وتكرر ذلك فى 1917 (6). وفى الغرب حيث للمحافظة قاعدة مادية أكثر تتمثل في ميزات الأرستقراطيات العمالية، لعبت دورا حاسما ضد الثورة في 1918 – 1919.

أثرت بالطبع تجربة 1905 علي تكوين هذه الآراء، حيث لعب تروتسكي دوراً غير عادي في تلك الثورة كفرد بدون ارتباطات حزبية حقيقية (كان في تلك الفترة منشفياً بالاسم، ولكنه عملياً حراً تاماً) مما عضد فكرته عن كفاية الفعل العفوي الجماهيري.

ولقد ظل في فترة المد الرجعي بعد 1906، وفي فترة تصاعد الحركة العمالية من 1912، ناقدا لـ “استبدالية” البلاشفة، داعيا إلى وحدة كل الاتجاهات، الاقتراح الذي كان بالأساس موجها ضد البلشفية. (قد يكون، هذا قد ساهم في بطئه في اكتشاف أخطار الاستبدالية الحقيقية بعد 1920).

لقد أثبتت الأحداث خطأ موقف تروتسكي في الفترة ما بين 1904 و 1917 كتب تروتسكي أنه بدون لينين ما كانت هناك ثورة أكتوبر، ولكن المسألة لم تكن ببساطة مسألة وصول لينين إلى محطة فنلندا في أبريل 1917. بل كانت مسألة الحزب الذي بناه لينين ومعاونيه عبر السنوات السابقة. إن الميل المحافظ لدى كثير من قادة ذلك الحزب (والذي ساعده بالتأكيد الطرح النظري “الديكتاتورية الديمقراطية” الذي كان لينين قد دافع عنه طويلاً) كان غالبا ما سيمنع الاستيلاء علي السلطة لولا وضع لينين الفريد وإصراره. ولكن بدون الحزب، رغم كل عيوبه لما طرحت المسألة أصلا.إن الحركة الجماهيرية “العفوية” تستطيع إسقاط نظام مستبد.وقد حدث ذلك بالفعل في روسيا في فبراير 1917 وفي ألمانيا والنمسا والمجر في 1918 وقد حدث ذلك عدة مرات منذ ذلك الحين وكان آخرها في إيران.

ولكن تروتسكي غير آرائه في 1917، وانضم إلى الحزب البلشفي، بعدما أثبتت الأحداث أهمية حزب من النمط اللينيني حتى يتسنى للطبقة العاملة ليس فقط إسقاط النظم القائمة ولكن أيضا الاستيلاء علي الحكم.ولم يتنازل تروتسكي عن هذا الرأي بعد ذلك، بل وفي بعض الأحيان صاغه في حدة، حتى أنه في 1932 ، ورداً علي مقولة أن مصالح الطبقة العاملة تأتي قبل مصالح الحزب، كتب يقول:
“إن الطبقة متروكة بذاتها، هى فقط مادة للاستغلال، إن البروليتاريا تتبوأ دوراً مستقلاً فقط حينما تتحول من طبقة اجتماعية بذاتها إلى طبقة سياسية لذاتها. وهذا لا يمكن حدوثه إلا من خلال حزب. إن الحزب هو الأداة التاريخية التي تستطيع الطبقة من خلالها أن تصبح واعية بذاتها. أن نقول أن ” الطبقة تقف أعلى من الحزب” هو أن نقول أن الطبقة الخام تقف أعلى من الطبقة في طريقها إلى الوعي بذاتها. هذا ليس خاطئ فقط, إنه رجعي ” . (7)

هذا التصور في الواقع يطرح صعاب عديدة، فلقد أظهرت التجربة التاريخية أن هذه الأداة التاريخية يمكن لها أن تنحط! كيف إذن يتسنى الدفاع عن التنظيم الحزبي.

الأداة المشروطة تاريخياً
كان تروتسكي واعيا بتلك المشكلة، فلقد شهد انحطاط الأممية الثانية في 1914، والدور المباشر الذي لعبته الاشتراكية الديمقراطية ضد الثورة في 1918- 1919، وبالطبع صعود الستالينية.

