بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأزمة الرأسمالية العالمية – الزلزال والتوابع

« السابق التالي »

4- تأثيرات الأزمة

أ ـ الدول الصناعية الكبرى:
لقد طرحنا فيما سبق أن الأزمة الحالية قد بدأت وانتشرت في القطاع المالي، وسرعان ما انتقلت، كما هو متوقع، إلى بقية القطاعات الاقتصادية، وعلى رأسها القطاع الإنتاجي، فالانكماش في قدرة البنوك على الإقراض، يعني انكماشا في مصادر تمويل الشركات الصناعية والإنتاجية، فهي تحتاج بشكل دائم إلى سيولة ائتمانية، لتغطية مصروفاتها، وللإنفاق على تطوير وتوسيع إنتاجها، ويؤدي ذلك الانكماش بالضرورة، إلى تقليص الأنشطة، في حالة الشركات الكبرى-إغلاق مصانع أو وقف مشروعات التوسع- وإلى إفلاس الشركات الأصغر، غير القادرة على مواجهة العاصفة المالية، وهو ما يؤدي بدوره، إلى زيادة مطّردة في حجم البطالة، حيث تتخلص الشركات من العمالة لتقليص الإنفاق.

وتؤدي الزيادة في البطالة، بالطبع، إلى انخفاض حاد في القدرة الشرائية، وبالتالي، في استهلاك السلع التي تنتجها الشركات. والشركات، بالطبع، لا يمكنها أن تستمر في الإنتاج، إن لم تضمن وجود من يشتري منتجاتها، وقد أعلنت كبرى الشركات الصناعية، في مجالات صناعة السيارات والإلكترونيات والحديد والأسمنت عن خسائر كبرى في الربع الثالث من عام 2008، مع توقعات بمزيد من الخسائر في الفترة القادمة، وهذا بدوره لن يؤدي إلا إلى المزيد من البطالة، وانخفاض في القدرة الشرائية للمستهلكين.

وكما هي العادة في كل الأزمات الرأسمالية، فالعمال والفقراء هم من يتحملون العبء الأكبر من تبعات الأزمة، فالعامل الأمريكي أو الأوروبي يفقد بيته لأنه غير قادر على دفع أقساط الرهن العقاري، ويفقد القدرة على الاقتراض من البنوك التجارية، وفي النهاية يفقد وظيفته لينضم إلى جيش العاطلين.

ب ـ الدول النامية
تبنت حكومات غالبية الدول النامية خلال العقدين الماضيين السياسات الاقتصادية المعروفة باسم “الليبرالية الجديدة”، بهدف ربط اقتصادياتها بالمراكز الرأسمالية الكبرى، من خلال جذب الاستثمارات الأجنبية والإنتاج التصديري وتحرير السوق من خلال الخصخصة وتحرير أسواق السلع والعقارات والخدمات وتقليص دور الدولة في الاقتصاد بشكل عام. كانت نتيجة تلك السياسات الكارثية، كما نعرف، عملية نهب منظم لحقوق ومكتسبات الأغلبية من السكان، من العمال والفلاحين الفقراء، لصالح كبار المستثمرين المحليين والشركات متعددة الجنسيات.

كانت إحدى النتائج الأخرى الرئيسية لتلك السياسات هي إدماج اقتصاد غالبية الدول النامية في المنظومة المالية والاقتصادية العالمية، وبالتالي تعريضها بشكل دائم لتقلبات وأزمات، وفوضى تلك المنظومة.

