بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

رأسمالية الدولة في روسيا

« السابق التالي »

12. الملحق الأول: اختبار لتعريف تروتسكي لروسيا بأنها دولة عمالية منحطة

تكمن نقطة انطلاق تحليل تروتسكي للنظام الستاليني في البلشفية، وهو يبين التناقض بين الماركسية والستالينية، بين ثورة أكتوبر الاشتراكية والثورة المضادة البيروقراطية. ولكونه تلميذا تروتسكي ولاعتقاده معه بأن ما هو حيوي في تقويم الستالينية هو مقارنتها من وجهة نظر علاقتها بالماركسية – اللينينية، فان هذا الكتاب يرى أنه من الضروري تكريس أكبر عناية ممكنة للتقويم النقدي لتحليل تروتسكي للنظام الستاليني.

هل يمكن لدولة ليست تحت سيطرة العمال أن تكون دولة عمالية؟

في أعمال تروتسكي نجد تعريفين مختلفين ومتناقضين تماما للدولة العمالية. وفقا لأحدهما، معيار الدولة العمالية هو أن تكون للبروليتاريا سيطرة مباشرة أو غير مباشرة، مهما كانت مقيدة، على سلطة الدولة:  أي أن يكون بوسع البروليتاريا أن تتخلص من البيروقراطية بالإصلاح وحده، دون الحاجة للثورة في 1931 كتب:

إن الإقرار بأن الدولة السوفيتية الحالية هي دولة عمالية لا يعني فقط أن البرجوازية لا تستطيع الاستيلاء على السلطة إلا بالانتفاضة المسلحة، وإنما أيضا أن بروليتاريا الاتحاد السوفيتي لم تفقد إمكانية إخضاع البيروقراطية، أو إحياء الحزب وإصلاح نظام الدكتاتورية – بدون ثورة جديدة، بأساليب الإصلاح وسيرا على طريقه. ” (1)

وفي رسالة إلى بورودي، عضو في المجموعة المعارضة المسماة المركزيون الديمقراطيون، يعبر عن هذه الفكرة بطرية أوضح الرسالة غير مؤرخة ولكن كل المؤشرات تظهر أنها كتبت في نهاية 1928. انه يكتب:

انك تكتب:  هل انحطاط الجهاز والسلطة السوفيتية أمر واقع؟ هذا هو السؤال الثاني؟. لاشك أن انحطاط الجهاز السوفيتي هو أكثر تقدما بكثير من نفس العملية في الجهاز الحزبي ومع ذلك، فان الحزب هو الذي يقرر وفي الوقت الحالي، فان هذا يعني:  الجهاز الحزبي سؤالك إذن يمكن التعبير عنه بطريقة أخرى مماثلة:  هل الجوهر البروليتاري للحزب، بمساعدة الطبقة العاملة، قادر على الانتصار على أوتوقراطية الجهاز الحزبي الذي يندمج مع جهاز الدولة؟ إن الذي يجيب مسبقا بأنه غير قادر، يتحدث بالتالي ليس فقط عن ضرورة حزب جديد وأساس جديد، وإنما أيضا عن ضرورة ثورة بروليتارية ثانية وجديدة. (2)

ولاحقا في نفس الرسالة يقول:

إذا كان الحزب جثة، فان حزبا جديدا ينبغي بناءه على بقعة جديدة، ويجب إخبار الطبقة العاملة بذلك صراحة. إذا كان ثرميدور قد اكتمل، وإذا كانت دكتاتورية البروليتاريا قد صفيت، فيجب بسط راية الثورة البروليتارية الثانية. هذه هي الطريقة التي سنتصرف بها إذا أثبت طريق الإصلاح، الذي نقف في صفه، عدم جدواه. (3)

تعريف تروتسكي الثاني له معيار مختلف جوهريا. بغض النظر عن معنى استقلالية جهاز الدولة عن الجماهير، وحتى لو كانت الطريقة الوحيدة للتخلص من البيروقراطية هي الثورة، فطالما أن وسائل الإنتاج “مدولته فان الدولة تظل دولة عمالية وتبقى البروليتاريا الطبقة الحاكمة. هكذا، ففي “الثورة المغدورة ” يكتب تروتسكي:

إن تأميم الأرض، ووسائل الإنتاج الصناعي، والنقل، والصرافة، مع احتكار التجارة الخارجية، يمثل أساس البنية الاجتماعية السوفيتية. من خلال هذه العلاقات، التي أقامتها الثورة البروليتارية، يتم بالأساس تعريف الاتحاد السوفيتي بالنسبة لنا كدولة عمالية.(4)

يمكن استخلاص ثلاثة استنتاجات من هذا:

تعريف تروتسكي الثاني للدولة العمالية ينفي الأول.

