رأسمالية الدولة في روسيا
من الخطأ الحديث عن مرحلة ستالينية
إن صعود البيروقراطية إلى مرتبة الطبقة الحاكمة، يوضح أن الرسالة التاريخية للبيروقراطية الستالينية، وهي إنجاز مرحلة الرأسمالية في روسيا، قد تم استنفادها على الصعيد العالمي، ولكن لم يتم استنفادها بعد على الصعيد الوطني. في نفس الوقت، فان البيروقراطية باعتمادها على التخطيط – وهو أحد عناصر “المجتمع الاشتراكي الغازي” الذي تطبقه لإنجاز رسالتها الرأسمالية لتراكم رأس المال – تجتاز المضمار التاريخي التقليدي، الذي استغرق برجوازية الغرب حوالي مئتي سنة لكي تقطعه، في بضعة عقود قليلة معتمدة على عناصر من مجتمع المستقبل لكي تعزز علاقات الماضي، فان البيروقراطية تقوض سريعا هذه العلاقات نفسها، وبذلك تعد إضافة جديدة عظيمة للثورة البروليتارية على أساس تاريخي أقوى كثيرا من عام 1917.
إن البيروقراطية وهى في سنواتها الأولى كطبقة حاكمة، قد تبنت بالفعل الخصائص الشمولية للرأسمالية المنحطة، الشائخة ؛ إنها تثبت فعلا طبيعتها كشذوذ تاريخي لا مستقبل له. تضطر البيروقراطية لشن حملة دعائية واسعة ضد البيروقراطيين، لتظهر كأنها المدافع عن العمال ضد البيروقراطية: لدى البيروقراطية شعور بالذنب، أنها مغتصب للسلطة يفتقد الشرعية التاريخية.
إن ملكية الدولة الرأسمالية تزيد من سخط الجماهير. فمنذ بداية تشكل البيروقراطية كطبقة، إذن، تسلط سيف ديموقليس فوق رأسها. ففي حين أن رأسمالي القرون من السادس عشر إلى التاسع عشر كان بإمكانه أن يتصور مستقبلا عظيما يكون هو فيه ممثلا لكل الإنسانية، إلا أن البيروقراطية الستالينية التي تنجز اليوم الوظيفة التاريخية لهذا الرأسمالي، لا تستطيع إلا أن تشعر بأن جذورها تستند على سلسلة مؤقتة وعابرة من الظروف الوطنية والعالمية، ومن هنا تأتي شموليتها.
يكشف الإرهاب البيروقراطي، الذي يطال البيروقراطيين أنفسهم، عن الوضع الشاذ لهذا الهجين. في الرأسمالية التقليدية، تضمن المنافسة بين الرأسماليين أن كل منهم سيكون على أعلى كفاءة ممكنة. أما في ظل الاقتصاد الاشتراكي، فأن أساس الكفاءة هو الوعي الاجتماعي الحريص على مصالح المجتمع، والعلاقات المتجانسة بين الناس. ولكن البيروقراطية الستالينية هي النتيجة والسبب في نفس الوقت لغياب التجانس بين الناس، والعداءات الطبقية والشخصية، للأنانية اللانهائية القائمة في روسيا. إن الحافز في الاقتصاد الاشتراكي القائم على التخطيط – سيطرة المنتجين لصالح المنتجين أنفسهم – لا يوجد إذن في روسيا، ولا يمكن أن يضمن كفاءة الإنتاج، ومن ناحية أخرى فان الارتباط المباشر بين كفاءة المشروع الواحد ودخل مديريه، وهو ارتباط موجود في ظل الرأسمالية الفردية، لا يوجد أيضا. لذا فأن الوسيلة الهامة الوحيدة لضمان الكفاءة المتبقية للدولة البيروقراطية هي الإرهاب الموجه ضد البيروقراطيين الأفراد. إن إرهاب البيروقراطية ضد البيروقراطيين له وظيفة أخرى إلى جانب ذلك، وكما كتب سيليجا:
ذكرتني هذه الطريقة الأصيلة لتهدئة غضب الشعب (التطهيرات الإرهابية) بتقرير ماركوبولو عن الإمبراطور المنغولي الذي كان يحكم بكين في ذلك الوقت. كان من المعتاد مرة كل عشرة أو خمس عشرة سنة أن يسلم للجماهير الوزير الذي يمقتونه اشد المقت، مما كان يتيح للإمبراطور اضطهاد شعبه بهدوء خلال السنوات العشر أو الخمس عشرة التالية. ما رأيته في روسيا، كان يدفع بهذا الإمبراطور المنغولي بشكل متكرر إلى ذهني. (1)
وحيث أن الفجوة القائمة بين البيروقراطية الستالينية والجماهير أعمق كثيرا من أي فجوة وجدت في التاريخ بين الحكام والمحكومين، فانه لمن الأهمية القصوى للبيروقراطية أن تجد أكباش فداء.