فإذا استكملنا الفقرة أعلاه:
“إن عملية تطور الطبقة تجاه وعيها الطبقي أي بمعنى آخر، بناء الحزب الثوري، عملية معقدة ومليئة بالمتناقضات. فالطبقة ذاتها ليست متجانسة تماما. وشرائحها المختلفة تصل إلى الوعي الطبقي في أوقات وبسبل مختلفة، وتشارك البرجوازية بإيجابية في هذه العملية، فتخلق مؤسسات لها داخل الطبقة العاملة، أو تستخدم مؤسسات موجودة بالفعل، حتى تضرب شرائح وفئات عمالية بأخرى. هكذا تتصارع داخل البروليتاريا أحزاب عديدة في نفس الوقت، لذا نجد البروليتاريا منقسمة سياسيا في الشوط الأعظم من مشوارها السياسي، ومن هنا بالضبط تنبع إشكالية “الجبهة المتحدة” التي تبرز بحدة على السطح، في بعض الأحيان تجد المصالح التاريخية للبروليتاريا تعبيرها في الحزب الشيوعي (عندما تكون سياساته صحيحة) وتكمن مهمة الحزب الشيوعي في كسب أغلبية البروليتاريا هكذا فقط تكون الثورة الاشتراكية ممكنة، ولا يمكن للحزب الشيوعي تحقيق مهمته إلا عن طريق الحفاظ على استقلاليته السياسية والتنظيمية عن الأحزاب والتنظيمات الأخرى داخل وخارج الطبقة العاملة، والتعدي على هذا المبدأ الأساسي في الماركسية هو اقتراف لأفظع الجرائم ضد مصالح البروليتاريا كطبقة.. لكن البروليتاريا لا تقترب من الوعي الثوري من خلال اجتياز الامتحانات المدرسية، بل من خلال معترك الصراع الطبقي، الذي يجب أن تمتلك فيه البروليتاريا وحدة الصف حتى تستطيع القتال. وهذا يسرى على مستوى صراع اقتصادي جزئي بين حوائط مصنع واحد، كما على الصراعات السياسية “القومية” كالنضال ضد الفاشية. ولذا فتكتيك “الجبهة المتحدة” ليس اصطناعيا أو من قبيل الصدفة على الإطلاق، إنه ينبع كليا من الظروف الموضوعية التي تحكم تطور البروليتاريا.(8)

هذا التحليل الواقعي المتماسك لم يكن بالطبع تعميما سوسيولوجيا أبديا، وإنما تحليل يضرب بجذوره في التطورات التاريخية الواقعية. وقد ساعدت أحزاب الأممية الثانية، في وقت ما، على خلق:
“تلك القلاع من الديمقراطية العمالية (المنظمات العمالية، وبخاصة النقابات) داخل الدولة البرجوازية… الضرورية من أجل مسار الثورة.
إن عمل الأممية الثانية يتمثل بالضبط في خلق تلك القلاع في الحقبة التاريخية التي كانت لازالت فيها تؤدى دورا تقدميا تاريخيا” (9).

كانت أحزاب الأممية الثانية قد استسلمت لبرجوازياتها أمام اختبار الحرب العالمية الأولى (باستثناء البلاشفة والبلغاريون والصرب)، أو اتخذت مواقف “وسطية” (كالإيطاليين والاسكندنافيين والأمريكيين) ومن هذا الاستسلام، ومن الأزمات الانشقاقات التي ولدها، ومن مد المعارضة العمالية المتصاعدة للحرب بعد 1916، ومن ثورات 1917، 1918، نشأت الأممية الشيوعية، “الاستمرار المباشر للمحاولات الهائلة والاستشهاد البطولي لسلسلة طويلة من الأجيال الثورية من بابوف إلى كارل ليبكنخت وروزا لوكسمبورج” (10).

أصبحت هذه الأممية الشيوعية الآن “الأداة التاريخية التي تستطيع الطبقة من خلالها أن تصبح واعية بذاتها”. وقد اقترفت أحزاب الأممية الشيوعية منذ 1923 أخطاءً جسيمة (لم يكن تروتسكي بالطبع غافلاً عن أخطائهم السابقة)، واتبعت سياسات انتهازية أو انفصالية تحت قيادة ستالين والنخبة الحاكمة في الاتحاد السوفيتي. على الرغم من ذلك كانت الأممية حقيقة واقعية وليست فرضا نظريا، لها تأييد أو تعاطف الملايين في العالم. ورغم التناقض الظاهري فإن تلك المساوئ ذاتها تدل على أنها كانت حقا منظمة جماهيرية، فلم يعتقد تروتسكي بتلك الرؤية التبسيطية لأحزاب الكومنترن على أنها فقط أدوات بأيدي البيروقراطية الستالينية، المشكلة هي تصحيح مسارها. “كل الأنظار إلى الحزب الشيوعي، يجب أن نشرح له يجب أن نقنعه”.(11)

وكضرورة سياسية ، يجب أن يكون النظام الداخلي للحزب ديمقراطيا:
“النضال الداخلي يدرب الحزب وينير له الطريق. من هذا النضال يكتسب كل الأعضاء ثقة عميقة بصحة سياسات الحزب وبجدارة القيادة.
“إن هذه الثقة من الأعضاء العاديين، والمكتسبة من خلال الممارسة والصراع الأيديولوجي هو الذي يعطى القيادة الفرصة لقيادة الحزب كله في ميدان المعركة في اللحظة الضرورية، فقط ثقة عميقة من الحزب نفسه بصحة سياساته تعطى الجماهير العاملة الثقة بالحزب. ما يشل حركة الحزب الشيوعي الأسباني الآن .. هو الانشقاقات المصطنعة من خارجه وغياب صراع أيديولوجي نزيه وحر”.(12)

هكذا كتب تروتسكي في 1931، وتنطبق المقولة بشكل عام. ولكن المسألة لم تكن بهذه البساطة، فبعد طرده من الاتحاد السوفيتي بقليل في 1929، أوضح تروتسكي ما اعتبره المسائل الأساسية لمؤيدي المعارضة اليسارية في أوروبا (المواقف من اللجنة النقابية الإنجليزية الروسية، الثورة الصينية، ومن الاشتراكية في بلد واحد).