إذا كان التعريف الثاني سليما فان البيان الشيوعي كان مخطئا في قوله:  “ستستخدم البروليتاريا سيادتها السياسية لكي تنتزع بالتدريج، كل رأس المال من البرجوازية لكي تمركز كل وسائل الإنتاج في أيدي الدولة”، وكان مخطئا في قوله “الخطوة الأولى في ثورة الطبقة العاملة هي رفع البروليتارية إلى وضع الطبقة الحاكمة”. وفضلا عن ذلك ففي هذه الحالة فلا كوميونة باريس ولا الدكتاتورية البلشفية كانتا دولا عمالية، حيث أن الأولى لم تدولت وسائل الإنتاج، والثانية لم تفعل ذلك لبعض الوقت.

إذا كانت الدولة هي مستودع هي وسائل الإنتاج، والعمال لا يسيطرون عليها فانهم لا يملكون وسائل الإنتاج، أي انهم ليسوا الطبقة الحاكمة. التعريف الأول يقر بهذا. التعريف الثاني يتجنبه، ولكنه لا يفنده.

تعريف روسيا بأنها دولة عمالية والنظرية الماركسية للدولة

يتعين أن يؤدي افتراض أن روسيا دولة عمالية منحطة إلى استنتاجات تتناقض مباشرة مع المفهوم الماركسي للدولة. تحليل دور ما أسماه تروتسكي الثورة السياسية، والثورة المضادة الاجتماعية سيثبت ذلك.

في “الثورة المغدورة” يكتب تروتسكي:

لكي نكون فهما افضل لطابع الاتحاد السوفيتي الحالي، دعونا نضع افتراضين مختلفين فيما يتعلق بمستقبله، دعونا نفترض أولا أن البيروقراطية السوفيتية تم إسقاطها بواسطة حزب ثوري لديه كافة خصائص البلشفية القديمة، وازداد ثراءا فضلا عن ذلك من خلال التجربة العالمية للفترة الأخيرة. سيبدأ حزب كهذا بإعادة الديمقراطية في النقابات والسوفييتات. سيكون قادرا على، وسيكون عليه، إعادة حرية الأحزاب السوفيتية. ومع الجماهير وعلى رأسهم، سيجري تطهيرا لا يعرف الرحمة لجهاز الدولة. سوف يلغي الرتب والنياشين، وكل أنواع الامتيازات، وسيحد من عدم المساواة فيما يدفع مقابل العمل بضرورات الحياة الخاصة بالاقتصاد وجهاز الدولة. وسيعطي الشباب الفرصة في التفكير المستقل والتعلم والنقد والنمو. سيدخل تغييرات عميقة في توزيع الدخل القومي بما يتفق مع مصالح وإرادة جماهير العمال والفلاحين. ولكن فيما يتعلق بعلاقات الملكية، لن يكون على السلطة الجديدة أن تلجأ لإجراءات ثورية. إنها ستحتفظ بتجربة الاقتصاد المخطط وتطورها أكثر بعد الثورة السياسية – أي بعد التخلص من البيروقراطية – سيكون على البروليتاريا أن تدخل سلسلة من الإصلاحات الهامة جدا في الاقتصاد، ولكن ليس ثورة اجتماعية أخرى….

أما إذا – هذا هو الافتراض الثاني – أطاح حزب برجوازي بالفئة السوفيتية الحاكمة، فانه سيجد عدد غير قليل من الخدم الجاهزين بين البيروقراطيين والإداريين والفنيين والمديرين وسكرتيري الحزب والدوائر العليا المتميزة بصفة عامة. وبالطبع، سيكون ضروريا في هذه الحالة أيضا القيام بتطهير لجهاز الدولة. إلا أن العودة للبرجوازية ستطهر على الأرجح عددا أقل من الناس بالمقارنة بما يمكن لحزب ثوري أن يفعله. المهمة الأساسية للسلطة الجديدة ستكون بإعادة الملكية الفردية لوسائل الإنتاج.. و. بصرف النظر عن أن البيروقراطية السوفيتية قد ذهبت بعيدا في الاعتداد للعودة البرجوازية، فان النظام الجديد سيكون عليه أن يدخل فيما يتعلق بأشكال الملكية وأساليب الصناعة، ليس إصلاحا وإنما ثورة اجتماعية. (5) دعونا نختبر هذا. أثناء الثورات السياسية البرجوازية، على سبيل المثال ثورات 1830 و 1848 الفرنسيتان، تغير شكل الحكومة بدرجة أو بأخرى، إلا أن نوع الدولة ظل كما هو – “هيئات خاصة من الرجال المسلحين والسجون..  الخ” مستقلة عن الشعب وتخدم الطبقة الرأسمالية.

