بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأزمة الرأسمالية العالمية – الزلزال والتوابع

« السابق التالي »

6- الحل الرقابي والحل الإسلامي

تمتلئ الساحة بتفسيرات عديدة للازمة الحالية ولوسيلة الخروج منها، لعل أكثرها سذاجة هي تلك القائلة بأن المشكلات تكمن في غياب الرقابة الكافية على القطاع المالي فحسب. أي أن الأجهزة الرقابية لم تلعب دورًا كافيًا في الحد من المضاربة في الأوراق المالية ومراقبة شروط وضمانات القروض التي تقدمها البنوك.

وعلى المستوى السطحي لا خلاف حول تأثير تخفيف دور الأجهزة الرقابية خلال العقد الماضي، لكن مشكلة ذلك التفسير هو أنه يخلط بين النتيجة والسبب، فكما حاولنا أن نبين في الجزء الأول من هذه الورقة، أن سياسة البنك المركزي الأمريكي خلال العقد الماضي، وخاصة بعد أزمة 2001، كانت في جوهرها محاولة خلق سيولة مالية، من خلال تخفيض سعر الفائدة، وضخ الأموال وتوسيع دائرة الاقتراض، بحيث تنقذ الاستهلاك الأمريكي من الانكماش، وهو ما نتج عنه تجاوز البنوك والشركات المالية للقواعد الرقابية، وليس العكس.
وهناك تفسير آخر لا يقل سذاجة وهو ما سمي بالتفسير الإسلامي.وقد أعد د.عبد الحميد الغزالي، القيادي الإخواني، بناءًا على تكليف من المرشد العام، ورقة يقدم فيها تفسيرًا للأزمة وسبل الخروج منها، وفقا لرؤية إسلامية.

لا يخرج الجزء الأكبر من الورقة عن التفسير السطحي الذي يطرحه الاقتصاديون البرجوازيون في الصحف والفضائيات، إلا وهو أن الأزمة ليست في التناقضات الجوهرية في النظام الرأسمالي، فالمشكلة كما يصورها د..الغزالي هي غياب أو تغييب الرقابة على منظومة الإقراض، وفي أسواق الأوراق المالية، وجشع المنتفعين بها.

لكن ما يميز الورقة هو الحل الذي تطرحه للأزمة، فهو يدعو إلى “التفكير الجاد في دراسة تطبيق النظام الإسلامي البعيد عن سعر الفائدة “الربوي”، والقائم على معدل الربح كأداة فعالة لإدارة النشاط الاقتصادي المعاصر، والذي يستند إلى القيام باستثمار حقيقي لتوسيع القاعدة الإنتاجية، وليس على أساس استثمار مالي قوامه المضاربات، أو المقامرة أو الاستغلال أو الفساد…”

فالمشكلة، وفقا “للمنظور الإسلامي” المطروح ليست في الربح الرأسمالي، الذي يأتي من استغلال العمال ونهب فائض قيمة عملهم، بل في الإقراض بالفائدة أو “الربا”، أي أن الأرباح الرأسمالية التي تأتي مما يسميه الاستثمار الحقيقي “حلال”، أما الإقراض بالفائدة فهو “حرام”. ونحن لا نرمي إلى الخوض في المسائل الفقهية المتعلقة بالنشاط الاقتصادي، ولكننا نشير إلى التناقض الصارخ في “الطرح الإسلامي” بين الرغبة في الإبقاء على منظومة الربح الرأسمالي، القائم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، واستغلال العمال، وفوضى السوق وبين الرغبة في القضاء على أحد الأعمدة الرئيسية لهذه المنظومة، وهو النظام البنكي القائم على الفائدة.

لقد طرحنا في بداية هذه الورقة كيف أن البنوك (رأس المال الحامل للفائدة)، والرأسمالية الإنتاجية (رأس المال الحامل للربح) هما في الواقع وجهان لعملة واحدة. فالأول لا يمكنه البقاء إلا على أساس وجود أرباح “حقيقية” من إنتاج “حقيقي”، والثاني لا يمكنه البقاء إلا على أساسا وجود نظام مالي مستقل نسبيًا، يمنحه السيولة والمرونة المالية التي يحتاجها لتغطية نفقاته، خاصة في الفترة الزمنية بين البدء في عملية الإنتاج، وبين لحظة تحقيق الربح في السوق، أما الفائدة فهي الثمن الذي تفرضه البنوك مقابل تقديم تلك الخدمة.

فنحن، إذًا، لا يمكننا في الواقع، وبالاستدلال المنطقي، أن نفصل بين الربح الرأسمالي وبين الفائدة، أو “الربا” التي يصفها الغزالي ، في نهاية ورقته، بقولة “كبيرة الربا وراء كل الشرور الاقتصادية التي تعاني منها البشرية”، وهو بالتالي يبرئ عملية الاستغلال الرأسمالي من هذه “الشرور”، ويرى أنها “حلال”.

كان “الربا” قديمًا، ولا تزال “الفائدة” في العصر الرأسمالي الحديث، كارثة فعلية تعاني منها البشرية، ولكنها جزءً لا يتجزأ من النظام الرأسمالي القائم على الربح، ومن يريد حقًا أن يقضي على آفة “الربا” عليه أن يقضي على منبعها، وسبب وجودها الحقيقي، وهو النظام الرأسمالي نفسه، وإلا فإن أطروحته تصبح، ليست ساذجة وغير منطقية فحسب، بل أيضا داعمة ومبررة للرأسمالية بكل شرورها.

« السابق التالي »