بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ماركسية تروتسكي

« السابق التالي »

6- الفصل الخامس: الإرث

إن جوهر التراجيديا، كما كتب تروتسكي ذات مرة، هو التفاوت بين الأهداف العظيمة والوسائل الضئيلة. مهما يمكن القول عن هذا التعميم فإنه بالتأكيد يلخص محنة تروتسكي في السنوات الأخيرة من حياته. فالرجل الذي نظم فعليا انتفاضة أكتوبر والذي قاد عمليات الجيش الأحمر، الذي تعامل كصديق أو كعدو.. مع الأحزاب العمالية الجماهيرية (ثورية وإصلاحية) من خلال الكومنترن، كان الآن يناضل فقط من أجل أن تبقي معاً مجموعات صغيرة جدا متفرقة، كلها غير قادرة علي التأثير في مجري الأحداث، حتى بشكل هامشي. لقد اضطر لأن يتدخل مرة بعد أخري في مئات النزاعات الصغيرة داخل عدد من المجموعات الصغيرة، تضمنت بعض تلك النزاعات، بالفعل، مسائل هامة عن المبادئ السياسية ولكن حتى هذه النزاعات، كما رأي تروتسكي ذاته بوضوح، كانت تجد جذورها في عزلة المجموعات عن الحركة الحقيقية للطبقة العاملة وتأثير المناخ البرجوازي الصغير – لأن هذا هو المناخ الذي نشطوا فيه، والذي تأقلم عليه الكثيرون منهم.

رغم كل ذلك، ناضل تروتسكي حتى النهاية؟. أثرت عزلته المفروضة عن المشاركة الفعالة في الحركة العمالية، التي لعب فيها يوما ما دورا كبيرا، أثرت لحد ما علي فهمه للمجري المتغير دائما للصراع الطبقي. لم تكن حتى خبرته الواسعة ولمحاته التكتيكية المتفوقة لتغني تماما عن التفاعل مع المناضلين المشتركين في الصراع اليومي، الأمر الذي لا يمكن حدوثه إلا في حزب شيوعي حقيقي. ولكلما طالت فترة العزلة كلما وضح ذلك أكثر. قارن مثلا بين “البرنامج الانتقالي” الذي كتبه في 1938 وبين برنامج العمل المخصص لفرنسا (1934) فالأخير متفوق بوضوح في نضارته، وفي علاقته الوثيقة بالموضوع، في خصوصيته وواقعيته بالنظر إلي الصراع الحقيقي.

لم تكن هذه بالتأكيد مسألة إخفاق في القوة الفكرية فبعض أعمال تروتسكي الأخيرة التي لم يكملها، خاصة “النقابات العمالية في حقبة التفسخ الإمبريالي” تعتبر إضافات رائعة للفكر الماركسي. ولكنها كانت مسألة غياب للعلاقة الوثيقة مع أعداد مهمة من المناضلين المشتركين في الصراع الحقيقي.

إلا أنه عندما قُتل تروتسكي علي يد عميل ستالين جاسكون – ميركادير كان بالفعل قد ترك وراءه حركة. مهما كان ضعف وفشل هذه الحركة، وهما أمران واضحان، كانت تعد إنجازاً عظيما. لقد كاد نمو الستالينية ثم انتصار الفاشية في معظم أوروبا أن يقضي تماما علي التراث الشيوعي الحقيقي في الحركة العمالية. كان تدمير الفاشية مباشراً. لقد دمرت التنظيمات العمالية حيثما وصلت للسلطة. فعلت الستالينية نفس الشيء بوسائل مختلفة داخل الاتحاد السوفيتي وخارج الاتحاد السوفيتي أفسدت الستالينية ثم خنقت فعليا التراث الثوري كحركة جماهيرية.

يصعب اليوم تقدير القوة الكاملة للسيل الجارف من الافتراء والسب الذي تعرض له تروتسكي وأتباعه في الثلاثينات. لقد خصصت موارد الدعاية في الاتحاد السوفيتي وأحزاب الكومنترن، بالكامل، لإدانة “التروتسكيين” (الحقيقيين والزائفين) كعملاء لهتلر والإمبراطور الياباني وكل أنواع الرجعية. لقد وصف ذبح البلاشفة القدامى في الاتحاد السوفيتي (بعضهم بعد محاكمات “مسرحية” رائعة، ومعظمهم بالقتل دون محاكمتهم)، كانتصار لقوي “الاشتراكية” و”السلام” بناء علي الشعار الستاليني وقتذاك “كل خائن – ضعيف، فاسد أو طموح – للاشتراكية في الاتحاد السوفيتي قد أُُجر ليقوم بالأعمال القذرة للرأسمالية والفاشية”.

هكذا أعلن تقرير اللجنة المركزية المقدم للمؤتمر ال 15 للحزب الشيوعي الإنجليزي في 1938:
“في مقدمة التحطيم والتخريب والاغتيال نجد دائماً العميل الفاشي تروتسكي. ولكن دفاعات الشعب السوفيتي قوية. فتحت قيادة الرفيق البلشفي يزهوف، تم فضح الجواسيس والعملاء أمام العالم وتقديمهم للمحاكمة”.(1)

يزهوف هذا الذي وصل للسلطة بعد قرار إعدام سلفه ياجودا، كان رئيس الشرطة الذي قام بعملية ذبح الشيوعيين وآخرين كثيرين في الاتحاد السوفيتي في 1937- 1938 في قمة الإرهاب الستاليني.

الخط الرسمي، الذي أعلنه ستالين بنفسه، كان إن “التروتسكية هي رأس حربة البرجوازية المضادة للثورة، التي تشن الصراع ضد الشيوعية”(2). واستمرت هذه الحملة الجبارة من الأكاذيب يساندها الكثيرون من “الليبراليين” والاشتراكيين الديمقراطيين الذين انجذبوا للأحزاب الشيوعية بعد 1935، أكثر من عشرين عاما. ساعدت هذه الحملة علي تلقيح المناضلين في الأحزاب الشيوعية ضد النقد الماركسي للستالينية. وهناك أيضا أمر آخر علي الأقل يتساوى في الأهمية مع ما ذكرناه بالنسبة للتنظيمات الثورية الصغيرة في ذلك الوقت وهو الإحباط العام الذي ترسب نتيجة لانهيار الجبهات الشعبية وقدوم الحرب العالمية الثانية.