من المؤكد أن انتصار هتلر في ألمانيا أتى معه بتطهير واسع المدى لجهاز الدولة، ولكن آلة الدولة ككل لم تدمر، حيث بقيت من حيث الجوهر كما هي.  يوجد ارتباط أوثق كثيرا بين المضمون والشكل في الدولة العمالية مما هو عليه في أي دولة أخرى. إذن، فحتى لو افترضنا إمكانية وقوع ثورات سياسية في الدولة العمالية، فان شيئا واحدا واضح، ينبغي على آلة الدولة العمالية التي كانت قائمة قبل الثورة السياسية البروليتارية أن تستمر في الوجود بعد هذه الثورة. إذا كانت روسيا دولة عمالية، فعلى الرغم من أن الحزب العمالي الثوري قد يجري تطهيرا واسع المدى لجهاز الدولة عندما يأتي للسلطة، إلا أنه يتعين عليه يكون قادرا على استخدام وأن يستخدم بالفعل آلة الدولة القائمة:  ومن جانب آخر، فإذا صعدت البرجوازية للسلطة، لن تكون قادرة على استخدام آلة الدولة القائمة، بل ستكون مضطرة لتدميرها وبناء أخرى على أنقاضها.

هل هذه هي الشروط القائمة في روسيا؟ إن طرح السؤال بطريقة صائبة هو نصف الطريق نحو الإجابة عليه؟. انه من البديهي يقينا أن الحزب الثوري لن يستخدم وزارة الداخلية ولا البيروقراطية ولا الجيش النظامي. سيكون على الحزب الثوري أن يدمر الدولة القائمة ويستبدلها بالسوفييتات والميليشيا الشعبية، الخ.

وعلى النقيض من هذا، فإذا صعدت البرجوازية للسلطة فإنها تستطيع بالقطع أن تستخدم وزارة الداخلية والجيش النظامي، الخ. يتجنب تروتسكي تطبيق النظرية الماركسية للدولة على الثورة السياسية والثورة المضادة الاجتماعية في روسيا، جزئيا بالقول بأن الحزب الثوري “سيبدأ بإعادة الديمقراطية في النقابات والسوفييتات”. ولكن فعليا لا توجد نقابات ولا سوفييتات في روسيا، يمكن إعادة الديمقراطية فيها. إن المسألة ليست هي إصلاح آلة الدولة، وإنما تدميرها وبناء دولة جديدة. سواء افترضنا أن البروليتاريا ينبغي أن تدمر آلة الدولة القائمة عند وصولها للسلطة، في حين أن البرجوازية تستطيع استخدامها، أو افترضنا انه لا البروليتاريا ولا البرجوازية تستطيع استخدام جهاز الدولة القائم (حيث أن “تطهير جهاز الدولة ” يتضمن بالضرورة تغييرا من العمق بحيث يحوله كيفيا) – فان الافتراضين ينبغي أن يصلا هنا إلى استنتاج أن روسيا ليست دولة عمالية. إن افتراض أن كلا من البروليتاريا والبرجوازية تستطيعان استخدام نفس آلة الدولة كأداة تسلط كل منهما هو بمثابة تنصل من المفهوم الثوري للدولة الذي عبر عنه ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي.

تناول شكل الملكية مستقلا عن علاقات الإنتاج – تجريد ميتافيزيقي.

يقر كل ماركسي بأن مفهوم الملكية الخاصة في ذاته، مستقلا عن علاقات الإنتاج، هو تجريد فوق – تاريخي. يعرف التاريخ الإنساني الملكية الخاصة للنظام العبودي، والنظام الإقطاعي، والنظام الرأسمالي، وهي كلها مختلفة جوهريا عن بعضها البعض. استهزأ ماركس بمحاولة برودون تعريف الملكية الخاصة مستقلة عن علاقات الإنتاج. ما يحول وسائل الإنتاج إلى رأسمال هو إجمالي علاقات الإنتاج. وكما قال ماركس:

في كل عصر تاريخي، تطورت الملكية بشكل مختلف وفي ظل مجموعة من العلاقات الاجتماعية المختلفة تماما. ومن هنا تعريف الملكية البرجوازية ليس يقل عن إعطاء عرض لكافة العلاقات الاجتماعية للإنتاج البرجوازي. إن محاولة إعطاء تعرف للملكية كأنها علاقة مستقلة، أو مقولة بذاتها – فكرة خالدة مجردة – لايمكن إلا أن يكون وهما ميتافيزيقيا أو قانونيا. (6)

