بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأزمة الرأسمالية العالمية – الزلزال والتوابع

« السابق التالي »

3- كيف تطورات الأزمة الحالية؟

يلعب سعر الفائدة، الذي يحدده البنك المركزي، دورًا رئيسيًا في تحديد سهولة ووفرة الائتمان في السوق الرأسمالي بشكل عام، فعندما يرفع البنك المركزي سعر الفائدة، يكون ذلك سببًا في عدم الاقتراض من البنوك، والإبقاء على الأموال فيها، والاستفادة من الفائدة العالية، وعندما يتم تخفيض سعر الفائدة يكون ذلك حافزًا للاقتراض والاستثمار في مشروعات مربحة. ولكن، إذا انخفضت أسعار الفائدة، ولم يكن هناك مجالاً إنتاجيًا مربحًا، فيتم توظيف القروض في مجالات غير إنتاجية، مثل سوق الأوراق المالية، وشراء العقارات، وغيرها.

وهذا بالضبط ما حدث مع الاقتصاد الأمريكي، في مطلع القرن الواحد والعشرين، فقد واجه البنك المركزي الأمريكي الكساد النسبي، الذي عانى منه الاقتصاد الأمريكي في ذلك الحين، والذي ازداد عمقاً منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، عن طريق تخفيض سريع لسعر الفائدة، من أجل تشجيع الاستثمار المنكمش.

أصبح الاقتراض السهل هو عنوان المرحلة، وتسابقت البنوك والصناديق التمويلية للاستفادة من تلك الأموال”السهلة”، وكان أحد المجالات الرئيسية لاستثمار تلك الأموال هو قروض الرهن العقاري للأفراد، وكانت هناك تسهيلات غير مسبوقة، في شروط وضمانات هذه القروض، وهي نتيجة منطقية، ليس فقط لما يتصوره البعض لفقدان الرقابة والضوابط، ولكن أيضًا، وهو الأهم، نتيجة للسيولة المالية التي أحدثها تخفيض سعر الفائدة، مع تضاؤل ربحية المشروعات الإنتاجية.

ملايين العائلات الأمريكية شرعت في شراء العقارات، من خلال قروض الرهن العقاري، مما زاد بشكل جنوني من أسعار العقارات في السوق الأمريكي (بنسبة تصل حتى200% خلال الفترة 2001: 2006) وهو ما أدى بدوره إلى زيادة جاذبية هذا القطاع للاستثمارات المالية من قبل البنوك. كان مركز قروض الرهن العقاري، هو البنوك المتخصصة في هذا المجال، مثل العملاقين الأمريكيين “فريدي ماك” و”فاني ماي”، أكبر شركتين في هذا المجال على مستوى العالم.

ولكن، وبسبب سياسات التحرير الاقتصادي، خاصة في المجال المالي، وعولمة المنظومة المالية الرأسمالية، تطورت أسواقًا لتداول أوراق الرهن العقاري، شملت البنوك والشركات المالية، ليس في السوق الأمريكية وحدها بل على مستوى العالم، واكتظت خزائن هذه البنوك والشركات بتلك الأوراق الممثلة للرهن العقاري، فيما يُطلق عليه الاقتصاديون ظاهرة “التوريق”، وهو ما أدى إلى خلق فقاعة “افتراضية” لقيم العقارات الأمريكية (وكذلك في اسبانيا وأيرلندا، وغيرها…)، فالقيمة الورقية للعقارات ابتعدت تماما عن القيمة الحقيقية لتلك العقارات، وقيمة الأوراق الممثلة للرهن العقاري، أخذت أيضًا تتباعد عن القدرة الحقيقية للمقترضين الأصليين على تسديد الأقساط وفوائدها. سرعان ما اصطدم “الافتراض” بـ”الواقع”، فتوقف عدد من المقترضين عن سداد الأقساط، ومن ثم بدأت البنوك العقارية في الحجز على العقارات، وطرد سكانها، مما تسبب في حالة من الذعر في القطاع المالي بأكمله، فلم يعد أحد يعرف بالضبط، ما هي نسبة القروض”السيئة”، التي لن يتم سداد قيمتها، ولا درجة انتشار تلك الأوراق، التي تم تداولها في القطاع المصرفي بوجه عام.

كانت بداية الانهيار في إفلاس بنك”بير ستيرنز” العريق، والذي اتضح أنه كان غارقا في تلك الأوراق “السيئة” في صيف ٢٠٠٧. ومع انتشار حالة الذعر بدأت أسعار العقارات في انخفاض سريع. وأصبح الكثير من المقترضين مدينين للبنوك بأكثر من قيمة العقارات التي يدفعون أقساطها، مما زاد من تعقيد الأزمة.