وعلى الرغم من أن البيروقراطية قد ولدت بكل سمات الطبقة المنحطة، فانه سيكون من التبسيط الشديد أن نقول إن كل تقدم للقوى الإنتاجية، كل إضافة للطبقة العاملة ستقوض مباشرة وفورا وضع البيروقراطية. لا، الواقع أكثر تعقيدا من ذلك بكثير.
التأثير المباشر الأولي للتصنيع والتجميع على علاقات القوى بين البروليتاريا والبيروقراطية:
لقد زاد عدد العمال في روسيا سريعا جدا أثناء الخطة الخمسية الأولى. في عام 1928 كان عدد الأشخاص المشتغلين في الصناعات التحويلية واستخراج المعادن ثلاثة ملايين، وقد وصل في عام 1932 إلى ثمانية ملايين، بزيادة مقدارها 160%. هكذا فان الغالبية العظمى من الطبقة العاملة كانت عناصر خام جاءت حديثا من القرى، لم يتم تعليمها وتنظيمها بعد من خلال عملية الإنتاج الاجتماعي.
في نفس الوقت، فان التنمية الصناعية السريعة، والنقص الحاد الناتج عنها في التقنيين، والعمال المهرة، والموظفين، الخ، فتح أبواب البيروقراطية أمام الكثير من العمال القدامى، وبالطبع كلما ازداد العامل خبرة و ذكاء، كلما ازدادت فرصته في الصعود في التسلسل الهرمي.
هذان العاملان، إضعاف تركيبة الطبقة العاملة بإضافة عناصر خامة إليها وخروج العناصر الصلبة المقاتلة منها كانا عقبة خطيرة، أمام بروز حركة عمالية مستقلة قبل بضعة عقود في الظروف التاريخية المختلفة للولايات المتحدة الأمريكية. في روسيا، كانت الصعوبات أمام الحركة العمالية أثناء الخطط الخمسية أكبر كثيرا من تلك التي واجهتها الحركة العمالية الأمريكية. إلى جانب الضغط الرهيب للبوليس السري، وإنهاك الجماهير بعد سنوات كثيرة من الجهد فوق الإنساني، والحيرة الأيديولوجية التي تظهر كنتيجة وسبب في نفس الوقت لضعف الحركة العمالية الروسية في ذلك الوقت، هناك عامل إضافي: خلق البيروقراطية لشريحة من الصفوة بين المضطهدين. هذا هو أحد الأسلحة الأكثر كفاءة التي يمكن للمضطهد أن يستخدمها في اضطهاده للجماهير.
عندما قال نابليون أن حتى المدافع الثقيلة لا تستطيع أن تقف في وجه البطون الفارغة، لم يكن صائبا تماما. البطون الجائعة في ظل ظروف معينة تؤدي لا إلى التمرد وإنما إلى الخضوع. كان هذا هو الحال في السنوات الأولى للتصنيع الذي نفذته البيروقراطية الستالينية. وكما قال فيكتور سيرج:
ستؤدي سياستها (البيروقراطية) إلى بؤس عظيم، ولكن في ظل هذا البؤس تصبح اتفه المكاسب المادية ثمينة، سيكون كافيا إعطاء العامل طبقا من الشوربة يوفر الحد الأدنى من التغذية ومأوى يوفر الحد الأدنى للسكن في الشتاء، لكي يلحق نفسه بالمترفين وسط الحرمان العام… بتلك الطريقة ستتكون شريحة من البيروقراطيين التابعين في المشروعات، وفي خلايا الحزب، وفي القرى حيث ينتظر أن يؤدى نظام التجميع إلى تمييز جديد بين القادة والمقودين. وحول القادة سيدور العملاء المتشوقون للخدمة. سيعزز البؤس مركز أولئك الذين جلبوه.(2)
ضغط الآلة البوليسية الشمولية