إن جميع المقولات التي تعبر عن العلاقات بين الناس في عملية الإنتاج الرأسمالية – القيمة، السعر، الأجور، الخ – تشكل جزءا أساسيا من الملكية الخاصة للبرجوازية. إن قوانين حركة النظام الرأسمالي هي التي تحدد الطابع الاجتماعي التاريخي للملكية الخاصة الرأسمالية، وهي التي تفرقها عن الأنواع الأخرى للملكية الخاصة. لقد قام برودون، الذي جرد شكل الملكية عن علاقات الإنتاج “باختزال مجمل هذه العلاقات الاقتصادية (علاقات الإنتاج الرأسمالية) في المفهوم القانوني العام “للملكية”.

وبالتالي، ” فلم يكن برودون قادرا على الذهاب أبعد من الإجابة التي كان بريسوت، في عمل مماثل، قد أعطاها بالفعل، قبل 1789، وبنفس الكلمات “الملكية سرقة”. (7)

لقد أوضح ماركس تماما أن ملكية خاصة معينة يمكن أن يكون لها طابع تاريخي مختلف عن أخرى، أي يمكن أن تكون أساسا لطبقة مختلفة عن الأخرى. ليس من البديهي تماما أن الشيء نفسه ينطبق على الملكية المدولته. والسبب الرئيسي في ذلك هو أ، التاريخ المعروف للإنسانية كان في الأساس تاريخ الصراع الطبقي على أساس الملكية الخاصة. حالات الانقسام الطبقي على أساس مختلف عن الملكية الخاصة ليست عديدة جدا وهي في الإجمالي غير معروفة جيدا. ومع ذلك، فان هذه الحالات قد وجدت كمثال أول، أو دعونا نأخذ فصلا من تاريخ أوروبا، الكيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى.

كان لدى الكنسية قطع هائلة من الأرض عمل عليها مئات الآلاف من الفلاحين. كانت العلاقات بين الكنسية والفلاحين هي نفس العلاقات الإقطاعية التي وجدت بين صاحب الضيعة الإقطاعي وفلاحيه. الكنيسة في ذاتها كانت إقطاعية. وفي نفس الوقت، فان أحدا من الأساقفة والكاردينالات، الخ، لم يكن له حقوق فردية على الملكية الإقطاعية. إن علاقات الإنتاج هي التي تحدد الطابع الطبقي لملكية الكنيسة، التي كانت إقطاعية، على الرغم من أنها لم تكن فردية.

قد يقال أن الكنيسة الكاثوليكية كانت مجرد ذيل للنظام الإقطاعي ككل، ومن هنا يأتي طابعها الإقطاعي – ولكن هذه الحجة لا تعنينا هنا، حيث أننا لا نريد تفسير صعود الكنيسة الكاثوليكية، مركزة في أيديها قطع هائلة من الأرض وداخلة في علاقات إقطاعية، حيث يقوم الفلاحون بزرع أرضها. إننا نريد فقط أن نظهر أن نفس العلاقات الإنتاجية يمكن أن يتم التعبير عنها من خلال أشكال مختلفة للملكية، واحد منها خاص، والآخر مؤسسي.

من تاريخ الشرق نستطيع أن نضرب أمثلة عديدة لأنظمة اقتصادية ذات انقسام طبقي عميق، قائمة على أساس لا الملكية الخاصة وإنما ملكية الدولة.  وجدت أنظمة كهذه في مصر الفرعونية، ومصر الإسلامية، والعراق وفارس والهند.  يبدو أن ملكية الدولة للأرض كانت ترجع بالأساس إلى أن الزراعة اعتمدت بالكامل على نظام الري في هذه البلاد، والذي اعتمد بدوره على نشاط الدولة.  المثال التالي مفيد بما يكفي لتبرير الاستطراد.

الإقطاع العربي – مثال للمجتمع الطبقي القائم على ملكية الدولة

دعونا نختبر الخصائص الأساسية للإقطاع العربي في ظل المماليك:

كان خضوع الفلاحين هنا للدولة الإقطاعية القوية أكثر قسوة كثيرا منه في أوروبا العصور الوسطى، ولكن العضو الفرد في الطبقة الحاكمة لم تكن له أي حقوق ملكية فردية على الإطلاق. كان السلطان هو مالك الأرض الوحيد وكان يقسم حق جمع الإيجار في المناطق المختلفة، على مختلف النبلاء (الملتزمين). في حين أنه في أوروبا كان كل نبيل إقطاعي يملك ضيعة معينة يتم توارثها أبا عن جد، فان النبيل الإقطاعي في المشرق العربي لم تكن له ضيعة دائمة خاصة، وإنما كان عضوا في طبقة سيطرت جماعيا على الأرض، وكان له الحق في الاستيلاء على الإيجار. في سوريا وفلسطين، كانت المنطقة التي يجمع منها هؤلاء النبلاء الإقطاعيون الإيجار تتغير من سنة لأخرى، وفي مصر حصلوا على حق جمع الإيجار من منطقة معينة على مدى حياتهم، وكان لورثتهم حق الأسبقية في التعيين كخليفة للمتوفى، في حين أنه في أوروبا كان النبيل الإقطاعي قوة مستقلة نسبيا في مواجهة الملك، الذي لم يكن أكثر من النبيل الإقطاعي الأول، ففي المشرق العربي كانت الجماعة الإقطاعية فقط عاملا ذا أهمية، كان النبلاء العرب ضعفاء كأفراد، لأنهم كانوا يعتمدون على الدولة في مواقعهم. لقد دلت طريق تخصيص الضياع بوضوح على ضعف النبيل الإقطاعي في مواجهة الدولة:  كان السلطان يوزع الضياع بين الأمراء والفرسان، بحيث يحصل كل منهم على نصيب من الأرض يختلف في الحجم والكيف وفقا لرتبته. هكذا فقد كان النبلاء العرب منقسمين إلى مجموعات مختلفة بدخول مختلفة، وكانت الفروق بينهم كبيرة جدا (على سبيل المثال كان “أمراء المائة” يحصلون على ما بين 80,000 – 200,000 دينار جيشي سنويا، وأمراء “الطبل” ما بين 23,000 -30,000، “أمراء العشرة” 9000 وأقل، وأمراء الخمسة 3000 وهكذا). كان نمط السيطرة أقرب كثيرا إلى ذلك الخاص بمسئول في الدولة منه إلى النمط الخاص بنبيل إقطاعي أوروبي. وكنتيجة لهذا الاعتماد من جانب النبلاء على الدولة، تكررت في الشرق العربي ظاهرة غير معتادة. من وقت لآخر، كانت شرائح إقطاعية كاملة تتعرض للـ “التطهير” والإبادة، حيث تحل شرائح أخرى محلها. استبدل النبلاء العرب بعبيد السلطان المحررين – المماليك – الذين لم يكونوا من أصول عربية ولم يتحدثوا العربية وإنما التركية. في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، غالبا ما ارتدت أصولهم إلى الدولة المنغولية، “القبيلة الذهبية”، التي كان مركزها على ضفاف الفولجا السفلي، في القرنين الخامس عشر والسادس عشر كانوا في الأساس قوقازيين. ومع المقاومة المتزايدة للقيصر للتجنيد في القوقاز لصالح السلطان بدأ العنصر البلقاني (الألبان، البوسنيون..) يسود.

إن ملكية الدولة للأرض لم تمنع فقط نمو الإقطاع القائم على الملكية الخاصة، وإنما منعت أيضا ظهور أي مجموعة اجتماعية ذات نزعات فردية على الإطلاق. كانت المدينة معسكرا عسكريا، ولم يكن أغلب الحرفيين مستغلين. وحتى عندما تطورت الطوائف الحرفية، فإنها لم تصل إلى مكانة هامة على الإطلاق في المدن، ولم تصبح قوى مستقلة ذات شأن. لقد أخضعتها الحكومة لها عن طريق تعيين الكثير من رؤساء الطوائف، وجعلهم مسئوليها، وتحويل الطوائف إلى منظمات حكومية.

كون أن وسائل الإنتاج الأساسية – الأرض – كانت ملك الدولة لا إلى أفراد، وأن النبلاء العرب والمماليك افتقدوا مواطئ القدم القانونية وبالتالي لم يكن لهم حق الوراثة، فان ذلك لم يحسن وضع جماهير الفلاحين. كما أن الأصل السوقي للمماليك لم يسبب أي تغيير. إن تركيز الطبقة الحاكمة في المشرق العربي في المدن وفر لها قوة عسكرية كبيرة على الفلاحين، كما أنه فضلا عن ذلك فتح شهيتها في هذا، أيضا، اختلفوا عن النبلاء الإقطاعيين الأوربيين في العصور الوسطى. الإنتاج الذي كان الأقنان الأوروبيون يعطونه لنبلائهم الإقطاعيين كإيجار، لم يكن بصفة عامة يرسل ليباع، لم يكن الأقنان إذن يحتاجون لإعطاء نبيلهم الإقطاعي اكثر مما كان يحتاجه هو وأهل بيته للاستعمال اليومي. “وضعت حوائط معدنه (النبيل الإقطاعي) حدود استغلاله للفلاحين” (ماركس). كان للإقطاعيين العرب أذواق مختلفة، ويمكن تلخيص وجهة نظرهم في الكلمات التي استخدمها الخليفة سليمان مع مبعوثه حول الفلاحين:  “احلب حتى تجف البقرة، ودع الدم يسيل حتى آخر قطره”.

