بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأزمة الرأسمالية العالمية – الزلزال والتوابع

« السابق

8- الطرح الاشتراكي والمستقبل

هيمنت أفكار الليبرالية الجديدة، خلال العقود الثلاث الماضية على السياسات الاقتصادية لغالبية دول العالم سواء المتقدمة أو النامية، وكانت المحاور الأساسية لهذه المدرسة هي تخلي الدولة عن الدور المركزي في الاقتصاد من خلال الخصخصة و التحرير الاقتصادي وضرورة ترك المجال مفتوح أمام حركة رأس المال المالي والإنتاجي حول العالم، وما يستلزمه ذلك من تخفيف الرقابة على تلك الحركة.

أخذت الليبرالية الجديدة دفعة كبرى مع انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية ومنظومة وسياسات رأسمالية الدولة فيها، فبدأ الحديث عن “نهاية التاريخ”، وأنه ليس هناك بديلاً للاقتصاد الرأسمالي الحر. وأخذت حكومات العالم الثالث تطبق السياسات الليبرالية الجديدة بشكل ديني خلال الثمانينات والتسعينات، وكانت النتيجة الأساسية لذلك هي تركيز غير مسبوق لرأس المال والثروة في أيدي قلة من رجال الأعمال المحليين في شراكة مع الشركات متعددة الجنسيات، في مقابل الإفقار الشديد للغالبية العظمى من العمال والفلاحين والموظفين والمهمشين.

والنتيجة الثانية كانت، مع ازدياد الاندماج مع السوق العالمية ومع ازدياد الاعتماد على الاستثمار والتمويل الأجنبي والتصدير، أن أصبحت تلك الاقتصاديات معرضة لهزات عنيفة، كلما تقلب أو تأزم النظام الرأسمالي العالمي.

لقد ظهر ذلك جلياً في الأزمة المالية الكبرى التي أصابت اقتصاديات جنوب شرق آسيا في ١٩٩٧-١٩٩٨، والتي سرعان ما امتدت إلى روسيا وأمريكا الجنوبية.

وقد أحدثت تلك الأزمة أول الشروخ في مدرسة الليبرالية الجديدة، وفي هيمنتها العالمية، وبدأت أصوات تتعالى في قلب المؤسسات المالية العالمية تشكك في صحة تلك السياسات، فيما سمي بـ” ما بعد إجماع واشنطن”.

وتلك الأصوات لم تكن اشتراكية بالطبع، فهي لم تشكك في النظام الرأسمالي نفسه، بل دعت إلى درجة أكبر من تدخل الدولة والرقابة على أسواق المال فحسب، أي إلى “ترشيد” الرأسمالية وجعلها أقل عرضة لتلك الهزات العنيفة.

جاء ثاني الشروخ في هيمنة الليبرالية الجديدة مع ظهور ما سمي بـ”حركة مناهضة العولمة الرأسمالية”، سلسلة المظاهرات الجماهيرية الضخمة، بدءًا من سياتل في نهايات 1999، والتي اجتاحت العديد من مدن العالم، حتى 2004، وقد تزامن ذلك مع ظهور حركات اجتماعية جذرية في أمريكا اللاتينية، معادية لسياسات الليبرالية الجديدة، والتي أوصلت عدد من الأنظمة اليسارية في تلك القارة المشتعلة، إلى الحكم.

