بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأزمة الرأسمالية العالمية – الزلزال والتوابع

« السابق التالي »

7- مصر والأزمة العالمية

من يتابع تصريحات وزراء حكومة نظيف حول الأزمة وتأثيراتها على الاقتصاد المصري، لا يمكنه إلا أن يشعر ببعض الشفقة وكثير من الغثيان. فهناك، أولا تخبط وتضارب في التصريحات من يوم لآخر ومن وزير لآخر، فمع بداية الأزمة أعلن محمود محي الدين، وزير الاستثمار، أن مصر لن تتأثر بالأزمة كثيرًا، بل يمكنها الاستفادة منها!. ومع التناقض الشديد بين هزلية هذه التصريحات وبين واقع انهيار البورصة، وانخفاض قيمة الجنية، بدأ الحديث عن احتمال انخفاض معدل النمو المزعوم من 7: 6%، وتنوعت تقديرات الانخفاض بين وزير وآخر في الحكومة نفسها.

وهم معذورون في هذه الحالة من التخبط والهذيان، فهم ملكيون أكثر من الملك، وعندما يرون الصنم الذي يعبدونه-اقتصاد السوق الحر والعولمة-ينهار أمام أعينهم، وعندما يرون نفس الحكومات والمؤسسات العالمية الكبرى يقومون بتأميم أكبر البنوك الخاصة، في وقت يتباهى فيه وزرائنا ببيع بنوك القطاع العام، لنفس تلك البنوك العالمية المنهارة. عندما يرون كل ذلك، وهم مجرد ببغاوات يرددون ما ظلوا يسمعونه في واشنطن طوال العقود الثلاث الماضية، فمن الطبيعي أن يتخبطوا في تصريحاتهم وفي سياساتهم.

لكن!، ما هو التأثير الحقيقي للأزمة الحالية على الاقتصاد المصري، بعيدًا عن مهاترات المسئولين والاقتصاديين في حكومة رجال الأعمال؟، وعلام يعتمد هذا الاقتصاد اليوم؟

يمكننا تحديد عدد من المحاور الأساسية وهي الاستثمار الأجنبي والسياحة، وقناة السويس، والتصدير، والطفرة في سوق العقارات.

بالنسبة للاستثمار الأجنبي فقد رأينا كيف يحدث اليوم هروبًا كبيرًا لاستثمارات الشركات العالمية من أسواق الدول النامية، بما فيها أقوى تلك الأسواق (البرازيل والمكسيك والمجر والهند…).
وقد رأينا أول تأثيرات ذلك في البورصة المصرية، والتي فقدت أكثر من50%من قيمة أسهمها خلال الشهور الستة الماضية. الأمر نفسه ينطبق على الاستثمارات العقارية والإنتاجية، التي وصلت خلال العام 2007/2008 إلى 11 مليار دولار، فأول ما يهتز عندما يتعرض النظام الرأسمالي لأزمة عنيفة هو ثقة المستثمرين في “الأسواق الناشئة” فيقومون بسحب ما يستطيعون من رؤوس أموالهم من تلك الأسواق، وإلغاء كافة خطط التوسع في تلك الأسواق، وتقليص تواجدهم فيها إلى حدّه الأدنى. فمن المتوقع إذا أن تنكمش الاستثمارات الأجنبية في مختلف القطاعات الاقتصادية خلال العامين القادمين.

أما السياحة فيمثل دخلها أكثر من 11% من إجمالي الناتج المحلي المصري، وحوالي 20% من مصادر النقد الأجنبي. وقد وصل عدد السياح في 2007/2008 إلى حوالي 10 ملايين سائح، ويشتغل بقطاع السياحة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، أكثر من مليون عامل وموظف. وتأتي الغالبية العظمى من السياحة في مصر من أوروبا وأمريكا وروسيا واليابان ودول الخليج. وقد رأينا كيف ينكمش استهلاك المواطنين في الدول الرأسمالية الكبرى سريعا، ورأينا كيف يفقدون بيوتهم ومدخراتهم ووظائفهم، ومن لم تطله العاصفة بعد، فهو سيقلص نفقاته إلى الحد الأدنى خوفا من القادم. وهو ما يعني أن السياحة الوافدة من تلك البلدان سوف تشهد انكماشًا شديدًا في الفترة القادمة. ووضع السياحة الخليجية ليس أفضل كثيرًا فسعر برميل البترول فقد أكثر من نصف قيمته، حيث هبط من140 دولار إلى أقل من 70 دولار للبرميل، وذلك خلال أسابيع، هذا إلى جانب المليارات التي خسرتها دول الخليج النفطية من استثماراتهم في بورصات وأسواق المال الأمريكية والأوروبية. وعلى ذلك، سيكون هناك انخفاض حاد في دخل قطاع السياحة، والقطاعات المرتبطة به.