“قد يتعجب بعض الرفاق أنى أتجاهل ذكر مسألة نظام الحزب، لكنى أفعل ذلك عن عمد، فنظام الحزب ليس له معنى مستقل مكتف بذاته، وإنما ينبع من سياسة الحزب، إن عناصر مختلفة عدة تتعاطف مع النضال ضد البيروقراطية الستالينية… بالنسبة لماركس، الديمقراطية داخل حزب أو داخل دولة ليست شيئا مجردا. الديمقراطية مشروطة دائما بصراع القوى. البيروقراطية تعنى عند العناصر الانتهازية المركزية الثورية، وبالطبع لا يمكن أن يكون هؤلاء رفاقنا في التفكير”.(13)

من الممكن من خلال كتابات تروتسكي بعد 1917، أن تبرز كتابات تؤكد على الديمقراطية داخل الحزب وتدين الإجراءات “الإدارية” ضد النقد، وكتابات أخرى تؤكد ضرورة التطهير والاستبعاد. المسألة ليست استقطاع جمل خارج سياقها، بل إن العلاقة بين الديمقراطية والمركزية بالنسبة لتروتسكي لم تكن علاقة ثابتة. لقد كانت القضية هي المضمون السياسي لكليهما في أي مرحلة. كتب تروتسكي نحو نهاية 1932:
“إن مبدأ ديمقراطية الحزب ليس على أي وجه مطابقا لسياسات الباب المفتوح. لم تطلب المعارضة اليسارية إطلاقا من الستالينيين أن يحولوا الحزب إلى حاصل جمع ميكانيكي للأجنحة والجماعات والأفراد. نحن نتهم البيروقراطية “الوسطية” بتبني سياسة خاطئة، تضعهم في كل خطوة في تناقض مع زمرة البروليتاريا، ثم البحث عن مخرج لذلك التناقض عن طريق خنق الديمقراطية الحزبية”.(14)

قد يبدو هذا ملتبسا. وهو ملتبس بالفعل بالمعيار الصوري البحت، إن حل التناقض يكمن في ديناميات تطور الحزب. آمن تروتسكي أن الحزب لا يمكن أن ينمو (بمعيار التأثير الجماهيري وليس النمو العددي فقط) إلا من خلال علاقة تبادلية، عملية تفاعل، مع شرائح متزايدة من العمال. ومن أجل هذه العملية فإن ديمقراطية الحزب الداخلية أساسية ولا يمكن الاستغناء عنها، فهي وسيلة اكتساب الحزب، لخبرات الطبقة وهذا التطور ليس ممكنا دائما، فكثيرا ما تعوق العوامل الموضوعية مثل ذلك التطور ولكن يجب أن يكون الحزب متهيئا حتى يمكن له اقتناص الفرص التي تسنح من وقت لآخر.

لذلك يجب أن يكون النظام الداخلي مفتوح ومرن بقدر الإمكان في كل الأوقات، بما يتمشى مع الحفاظ على وحدة الحزب الثورية. إن هذا الشرط هام، فقد تضعف الظروف الارتباط بين الحزب وشرائح العمال المتقدمين وبذلك تزيد مشكلة “الأجنحة، والجماعات والفئات”، مما يعيق تطور الديمقراطية الداخلية كما فهمها تروتسكي، بالأساس كآلية من خلالها يرتبط الحزب بشرائح متزايدة من العمال، يتعلم منهم وفى ذات الوقت يكتسب حق القيادة.

ولتجسيد الأطروحة لننظر إلى هذه الفقرة من تاريخ الثورة الروسية التي يتناول فيها تروتسكي عزلة لينين عن أغلبية قيادة الحزب بعد ثورة فبراير.

“وجد لينين في موقفه ضد البلاشفة القدامى (في إبريل 1917) التأييد من شريحة أخرى في الحزب أكثر حداثة وأكثر ارتباطا بالجماهير.
في ثورة فبراير، كما نعلم، لعب البلاشفة العمال الدور الحاسم، لقد رأوا من البديهي، أن الطبقة التي فازت بالنصر يجب أن تستولي على السلطة.. في كل مكان تقريبا أتُهمَ البلاشفة اليساريون بالتطرف، وحتى بالفوضوية. هؤلاء العمال الثوريون افتقدوا فقط المرجع النظري، للدفاع عن آرائهم، ولكنهم كانوا مستعدين لإجابة النداء الواضح الأول. على هذه الشريحة من العمال التي قامت على القدمين في سنوات صعود 1912- 1914، كان لينين يستند (15).

يتكرر هذا النموذج مرة بعد أخرى في كتابات تروتسكي. إن حزبا جماهيريا، على غير الحلقات السياسية، يصطدم بقوى شديدة خاصة في الظروف الثورية، هذه القوى حتما ما تجد تعبيرا عنها داخل الحزب أيضا، وحتى يظل الحزب على مساره (عمليا، حتى يصحح هذا المسار باستمرار في الموقف المتغير) فإن العلاقة المركبة بين القيادة والمستويات المختلفة من الكوادر والعمال الذين يؤثرون عليهم ويتأثرون بهم تعبر عن نفسها، يجب أن تعبر عن نفسها كصراع سياسي داخل الحزب. ولو أن هذه العملية خنقت بالوسائل الإدارية لأضاع الحزب طريقه.