عبر تروتسكي عن كل هذا في النقاش الذي دار في ربيع 1939:
“نحن لا نتقدم سياسيا. نعم، هذه حقيقة تعبر عن التحلل العام للحركة العمالية في ال 15 عاما الماضية. إن السبب العام الأساسي. عندما تكون الحركة الثورية عموما في هبوط، عندما تعقب الهزيمة الأخرى، عندما تنتشر الفاشية في العالم. عندما تكون “الماركسية” هي التنظيم الأكثر قوة في خداع العمال، هكذا يصبح أمرا حتميا أن تعمل العناصر الثورية ضد التيار التاريخي العام، حتى ولو كانت أفكارنا وشروحنا دقيقة وحكيمة إلي أقصي حد. ولكن الجماهير لا تتعلم من خلال الرؤية التنبؤية، بل بالتجارب العامة في حياتها. هذا هو التفسير العام جدا. الوضع كله ضدنا”.(3)

لقد كانت حركة الأممية الرابعة التي نجت من تلك الظروف شديدة الصعوبة تحت إلهام تروتسكي وتوجيهه خائفة سياسيا من التجربة بدرجة كبيرة. وقد دخلت تباعاً في المزيد من التشوهات. ولكن، علي كل الأحوال، كانت هي التيار الشيوعي الحقيقي الوحيد الذي نجا من العصر الجليدي.
الرؤية العالمية 1938 – 1940

مثل الاعتقاد بأن النظام الرأسمالي قريب من نَفسه الأخير مركز رؤية تروتسكي للعالم في أعوامه الأخيرة.
“إن الشرط المسبق الاقتصادي للثورة البروليتارية قد وصل عموما إلي أعلي نقاط نضجه التي يمكن الوصول إليها في ظل الرأسمالية. إن قوي إنتاج البشرية في حالة ركود. ولم تعد الاختراعات والتحسينات الجديدة قادرة علي رفع مستوي الثروة المادية” هكذا كتب تروتسكي في برنامج 1938 :
“الأزمات المتضافرة في ظل ظروف الأزمة الاجتماعية للنظام الرأسمالي ككل، تُنزل حرمانا ومعاناة أكثر علي، الدوام بالجماهير. والبطالة المتزايدة بدورها، تعمق الأزمة المالية للدولة وتضعف الأنظمة النقدية غير المستقرة وتترنح الأنظمة الديمقراطية، فضلا عن تلك الفاشية، من أزمة لأخرى”.(4)

وتصلح هذه الفقرة كوصف، لحالة معظم الاقتصاد العالمي، في ذلك الوقت. وكما قيل فقد تأثر تروتسكي بشدة التباين بين هذا الركود والنمو الصناعي السريع للاتحاد السوفيتي (لقد كانت هناك استثناءات أخري مهمة أيضا لم يأخذها تروتسكي في الاعتبار، فالناتج الصناعي تضاعف في اليابان بين 1927 – 1936 واستمر في النمو، كما اختفت البطالة تماما في ألمانيا الهتلرية نتيجة للطموح نحو إعادة التسلح).

إلا أن تروتسكي ذهب إلى أكثر من هذا. لقد اعتقد أن حالة الرأسمالية لا يمكن علاجها. “لقد وصل تفسخ الرأسمالية إلي حدود قصوى، وبالمثل تفسخ الطبقة الحاكمة القديمة ويستحيل استمرار هذا النظام أكثر من ذلك”(5) هكذا كتب تروتسكي في 1939.

بالتالي، لا يمكن أن تحصل الأحزاب العمالية الإصلاحية علي أي مكاسب لأنصارها، “وحيث يتعدى كل مطلب جاد للبرولتياريا بل وكل مطلب جاد للبرجوازية الصغيرة، حتميا، حدود علاقات الملكية الرأسمالية والدولة البرجوازية”(6)، كما جاء في برنامج 1938 .

هذا لم يعني أن الأحزاب الجماهيرية الإصلاحية ستختفي تلقائيا – ستحافظ عليها قوة الدفع التاريخية وغياب البديل الواضح لفترة قصيرة. إلا أنها لم يعد لها أي أساس آمن نسبيا. لقد تم زعزعتهم. وستدمرهم هذه الحرب وأزمة ما بعد الحرب.

واعتقد تروتسكي أن تلك الأحزاب تتضمن الأحزاب الشيوعية.
“إن عبور الكومنترن لجانب النظام البرجوازي ودوره المضاد للثورة السافر في جميع أنحاء العالم خاصة في أسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة ودولا “ديمقراطية” أخرى، قد خلق صعوبات استثنائية للبروليتاريا العالمية. وتحت راية ثورة أكتوبر تصيب السياسات التوفيقية التي تنتهجها “الجبهات الشعبية” الطبقة العاملة بالعجز”.(7)

لقد حمل تروتسكي منذ 1935 الاعتقاد بأن “لا شيء الآن يفرق الشيوعيين عن الاشتراكيين الديمقراطيين إلا الخطاب التقليدي الذي يسهل تجاهله”.(8)
أثبت الواقع أنه أكثر تعقيداً , وهذا الأمر عجل أخيرا بأزمة جوهرية في حركة الأممية الرابعة لقد كان تروتسكي يشير إلى اتجاه حقيقي إلا أن المدة الزمنية لهذا الاتجاه كانت أطول بكثير مما تصور تروتسكي. بعد حلف هتلر – ستالين ( أغسطس 1939) ظلت أحزاب الكومنترن موالية لموسكو. وفي الحرب الباردة ” منذ أواخر 1948 لم تسلم تلك الأحزاب لبروجوازيتها أيضا لم تكن سياساتهم ثورية ولكنها لم تكن ببساطة إطلاحية بالمعنى المعتاد. لقد حافظوا، قرابة 20 عاما علي توجه “يساري” تجاه الدولة البرجوازية (دعم ذلك استبعادهم عن الحكومة في فرنسا وإيطاليا وبلاد أخرى بعد 1947) الأمر الذي صعب جدا مهمة خلق بديل ثوري، حتى لو كانت الظروف الأخرى أكثر مناسبة.

وفي حالة مهمة واحدة وهى الصين، وحالات أقل (من ضمنهم ألبانيا ويوغوسلافيا وفيتنام الشمالية، حطمت بالفعل أحزاب ستالينية دولا برجوازية ضعيفة واستبدلتهم بأنظمة علي النمط الروسي. أثارت الثورة الصينية 1948 – 1949 خاصة، الأسئلة حول التحليل التروتسكي الكلاسيكي للأحزاب الستالينية، علي الأقل بالنسبة للدول المتخلفة. فلو نُظر إليها كثورة بروليتارية لهدم أساس وجود الأممية الرابعة وهو الطبيعة المضادة للثورة جوهريا للستالينية ولو كانت، علي الجانب الآخر، بمعني ما من المعاني، ثورة برجوازية أو “ديمقراطية جديدة” كما ادعى ماو تسي تونج حينذاك، لاهتزت نظرية الثورة الدائمة. سنعود لهذه المسألة فيما بعد ما يهمنا هنا هو أن حدوث الثورة، بغض النظر عن التحليلات المختلفة لطبيعتها، جددت الصورة الثورية للستالينية لمدة طويلة.

