بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأزمة الرأسمالية العالمية – الزلزال والتوابع

« السابق التالي »

5- الحلول المطروحة للأزمة

هيمنت خلال العقود الثلاث الماضية أفكار وسياسات حرية السوق الليبرالية الجديدة على الغالبية العظمى من حكومات العالم، وجوهر هذه الرؤية هو ضرورة تقليص دور الدولة في الاقتصاد، من خلال الخصخصة و”تحرير الأسواق” في كافة القطاعات المالية والصناعية والخدمية، بما في ذلك الصحة والتعليم والبنية التحتية والتأمينات. وقد رأينا خلال الأزمة الحالية كيف اضطرت حكومات الدول المتقدمة، وعلى رأسها الحكومة الأمريكية أن تتبنى سياسات تتناقض كليًا مع ما ظلت تطرحه في دعاياتها، وفي السياسيات التي تفرضها عن طريق البنك وصندوق النقد الدوليين على مختلف بلدان العالم.

نحن نشهد، خلال هذه الأزمة، أكبر تدخل حكومي في الاقتصاد منذ الحرب العالمية الثانية، فالبنوك المركزية تنفق الترليونات في تأميم كبرى البنوك العالمية وشركات التأمين، وفي شراء الأسهم والأوراق المالية “المسمومة” وهذا كله في محاولة محمومة لإنقاذ النظام من حالة الشلل المالي التام، ومن الانزلاق في كساد كبير، يتجاوز حجمه وتأثيره كساد الثلاثينيات من القرن العشرين.
تطرح هذه السياسات الجديدة تحولاً، حتى وإن كان مؤقتا في فلسفة “السوق الحر” الليبرالية الجديدة، إلى واقع رأسمالية الدولة والتأميم، وهو تحول يخلق شرخاً ضخما في الهيمنة الفكرية للبرجوازية بمؤسساتها الإعلامية، وجامعاتها، وصانعي سياساتها الاقتصادية.

وإذا نحينا جانبا تلك الأزمة الفكرية التي يخلقها هذا التحول الحاد في السياسات، فإنه يبقى السؤال المُلِح، والمباشر: هل ستتمكن الحكومات من إنقاذ النظام من خلال هذه السياسات؟.
أول ما يجب طرحه في الرد على هذا السؤال هو أن علينا أن نتوخى الحذر الشديد بشأن التنبؤات حل مصير الاقتصاد العالمي، فالمتغيرات والعوامل متعددة ومعقدة، ولا يمكن التكهن بدقة حول احتمالات تفاعل وتطور هذه المتغيرات والعوامل.

على المدى القريب، يبدو حتى وقت كتابة هذه السطور (نهاية أكتوبر 2008) أن التدخل الحكومي غير المسبوق في سوق المال والبنوك، وعلى رأسها الحكومة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، قد مكنهم من تفادي الانزلاق في كساد عالمي كبير وفي شلل كامل لسوق المال العالمي. لكن هذه السياسات التدخلية لم ولن تنقذ الرأسمالية من الدخول في ركود عالمي عميق خلال العامين القادمين.

كانت تقديرات صندوق النقد الدولي تشير، في منتصف سبتمبر، إلى أن نمو اقتصاديات الدول الرأسمالية الكبرى لن يتجاوز 0.5% خلال عام 2009، وهو ما يعني عمليًا انكماشًا حادًا في تلك الاقتصاديات، وتشير التقديرات نفسها إلى أن الاقتصاد العالمي ككل لن يتجاوز نموه 3% خلال العام القادم، فقد تراجع نمو الاقتصاد الصيني من أكثر من 12% إلى أقل من 9% خلال2008، وبالطبع يكون أثر الركود العالمي أكبر وأخطر على اقتصاد الدول الأضعف، فدول مثل باكستان وتركيا والمجر والبرازيل والأرجنتين، وإندونيسيا على رأس الاقتصاديات المهددة بالانهيار، وهذه هي مجرد بداية.

ولكن وعلى المدى الأطول فهناك عدد من العوامل التي يمكنها أن تجعل من الركود العالمي الحالي مجرد مقدمة لأزمات أكثر حدة في النظام الرأسمالي العالمي. أول هذه العوامل أن البنوك المركزية التي تضخ آلاف التريليونات اليوم، يجب أن تأتي بهذه التريليونات من مكان ما، والمصدر الرئيسي للمال الحكومي هو الضرائب، وهو ما يعني أن الأموال التي يتم ضخها اليوم هي حصيلة الضرائب في المستقبل، وبالطبع من سيدفع الثمن هم الغالبية العظمى من دافعي الضرائب وهم العمال والموظفون.
ولكنه أيضًا يمثل رهانًا غير مضمون، إذ يقوم على افتراض أن الاقتصاد سيتعافى للدرجة التي تمكن الدولة من تحصيل الضرائب اللازمة لدفع الفاتورة المهولة للأزمة!. وبالطبع يمكن للدول أن تطبع الأموال، لكن ذلك يعني الدخول في حالة تضخم خطيرة.

العامل الثاني هو أن الحجم النسبي للبنوك المركزية وما تستطيع توفيره من أموال قد تضاءل بسبب النمو غير المسبوق للشركات الاحتكارية العملاقة ، متعددة الجنسيات، وهو ما يعني أن قدرة البنوك المركزية في إنقاذ مثل هذه الشركات العملاقة يصبح موضع شك.

العامل الثالث هو أن التداخل والاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي يصعبان بشدة من مهمة البنوك المركزية، فالأمر يحتاج إلى درجة من التنسيق والوحدة بين البنوك المركزية، يصعب تحقيقها في عالم قائم على التنافس، ليس فقط بين الشركات، ولكن أيضًا بين الدول الرأسمالية المختلفة.

ويجدر هنا الإشارة إلى ما حدث في اليابان في تسعينات القرن العشرين، حين دخل الاقتصاد الياباني في حالة ركود طويلة، فقام البنك المركزي بتخفيض سعر الفائدة إلى ما يقرب من الصفر، من أجل تنشيط الاقتصاد في حين كان سعر الفائدة في أوروبا وكثير من الأسواق الناشئة يتجاوز 4%. كانت إحدى نتائج ذلك هي قيام المستثمرين بالاقتراض من بنوك اليابان، وإيداع الأموال في بنوك الدول ذات سعر الفائدة الأعلى، وبالتالي من تحقيق ربح صافي من الفارق بين أسعار الفائدة، بمجرد تحويل الأموال من بلد إلى أخرى.

من كل ما سبق، يمكننا القول أنه ربما يكون الاقتصاد العالمي قد تفادى كسادًا كبيرًا، ولكن، رغم كل الأموال التي تُضَخ فإنه لم يتمكن من تفادي ركود عالمي عميق، وأنه على المدى البعيد، لن يتمكن من الإفلات من أزمات أعنف ومن زلازل أكثر تدميرًا.

« السابق التالي »