إن من وظائف القيادة الثورية (تلك القيادة التي تكونت عن طريق الانتقاء من الصراعات السابقة) التي لا غنى عنها أن تعرف متى تغلق أبواب الحزب حتى تحافظ على صلب المنظمة من التفكك نتيجة للضغوط الخارجية غير المواتية -أن تشدد على المركزية- ومتى تفتح المنظمة وتعتمد على شرائح من العمال المتقدمين داخل الحزب وخارجه للتغلب على روح المحافظة لدى بعض أقسام الكادر والقيادة. أن تؤكد على الديمقراطية وذلك لتُعَدل من المسار بسرعة.

كل هذا يتضمن فهما مُعَظماً لدور القيادة، وذلك بالضبط ما فعله تروتسكي بعد 1917، فكان ليؤكد في 1938، أن الأزمة التاريخية للإنسانية يمكن أن تلخص إلى أزمة القيادة الثورية.

ومع هذا فقد كان فهما للتطور العضوي للكادر القيادي بالارتباط مع تجارب الحزب في الصراع الطبقي الواقعي. بالطبع، يجب أن يُجَسد الكادر القيادي تراث وخبرات الماضي (من بابوف إلى كارل ليبكنخت)، ومعرفة بالإستراتيجية والتكتيك الذي اختبر في بلاد عدة في أوقات مختلفة على مدى سنين، لم يكن تروتسكي ليقلل أبدا من شأن تلك المعرفة التي كانت نظرية في غالبها، إلا أنها كانت بالنسبة لتروتسكي عامل ضروري للقيادة الناجحة ولكنه ليس كافيا. فتجارب الحزب من الصراع ومن علاقته المتغيرة بقطاعات مختلفة من العمال، هي العامل الإضافي الذي لا يمكن الاستغناء عنه والذي يتطور فقط بالممارسة.
التناقض

في حياة تروتسكي كان حزب شيوعي وحيد – الحزب الموجود في الاتحاد السوفيتي – يسيطر على السلطة بالإضافة إلى المناطق التي سيطر عليها الحزب الشيوعي الصيني في الثلاثينات ولقد صَنف تروتسكي كل الأحزاب الشيوعية في تلك الفترة كمنظمات “بيروقراطية وسطية” تتأرجح ما بين السياسات الثورية والإصلاحية. وبعد 1935 مع خط “الجبهة الشعبية” توصل إلى أنهم أصبحوا اشتراكيين وطنيين “الأيادي الصفراء للرأسمالية المتعفنة”.(16)

ولكن كل هذه التوصيفات تشير مع ذلك إلى منظمات عمالية، إلى أحزاب تتنافس مع أخرى، على كسب التأييد بين حركات الطبقة العاملة، إلا أن الحزب الشيوعي السوفيتي بالتأكيد بعد 1929 إن لم يكن أسبق، توقف عن كونه حزبا على الإطلاق بهذا المعنى. لقد كان جهازا بيروقراطيا، أداة استبدادية شمولية، ولقد سلم تروتسكي بذلك جزئيا، كما كتب في 1930 : “إن الحزب السوفيتي كحزب لم يعد موجودا اليوم. إن الجهاز الوسطى قد قام بخنقه”.(17)، ولكنه مع ذلك أكد أن الحزب السوفيتي يختلف جوهريا ونوعيا عن الأحزاب العمالية خارج الاتحاد السوفيتي.

وحتى بعدما فقد تروتسكي الأمل (أكتوبر 1933) في إصلاح سلمى للنظام في الاتحاد السوفيتي ظل هذا اللبس، وبالطبع فإن هذا التناقض كان مرتبطا تماما باعتقاده أنه حتى وإن كان الإصلاح مستحيلا، يبقى الاتحاد السوفيتي دولة عمالية، وإن كانت منحطة.
زادت أهمية وتعقد هذا اللبس، بظهور دول ستالينية عديدة، بعد وفاة تروتسكي، بدون ثورات عمالية، يحكمها “أحزاب شيوعية”، من الواضح أنها ليست أحزابا عمالية بمفهوم تروتسكي وكانت بذرة التناقض موجودة في موقف تروتسكي بعد 1933.

انقطاع الخيط
كما رأينا فإن مفهوم تروتسكي الناضج للعلاقة بين الحزب والطبقة لم يكن مجرداً أو اعتباطياً، لكنه اعتمد على تجارب البلشفية في روسيا وعلى التطورات التاريخية الواقعية التي أدت إلى أحزاب شيوعية جماهيرية في عدد من البلاد المهمة.