ولكن الخطأ الأهم الذي ارتكبه تروتسكي في ذلك الوقت هو اعتقاده أنه لا مخرج للرأسمالية اقتصاديا، حتى لو تم تجنب الثورة البروليتارية. لقد كان هذا اعتقاده بدون أدني شك. وقد كتب قرب نهاية 1939:
“حتى لو سلمنا بأن الحرب الحالية لن تسفر عن ثورة بل عن انحدار للبروليتاريا فسيبقي بديل آخر: المزيد من التحلل للرأسمالية الاحتكارية، المزيد من اندماجها مع الدولة واستبدال الديمقراطية أينما بقيت بنظام شمولي يمكن حقيقة أن يسفر عجز البروليتاريا عن الأخذ بزمام قيادة المجتمع، في ظل هذه الظروف، إلي نمو طبقة مستغلة جديدة من البيروقراطية البونابرتية الفاشية هذا سيكون إذا أخذنا في الاعتبار كل الدلائل، نظام ينحدر يعطي الإشارة بخسوف شمس الحضارة” (9).

كان يمكن لتروتسكي أن يوافق علي إمكانية انتعاش اقتصادي مؤقت ما علي أساس دوري. لقد لمح تروتسكي قبل غيره الصحوة المحدودة في الرأسمالية الأوروبية في 1920 – 1931 (واستخلص النتائج السياسية من ذلك) وأشار إلي صحوة معينة في بداية الثلاثينات بعد مصائب 1929-1931 ولكنه استبعد تماما إمكانية صعود اقتصادي طويل الأمد مثل ذلك الذي نتجت عنه الإصلاحية كقوة جماهيرية قبل الحرب العالمية الأولي. لقد كانت وجهه نظر تروتسكي وجهة نظر منتشرة داخل صفوف اليسار في ذلك الوقت. ولكن كانت هناك دلائل حتى في ذلك الوقت علي أن إنتاج الأسلحة في نطاق واسع يمكن أن يؤدي إلي نمو اقتصادي شامل – نمو لم يكن ليقتصر علي قطاع الأسلحة في الاقتصاد. بالطبع كانت هذه الدلائل متعلقة بالاستعدادات المباشرة للحرب العالمية الثانية. ولكن ماذا لو إن الإعداد للحرب يمكن أن يكون دائما أو شبه دائم ؟.

في الحقيقة، بعد الحرب العالمية الثانية، شهدت الرأسمالية صحوة جبارة، وبعيدا جدا عن سيطرة الانكماش والانحدار الاقتصادي، كان هناك توسعا اقتصاديا أكبر من التوسع في الفترة الكلاسيكية للإمبريالية قبل 1919. وكما أشار “مايكل كيدرون” في 1968، “فالنظام ككل لم ينم أبدا بنفس السرعة التي نما بها بعد الحرب – ضعف سرعة 1913 – 1950 في الفترة بين 1950 -1964” (10).
حصلت الإصلاحية علي صك حياة جديد في الدول الرأسمالية المتطورة علي أساس ارتفاع مستوي حياة جماهير الطبقة العاملة. لقد كان هناك اختلاف بين الإصلاحيين والماركسيين حول كون الانتعاش الاقتصادي الجبار في الخمسينات والستينات أساسا نتيجة إنفاق الدولة المتزايد بضخامة (بالتحديد الإنفاق علي الأسلحة) أم لا، ولكن ما كان يجمع عليه الجميع هو أن نبوءة تروتسكي كانت خاطئة.

فالنتائج السياسية للانتعاش كذبت التنبؤ بأن البدائل المباشرة كانت إما الثورة البروليتارية أو الدكتاتورية الفاشية أو البونابرتية التي ستؤدي إلي “خُسوف شمس الحضارة”.

علي العكس، أصبحت الديمقراطية البرجوازية وسيطرة الإصلاحية علي الحركة العمالية هي القاعدة مرة أخري في معظم الدول المتطورة.

مثلت نجاة الأنظمة البرجوازية من الهبات الكبرى في 1944-1945، عندما كانت الدول الفاشية تحطم بواسطة مزيج من القوة العسكرية للحلفاء ونمو متصاعد من التمرد الجماهيري، شرطا لاغني عنه في مثل هذا التطور اللاحق. في معظم الدول الأوروبية نمت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والشيوعية بسرعة في هذه الحقبة الحرجة ليلعبوا دورا مضادا للثورة (في شرق وغرب أوروبا) ودورا حاسما كذلك معادى للثورة في فرنسا وإيطاليا. إلا أن تروتسكي سلم بأنه في المراحل الأولي للثورة ستنتعش الأحزاب العمالية الموجودة بالفعل (وتكفي كتاباته عن الثورة الروسية لتؤكد ذلك تماما) وستمارس سياستها المضادة للثورة ولأن رؤية تروتسكي كانت تعتمد على الكارثة الاقتصادية، الإفقار الجماهيري ونمو الأنظمة الشمولية كالبديل الوحيد للثورة البروليتارية في الأمد القصير، فإنه اعتقد أن انتعاش الإصلاحية سيكون قصير للغاية – مثل فترة حكم كيرنسكي.

هذا هو السبب الذي جعله يكتب بمنتهى الثقة في أواخر 1938، “خلال العشر سنوات القادمة سيصبح برنامج الأممية الرابعة موجهاً للملايين وستعرف هذه الملايين الثورية كيف تزلزل السماء والأرض”.(11)

جعل هذا المناخ من التوقعات الطوباوية التي أنتجته مثل هذه المقولات من الصعب علي أتباع تروتسكي أن يقيموا بواقعية ورصانة التحولات الحقيقية في وعي الطبقة العاملة والتغيرات في توازن القوي الطبقية، والتغيرات التكتيكية اللازمة للاستفادة القصوى منها (وهذا هو جوهر الممارسة السياسية للينين).

لابد أن نذكر هنا تركيز تروتسكي علي أهمية “المطالب الانتقالية” التي سمي بها برنامج 1938:
“من الضروري مساعدة الجماهير في عملية النضال اليومي لنوجد المعبر بين المطالب الحالية والبرنامج الاشتراكي للثورة. لابد أن يتضمن هذا المعبر نظاما للمطالب الانتقالية النابعة عن ظروف اليوم ووعي شرائح واسعة من الطبقة العاملة اليوم تؤدي بوضوح لاستنتاج نهائي محدد: استيلاء البروليتاريا علي السلطة”.(12)

مسألة ما إذا كان من الممكن أم لإيجاد شعارات أو مطالب تتماشى مع هذه الخصوصيات المحددة جدا تعتمد بالطبع علي الظروف. فلو كان وعي شرائح واسعة في وقت ما هو وعي غير ثوري فلن يكون ممكناً تغييره بالشعارات. يتطلب الأمر تغيرات في الظروف الواقعية.