لا يمكن للمرء أن يبالغ في تقدير الصعوبات التي تضعها الآلة البوليسية أمام التنظيم المستقل للعمال في روسيا. إن الطبقة العاملة مفتتة، وأية محاولة لبناء تنظيمات مستقلة من أي نوع أو للتعبير عن رغبات الجماهير تقمع بوحشية. يجبر العمال على الانضمام لمنظمات تقودها وتسيطر عليها الدولة وتغص بجواسيسها. إن الجمع بين الدعاية والإرهاب المصمم لضمان احتكار البيروقراطية للدعاية لا يضع حدودا للأكاذيب التي تنشرها، لاغتصاب روح الجماهير بدفعهم إلى المظاهرات الجماهيرية والاجتماعات العامة، وإجبارهم على الحط من أنفسهم والتغني بالمديح لمضطهديهم. كل هذه الأسلحة البيروقراطية تجعل العملية الجزئية لتنظيم وتعليم العمال عسيرة جدا. لدينا جميعا مؤشرات على أنه حتى البروليتاريا الألمانية الخبيرة والمثقفة كانت ستحتاج لسنوات عديدة، وربما عقود، لتحطيم الآلة النازية بقدرتها الذاتية، حتى في ساعات أكبر الهزائم العسكرية التي منيت بها ألمانيا النازية لم تحدث ثورة جماهيرية للعمال في الجبهة الداخلية.
(فيما يتعلق بهذا، لا يجب على المرء أن يهمل التأثير الهام للدعاية الشوفينية لايلياهرنبيرج في مساعدة النازيين على علاج الشروخ في حائط “الوحدة الوطنية الألمانية”.)
إن البروليتارية الروسية الخام التي جاءت غالبيتها العظمى من الريف من سنوات قليلة مضت، والتي لم يعرف سوى 10% منها على الأكثر الظروف في ظل القيصرية، عندما كانت النقابات العمالية قانونية، وكان للأحزاب العمالية المختلفة صحافة قانونية، ستجد صعوبة قصوى في تعلم ألف باء التنظيم والأيديولوجية الاشتراكية في ظل حكم ستالين.
الانتصارات العسكرية لروسيا
أحد العوامل التي قوت حكم البيروقراطية هو انتصاراتها العسكرية. وقد ساهمت عدة عوامل في هذه الانتصارات. أولا، يسمح قمع الجماهير المطلق لستالين بتخصيص نسبة من الدخل القومي لأهداف الحرب، أكبر مما هو ممكن في بلدان الغرب. كان بوسعه، على سبيل المثال، أن يحقق “معجزة” بنقل ملايين العمال إلى الشرق وإسكانهم في حفر داخل الأرض. ثانيا، يضمن القهر البوليسي هدوء الجبهة الداخلية، “ميزة” أخرى لروسيا على البلاد الرأسمالية الديمقراطية. سبب نفس هذين العاملين التفوق المطلق لألمانيا على فرنسا وبريطانيا، والذي لم تتم موازنته آخر الأمر إلا بتعاون الآلة الصناعية الأمريكية (التي تنتج أربعة أضعاف ما تنتجه ألمانيا) والروسية. في حين أن الانتصارات العسكرية الروسية كانت إلى حد كبير نتيجة “للهدوء” على الجبهة الداخلية وإحباط ويأس الجماهير الكادحة، فهي قد أصبحت كانت بدورها عاملا هاما في استقرار النظام الستاليني. وعلى سبيل المناظرة، لا يستطيع المرء أن يقلل من أهمية انتصارات ألمانيا النازية في الإلساز والنمسا والسويد وتشيكوسلوفاكيا وبولندا وفرنسا كعامل في التأثير على نفسية الجماهير الألمانية.
البيروقراطية تخلق حفار قبرها
النتيجة الأولية للتصنيع ونظام التجميع في روسيا كانت تقوية وضع البيروقراطية. بعد سنوات قليلة، بدأت عملية عكسية، الآن، كل خطوة للأمام للقوى الإنتاجية تقوض وضع البيروقراطية.
خلال الخطة الخمسية الأولى، ارتفع عدد العمال المشتغلين بالصناعة والتعدين من ثلاثة مليون إلى ثمانية مليون، ارتفاع مقداره 160%. خلال الخطة الخمسية الثانية ارتفع العدد من ثمانية مليون إلى 1ر10 مليون فقط، ارتفاع مقداره 25%. استهدفت الخطة الخمسية الثالثة الزيادة إلى 9ر11 مليون في عام 1942، ارتفاع مقداره 7ر16%. هكذا فعلى الرغم من تصفية الكثير من العمال في “التطهيرات ” فان عدد العمال القدامى أصحاب السنوات العديدة من المشاركة في عملية الإنتاج يزداد بانتظام.