إن نمط الإنتاج، وشكل الاستغلال، وعلاقة الكادحين بوسائل الإنتاج في المشرق العربي، كانت مثل ما هو قائم في أوروبا العصور الوسطى. وكان مصدر دخل الطبقة الحاكمة مماثل أيضا، الفارق الوحيد كان في نمط الاستيلاء، في التعبير القانوني عن حق الاستغلال. (8)

البيروقراطية الروسية – شرطي يظهر في عملية التوزيع؟

يكتب تروتسكي أن قهر الدولة الستالينية للجماهير هو نتيجة.

كون الهيكل الانتقالي الحالي لا يزال مليئا بالتناقضات الاجتماعية، التي هي شديدة التوتر في دائرة الاستهلاك – التي يشعر بها الجميع عن كثب وبحساسية شديدة – والتي تهدد على الدوام بالوصول إلى دائرة الإنتاج. (9)

إذن،

أساس الحكم البيروقراطي هو فقر المجتمع في أدوات الاستهلاك، مما يسفر عن صراع كل فرد ضد الكل. عندما تكون هناك سلع كافية في مخزن، يستطيع المشترون أن يحضروا حين يشاءون. عندما تكون هناك سلع قليلة يضطر المشترون للوقوف في طابور. وعندما تكون الطوابير طويلة جدا، يصبح من الضروري تعيين شرطي للحفاظ على النظام. هذه هي نقطة البداية لسلطة البيروقراطية السوفيتية.  أنها “تعرف” من الذي ينبغي أن يحصل على شيء ومن الذي عليه أن ينتظر. (10)

هل صحيح أن البيروقراطية تظهر بوصفها “الشرطي” في عملية التوزيع فقط، أم أنها تظهر هكذا في عملية إعادة الإنتاج ككل، التي ليست عملية التوزيع سوى جزء خاضع لها؟ إن هذا لذا أهمية نظرية وسياسية لا حدود لها. قبل أن نحاول الإجابة على هذا السؤال، دعونا نختبر ما اعتقده ماركس وإنجلز حول الارتباط بين علاقات الإنتاج والتوزيع. يكتب ماركس:

بالنسبة للفرد الواحد يظهر التوزيع بالطبع كقانون أقره المجتمع يجدد وضعه في دائرة الإنتاج، التي ينتج داخلها، وهو بالتالي سابق على الإنتاج. في بادئ الأمر، لا يمكن الفرد رأسمال لا أرض. منذ مولده يكلف بأعلم الأجير بواسطة عملية التوزيع الاجتماعية. ولكن هذا نفسه – نعنى ظرف التكليف بالعمل الأجير – هو نتيجة وجود رأسمال وملكية الأرض كوكلاء مستقلين للإنتاج.

من وجهة نظر المجتمع ككل، يبدو التوزيع كسابق على الإنتاج ومحدد له بطريقة أخرى أيضا، كواقع سابق على الاقتصاد، إذا جاز القول. يقسم الشعب الغازي الأرض بين الغزاة مكونا بذلك تقسيما وشكلا معينا لملكية الأرض، ومحددا طابع الإنتاج. أو تقوم أمة، بواسطة الثورة، بتفتيت الضياع الكبيرة إلى قطع صغيرة من الأرض، وتعطي طابعا جديدا للإنتاج بواسطة هذا الإنتاج الجديد. أو قد يكرس التشريع ملكية الأرض في العائلات الكبيرة أو يوزع العمل كميزة وراثية وبالتالي يثبته في فئات مغلقة.

في جميع هذه الحالات، وهي كلها تاريخيا، ليس التوزيع هو الذي يبدو منظما وموزعا بواسطة التوزيع.

في الفهم الأكثر سطحية للتوزيع، يبدو الأخير كتوزيع للمنتجات، وبالتالي يبدو أكثر تباعدا عن الإنتاج وشبه مستقل عنه. ولكن قبل أن يعني التوزيع توزيع المنتجات، فهو أولا توزيع لوسائل الإنتاج، وثانيا، وهذا عمليا تعبير بكلمات أخرى عن نفس الشيء، توزيع لأعضاء المجتمع بين مختلف أنواع الإنتاج (إخضاع الأفراد لظروف إنتاج معينة). من الواضح أن توزيع المنتجات هو نتيجة لهذا التوزيع المرتبط بعملية الإنتاج والذي يحدد تنظيم توزيع المنتجات ذاته. (11) إن هذا الاقتباس من ماركس، والذي يتكرر جوهره مرارا وتكرارا على امتداد أعماله، يكفي كنقطة انطلاق لتحليل مكان البيروقراطية الستالينية في الاقتصاد.