إن المسألة في كل مرحلة هي التوصل إلى والدفع بتلك الشعارات التي لن تضرب فقط علي وتر حساس لدي بعض قطاعات الطبقة العاملة (أو الطبقة العاملة كلها مثالياً) بل والتي تستطيع أن تدفعها إلى الحركة. كثيراً ما ستكون تلك الشعارات غير انتقالية بتعريف تروتسكي الضيق جدا .

بالطبع لا يمكن أن نحمل تروتسكي مسئولية ميل معظم أتباعه لتصنيم فكرة المطالب الانتقالية بل والمطالب الخصوصية في برنامج 1938 وأكثرها بروزا هو “المقياس المنزلق للأجور”. إلا أن تركيزه علي هذا الأمر كان زائداً عن اللازم وشجع الاعتقاد بأن لتلك “المطالب” قيمة مستقلة عن التنظيم الثوري في الطبقة العاملة.

الاتحاد السوفيتي والستالينية – الحرب والنتيجة
بدأت الحرب العالمية الثانية بالهجوم الألماني علي بولندا الذي سرعان ما أعقبه تقسيم أراضي دولة بولندا بين هتلر وستالين. ظل هتلر وستالين حلفاء قرابة العامين (من صيف 1939 إلي صيف 1941). وفي تلك الفترة استطاع نظام ستالين أن يضم دول البلطيق وبوكوفينا وباساربيا بالإضافة لمعظم أوكرانيا الغربية وبيلو روسيا الغربية.

منذ 1935 حتى 1939 كانت السياسة الخارجية لستالين موجهة نحو تحقيق التحالف العسكري مع فرنسا وإنجلترا ضد هتلر. كانت سياسة “الجبهة الشعبية” هي الوجه الآخر لهذا التحالف. ومع مجيء تحالف هتلر – ستالين تحولت الأحزاب الشيوعية إلي موقف معادي للحرب، وهو موقف لا علاقة له بالثورية، إلي أن جاء هجوم هتلر علي الاتحاد السوفيتي (بعد ذلك أصبحت الأحزاب الشيوعية في دول الحلفاء شديدة الوطنية).

أنتج تحالف هتلر – ستالين وتقسيمه لبولندا حالة نفور داخل الحلقات اليسارية خارج الأحزاب الشيوعية (وعدد من الانسحابات من تلك الأحزاب أيضاً)، الأمر الذي كان له أثره أيضاً علي المجموعات التروتسكية. في أكبر تلك المجموعات، حزب العمال الاشتراكي الأمريكي بدأت تظهر معارضة لشعار تروتسكي “الدفاع غير المشروط عن الاتحاد السوفيتي ضد الإمبريالية” وهو الشعار الناتج عن تعريفه للاتحاد السوفيتي كدولة عمالية منحطة، وبعد ذلك بقليل بدأت هذه المعارضة في إعادة التفكير في هذا التعريف ذاته.

وفي أثناء الجدل الذي أعقب ذلك أكمل تروتسكي تطوير تحليله للستالينية في الاتحاد السوفيتي وتعامل مع المواقف البديلة، بغرض نقدها.

“دعونا نبدأ بطرح التساؤل عن طبيعة الدولة السوفيتية لا علي الصعيد السوسيولوجي المجرد بل علي صعيد المهام السياسية المحددة، هكذا كتب تروتسكي في سبتمبر 1939. دعونا نسلم للحظة بأن البيروقراطية هي طبقة جديدة وأن النظام الحالي في الاتحاد السوفيتي هو نظام خاص للاستغلال الطبقي. ما هي الاستنتاجات السياسية الجديدة التي ستتبع من هذه التعريفات؟ لقد توصلت الأممية الرابعة منذ زمن لضرورة التخلص من البيروقراطية بواسطة انتفاضة ثورية للكادحين. لا يطرح، ولا يمكن أن يطرح هؤلاء الذين يدعون بأن البيروقراطية “طبقة” مستغلة شيء آخر فالهدف المنشود من الإطاحة بالبيروقراطية هو إعادة بناء حكم السوفييتات، طاردين منها البيروقراطية الحالية لا يقترح، ولا يمكن أن يقترح، المنتقدون اليساريون أي شيء آخر. إن مهمة السوفييتات العائدة مرة أخري للحياة. هي أن تتعاون مع الثورة العالمية وتبني المجتمع الاشتراكي. إن الإطاحة بالبيروقراطية تفترض أولا المحافظة علي ملكية الدولة والاقتصاد المخطط.. فطالما بقيت هناك علاقة بين مسألة الإطاحة بالأولجياركية الطفيلية والمحافظة علي ملكية الدولة، سنطلق علي الثورة المستقبلية اسم ثورة سياسية. إن بعض منتقدينا (سيلينا، برونو، وآخرين) يريدون، وليحدث ما يحدث، أن يطلقوا علي الثورة المستقبلية ثورة اجتماعية. فلنوافق علي هذا التعريف. ماذا سيغير هذا في جوهر الموقف؟ لن يضيف أي شيء علي الإطلاق لمهام الثورة التي حصيناها”.(13)

يبدو هذا الرأي قويا جدا عند النظرة الأولي. ولكن ماذا إذن عن مسألة الدفاع عن الاتحاد السوفيتي؟

“إن الدفاع عن الاتحاد السوفيتي يتماشى عندنا مع الإعداد للثورة العالمية ويسمح فقط بتلك الوسائل التي لا تتعارض مع مصالح الثورة. إن الدفاع عن الاتحاد السوفيتي مرتبط بالثورة الاشتراكية العالمية كمهمة تكتيكية مرتبطة بمهمة إستراتيجية. والتكتيك يخضع لهدف استراتيجي ولا يمكن أن يتناقض مع الأخير”.(14)

فلو دخلت متطلبات العملية التكتيكية في تعارض مع الهدف الاستراتيجي (وهو ما اعتقد منتقدو تروتسكي اليساريون بضرورة حدوثه) لبات من الضروري التضحية بالتكتيك – الدفاع عن الاتحاد السوفيتي علي هذا الأساس، يبدو إنه يسهل على منتقدي تروتسكي ( هؤلاء الذين اعتبروا أنفسهم ثوريين) أن يختلفوا مع تسميته. ولكن لماذا الانشقاق بسبب مجرد كلمات؟
كان رأي تروتسكي هو أن المسألة أكبر من ذلك. فلو شكلت البيروقراطية بالفعل طبقة ومثل الاتحاد السوفيتي شكلا للمجتمع المستغل. إذن لما أمكن الافتراض بأن روسيا الستالينية هي النتاج الاستثنائي جدا لظروف فريدة, ولما أمكن الافتراض بأنها محكوم عليها بالزوال بسرعة, وهو ما كان تروتسكي مقتنعا به.