في نفس الوقت تضيق الأبواب إلى البيروقراطية مع وضع المزيد والمزيد من العراقيل في طريق التعليم العالي، وينخفض معدل انضمام أفضل العناصر بين العمال إلى البيروقراطية.
إن تبلور البروليتاريا الناتج عن نضوب تيار العناصر الخام الواردة إليها ونضوب تيار العناصر الخبيرة الخارجة منها هو عملية فائقة الأهمية.
إن المهمة التاريخية للبيروقراطية هي رفع إنتاجية العمل. وبقيامها بذلك تدخل البيروقراطية في تناقضات عميقة. لكي يتم رفع إنتاجية العمل فوق نقطة معينة، ينبغي أن يرتفع مستوى معيشة الجماهير، حيث أن العمال ناقصي التغذية وذوي الإسكان الرديء وغير المتعلمين يكونون عاجزين عن الإنتاج الحديث. تتعامل البيروقراطية مع مشكلة مستوى معيشة الجماهير بنفس الطريقة التي يتعامل بها الفلاح مع مشكلة تغذية جياده: “كم ينبغي أن أعطي لكي أحصل على المزيد من العمل المنجز؟” ولكن العمال إلى جانب أن لهم أيدي، لهم عقول. إن رفع مستوى معيشة وثقافة الجماهير، يعني زيادة ثقتهم بأنفسهم، وزيادة شهيتهم، ونفاذ صبرهم حيال افتقاد الحقوق الديمقراطية والأمن الشخصي، ونفاذ صبرهم من البيروقراطية التي تبقى على هذه الأعباء. من ناحية أخرى، فان تدنى مستوى معيشة الجماهير يعنى الإبقاء على الإنتاجية المنخفضة الحالية للعمل، وهو أمر مهلك للبيروقراطية في الوضع العالمي الحالي، ويميل لدفع الجماهير أن عاجلا أو آجلا إلى تمردات اليأس.
إن البيروقراطية، تزيد أعداد الطبقة العاملة على أساس أعلى تركيز عرفه التاريخ. ورغم محاولاتها المستميتة لسد الفجوة بين العمل المأجور المركز ورأس المال المركز، ومحاولاتها المستميتة لإخفاء هذه الفجوة وراء شعار “الملكية الاشتراكية”، فان البيروقراطية تأتي إلى الوجود بقوة ستصطدم بها بعنف إن عاجلا أو آجلا.
إن كون ستالين قد اضطر، بعد سنوات قليلة من التصنيع والزراعة الجماعية، عندما كانت الطبقة العاملة لا تزال شابة وخام نسبيا – إلى أن يكون شموليا بالكامل ويصنع مكائد لا سابق لها في التاريخ، يشير إلى سرعة الإيقاع الكبيرة التي تطور بها الصراع الطبقي في روسيا.
الكفاءة المتناقصة للدعاية الستالينية
إن الفعالية المتناقصة للدعاية السوفيتية وضعفها عندما تكذبها وقائع الحياة الصلبة، تشير إليها ظاهرتان لا يمكن تفسيرهما بغير ذلك. الأولى هي المدى الواسع الذي انضم به أسرى الحرب السوفيت طوعا للجيش النازي، والثانية هي الأعداد الضخمة من الروس الذين لم يعودوا بعد الحرب.
أثناء الحرب، خدم نصف مليون مواطن سوفيتي أو أكثر في الجيش النازي تحت القيادة الألمانية. (3) ومن بين حوالي خمسين جنرال سوفيتي أسرهم الألمان، تعاون حوالي عشرة مع هتلر ضد ستالين. (4) لم تظهر أية مجموعة وطنية أخرى من أسرى الحرب استعدادا مشابها للانضمام للنازيين. وبعد الحرب، لم يعد الكثير من المواطنين السوفيت إلى بلدهم، وكون أن “غير العائدين” هؤلاء ليسوا، بصفة عامة، نفس الأشخاص الذين انضموا للقوات النازية، يتضح من أن الأخيرين قد أعيدوا قسرا إلى وطنهم بواسطة الجيش السوفيتي وبواسطة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أيضا. إن عدد غير العائدين كبير، وان لم يكن من الممكن قياسه بدقة. وفقا لتصريح سوفيتي رسمي، فان عدد المواطنين السوفيت الذين لم يعودوا للاتحاد السوفيتي بعد الحرب كان 400 ألف (في مقابل 5ر5 مليون عادوا). (5) ولم يظهر مواطنو بلد آخر مثل هذا الرفض في العودة للوطن، ومثل هذا التفضيل لمخاطر ومصاعب معسكرات المنفى. يعكس هذا الواقع السوفيتي، كما يشير إلى القدرة المحدودة للدعاية الستالينية.