أما قناة السويس وقد وصلت عائداتها في 2007/2008 إلى أكثر من 3.5 مليار دولار فهي أيضًا ستتأثر تأثُرًا كبيرًا بسبب الأزمة العالمية، حيث تعتمد عوائدها على حجم حركة شاحنات السلع التي تمر بها، وبما أن هناك انكماشا حادًا في حجم التجارة العالمية، بما فيها البترول، فسوف تشهد الفترة القادمة، بالضرورة، تقلُّصا حادًا في عائدات قناة السويس، وهي المصدر التالي، بعد السياحة، للنقد الأجنبي في مصر.

أما عن الصادرات، فلن تتمكن هي الأخرى من تفادي العاصفة، فالجزء الأكبر من قيمة هذه الصادرات تأتي من تصدير البترول والغاز الطبيعي والتي شهدت أسعارها انخفاضاً حاداً، ولكن حتى الصادرات غير البترولية ستنكمش، بالضرورة، مع انكماش الاستهلاك في الدول المستورِدة الأساسية، وهي أمريكا والاتحاد الأوروبي، ليس بفعل انكماش الطلب فحسب، بل أيضا بسبب المنافسة المحمومة بين دول العام الثالث على هذه الأسواق المنكمشة.

سنواجه إذًا في الفترة القادمة تقلُّصا حادًا في الدخل من الاستثمار الأجنبي والسياحة وقناة السويس والتصدير، وهي كلها مصادر رئيسية للنقد الأجنبي، وذلك في دولة تستورد ما تصل قيمته إلى ضعف قيمة ما تُصدره. أولى النتائج ستكون انخفاضًا حادًا في قيمة الجنيه، الذي فقد بالفعل 10% من قيمته أمام الدولار خلال الشهر الماضي، وهو ما يعني أن أسعار السلع الأساسية، وأغلبها يتم استيراده، سوف يرتفع مجددًا، بالرغم من الانخفاض في الأسعار العالمية. وانخفاض قيمة الجنيه يعني أيضًا المزيد من فقدان الثقة لدى المستثمرين المصريين والأجانب في صحة الاقتصاد بشكل عام، وفي استثماراتهم بالجنيه المصري بشكل خاص، وهو ما سيؤدي إلى المزيد من الضغط على قيمة الجنيه. وهو ما يعني أن التضخم السريع الذي عانينا منه خلال العام الماضي، والذي يصل إلى 25% على اقل تقدير، لن يتراجع خلال الفترة القادمة، رغم تأكيدات وتصريحات المسئولين.

النتيجة الثانية لهذه العاصفة ستكون بلا شك زيادة مطّردة في حجم البطالة واتساعها وفي المزيد من الضغط على الأجور. فالرأسمالي الذي لن يتمكن من تحمل العاصفة سيعلن إفلاسه، ويغلق مصانعه وشركاته، ويشرد العاملين بها، والرأسمالي الذي سيتمكن من البقاء، سيقلص من عمال وموظفين شركاته للحد الأدنى، وسيخفض من أجور ومستحقات من يبقيهم إلى الحد الأدنى أيضاً.

تبقى نقطة أخيرة حول قطاع العقارات والذي شهد طفرة غير مسبوقة في الأعوام الأربعة الماضية.
ولنضع جانباً الآن غرق هذا القطاع في بحر من فساد السلطة واحتكارات رجالها وكون غالبية مشاريعها موجهة فقط لإسكان وترف الأغنياء في بلد يعيش غالبية سكان مدنه في عشوائيات غير آدمية، ولنركز الآن على كيف سيتأثر هذا القطاع المتضخم بالأزمة العالمية، وكيف سيؤثر ما سيحدث في هذا القطاع على الاقتصاد المصري.