ولكن لماذا إذن ذهبت هذه التطورات أدراج الرياح؟ لماذا إذا فشلت “الأداة المشروطة تاريخيا” في الاختبار؟ فكر تروتسكي في هذا الاحتمال، ولكن فقط ليرفضه بحزم، فكما كتب في 1931:
“دعونا نأخذ مثالا آخر لتوضيح أفكارنا: يدعى هوجو أوربانز – الذي يعتبر نفسه شيوعي يساري- إفلاس الحزب الألماني، ويدعو لخلق حزب جديد. لو كان أوربانز محقا، فإن هذا يعنى أن انتصار الفاشية مؤكد. فمن أجل خلق حزب جديد يحتاج إلى سنوات عديدة (ولم يبد ما يدل على أن حزب أوربانز سيكون على أي نحو أفضل من حزب تيلمان: عندما كان أوربانز على رأس الحزب، لم تكن الأخطاء بأي معيار أقل). نعم لو أن الفاشيين استولوا على السلطة فسيعنى هذا ليس فقط التدمير المادي للحزب، ولكن الإفلاس السياسي بحق أيضا… إن استيلاء الفاشيين على السلطة سيعنى ضرورة خلق حزب ثوري جديد، وعلى أغلب الاحتمالات أممية جديدة أيضا، وسيكون ذلك كارثة تاريخية مخيفة. أما القول بأن كل هذا أمر محتوم، فهو عمل الصوفيين الذين يعجلون بالاستسلام والخنوع في وجه الصراع مختبئين تحت عباءة الشعارات الجوفاء.. نحن واثقون بإمكانية الانتصار على الفاشيين، ليس بعد قدومهم إلى السلطة، وليس بعد خمسة عشرة أعوام أو بعد عشرين عاما ولكن الآن، تحت الظروف المعطاة، في الشهور والأسابيع القادمة”.(18)

ولكن هتلر أتى بالفعل إلى السلطة، وبغض النظر عن قوة إقناع وبريق أطروحات تروتسكي، فلقد توجه الحزب الألماني سريعا بالربع مليون من أعضائه، والستة ملايين صوت (في 1932) إلى مساره المهلك. لقد تحطم، بدون مقاومة، إلى جانب “الاشتراكيين الفاشيين”، والنقابات، وكل المنظمات السياسية والثقافية والاجتماعية التي خلقتها الطبقة العاملة الألمانية في الستين سنة السابقة.

في 1931 كتب تروتسكي يصف ألمانيا بأنها “مفتاح الوضع الدولي…على تطورات الأزمة في ألمانيا يعتمد ليس فقط مصير ألمانيا (وهذا وحده شيء جسيم) ولكن مصير أوروبا ، مصير العالم لسنوات عديدة”.(19)

وكان هذا تنبؤاً دقيقاً: فلقد غيرت هزيمة الطبقة العاملة الألمانية السياسة العالمية. وكان فشل الحزب الشيوعي حتى في محاولة المقاومة ضربة بنفس قوة استسلام الاشتراكية الديمقراطية في 1914.

ماذا يتبقى إذن من “الأداة التاريخية التي تستطيع الطبقة من خلالها أن تصبح واعية بذاتها”. لقد جاهد تروتسكي منذ 1933 حتى وفاته في أغسطس 1940 في محاولة حل معضلة ثبت أنه لا حل لها ، في ذلك الوقت في يونيو 1932 كتب:
“يريد الستالينيون باضطهادهم لنا الدفع بنا على طرق حزب آخر ثاني وأممية رابعة وهم يعرفون أن خطئا قاتلا كهذا من المعارضة سيبطئ نموها لسنوات، إن لم يقض على نجاحاتها بالكامل”.(20)

وبعد أقل من سنة اضطر تروتسكي إلى أن يقر أولا، بأن الحزب الشيوعي الألماني قد انتهى، ثم وبعد أن أعلنت اللجنة التنفيذية للكومنترن في إبريل 1933 أن سياستها في ألمانيا كانت “صحيحة تماما” أقر بأن جميع الأحزاب الشيوعية قد انتهت كمنظمات ثورية وأن ما يحتاج إليه هو “أحزاب شيوعية جديدة وأممية جديدة” (عنوان مقال في يوليو 1933).

كانت الوصلة بين النظرية والممارسة قد قطعت. اعتمد تروتسكي قبل 1917 على تحركات الطبقة العاملة التلقائية لمحاربة محافظة الحزب. وبعد 1917 أكد على الحزب العمالي الثوري كالأداة التي لا يمكن الاستغناء عنها للثورة الاشتراكية، إن غياب أحزاب من ذلك الطراز متجذرة في الطبقة العاملة، ولها كوادر ثورية ناضجة ذات خبرة، أدى إلى مأساة الحركات الثورية الجماهيرية في ألمانيا والنمسا والمجر، ونضالات تلقائية في أماكن أخرى عديدة في 1918-1919. وكانت وسائل تلافى هذا النقص -أحزاب الأممية الشيوعية- قد انحطت في ذلك الوقت إلى مستوى أنهم أصبحوا عقبة في طريق الحل الثوري لأزمات اجتماعية عميقة جديدة.

كان لابد من البدء من جديد، ولكن ماذا تبقى للبدء به؟ بالأساس لم يكن هناك إلا بعض المجموعات الصغيرة المنفصلة عن الحركات الحقيقية للطبقة العاملة وعن الاشتراك المباشر في النضالات العمالية.
كان الاستثناء الجزئي لهذا الوضع العام وهى تلك المجموعات التي كان أعضاؤها بالمئات والآلاف وليس بالعشرات، هي تنظيمات في اليونان وهولندا وأسبانيا(البوم) ولكن هذه التنظيمات أثبتت ضعفها ووسطيتها وبالتالي كانت تشكل.