الأهداف الاجتماعية للمعارضة المعادية للستالينية
على الرغم من افتقارها للتنظيم وعدم القدرة على التعبير عن نفسها، فان قوى المعارضة المعادية للستالينية في الاتحاد السوفيتي تسعى بوعي أو بشبه وعي أو حتى بلا وعي لهدف يمكن، إلى حد كبير، استنتاجه من البناء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لرأسمالية الدولة البيروقراطية، البناء الذي تهدف هذه القوى لإسقاطه. لا يمكن التراجع خطوات من اقتصاد مملوك للدولة ومخطط إلى اقتصاد فوضوي يقوم على الملكية الفردية. ولا يعود هذا فقط أو حتى أساسا إلى عدم وجود أفراد يستطيعون ادعاء الحق القانوني أو التاريخي في ملكية القسم الأعظم للثروة. إن استبدال صناعة الدولة كبيرة الحجم بالصناعة الفردية سيكون تراجعا تقنيا اقتصاديا. وهكذا فبالنسبة لجماهير الشعب، يمكن أن يكون لإسقاط الشمولية الستالينية معنى حقيقي فقط إذا حولت الديمقراطية السياسية الثروة العامة إلى ملكية حقيقية للمجتمع، مكونة بذلك ديمقراطية اشتراكية. إن هذا الاستنباط للبرنامج المحتمل للمعارضة المعادية للستالينية من المعلومات الموضوعية لرأسمالية الدولة البيروقراطية تؤيده بوضوح البرامج الفعلية لحركتين منظمتين معاديتين للستالينية، ظهرتا أثناء الحرب العالمية الثانية – حركة فلاسوف وجيش النهضة الأوكراني.
قال الجنرال ماليشكين، الجنرال السوفيتي السابق وأحد أهم مساعدي الجنرال فلاسوف:
موقفنا… هو أن كل هذه الصناعات التي شيدت أثناء فترة البلشفية على حساب دماء وعرق الشعب كله، يجب أن تصبح ملكية الدولة.. الملكية القومية… وإذا ظهر مع ذلك أن هذا مجديا، وفي مصلحة الشعب، فان الدولة لن تعارض مشاركة المبادرة الفردية… ستكون المبادرة الفردية ممكنة ليس فقط في الممتلكات الفلاحية والصناعية… إننا نؤمن بأن المبادرة الفردية يجب أن تشارك أيضا في جوانب أخرى من النشاط الاقتصادي مثل التجارة والصناعات اليدوية والعمل الحرفي… لجميع المشاركين السابقين في الحركة البيضاء، نستطيع أن نقول بحسم ما يلي: ليس منا من يؤمن بعودة النبلاء وكبار الملاك، بعودة الامتيازات القائمة على أساس الأصل أو المقام أو الثروة، بعودة الأشكال الحكومية التي تجاوزت عمرها الافتراضي، إلى روسيا. (6)
لا يهمنا هنا إن كان قادة فلاسوف مخلصين أم لا. إن مجرد كونهم قد اتخذوا موقفا لصالح ملكية الدولة في الصناعة الكبيرة، وهذا في ألمانيا النازية – لدليل على أن موقفا كهذا فقط كان يمكن أن يجذب أسرى الحرب السوفيت الذين حاولوا تجنيدهم. اتخذ جيش النهضة الاوكراني موقفا مماثلا. شنت هذه المجموعة حرب عصابات ضد الجيشين الألماني والروسي معا، وتمكنت من الحفاظ على مقاومة تحت الأرض في أوكرانيا السوفيتية. في عام 1943، في نشراتها في فولهينيا، كان أهم شعار لها “فقط في دولة اوكرانيا المستقلة يمكن تحقيق الشعارات العظيمة لثورة أكتوبر” (7) اقترح جيش النهضة الأوكراني، ما يلي كبرنامج له لإقامة نظام اجتماعي جديد في الدولة الأوكرانية:
مع ملكية الدولة – المؤممة، والتعاونية – الاجتماعية في الصناعة والمالية والتجارة.