لم تتوقف الأمور عند هذا الحد أيضاً. لقد أشار تروتسكي لوجهة نظر “في الهواء” لو جاز التعبير، في نهاية الثلاثينيات، وهي تزايد “البقرطة” و”الدولنة” في كل مكان وأن هذا دلل علي شكل المجتمع القادم “الدولة الشمولية” والتي توقع لها تروتسكي نفسه أن تتطور لو لم تعقب الثورة البروليتارية الحرب. وعبرت رواية جورج أورويل 1984 (التي نشرت في عام 1944) عن هذا المزاج. هكذا أصبح السؤال ملتبساً مع “المنظور التاريخي العالمي لعقود، إن لم تكن لقرون قادمة: هل دخلنا في حقبه الثورة الاجتماعية والمجتمع الاشتراكي أم، علي العكس، في حقبة المجتمع المنحدر إلي البيروقراطية الشمولية”.(15)

طرحت البدائل بشكل خاص. لقد كانت تنبؤات كتاب برونوريزي “بقرطة العالم”، الذي أشار إليه تروتسكي، تنبؤات انطباعية وليست نتاج تحليل ولم يستنتج صحة الادعاء بأن الاتحاد السوفيتي مجتمع مستغل. افترض أنه كان شكلا جديدا للرأسمالية، لو صح ذلك، لتهدمت كل مقولات “المنظور التاريخي العالمي” تماماً.

بالطبع كان تروتسكي مدركاً لمفهوم رأسمالية الدولة. كتب في الثورة المغدورة:
“نظرياً، من المؤكد، يمكن تصور وضع تشكل فيه البرجوازية ككل شركة مساهمة تدير بواسطة دولتها كل الاقتصاد القومي. ولن تقدم القوانين الاقتصادية لمثل هذا النظام لغزا. الرأسمالي الفردي، كما هو معروف، يأخذ في شكل ربح نصيباً من فائض القيمة الكلي الذي خلق في البلد ككل بما يتوازى مع رأسماله الخاص، وليس فائض القيمة الذي خلقه عمال مؤسسته. ففي ظل رأسمالية الدولة الموحدة، سيتحقق قانون معدل الربح المتساوي هذا ليس بواسطة طرق ملتوية -أي التنافس بين رؤوس الأموال المختلفة بل فوراً ومباشرة من خلال دفاتر الدولة – ولكن، لم يوجد أبداً مثل هذا النظام، ولن يوجد أبداً بسبب التناقض بين المالكين أنفسهم، خاصة لأن الدولة في صفتها هنا كوعاء عام للملكية الرأسمالية، ستصبح هدفاً شديد الجاذبية للثورة الاجتماعية”.(16)

فعلي الرغم من أن تروتسكي اعتقد أنه من الممكن نظرياً وجود نظام رأسمالية دولة موحدة (أي كامل) إلا أن هذا النظام لن يوجد أبدا. ولكن فلنفترض أنه قد تم تحطيم برجوازية ما بواسطة ثورة وفشلت البروليتاريا – بسبب ضعفها العددي والثقافي – في الاستيلاء علي السلطة أو الحفاظ عليها بعد الاستيلاء عليها. ماذا إذن؟ تصبح بيروقراطية تبرز كشريحة ذات امتيازات (كما وصف تروتسكي باستفاضة في حالة بيروقراطية ستالين) سيدة الدولة والاقتصاد. ماذا سيكون في الواقع دورها الاقتصادي؟ ألن تكون “بديل” للطبقة الرأسمالية ؟. لا يمكن أن يجادل أحد بأنها ليست رأسمالية لأنها تسيطر علي الاقتصاد القومي كله. لقد سلم تروتسكي من حيث المبدأ، بأن برجوازية دولة يمكنها أن تشغل مثل هذا الموقع. الدفع الجاد الوحيد الذي يمكن تقديمه، بناء علي تحليل تروتسكي، هو ما قدمه تروتسكي ذاته. “البيروقراطية لا تملك لا أسهم ولا سندات”، هناك نقطتان بهذا الصدد: أولا، وهذه هي النقطة الأقل أهمية، إن هذا ببساطة ليس صحيحا، فأي شخص في الاتحاد السوفيتي ذو إمكانيات يستطيع أن يشتري سندات دولة بفائدة ويستطيع توريثها إذا دفع ضريبة ميراث معقولة (أصغر بكثير من ضريبة الميراث في الغرب، بالضبط كما أن أعلي معدلات ضريبة الدخل في الاتحاد السوفيتي أصغر بكثير عنها في معظم الدول الرأسمالية الغربية)، ثانيا، وهذه هي النقطة الأهم، فمن وجهة نظر ماركسية يعتبر استهلاك الفرد الرأسمالي، كما قال ماركس، “سرقة تتم علي حساب التراكم”، أي أنه استنزاف للموارد كان يمكن أن يذهب نحو التراكم، وهو بالتأكيد ليس الاعتبار الأهم. الاعتبار الأهم هو من يسيطر علي عملية التراكم.

وعند عودته لذات المسألة في 1939 كتب تروتسكي :
“لقد رفضنا، وما زلنا نرفض، هذا المصطلح (رأسمالية الدولة) الذي يتجاهل الفرق الجوهري بين الدولة السوفيتية والدول الرأسمالية، رغم أنه يُوَصف بالفعل خصائص معينة لهذه الدولة، هذا الفرق هو عدم وجود البرجوازية كطبقة مالكة، ووجود شكل ملكية الدولة لأهم وسائل الإنتاج، وأخيراً الاقتصاد المخطط الذي سمح به قيام ثورة أكتوبر” (17).

لقد أصر تروتسكي علي التعامل مع تحليل المجتمع الستاليني من وجهة نظر شكل الملكية وليس علاقات الإنتاج الاجتماعية الحقيقية – رغم أنه كثيرا ما استخدم هذا التعبير الذي اعتبره متطابقاً مع شكل الملكية. إلا أنهما ليسا متطابقين.

في نقده لبرودون أوضح ماركس :
“لكي نُعَرف الملكية البرجوازية لابد أن نتعرض لكل علاقات الإنتاج البرجوازي الاجتماعية. أما محاولة تعريف الملكية كعلاقة مستقلة، كتصنيف منفصل – كفكرة مجردة أبدية – فلا يمكن اعتباره إلا وهما ميتافيزيقياً أو حقوقياً” (18).