بلغت الأزمة ذروتها في مطلع شهر سبتمبر 2008، حينما أوشك العملاقين”فريدي ماك” و”فاني ماي”، على الانهيار، وتدخلت الحكومة الأمريكية لتأميم الشركتين على الفور، رغم ثلاثين عاما من الدعاية الإيديولوجية عن حرية السوق”، وضرورة عدم تدخل الدولة في الاقتصاد.

وفي منتصف سبتمبر أفلس بنك “ليمان برازرز” العريق، الذي يرجع تاريخ تأسيسه إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، لكن الحكومة لم تتدخل لإنقاذ البنك، معبرة عن حالة من التذبذب وعدم وضوح الرؤية، والتي سرعان ما انعكست في مزيد من الذعر في الأسواق، وشهدت بورصة نيويورك، وغيرها من البورصات العالمية موجات متتابعة من الانهيار. وتلى ذلك على الفور قيام الحكومة الأمريكية بضخ 85 مليار دولار لشراء أسهم أكبر شركة تأمين في العالم (آي.آي.جي) والتي كانت هي الأخرى على وشك إشهار إفلاسها. لكن، حتى هذا الإجراء، غير المسبوق، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، لم ينجح في تهدئة حالة الذعر في الأسواق، وظلت البورصات العالمية تشهد انهيارات غير مسبوقة، فانتقلت الأزمة سريعا من النظام المالي الأمريكي إلى النظام المالي العالمي.

انتشرت الأزمة مثل النار في الهشيم، لتشمل البنوك والشركات التمويلية والبورصات في أوروبا وآسيا، وكافة المراكز الرأسمالية الكبرى. فمن جانب ، وبسبب سياسات العولمة وتحرير الأسواق، انتقلت الكثير من تلك الأوراق “المسمومة” من البنوك الأمريكية إلى البنوك الأوروبية والآسيوية، وآخذت البنوك، الواحد تلو الآخر، في إشهار إفلاسها، وقامت الحكومات بدورها، الواحدة تلو الأخرى، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بتأميم البنوك أو شراء الأسهم، وضخ المليارات في سوق المال، ولكن ظل الذعر مسيطرًا على الأسواق، وأصاب الشلل النظام البنكي سواء في أمريكا، أو في المراكز المالية الأخرى، ولعل أهم مؤشر على ذلك هو امتناع البنوك الاستثمارية عن إقراض بعضها البعض، فلا أحد يعرف من سيُفلس قبل الآخر، وما مدى امتلاء خزانة كل منهم بتلك الأوراق “المسمومة”.

كان هناك عاملاً آخر لتفاقم آثار الأزمة، ألا وهو الخلل الكبير منذ نهاية التسعينات بين المدخرات في الأسواق الناشئة مثل الصين ودول الخليج، وبين العجز المتزايد في ميزان مدفوعات الاقتصاد الأمريكي، فدول مثل الصين شهدت طفرة كبيرة في التصنيع التصديري، وكانت الولايات المتحدة هي المستورد الأكبر لتلك الصادرات، في المقابل، كان الفائض الصيني يتم ادخاره بالدولار، كما كان يتم استثمار جزء كبير منه في البنوك وسندات الخزانة الأمريكية، وهو ما أدّى بدوره إلى توسُّع غير مسبوق في دائرة الإقراض للمستهلكين الأمريكيين.

وهكذا، أصبح المستهلك الأمريكي قادرا على شراء الصادرات الصناعية الصينية، ليس من خلال الدخل الحقيقي لهؤلاء المستهلكين، ولكن بالاقتراض من البنوك، عن طريق كروت الائتمان. وكما في حالة العقارات، أصبح المستهلك الأمريكي يعيش بالدَيْن، وأصبح مستوى معيشته، والسلع التي يستهلكها، ليس انعكاسا للزيادة في دخله، ولكن لسهولة الاقتراض من البنوك. فالصين تصدر سلع لأمريكا، والمستهلك الأمريكي يقترض لشرائها، ثم يُضَخ الفائض الذي تراكمه الصين في البنوك وسوق المال الأمريكيين، مما يؤدي إلى المزيد من الإقراض للمستهلك الأمريكي، وبالتالي شراء المزيد من السلع الصينية. وهكذا، نشأت تلك الدائرة الجهنمية وتوسعت، وهذا الخلل أنتج بدوره المزيد من الهشاشة في النظام المالي العالمي. مع أزمة البنوك الأمريكية والأوروبية، وعدم قدرتها على الإقراض، تتضاءل قدرة المستهلك الأمريكي والأوروبي على الشراء، وبالتالي يؤثر ذلك سلبًا على اقتصاد البلدان المصدرة، مثل الصين.

« السابق التالي »