مع ملكية الدولة – المؤممة، في الأرض، وممارسة الزراعة جماعيا أو فرديا، وفقا لرغبات السكان.
العودة للرأسمالية في أية حال تعتبر تراجعا. (8)
ذكرت نشرة أخرى لجيش النهضة الأوكراني:
تتطلب التصفية الكاملة للصراع الطبقي تدمير مصدر الطبقات ذاتها، أي في البلاد الرأسمالية – نظام الملكية الفردية لوسائل الإنتاج – وفي حالة الاتحاد السوفيتي الاحتكار السياسي للحزب الستاليني والنظام الدكتاتوري الشمولي. (9)
ومرة أخرى:
النظام السوفيتي… ليس نظاما اشتراكيا، حيث لا تزال توجد فيه الطبقات المستغلة والمستغلة. عمال الاتحاد السوفيتي لا يريدون الرأسمالية ولا الاشتراكية الستالينية الزائفة. انهم يطمحون لمجتمع لا طبقي فقط، إلى ديمقراطية شعبية حقا، إلى حياة حرة في دول حرة ومستقلة. اليوم المجتمع السوفيتي، أكثر من أي مجتمع آخر على أعتاب الثورة الاجتماعية. في الاتحاد السوفيتي، تقوى الثورة الاجتماعية بالثورات الوطنية للقوميات المضطهدة”. (10)
ختـاما:
في بلاد الديمقراطية الرأسمالية، بل والى حد كبير في روسيا القيصرية والبلاد المستعمرة، يتخذ الصراع الطبقي للبروليتاريا مبدئيا شكل الصراعات الاقتصادية الجزئية و “السلمية” والمنظمة و “المخططة”. في روسيا الستالينية، وبسبب القهر البوليسي الوحشي فان مثل هذه الصراعات مستبعدة. هنا كما في جيوش البلاد الرأسمالية حيث يكون الجنود بصفة مستمرة تحت سياط القانون العسكري، لا تجد العملية الجزئية لتبلور المعارضة الجماهيرية للحكام تعبيرا خارجيا مباشرا وواضحا. ولا تستطيع الجماهير أن تنضم للمعركة إلا عندما تكون الظروف قد أصبحت غير محتملة، ويكون قد أصبح واضحا للجماهير أن نصرا حاسما يمكن تحقيقه. فبالنسبة للجماهير الروسية أن تقاتل اليوم أمر اصعب مما كان عليه الأمر بالنسبة للجنود في روسيا القيصرية. فقد تمرد جنود العهد القيصري فقط بعد أن رأوا أن جماهير الشعب كانت في حالة تمرد. أعطت متاريس العمال للجنود الثقة في قوة الشعب وألهمتهم بالثورة ضد ضباطهم. في روسيا لا توجد أي جماعة بين الشعب ليست تحت رقابة اشد مما كان عليه الجيش القيصري في أي وقت. ولن تشتعل الجماهير بالتمرد إلا عندما يتراكم الغضب والسخط الكامن في قلوبهم حتى يصبح جاهزا للانفجار. (يمكن لثورة بروليتارية في الغرب بداهة أن تسرع هذه العملية بمقدار يصعب تقديره). إن الصراع الطبقي في روسيا الستالينية ينبغي حتما أن يعبر عن نفسه في انفجارات تلقائية هائلة للملايين. وحتى ذلك الوقت سيبدو على السطح أن البركان خامد. حتى ذلك الوقت سيجعل التسلط فائق القدرة للبوليس السري، من المستحيل على حزب ثوري أن يخترق الجماهير أو ينظم أي عمل منظم كائنا ما كان. الثورة التلقائية، بتحطيمها للكعب الحديدي للبيروقراطية الستالينية، ستفتح المجال للنشاط الحر لجميع الأحزاب والاتجاهات والجماعات داخل الطبقة العاملة. إنها ستكون الفصل الأول في الثورة البروليتارية المنتصرة. الفصل الأخير لا يمكن أن يكتبه غير الجماهير المعبأة ذاتيا، والواعية بالأهداف الاشتراكية، وبوسائل تحقيقها، والتي يقودها حزب ماركسي ثوري.






