بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأزمة الرأسمالية العالمية – الزلزال والتوابع

« السابق التالي »

2- أسباب الأزمة

يمكننا تقسيم النظام الرأسمالي إلى قسمين: القسم الأول هو رأس المال الإنتاجي-ويسمى أحيانا رأس المال الحقيقي-وهو رأس مال يتم استثماره في إنتاج السلع والخدمات، سواء الاستهلاكية، أو الإنتاجية، بهدف الربح، ومن خلال تشغيل واستغلال العمل المأجور، إذ يأتي الربح من خلال استخراج فائض القيمة، وهو الفارق بين ما يتم دفعه للعمال من أجور، وبين القيمة الحقيقية التي يخلقها هؤلاء العمال في العملية الإنتاجية، أما القسم الثاني من الرأسمالية فهو “رأس المال المالي”، وهو يتضمن البنوك التجارية والاستثمارية، والشركات التمويلية وسوق الأوراق المالية. المكون الرئيسي لهذا القسم هو البنوك التي تعتمد على إقراض الرأسماليين والأفراد والبنوك الأخرى، بمختلف تخصصاتها، مقابل الفائدة.

وهناك علاقة عضوية بين رأس المال المالي ورأس المال الإنتاجي، فمالك المصنع مثلاً يحتاج إلى الاقتراض من البنك حتى يتمكن من شراء أدوات الإنتاج وقوة العمل، حتى تتم العملية الإنتاجية، ثم يتم بيع السلع المنتجة في السوق، وتحقيق الربح، وبالمقابل فإن البنك لن يتمكن من تحقيق الفائدة، وهي السبب الوحيد لتقديم الائتمان، إلا إذا استثمر ذلك الائتمان بشكل منتج، وحقق الأرباح التي سيدفع منها المستثمر، قيمة ما اقترضه،بالإضافة إلى الفائدة.

ولكن مع توسع وتطور النظام الرأسمالي، تصبح العلاقة بين رأس المال المالي ورأس المال الإنتاجي أكثر تعقيدًا، فالبنوك على سبيل المثال، لا تستثمر أموالها فقط في إقراض الرأسمالي المنتج، بل تضخ الأموال في إقراض الأفراد(الرهن العقاري، وكروت الائتمان، مثلا)، وفي شراء الأسهم والسندات، في أسواق الأوراق المالية(البورصات).

وتصبح الشركات الرأسمالية الصناعية الكبرى، مع ازدياد حجمها، وتوسع إنتاجها وأسواقها على مستوى العالم، لاعبا أساسيًا في قطاع رأس المال المالي، فتخلق لنفسها أذرعا تمويلية، ويتم تداول أسهم شركاتها كأوراق مالية في البورصات، وتستثمر جزءًا متزايداً من فوائضها في أسواق المال.
ولكن يظل أساس النظام هو الإنتاج الرأسمالي للسلع، فمن هنا تأتي الأرباح، التي يتم تداولها في أسواق المال، ومن هنا تأتي الأجور، الدخول الحقيقية التي يتم بها شراء السلع والخدمات التي تنتجها الرأسمالية، فالمال لا يخلق نفسه، ورأس المال المالي، في حد ذاته، لا ينتج أي شيء على الإطلاق، فالبورصة على سبيل المثال هي سوق للأوراق مالية، تمثل في بدايتها قيمة الشركات التي تعبر عنها، ولكن مع بيع وشراء هذه الأسهم والمضاربة عليها، تبتعد قيمة الأسهم (الأوراق) عن القيمة الحقيقية للشركات أو السلع الحقيقية التي تمثلها، هبوطًا وصعودًا، طبقا للعرض والطلب عليها، وليس بالضرورة طبقًا لأصولها في العالم الحقيقي، وهذا “العالم الافتراضي”، والذي يسميه الفيلسوف الألماني كارل ماركس “رأس المال الافتراضي”، بأوراقه وأرقامه وإشاراته الإليكترونية على شاشات الكومبيوتر، يخلق ويدمر ثروات طائلة، في ثوان معدودة.

وكلما كانت معدلات الربح في القطاع الإنتاجي ضعيفة، تهرب الاستثمارات من مجال التوسع الإنتاجي، من مصانع وبنية تحتية..الخ، وتتراكم في هذا القطاع المالي الافتراضي، وكلما تضخم هذا القطاع وكلما ابتعدت القيمة الافتراضية الورقية عن القيمة الحقيقية، أي عن قيمة الشركات بأدوات إنتاجها ومنشآتها، وأرباحها الإنتاجية، كلما أصبح النظام عرضة لأزمة مالية أكثر عنفا.

وتعد الأزمة المالية الحالية، التي يعاني منها الاقتصاد الرأسمالي، تتويجاً لسلسلة من الأزمات التي عصفت بالرأسمالية العالمية، منذ مطلع السبعينيات من القرن العشرين، وهي بلا شك أخطر هذه الأزمات منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن نفسه.

ولكن جذور هذه الأزمات المالية لا تقع في القطاع المالي بل في قلب نمط الإنتاج الرأسمالي نفسه. فالإنتاج في الرأسمالية لا يتم من أجل تلبية حاجات البشر ولكن من أجل الربح. وهذه العملية تتم بشكل تنافسي بين الشركات الرأسمالية.

وكل شركة تحاول تعظيم أرباحها ونسبة مبيعاتها في الأسواق من خلال تكثيف استغلال عمالها ومن خلال توسيع وتطوير إنتاجها بالاستثمار في أدوات الإنتاج (بتطوير أو تغيير الميكنة علي سبيل المثال)..وهذه الطبيعة التنافسية والاستغلالية للإنتاج الرأسمالي تؤدى إلي عدد من التناقضات الجوهرية.

فأولاً كلما ازداد حجم الاستثمار في أدوات الإنتاج كلما تناقص الحجم النسبي لمصدر الربح الحقيقي وهو قوة العمل التي يتم استغلالها، وهو ما يؤدي على المدى الطويل إلى ميل معدل الربح للانخفاض.
وثانياً تحتاج الشركات حتى تحصل علي أرباحها إلى أن تباع منتجاتها في السوق وإذا انخفضت القدرة الشرائية للعمال بفعل تكثيف استغلالهم فلن يتمكنوا من شراء تلك السلع وتكون النتيجة تراكم للإنتاج وهو ما يؤدي بدوره إلي تقليص الأرباح وتقليص شراء الرأسماليين للسلع الإنتاجية (المواد الخام والميكنة وغيرها من أدوات ومستلزمات الإنتاج).

هذه التناقضات والتي لن ندخل في تفاصيلها في هذه الورقة القصيرة تؤدي ليس فقط إلي أزمات متتالية بل إلي البحث الدائم من قبل الرأسمالية عن مجالات للاستثمار تعوضها عن ضعف الأرباح في المجال الإنتاجي وهو ما شكل أحد الدوافع الرئيسية لتضخم القطاع المالي خلال العقود الثلاث الماضية.

« السابق التالي »