وكما رأينا في أزمة 1997-1998، التي بدأت في جنوب شرق آسيا ، وامتدت إلى روسيا والبرازيل، وغيرها من “الأسواق الناشئة”، فالاستثمارات الأجنبية تنسحب بسرعة البرق من تلك الأسواق عند أول إشارة للأزمة، وسرعان ما تتعرض عملات وبورصات تلك الدول للانهيار بفعل مزيج من الذعر والمضاربة من قبل كبار المستثمرين، واعتماد تلك الدول على التصدير يفترض استقرار الاستهلاك والنمو في الدول الرأسمالية الكبرى، ويفترض أيضا القدرة على توجيه الاستثمارات الصناعية نحو إنتاج السلع التي يزداد عليها الطلب في السوق العالمية، في ظل منافسة شرسة بين الدول النامية، التي ينتج الكثير منها السلع نفسها. هذه الافتراضات سرعان ما ينكشف قصورها في ظل الفوضى السوق الرأسمالي العالمي، وهكذا رأينا في 1997-1998 موجة من الانهيارات في جنوب شرق آسيا كان أعنفها في إندونيسيا، التي وصلت نسبة البطالة فيها إلى 40%، وانهارت عملتها وبورصتها، وآثار الأزمة رغم ضراوتها، ورغم الجوع والفقر والتشريد التي تسببت فيها، تعتبر محدودة للغاية، إذا قارناها بما نواجهه اليوم، فقد تركزت تلك الأزمة في مناطق بعينها، وكان تأثيرها محدودًا في كبرى مراكز التركز الرأسمالي العالمي.

لكن الأزمة هذه المرة قد أصابت قلب النظام الرأسمالي نفسه، ولن ينجو أحد من تبعاتها.

لقد بدأت آثار الأزمة العالمية بالفعل على اقتصاديات الدول النامية، حتى أقواها، وهي الصين، فرأس المال الأجنبي، أي الشركات متعددة الجنسيات، قامت بعملية هروب كبير من الأسواق الناشئة، وازدادت مؤشرات انهيار البورصات، فحتى بورصة شنغهاي الصينية فقدت أكثر من 50% من قيمتها في الشهور الثماني الأولى من عام 2008، وتم سحب ما يقرب من 80 مليار دولار من الأسواق الناشئة بين يونيو وسبتمبر الماضيين، وقد قدرت مؤسسة “مورجان ستانلي” المالية أن التدفقات المالية إلى الدول النامية ستنخفض خلال 2009، بما يتجاوز 200 مليار دولار بما سيزيد من العجز في ميزان المدفوعات لأكثر من 80 دولة في العالم الثالث.

إلى جانب الهروب الكبير للاستثمارات الأجنبية، هناك الانكماش الأكبر لصادرات دول العالم الثالث، والتي تعتمد معظمها على أسواق الدول الرأسمالية الكبرى، وقد رأينا ما يحدث للمستهلك الأمريكي على سبيل المثال، بكل ما سينتج عنه من إفلاس وإغلاق للمصانع، وزيادة سريعة في نسبة البطالة والفقر والتشريد.

لقد عانى فقراء العالم الثالث، طوال العامين الماضيين، من تضخم غير مسبوق في أسعار الطاقة والمواد الغذائية والمواد الخام، وأحد الآثار المباشرة للركود العالمي الحالي هو انخفاض حاد في أسعار تلك السلع، بسبب الانخفاض السريع للطلب العالمي، لكن فقراء العالم الثالث لن يستفيدوا كثيرًا من تلك الانخفاضات في الأسعار، لماذا؟

أولا لأن انخفاض أسعار السلع الأساسية لا ينعكس بشكل مباشر على الأسواق المحلية، فالمستفيد الأول منها سيكون كبار محتكري تلك السلع في بلدان العالم الثالث، وثانيا لأن البطالة وانخفاض الأجور الحقيقية سيكون أسرع وأكبر، بفعل الأزمة، من الانخفاض في الأسعار، فالعامل العاطل والفلاح المعدم لن يستفيد من انخفاض محدود في أسعار السلع.

وثالثا لأن أحد التأثيرات الهامة للأزمة الحالية سيكون انهيار قيمة عملات كثير من الدول، فقد انخفضت قيمة عملات البرازيل والمجر وأوكرانيا وإندونيسيا بنسب تتراوح بين20%: 50%، والبقية تأتي. يعني ذلك تضخما في أسعار السلع الأساسية التي تستوردها بلدان العالم الثالث. رابعًا، لأن الكثير من تلك الدول تعتمد على تصدير السلع الغذائية والمواد الخام، وبالتالي فإن انهيار أسعارها سيؤدي إلى انهيار قيمة صادراتها، وما له من تأثير مدمر على فقراء الفلاحين.

« السابق التالي »