بدأ تروتسكي في إعادة البناء بهذه القوى الضئيلة. لم يكن لديه اختيار إلا إذا اعتبرنا السلبية اختيار (أو تلك السلبية المسماة بالماركسية الغربية أو الأكاديمية) ولكن هناك تداخل حتمي بين الوسائل والأهداف. فبدون صلات حقيقية بالطبقة العاملة بدأت التروتسكية، حتى في حياة تروتسكي، في التأقلم مع جمهورها الواقعي وهو القطاعات الراديكالية من مثقفي البرجوازية الصغيرة. وقد حارب تروتسكي، كما سنرى حرباً طويلة ضد هذا التأقلم ولكن في نفس الوقت أدت ضرورات الوضع القاسية إلى تبنيه لمواقف ساعدت على الرغم من إرادته وفهمه في نمو هذا الاتجاه.

الأممية الجديدة
“لو أن اليسار الشيوعي في العالم كله يتكون من خمسة أفراد فقط، لكان لزاما عليهم أن يشرعوا في بناء منظمة دولية في ذات وقت بناء منظمات وطنية. إنه من الخطأ أن ينظر إلى المنظمات الوطنية على أنها حوائط وإلى المنظمة الدولية على أنها السقف فالعلاقة هنا مختلفة تماما. بدأ ماركس وإنجلز الحركة الشيوعية بوثيقة أممية في 1847 وبخلق حركة أممية، تكرر نفس الشيء في خلق الأممية الأولى وأيضا يسار زمرفالد في التحضير للأممية الثالثة. واليوم يفرض علينا هذا الطريق نفسه بقوة أكثر من أيام ماركس، فمن الممكن بالطبع في مرحلة الإمبريالية أن تنشأ حركة عمالية ثورية في بلد أو أخرى لكنه من المستحيل أن تتطور في بلد واحد منعزل، في اليوم التالي لتكوينها يجب عليها أن تبحث عن وتخلق صلات دولية، لأن الضامن لصحة السياسات الوطنية لا يمكن إلا أن يكون في هذا الطريق. أما إذا أغلقت حركة ما على نفسها وطنيا فإنها تحكم على نفسها بالانحطاط بلا رجعه”.(21)

كتب تروتسكي ذلك حين كان يعتقد بإمكانية إصلاح الأحزاب الشيوعية الموجودة، وكان يطرح جناح عالمي، مبنى على الأممية الموجودة. إن منطق ذلك، على عكس الحجج التي بنى عليها، لا دحض لها. أما الحجج فإنها لن تتماسك أمام الاختبار النقدي. فماركس وإنجلز لم يبدءا بـ “خلق حركة أممية”. والبيان الشيوعي كتب لعصبة شيوعية كانت موجودة بالفعل (بالرغم من بدائية أفكارها الشيوعية)، وكانت أممية فقط بمعنى تواجدها في عدد من البلدان، لقد كانت بالأساس منظمة ألمانية، تتكون من حرفيين ومثقفين ألمان مهاجرين إلى باريس وبروكسل وأماكن أخرى، بالإضافة إلى مجموعات أخرى بمنطقة الراين وسويسرا الألمانية.

والأممية الأولى بدأت كتحالف بين منظمات نقابية إنجليزية تحت تأثير ليبرالي وأخرى فرنسية تحت تأثير برودونى، وفيما بعد اجتذبت تجمعات بصفات أخرى ومن جنسيات مختلفة، وبعيدا عن تكرار تجربة العصبة الشيوعية تطورت الأممية الأولى على عكس المسار، بدون قاعدة برنامجية أساسية وبدون تنظيم مركزي. ونفس الشيء ينطبق، وإن بدرجه أقل، على الأممية الثانية، والتي لم يذكرها تروتسكي هنا.

وحتى الإشارة إلى يسار زيمرفالد لن تتماسك أمام الفحص، فيسار زيمرفالد (علي خلاف تيار زيمرفالد ككل) لم يتكون إلا من الحزب البلشفي كحزب جماهيري قوي، بالإضافة إلي أفراد معدودين معزولين بدرجة أو بأخرى (داد ليتواني، كارل راديك البولندي، مندوبان سويدان، وجوليان بوركارد مندوب مجموعة صغيرة، الاشتراكيون الأمميون الألمان) (22).

[ومع ذلك كله، فلم يكن لتروتسكي خياراً. لم يكن له في ذلك الحين أية قاعدة في أية حركة عمالية، وكانت كل اتصاله بمؤيديه في الاتحاد السوفيتي قد قطعت في ربيع 1933.(32) لقد كانت المسألة بالنسبة له هي تجميع، كل ما يستطيع، أينما وجد، لخلق تيار سياسي. وعلاوة علي ذلك. فإن حجته عن أهمية وجود منبر دولي، تحليل مشترك لقضايا الحركة العمالية، لا يمكن دحضها، ذلك ما قدمه تروتسكي، ولكن اللبس بين الأفكار والتنظيم، بين التيار السياسي والحزب العالمي كان قد ظهر. وفي خلال بضعة سنوات، كان تروتسكي قد أسقط ضمنيا مفهومه عن الحزب “الأداة التاريخية التي تصبح الطبقة من خلالها واعية بذاتها” ودشن أممية بدون أية قاعدة، ذات أهمية، في أية حركة عمالية.