هذا هو الحال في الاتحاد السوفيتي. لا يمكن النظر إلي شكل الملكية (ملكية الدولة في هذه الحالة) كشيء مستقل عن علاقات الإنتاج الاجتماعية. لقد كانت، وما تزال، العلاقة المهيمنة في الإنتاج في الاتحاد السوفيتي (خاصة بعد التصنيع) هي علاقة العمل المأجور / رأس المال المميزة للرأسمالية: فالعامل في الاتحاد السوفيتي يبيع سلعة، قوة العمل، بنفس الطريقة التي يبيعها بها العامل في الولايات المتحدة. ولا يأخذ العمال فى المقابل حصص كما هو الحال مع العبيد، أو جزء من المنتج كما هو الحال مع الأقنان، ولكن يُدفع لهم بالمال الذي يصرف علي شراء السلع التي أُنتجت لتُباع.

العمل المأجور يعني وجود رأس مال. لا توجد برجوازية في الاتحاد السوفيتي. ولكن بالتأكيد يوجد رأس مال – كما عرف ماركس رأس المال. لسنا بحاجة إلي أن نكرر كماركسيين، أن رأس المال لا يتكون من الماكينات والمواد الخام والقروض. وهكذا “أن رأس المال هو قوة اجتماعية مستغلة، أي أنه، بوصفه قوه جزء من المجتمع، يحافظ علي ذاته ويكبر من خلال التبادل مع قوة العمل الحية المباشرة. إن سيطرة العمل المتراكم، السابق تحقيقه، علي العمل الحي المباشر هي التي تحول العمل المتراكم إلي رأس مال”.(19)
يوجد مثل هذا الوضع بالتأكيد في الاتحاد السوفيتي.

بالنسبة لماركس، كانت أهمية البرجوازية تكمن في كونها تشخيص لرأس المال، في الاتحاد السوفيتي، تؤدي البيروقراطية هذا الدور. لقد أنكر تروتسكي هذه النقطة الأخيرة. فبالنسبة له كانت البيروقراطية مجرد “عسكري” في عملية التوزيع يحدد فقط من يأخذ ماذا ومتي، ولكن هذا لم يكن منفصلا عن توجيه عملية التراكم الرأسمالي. إن الادعاء بأن البيروقراطية لا تقود عملية التراكم، أي أنها لا تعمل كـ “تشخيص” لرأس المال، لا يمكن أن يصمد أكثر من لحظة أمام أي اختبار. إن لم تكن البيروقراطية، إذن من؟ بالتأكيد ليس الطبقة العاملة. إن النقطة الأخيرة توضح بالضبط الفارق الأساسي بين مجتمع انتقالي حقيقي (دولة عمالية، ديكتاتورية البروليتاريا) حيث سيستمر العمل المأجور لفترة من الوقت، وأي شكل للرأسمالية، فالسيطرة الجماعية للطبقة العاملة علي الاقتصاد تحول (عاجلا أو أجلا تزيل) علاقة العمل المأجور / رأس المال. وإذا تم التخلص من هذه السيطرة في مجتمع صناعي، تعود سلطة رأس المال. والمعضلة هنا… إن مفهوم الدولة العمالية سيكون خالياً من أي معني، بدون درجة ما، من سيطرة العمال علي المجتمع ؟. كما أنه لو تم وصف مجتمع الاتحاد السوفيتي كشكل من أشكال رأسمالية الدولة ولابد من الاعتراف بأنه مجتمع رأسمالي ذو شكل عالي الخصوصية، رغم أنه بالطبع أقرب بشكل ضخم جدا للطبائع الرأسمالية، مشوشة أو غير ذلك، منه لدولة عمالية. (لا يمكن مناقشة خصوصيات وديناميات الاتحاد السوفيتي هنا. وسنجد أفضل تحليل لها في كتاب رأسمالية الدولة في روسيا لتوني كليف).(20)

ما يخصنا هنا هو فشل تروتسكي في اختبار علاقات الإنتاج الحقيقية في الاتحاد السوفيتي وتبعات هذا الفشل. جاءت نظرته الأخيرة هكذا.

“إن نظاما شموليا، سواء من نوع ستاليني أو فاشي، لا يمكن أن يكون إلا نظاماً انتقاليا مؤقتاً بطبيعته. فالدكتاتورية العارية في التاريخ كانت بشكل عام نتيجة وعرض من أعراض أزمة اجتماعية حادة، وليست مطلقا نظاما مستقرا. لا يمكن أن تكون الأزمة الحادة وصفاً دائماً للمجتمع. إن دولة شمولية تستطيع قمع التناقضات الاجتماعية خلال فترة معينة، ولكنها غير قادرة علي إعادة إنتاج ذاتها بدون حدود. إن التصفيات الوحشية في الاتحاد السوفيتي هي أقوى دليل لكون المجتمع السوفيتي يتجه بشكل عضوي نحو الإطاحة بالبيروقراطية. إن ستالين لا يدل على شئ، في ضخامة ووحشية وكذب تصفياته، إلا عدم قدرة البيروقراطية على تحويل نفسها إلى طبقة حاكمة مستقرة. ألن نضع أنفسنا إذاً في موقف غاية في السخف إذا أطلقنا على الأوليجاركية البونابرتية لقب طبقة حاكمة جديدة قبل بضع سنوات أو حتى بضعة شهور من سقوطها الغير مأسوف عليه”.(21)

وتم توقع هذا السقوط إما لأن البيروقراطية والتي ستصبح أكثر فأكثر أداة البرجوازية العالمية ستتخلص من الأشكال الجديدة للملكية، أو بسبب ثورة بروليتارية (أو بالطبع بسبب الغزو الأجنبي). كان متوقع حدوث ذلك في سنوات قليلة أو شهور قليلة.

كان هذا هو التفسير الذي تركه تروتسكي لأتباعه والذي أوقعهم في الخطأ تماماً مثلما فعل منظوره للرأسمالية الغربية. ولكن ثبت أن وجود جناح من البيروقراطية راغب في إعادة الرأسمالية ما هو إلا خرافة علي الأقل لوقت طويل جدا (وتناقض اعتقاد تروتسكي في حدوث ذلك بشدة مع رؤيته لإمكانية شمولية الدولة في الدول الرأسمالية المتقدمة). خرج الاتحاد السوفيتي من الحرب أقوي من قبل (بالنسبة للقوى الأخرى) والبيروقراطية ثابتة في حكمها علي أساس الصناعة المؤممة. الأكثر من ذلك، أنها فرضت أنظمة علي النموذج الروسي في بولندا وتشيكوسلوفاكيا والمجر ورومانيا وبلغاريا وألمانيا الشرقية وكوريا الشمالية. كما أشرنا من قبل وصلت أنظمة ستالينية “أصلية” للسلطة في ألبانيا ويوغوسلافيا وبعد ذلك بقليل في الصين وفيتنام الشمالية بدون تدخل مباشر مهم من الجيش الروسي. لم تكن الستالينية، بالتأكيد علي “فراش الموت” ولكنها كانت، في ظل غياب الثورة البروليتارية، وسيلة للتراكم الرأسمالي بدلا من رأسمالية الدولة الاحتكارية “الكلاسيكية”.