ولكن، دون شك، جاء الشرخ الأكبر في منظومة الليبرالية الجديدة وهيمنتها مع الأزمة العالمية الحالية ورد فعل كبرى الحكومات الرأسمالية تجاهها، فعمق واتساع الأزمة قد أظهر للجميع أن هناك خللا خطيرا في قلب النظام الرأسمالي، حتى أن “آلان جرينسبان” الرئيس السابق للبنك المركزي الأمريكي وأحد مهندسي المنظومة الرأسمالية الأمريكية خلال العقدين الماضيين، قد اعترف مؤخرًا، أمام الكونجرس الأمريكي، أنه غير قادر على استيعاب ما أسماه بـ”التسونامي المالي العالمي”.
كان رد فعل الحكومات للأزمة بتأميم البنوك الكبرى، والتدخل واسع النطاق في أسواق المال، أكبر اعتراف بفشل سياسات السوق الحر، وتحول بين يوم وليلة كبار المفكرين الاقتصاديين البرجوازيين من الدفاع الديني عن صنم حرية السوق، إلى دفاع لا يقل حماسا، عن السياسات الكينزية، (نسبة إلى “ماينارد كينز” الاقتصادي البريطاني الذي نادى خلال الثلاثينيات بضرورة تدخل الدولة لخلق الطلب في الاقتصاد بعد الكساد العالمي الكبير (1929-1932).

لا تمت السياسات المتبعة اليوم لترشيد الرأسمالية، بالقطع، إلى الاشتراكية فالدولة اليوم تتدخل وتؤمم لإنقاذ الرأسمالية من نفسها وليس لتجاوزها.

هذه السياسات والتي اسماها الاقتصادي الماركسي الكبير سمير أمين “بتأميم الخسائر وخصخصة الأرباح”، سوف يدفع ثمنها عمال وفقراء العالم، وليس أثريائها.

ولكن على الرغم من ذلك، فهي تمثل فرصة تاريخية لصعود جديد لليسار الاشتراكي على مستوى الفكر والتحليل من جانب، وعلى مستوى الممارسة والنضال من جانب آخر، فهناك شرخًا عميقًا يصعب ترميمه في جدران الرأسمالية العالمية، وفي هيمنة منظومتها الفكرية والدعائية.

هناك فرصة تاريخية لطرح البديل الاشتراكي ذلك البديل الذي يريد نظاماً جديداً للإنتاج يكون هدفه تلبية حاجات البشر وليس الربح. نظام قائم على التخطيط الديمقراطي لعملية الإنتاج والتوزيع والاستهلاك وليس على فوضى السوق والتنافس والذي لا ينتج إلا الإهدار والأزمة والفقر للغالبية. نظام قائم على المساواة بين البشر وليس تراكم المليارات (بالدولار) في أيدي قلة صغيرة من المحتكرين في حين يجوع مليارات (من البشر). وأخيراً.. نظام قائم على الملكية العامة لوسائل الإنتاج تحت السيطرة الديمقراطية للعمال وليس على الملكية الخاصة والتي ظلوا يدافعون عن مزاياها في زيادة الإنتاج والكفاءة ولم نرى منها أبداً سوى الاحتكار والنهب والتداخل بين المال والسلطة. أما عن الكفاءة فيكفينا أن ننظر للتريليونات التي تتبخر اليوم في ظل الأزمة المالية وإلى الماكينات التي ستتعطل والسلع المنتجة التي ستخزن أو تدمر وملايين العقارات التي ستغلق في ظل احتياج ملايين العائلات لمأوى.

ولكن الشرخ الحالي والذي أحدثته الأزمة لا يعني على الإطلاق أن الرأسمالية على وشك الانهيار، فطالما قبل الجماهير دفع ثمن الأزمات الرأسمالية، ستظل الأخيرة قادرة على تجاوز أزماتها، حتى ولو بشكل مؤقت وجزئي، والفراغ الفكري الذي تحدثه أزمة الليبرالية الجديدة لا يعني أن يمتلئ هذا الفراغ بالأفكار الاشتراكية الثورية، بل ستمتلئ الساحة سريعًا بالأفكار الإصلاحية الداعية إلى “ترشيد” الرأسمالية وخلق توازن جديد بين دور الدولة ودور السوق، حتى وإن كانت هذه الأفكار لا تمثل حلولا جذرية للأزمات الرأسمالية، خاصة في مرحلتها الحالية.