بحث تروتسكي فى البداية عن قوي جديدة، ولكن المجموعات التروتسكية كانت صغيرة ومعزولة بقوة الستالينينة ومحصورة في وجودها الاجتماعي في فئة إنتلجنسيا البرجوازية الصغيرة.

كيف كان يمكن الخروج من ذلك المأزق، كيف كان يمكن بلترة التروتسكية وجذب أعدادا واسعة من العمال، لبناء أحزاب شيوعية جديدة ؟. لقد كان هناك صعاب هائلة في ذلك الطريق. فلقد كان من الآثار البعيدة المدى للهزيمة في ألمانيا هو خلق شعور عام بين مناضلي الحركة العمالية بأهمية الوحدة، حتى أن الدعوة إلي أحزاب جديدة، أي انشقاقات جديدة، كانت تقع عليهم وقوعها علي الأرض الصخرية. كان تروتسكي رائد الدعوة إلي الجبهة العمالية المتحدة ضد الفاشية، ولكن ما أن بدأت هذه الدعوة تكتسب أرضية في الأحزاب الاشتراكية بعد 1933 (وبعد قليل في الأحزاب الشيوعية أيضا)، حتى ظهر أنصار تروتسكي كانشقاقيين، لقد كانوا يدعون إلي أحزاب جديدة وأممية جديدة. وهكذا وطدت عزلتهم.

وبعدما فشلت محاولات أولية للالتقاء مع تجمعات “وسطية” ويسارية إصلاحية عديدة (كان نتاجها كتابات غنية لتروتسكي في السجال ضد الوسطية)، أقترح تروتسكي خطوة خطيرة وهى الدخول في الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية.

وللدقة، فإن تلك الخطوة طرحت فقط لحالات معينة – في البداية فرنسا (ومن هنا أتت تسميته “المنعطف الفرنسي”) – ولكنها عممت في التطبيق. كانت الحجة هي أن الاشتراكيين الديمقراطيين يتجهون إلي اليسار وهكذا يخلقون مناخ أفضل للعمل الثوري، وأنهم يجذبون شرائح جديدة من الطبقة العاملة وهكذا يمثلون مناخا بروليتاريا أكثر بما لا يدعو للمقارنة من مجال الحركة المتوفر للمجموعات التروتسكية المعزولة.

كانت النظرة الأساسية إلي هذه العملية علي أنها خطوة قصيرة الأجل: الدخول في تلك الأحزاب، ثم صراع عنيف مع الوسطيين والإصلاحيين، ثم الانشقاق وخلق الحزب. “إن الدخول في حزب إصلاحي أو وسطي في حد ذاته لا يشمل منظور طويل الأمد. إنها فقط مرحلة يمكن أن تختصر تحت ظروف معينة إلي واقعة عرضية” (24).

ولكن تلك العملية أخفقت في تحقيق هدفها الإستراتيجي، فلقد فشلت في تغيير ميزان القوي وفي تحسين التكوين الاجتماعي للمجموعات التروتسكية. كانت الأسباب الرئيسية للفشل هي عواقب الهزيمة الألمانية وتحول الكومنترن أولا إلي الجبهة المتحدة (1934) ثم إلي الجبهة الشعبية (1935) ونتائجها التي أدت إلى الانزلاق لليمين للحركة العمالية بأسرها. بالإضافة إلي ذلك، كانت حملة ستالين ضد تروتسكي قد نجحت في تصوير تروتسكي ومؤيديه علي أنهم عملاء للفاشية.

ببساطة فإن الظروف التي جعلت بإمكان الثوريين أن يكسبوا أحزاب وسطية جماهيرية متجهة يسارا مثل الحزب الألماني وأغلبية الاشتراكيين الفرنسيين في 1919 – 1920، لم يكن لها أي وجود في 1934 – 1935. إن تأثير أي أخطاء ارتكبها تروتسكي ومؤيدوه أثناء المنعطف الفرنسي تصبح تافهة إذا ما قورنت بتأثير الأوضاع غير الملائمة.

ولكن بعض الفوائد المفترضة من ذلك التكتيك قد تحققت، فمثلا القطع مع كثير ممن دعاهم تروتسكي “الانشقاقيين المحافظين” الذين لم يستطيعوا التوافق مع السياسة النشطة نحو أواخر 1933 كتب تروتسكي:
“لا تستطيع منظمة ثورية أن تتطور بدون تطهير نفسها، بالذات تحت ظروف العمل القانوني حين يحدث أن يتجمع تحت لواء الثورة عناصر غريبة ومنحطة… نحن علي أبواب منحني ثوري هام. وفي تلك اللحظات تصبح الانشقاقات والأزمات الداخلية محتومة. أن الخوف منها يساوي استبدال السياسة الثورية بعاطفية البرجوازية الصغيرة والمخططات الشخصية.
إن العصبة (المجموعة التروتسكية الفرنسية) تمر بأول أزمة تحت معايير ثورية واضحة، وتحت هذه الظروف يصبح انشقاق جزء من العصبة خطوة عظيمة إلي الأمام. سوف تطرح جانبا كل ما هو مريض. كسيح وعقيم، وسوف تعطي درسا لكل العناصر المترددة المائعة، وتزيد من صلابة القسم الأفضل من الشباب. سوف تحسن من مناخ العمل، وتفتح أمام العصبة آفاقا جديدة وعظيمة.(25)