الثورة الدائمة المنحرفة
لم تلعب الطبقة العاملة الصناعية أي دور علي الإطلاق في استيلاء الحزب الشيوعي الصيني علي السلطة في 1948 – 1949 كما لم يلعب العمال أي دور داخل الحزب الشيوعي الصيني.

ويكفى الإشارة هنا إنه. في نهاية 1925 شكل العمال 66% من عضوية الحزب الشيوعي الصيني (الفلاحين 5% والبقية للبرجوازية الصغيرة الحضرية التي لعب المثقفون دورا قياديا بينها). علي العكس من ذلك، فبحلول 1930 شكل العمال، حسب إحصائيات الحزب الشيوعي ذاته 6ر1% من عضوية الحزب.(22)

بعد ذلك أصبح الرقم فعلياً صفر إلي أن استحوذت قوات ماو تسي تونج علي الصين بعد هزيمة كوميونة كانتون في نهاية 1927 تراجعت بقايا الحزب الشيوعي الصيني إلي أعماق الريف ولجأت إلي حرب العصابات. وتم تأسيس “جمهورية كيانجسي السوفيتية” الفلاحية في أجزاء متغيرة من وسط الصين. ولما هزمتها قوات تشانج كاي تشيك في 1934 بدأ الجيش الأحمر “المسيرة الطويلة” نحو تشانس في أقصي الشمال الغربي. تركت هذه العملية البطولية، التي تمت برغم المصاعب الجمة، الحزب – الجيش (لقد أصبح من الصعب التفريق بينهما) في منطقة بعيدة تماما عن الحياة المدنية، الصناعة الحديثة والطبقة العاملة الصينية. اعترف تشوتين القائد العسكري في الحزب حينذاك بأن المناطق الواقعة تحت سيطرة الشيوعيين هي أكثر المناطق المتخلفة اقتصاديا في البلد كله.(23) وكان هذا البلد، الصين، بدوره واحد من أكثر البلاد المتخلفة في العالم.

وهناك خاضت قوات الحزب الشيوعي الصيني النضال من أجل البقاء ضد جيوش تشانج (رغم أنها كانت متحالفة معه شكليا بعد 1935) والغزاة اليابانيين. وتم بناء جهاز دولة في هذه المنطقة الفلاحية بالكامل علي الأسس السلطوية والهرمية المعتادة حيث كان المثقفون المدنيون المنزوعون من طبقاتهم في القمة والفلاحون في القاع. سيطر الجيش الياباني علي كل المناطق ذات التطور الصناعي الهام من 1937 حتى 1945، علي منشوريا (التي كانت تشهد نمواً صناعيا ) وعلي المدن الساحلية حيث كانت الصناعة و(البروليتاريا) تتضاءل.

ومع الاستسلام الياباني في 1945 أعادت قوات الكومنتانج احتلال معظم الصين بمساندة الولايات المتحدة ولكن النظام شديد الفساد للكومنتانج كان قد أصبح في حالة متطورة من التحلل. وبعد أن فشلت محاولات إقامة حكومة تحالف بين الكومنتانج والحزب الشيوعي قضي الحزب علي عدوه المنقسم والمثبط بأساليب عسكرية بحته. ولم تؤثر الإمدادات العسكرية الأمريكية الضخمة والمساندة للكومنتانج علي مجري الصراع. هربت وحدات الكومنتانج، وفي بعض الأحيان لواءات وفرق، بالجملة وكثيرا ما هرب معهم جنرالاتهم.

وكانت إستراتيجية ماو تشجع مثل هذا التحول في الولاء وتهدئة أي فعل مستقل للفلاحين أو العمال – خاصة الأخيرين. لقد كان الحزب الشيوعي منفصلا تماما عن الطبقة العاملة. وقبل سقوط بكين أصدر لين بياو، قائد جيش الحزب في المنطقة وخليفة ماو حتى إدانته وموته مهانا في 1971، بيانا يدعو فيه العمال “ألا يثوروا بل أن يحافظوا علي النظام ويستمروا في العمل بموافقتهم، إن رجال الشرطة والكومنتانج، في كل مؤسسات الحكومة، مدعوين للاستمرار في مراكزهم” (24). في يناير1949 استسلم القائد العام الكومنتانجي لحامية بكين. وتم الحفاظ علي النظام وحل حاكم عسكري محل آخر.

وحدث نفس الشيء عندما اقتربت قوات الحزب الشيوعي من نهر اليانسجتي والمدن الكبرى لوسط الصين مثل شنغهاي وهانكوا والتي كانت المراكز العاصفة للثورة بين 1925-1927. أعلن بيان خاص وقع عليه ماو تسي تونج (رئيس الحكومة) وتشو تيه (القائد العام للجيش) أن :
“العمال والموظفين في كل المجالات سيستمرون في العمل وستستمر الأعمال التجارية كالمعتاد.. علي موظفي الكومنتانج.. من مختلف المستويات.. ورجال الشرطة البقاء في مراكزهم وإطاعة أوامر جيش التحرير الشعبي وحكومة الشعب” (25).

ثورة غريبة تلك التي تستمر فيها الأعمال التجارية كالمعتاد! وهكذا مضي الأمر إلي النهاية وتم إعلان الجمهورية الشعبية في أكتوبر 1949. ولهذه الأسباب أنكر الكثير من أتباع تروتسكي، ومن ضمنهم حزب العمال الاشتراكي الأمريكي، ولسنوات عديدة بعد 1949 حدوث أي تغير حقيقي في الصين. ثبت خطأ مثل هذه الرؤية. لقد حدث تحول حقيقي. ولكن من أي نوع؟ إن الأمر المحوري في نظرية الثورة الدائمة أن البرجوازية في الدول المتخلفة غير قادرة علي قيادة الثورة البرجوازية لقد ثبت صحة هذا الاعتقاد مرة أخري. ولكن من المحوري، أيضا ، الاعتقاد بأن الطبقة العاملة فقط يمكنها قيادة الفلاحين والبرجوازية الصغيرة المدنية في الثورة الديمقراطية التي ستندمج في الثورة الاشتراكية.