وهذا يعني أن الاشتراكيين يواجهون فرصة وتحدٍ في آن واحد، فعلى مستوى الدعاية والأفكار عليهم شن هجوم واسع ليس فقط على الليبرالية الجديدة والعولمة، ولكن أيضا على الأطروحات الإصلاحية الترشيدية التي ستمتلئ بها الساحة، عليهم أن يعيدوا الاعتبار لأفكار الماركسية الثورية حول الجوهر الاستغلالي لنمط الإنتاج الرأسمالي وفوضويته، وعلى الطبيعة الحتمية لأزماته المتتالية وعلي أن الحل الوحيد يكمن في تجاوز الرأسمالية، وليس في ترميمها.

إذا كانت الأزمة الحالية تضع الاشتراكيين أمام فرص وتحديات كبرى على مستوى الأفكار فهي أيضا وبالضرورة تضعهم أمام فرص وتحديات على مستوى الممارسة، فكما طرحنا سابقًا، فالرأسمالية لن تتمكن من حل الأزمة، إلا من خلال جعل فقراء وعمال العالم يدفعون ثمنها أي أننا سنُواجه بهجوم عنيف من قبل الحكومات والشركات الرأسمالية على العمال والفقراء، وهو ما سيولد بالضرورة، موجات من التحركات العمالية والاجتماعية دفاعًا عن المكتسبات والحقوق والأجور ومستوى المعيشة، فإذا لم يشتبك الاشتراكيون في المعارك الطبقية القادمة فسيتركون الساحة ليس فقط لهيمنة الإصلاحيين، وخداعهم للجماهير، بل أيضا للتيارات الفاشية اليمينية المتطرفة، التي ستبذل قصار جهدها لتحويل غضب الجماهير في اتجاهات عنصرية ودينية وقومية لتحرف بها الصراع الطبقي بعيداً عن العدو الحقيقي: الرأسمالية العالمية.

لكن اشتباك الاشتراكيين في المعارك الطبقية القادمة يتطلب، ليس فقط أفكارا وتحليلات نظرية صحيحة وثورية حول أزمة الرأسمالية وضرورة الاشتراكية، فهو يتطلب أن يتبلور على أساس هذه الإستراتيجية الاشتراكية تكتيكات دفاعية وهجومية تمكننا من الاشتباك الإيجابي البنّاء في الحركات الجماهيرية، وما يستلزمه ذلك من بلورة التصور الصحيح للعلاقة بين المطالب اليومية لجماهير وبين الأهداف الاشتراكية، وبين ضرورة العمل الجبهوي الواسع الذي يوحد الجماهير بتنوع مستويات وعيهم وتباينها، وبين ضرورة البناء التنظيمي المستقل، الذي يرفع راية الاشتراكية الثورية ويبني جذورها في الحركات العمالية والاجتماعية.

أمامنا تحديات ضخمة، وفرصًا ضخمة، تطرحها أمامنا الأزمة الرأسمالية العالمية، وتوابعها، وإذا لم نتمكن من مواجهة التحديات والاستفادة من تلك الفرص لن يكون الثمن، هو بقاء الاشتراكيين على هامش الحياة السياسية والحركات الجماهيرية فحسب، بل سيكون الثمن أفدح بكثير، وسوف تدفعه تلك الجماهير نفسها، ليس فقط بكسر مقاومتها وإفقارها وتشريدها وتفتيتها، بل أيضا بجر قطاعات منها نحو الفاشية والقومية والعنصرية والحرب.

فلنبدأ النضال على الفور ولنرفع عالياً راية الاشتراكية الثورية، فهذا القرن الجديد بحروبه وأزماته الطاحنة يؤكد لنا مرة أخرى ما أعلنه الاشتراكيون الأوائل منذ أكثر من قرن وهو أن البشرية ليس أمامها سوى خيارين فإما الهمجية والبربرية والفوضى وإما الاشتراكية.

« السابق