بدون شك كان كل هذا صحيحا علي مستوي المبدأ، وعمليا تم ضم عناصر جديدة من منظمات الشباب الاشتراكية لتحل محل أولئك الذين تم استبعادهم (أو بالأحرى تساقطوا) ولكن رغم ذلك ظل ميزان القوي علي حاله – ضعف اليسار الثوري الشديد. ماذا إذن؟

دفع تروتسكي في طريق إنشاء الأممية الرابعة، بعد أن كان قد كرر مرارا أن ذلك لا يمكن أن يكون هدفا مباشرا بسبب عدم وجود القوى التي يمكنها تحقيق ذلك. فحتى 1935 كان يهاجم الفكرة السخيفة القائلة بأن “التروتسكيين يريدون أممية رابعة الخميس القادم”، وفي أقل من سنة كان يطرح إنشاء الأممية الجديدة.

في ذلك الحين لم يستطع إقناع مؤيديه، لكن بحلول 1938 كان قد جذبهم إلي صفه. كانت القوى الملتصقة بالأممية الرابعة في 1938 أضعف من تلك الموجودة في 1934 (باستثناء حزب العمال الاشتراكي الأمريكي)، وكانت الثورة الأسبانية قد خنقت. برر تروتسكي موقفه بتراجع جزئي إلى شبه العفوية التي كان يدعو إليها قبل 1917، وبالتشبه بموقف لينين في 1914.

كتب تروتسكي في 1938 :
“إننا نري بجلاء أكثر من منتقدينا الفجوة ما بين قوتنا وأهدافنا الحالية، ولكن الجدلية المأساوية القاسية لهذه المرحلة تعمل لصالحنا. فعندما تصل الجماهير إلي أقصي درجات السخط والنقمة لن تجد بديلا لقيادة الأممية الرابعة”(27).

لقد أثبتت دروس أعوام 1917 إيجابياً، و 1918 – 1919 سلبياً وقبل كل شيء دروس الثورة الأسبانية فى 1936 ، أنه لا غني عن أحزاب ثورية متجذرة في الطبقة العاملة من خلال الصراع الطويل حول مطالب جزئية، وكان تروتسكي يدرك ذلك جيدا، لكنه الآن وبسبب غياب تلك الأحزاب، ولأن هذه الأحزاب لم تكن موجودة والحاجة لها كانت شديدة الإلحاح تبنى تروتسكي رؤية أن انفجار الثورة نفسه سيخلق من الحركة الغاضبة والعفوية للجماهير هذه الأحزاب طالما رفعت راية ثورية نقية. وسيرفع الانفجار العفوي خلال الحرب و بعدها بقليل قيادات فصائل الأممية الرابعة المعزولة وقليلة الخبرة إلى قيادات أحزاب جماهيرية.

أما عن التشبه بموقف لينين في 1914 عندما أعلن “إن الأممية الثانية قد ماتت، فلتحيا الأممية الثالثة” فلقد كان خطئاً مزدوجا، فلينين عندما أعلن ذلك كان بالفعل أقوي القادة لحزب جماهيري حقيقي في دولة كبيرة، على الرغم من ذلك لم يفكر لينين بإنشاء الأممية الثالثة إلا بعد سنه ونصف من ثورة أكتوبر عندما كانت هناك حركة جماهيرية ثورية متصاعدة في أوربا. إن تجاهل تروتسكي لكل ذلك هو نتيجة لإرادته الثورية الشديدة ولكن النتيجة السياسية لذلك كان التشوش والتخبط لأتباعه عندما حدث بعد موت تروتسكي صعود حقيقي للجماهير ولم يتمكنوا من التأثير فيه بسبب عزلتهم وصغر حجمهم وأدى ذلك أيضاً إلى الصعوبة الشديدة التي واجهوها في تطوير توجه ثوري واقعي.

كان هناك عنصراً ذاتياً غاية فى الأهمية في رؤية تروتسكي في تلك الفترة ، التى شهدت صعود الفاشية وتراكم هزائم الحركة العمالية . ففي موقفه شديد الصعوبة ووجود حرب عالمية جديدة علي الأبواب، كان يجب رفع لواء الثورة والتأكيد علي البرنامج الشيوعي إلي أن تقوم الثورة بإعادة ترتيب الأوراق.

من الجائز أنه كان يستحيل عليه أن يحفظ تماسك أتباعه إلا بتبنى مثل هذا التوجه، وإذا كان الأمر كذلك فلقد كان انحرافاً ضرورياً عن أفكاره الناضجة، ولكن العواقب مع هذا كانت حقيقية.

« السابق التالي »