هذا ثبت خطأه فقد ظلت الطبقة العاملة الصينية، في غياب أي حركة عمالية ثورية جماهيرية عالميا سلبية. ولم يفند الفلاحون رؤية ماركس حول عدم قدرتهم علي لعب دور سياسي مستقل. لم تكن 1949 حركة فلاحين. ومع كل ذلك حدثت ثورة. لقد تم توحيد الصين. وتم طرد القوي الإمبريالية من أرض الصين. وعلى الرغم من أن المسألة الفلاحية لم تحل فلقد تم علي أي حال تسويتها بطريقة لا علاقة لها بالاشتراكية، من خلال تصفية كبار ملاك الأرض وتم تحقيق كل العناصر الأساسية للثورة البرجوازية (أو الديمقراطية) كما فهمها تروتسكي فيما عدا الحرية السياسية التي يمكن من خلالها للحركة العمالية أن تتطور.

لقد تم كسب كل هذا بقيادة المثقفين المنزوعين من طبقاتهم والذين بنوا جيشا فلاحيا وقضوا بأساليب عسكرية علي نظام كان قد تعفن لدرجة التحلل، كل هذا في إطار أزمة اجتماعية عامة. قبل ألفي عام تأسست إمبراطورية “هان” في ظروف مشابهة تحت قيادة هان الذي أتي من أسرة فلاحيه غنية، مثل ماو. ولكن في منتصف القرن العشرين اعتمد بقاء النظام الجديد علي التصنيع. وتوجد جذور الستالينية الصينية في هذه الضرورة.

لم يستطع تروتسكي أن يترك مساحة لمثل هذا التطور. لا يعد هذا أمراً مستغرباً أو هاماً في حد ذاته. ولكن، وبالترابط مع نتائج أخري غير متوقعة، كان لهذا أثره علي مستقبل حركة تروتسكي.

لقد تطرقنا هنا إلي تجربة الصين فقط -علي أساس أهميتها الفائقة. ولكن قبل تلك التجربة جاءت تجارب يوغوسلافيا وألبانيا وبعدها جاءت تجارب فيتنام الشمالية وكوبا، وحملت كلها سمات متشابهة. لقد طوَر توني كليف مفهوم “الثورة الدائمة المنحرفة” ليصف هذه الظواهر. البعيدة إلى حد ما عن نظرية الثورة الدائمة كما فهمها تروتسكي”.(26)
التروتسكية بعد تروتسكي

إن الإشكاليات السياسية التي واجهت أتباع تروتسكي في سنوات ما بعد موته تهمنا هنا لسببين، أولا، لأن تروتسكي ذاته آمن بالأهمية القصوى للأممية الرابعة. ثانيا، لأن تلك الإشكاليات السياسية ألقت الضوء علي نقاط القوة والضعف في أفكار تروتسكي.
صلبت أممية تروتسكي الثورية، التي لا تعرف المساومة، موقف أتباعه في مقاومتهم أي تهاون مع الإمبريالية “الديمقراطية” لمعسكر الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية، علي الرغم من الضغط العارم (متضمنا ضغط معظم جماهير الطبقة العاملة ومعظم أفضل مناضليها).

لقد سبح أتباع تروتسكي بالفعل ضد التيار وخرجوا مرفوعي الرأس علي الرغم من اضطهادهم وسجنهم (في الولايات المتحدة وبريطانيا) وبالطبع في الدول التي احتلها النازيون حيث تم إعدامهم. الأمر الذي أفقدنا عدداً كبيرا من المناضلين التروتسكيين في أوروبا.
لقد حافظ أتباع تروتسكي علي هذا التراث ضد كل المصاعب والعقبات، وضموا للحركة عناصر جديدة ونجحوا، في بعض حالات علي الأقل، فى تشكيل حركات عمالية التكوين (ينطبق هذا بالتأكيد علي التروتسكيين الأمريكيين والبريطانيين). لقد منحهم اعتقادهم الراسخ بقرب حدوث الثورة البروليتاريةقوة فائقة. هكذا أصدرت المجموعة البريطانية الرئيسية في عام 1944 كتيبا يحتوي علي وثيقة في عام 1942 بعنوان “الإعداد للسلطة” رغم أنه لم يكن هناك أكثر من 200 أو 300 تروتسكي في ذلك الوقت.. ويعود هذا التجاهل الهائل للمصاعب المباشرة والتي كان من الواضح أنها خارقة، والذي امتزج بإيمان لا يهتز في المستقبل، يعود إلى أفكار تروتسكي. هكذا كان حال أتباع تروتسكي في كل مكان.

للأسف كان هناك جانب آخر للمسألة: اعتقاد حرفي بصحة رؤية تروتسكي للعالم وتنبؤاته بين 1938 -1940. لقد امتزج عنصران مختلفان، الأممية الثورية المصحوبة بالإيمان بالانتصار النهائي للاشتراكية، والتقييم المجدد لاحتمالات تطور الرأسمالية والستالينية. بالتالي أصبح الاهتمام بوقائع الحال المتغير بسرعة، في نظر أتباع تروتسكي الأكثر “أرثوذكسية” مطابق للـ “تحريفية”. وقفت الحركة، في معظمها، لسنوات عديدة بعد 1945 في “خندق 1938” وعندما تمكنت الحركة في النهاية من الخروج منه، ظهر عدد من التيارات المختلفة، بعضها يحافظ علي عناصر من التراث الشيوعي الحقيقي أكثر من بعضها الآخر. لقد تمثلت نقطة ضعفهم الكبرى في عدم قدرتهم عموماً علي مقاومة قوة جذب الستالينية بالكامل، وبعد ذلك بقليل، في الخمسينات والستينيات، علي مقاومة قوة جذب حركات العالم الثالث. وهذا بدوره أبعدهم عن التركيز المتماسك والمصمم علي إعادة إحياء تيار ثوري في الطبقة العاملة الصناعية هكذا تقوت طبيعتهم البرجوازية الصغيرة وتأكدت، ودارت الحلقة المفرغة دورتها من جديد.

بعد ذكر كل هذا، يبقي صحيحاً أن تراث نضال تروتسكي طول حياته، والذي خاضه في السنوات الأخيرة من حياته تحت ظروف بالغة الصعوبة، تراث قيم وثري للغاية بالنسبة لكل هؤلاء الماركسيين الذين يعتبرون الماركسية ربطا بين النظرية والتطبيق، وليست مجرد تحليلات أكاديمية. ويبقى صحيحاُ أيضاً إن إضافات تروتسكي للماركسية لا يمكن لمناضلى اليوم الاستغناء عنها لإنجاز هذا الربط .

« السابق التالي »