تمثل الطفرة العقارية والزيادة الفلكية في أسعار العقارات نموذجاً آخراً للفقاعات الاقتصادية التي دائمًا ما تخلفها فوضى النظام الرأسمالي.

وهذه الفقاعة بخلاف فقاعة سوق العقارات الأمريكية مثلاً ليست نتيجة لتفشي الرهن العقاري والمضاربة على أوراقه (الرهن العقاري في مصر يمثل نسبة ضئيلة من قيمة هذا القطاع في مصر). إن سبب الفقاعة العقارية المصرية يكمن في دخول شركات تنمية عقارية كبرى خليجية ومصرية باستثمارات ضخمة لإنشاء مشروعات عقارية عملاقة (الفطيم وداماك وأعمار من الخليج وطلعت مصطفى وسوديك وبالم هيلز من مصر). كل هذه الشركات حصلت على تسهيلات استثنائية من الحكومة (أسعار أراض تكاد تكون مجانية، إعفاءات ضريبية،… الخ) وقد ضخت هذه الشركات وغيرها المليارات لبناء مشاريع الإسكان الفاخر حول القاهرة والجيزة وسواحل البحر المتوسط والأحمر. وفي ظل زيادة أسعار العقار أصبح هذا المجال مرتعاً للمضاربين المصريين والأجانب الذين قاموا بشراء الآلاف من هذه العقارات، التي لم يتم إنشاء الكثير منها بعد، ليس بهدف السكن، بالطبع، ولكن للرهان على استمرار ارتفاعها مستقبلاً من أجل بيعها وجني الأرباح.

توشك هذه الفقاعة على الانفجار، فالطلب والاستثمار الخليجي سينكمش بفعل الأزمة وانهيار أسعار البترول، وسوف يتسابق المضاربون لبيع عقاراتهم، خوفاً من انهيار الأسعار وستفاجئ شركات التنمية العقارية الكبرى بمشروعاتها تتحول إلى مدن للأشباح، فحجم هذه المشروعات يصل إلى أضعاف مضاعفة من الطلب الحقيقي على مثل هذا النوع من العقارات، وأسعارها لا تمت بصلة للقيمة الحقيقية التي تمثلها، أي قيمة الأرض والبنية التحتية والمنشآت.

إن الأزمة القادمة في هذا القطاع سيكون لها تأثيرًا مبالغاً يضاعف من تأثير العوامل السابقة على الاقتصاد المصري. مرة أخرى سيدفع الثمن العمال والموظفون في شركات الإنشاءات والصناعات المغذية لها (الحديد والأسمنت والخشب، الخ) وسيؤثر أيضاً بشكل سلبي على الشرائح العليا من الطبقة الوسطى التي استثمرت مدخراتها في عقارات ستنهار أسعارها بسرعة، وهو ما سيؤدي بدوره إلى انكماش الطلب على الصناعات التي تعتمد على استهلاك هذه الشريحة من سيارات وأجهزة كهربائية وغيرها.

إذا وضعنا في الاعتبار كل هذه الضغوط على الاقتصاد المصري، وما يحدث من حولنا بفعل الأزمة العالمية لاقتصاديات الدول النامية، أو الأسواق الناشئة الأكبر والأقوى، مثل البرازيل والمجر والمكسيك والهند وتركيا، فلنا أن نتوقع ما يلي:

1 – انخفاض معدل نمو الاقتصاد المصري الحقيقي إلى ما يقرب من الصفر، إن لم يكن بالسالب.
2- انخفاض قيمة الجنيه المصري، بكل ما يعنيه ذلك من زيادة في الأسعار، وفقدان الثقة في الاقتصاد.
3- ارتفاع مطرد في نسبة البطالة والتشريد.
4- هجوم شرس من قبل الدولة والرأسماليين على أجور ومكتسبات العمال.
5- عودة الدولة إلى الاعتماد المباشر على مؤسسات التمويل الدولية، خاصة صندوق النقد الدولي للاقتراض خشية الإفلاس.

« السابق التالي »