عدونا نطرح هذه الأسئلة بالارتباط مع البيروقراطية الروسية، هل البيروقراطية تدير فقط توزيع وسائل الاستهلاك بين الشعب، أنها تدير توزيع الشعب كله في عملية الإنتاج؟ هل البيروقراطية تمارس احتكارا على السيطرة على التوزيع فقط، أم على السيطرة على وسائل الإنتاج كذلك؟ هل تعين حصص وسائل الاستهلاك فقط أم أنها توزع أيضا إجمالي وقت العمل الخاص بالمجتمع بين التراكم والاستهلاك، بين إنتاج وسائل الإنتاج وإنتاج وسائل الاستهلاك. ألا تقوم البيروقراطية بإعادة توزيع معينة؟ ألا تحدد علاقات الإنتاج القائمة في روسيا علاقات التوزيع التي تشكل جزءا منها.

ثورة اجتماعية أم ثورة سياسية؟

إذا اتفق المرء مع تروتسكي في أن ثورة تقوم بها الطبقة العاملة الروسية ضد البيروقراطية ليست ثورة اجتماعية، فان المرء يدخل في تناقضات مباشرة مع علم الاجتماع الماركسي.

لقد حدد ماركس الحرب كالأهلية في الولايات المتحدة أنها ثورة اجتماعية. كان تحرير العبيد وتحولهم إلى عمال أجراء ثورة اجتماعية:  اختفت طبقة من المجتمع وحلت أخرى محلها. لماذا لا يكون إسقاط بيروقراطية ستالين وتحرير ملايين العبيد في معسكرات العمل ثورة اجتماعية، وإنما ثورة سياسية فقط؟ إن الثورة الزراعية، التي تنقل الضياع الإقطاعية إلى أيدي الفلاحين وتحول الأقنان إلى فلاحين أحرار، كانت ثورة اجتماعية. لماذا لا يكون وقف النهب الذي تقوم به الدولة، ووقف “التسليم الإجباري”، وتحويل الكولخوزات إلى الملكية الحقيقية لأعضاء الكولخوز، يملكونها ويسيطرون عليها، لماذا لا يكون كل هذا ثورة اجتماعية؟

الثورة السياسية تفترض أنه مع تغير الحكومة، يتغير الأفراد أو المجموعات أو الشرائح الحاكمة فقط، إلا أن نفس الطبقة تحتفظ بالسلطة. وفقا لذلك، فان البيروقراطي والعامل، حارس وزارة الداخلية وسجينه، ينتميان لنفس الطبقة. كيف يمكن أن يكون الأمر كذلك، عندما تكون مواقعهم في عملية الإنتاج شديدة العدائية، عندما تكون مواقفهم من وسائل الإنتاج ليس فقط غير متماثلة، وإنما متصادمة بحدة في الواقع؟ إذا قبلنا أن العمال والبيروقراطيين ينتمون بالفعل لنفس الطبقة، فعلينا إذن أن نستنتج أنه يوجد في روسيا صراع داخل طبقة واحدة، ولكن ليس صراعا بين الطبقات، أي ليس صراعا طبقيا. ألا يسحب هذا البساط من تحت أقدام هجوم تروتسكي على تأكيد ستالين انه لا يوجد صراع طبقي في روسيا؟

كتاب تروتسكي الأخير؟

حيث أن الطبقة العاملة في روسيا كانت الوحيدة التي أمسكت بالسلطة لفترة ممتدة، وحيث أن إسقاطها اتخذ شكلا غير متوقع، في ظل ظروف روسيا الاقتصادية والسياسية شديدة التعقيد، فليس غريبا أنه حتى تروتسكي، بقدراته التحليلية العبقرية، كان عليه أن يعيد تقييم تحليله الأساسي للنظام الستاليني من وقت لآخر. حدث تحول هائل في موقف تروتسكي، وان يكن في التشديد فقط، منذ وقت أن كان قبول نظرية الدولة العمالية المنحطة شرطا لعضوية المعارضة اليسارية حتى الوقت الذي لم يقترح فيه تروتسكي استعباد المعادين للدفاعية من الأممية، وثم انه لم يقبل موقفهم. لم يكن صدفة أنه في سجلاته مع شاختمان في نهاية 1939 وفي 1940 كان يستطيع أن يقول انه رغم كونه في أقلية ضد شاختمان وبورنهام، فانه سيعارض الانشقاق وسيستمر في النضال لصالح موقفه في الحزب الموحد. (12) تجد خطوة واضحة في اتجاه تقييم جديد للبيروقراطية كطبقة حاكمة تعبيرا عن نفسها في كتاب تروتسكي الأخير، ستالين. في تفسير الطبيعة الاجتماعية لصعود البيروقراطية الستالينية للسلطة، قال:

إن جوهر الثرميدور كان ولا يزال ولم يكن ممكنا إلا أن يكون اجتماعيا في طابعه. لقد وقف في صف بلورة شريحة متميزة جديدة، خلق أساس جديد للطبقة المسيطرة اقتصاديا. كان هناك متنازعان على هذا الدور:  البرجوازية الصغيرة والبيروقراطية ذاتها. لقد حاربا جنبا إلى جنب (في معركة القضاء على) مقاومة الطليعة البروليتارية. عندما تحققت هذه المهمة اندلع صراعا وحشيا بينهما. أصيبت البيروقراطية بالذعر من عزلتها، من انفصالها عن البروليتاريا. لم تستطيع وحدها أن تسحق الكولاك ولا البرجوازية الصغيرة التي كانت قد نمت واستمرت في النمو على أساس السياسة الاقتصادية الجديدة، كان عليها أن تنال مساعدة البروليتاريا ومن هنا تأتي جهودها الحثيثة لتصوير صراعها ضد البرجوازية الصغيرة على فائض الإنتاج وعلى السلطة على أنه صراع البروليتاريا ضد محاولات إرجاع الرأسمالية. (13)

يقول تروتسكي:  إن البيروقراطية، في حين أنها تدعي النضال ضد الرأسمالية، فأنها في الواقع استخدمت البروليتاريا فقط لكي تسحق الكولاك من أجل “بلورة شريحة متميزة جديدة، خلق أساس جديد للطبقة المسيطرة اقتصاديا”. وهو يقول أن أحد المتنازعين على دور الطبقة المسيطرة اقتصاديا هو البيروقراطية. يجب إعطاء دلالة عظيمة لهذه الصياغة خاصة إذا ربطنا هذا التحليل للصراع بين البيروقراطية والكولاك بتعريف تروتسكي للصراع الطبقي. انه يقول:

الصراع الطبقي ليس شيئا آخر غير الصراع على فائض الإنتاج. ذلك الذي يمتلك فائض الإنتاج يسيطر على الموقف – يمتلك الثروة، يمتلك الدولة، لديه مفتاح الكنيسة والمحاكم والعلوم والفنون. (14)

الصراع بين البيروقراطية والكولاك كان، وفقا لاستنتاج تروتسكي الأخير، “الصراع…  على فائض الإنتاج”.

القوى الداخلية غير قادرة على إرجاع الرأسمالية الفردية في روسيا: ماذا نستنتج فيما يتعلق بطابعها الطبقي؟

عندما تحدث تروتسكي عن خطر الثورة المضادة الاجتماعية في روسيا، عني بذلك إرجاع الرأسمالية القائمة على الملكية الخاصة. البونابارتية الستالينية. تصور كعامل توازن بين قوتين على الساحة الوطنية – من ناحية، الطبقة العاملة المؤيدة للملكية المدولتة والتخطيط، و، من ناحية أخرى، العناصر البرجوازية الساعية نحو الملكية الخاصة. انه يكتب:

تستمر البيروقراطية في الحفاظ على ملكية الدولة فقط بمقدار ما تخاف البروليتاريا. يغذي هذا الخوف المنقذ ويؤيده حزب البلاشفة – اللينينيين غير الشرعي، الذي يعد التعبير الأكثر وعيا عن النزعات الاشتراكية المعارضة لتلك الرجعية البرجوازية التي تعبئ بها تماما البيروقراطية الثرميدورية. كقوة سياسية واعية، خانت البيروقراطية الثورة. ولكن من حسن الحظ أن الثورة المنتصرة ليست فقط برنامج وراية، وليست فقط مؤسسات سياسية، وإنما نظام علاقات اجتماعية أيضا. لا يكفي أن تخونها. بل عليك أن تسقطها.  (15)

هذا العرض يكشف بوضوح شديد التجريد القانوني لشكل الملكية، ويكشف بوضوح شديد، بالتالي، التناقضات الداخلية للتحليل. لم تكن البروليتاريا الروسية قوية بما يكفي للحفاظ على سيطرتها على وسائل الإنتاج، وقد أطاحت بها البيروقراطية، ألا إنها قوية بما يكفي لمنع إعلان هذه العلاقة في القانون! لم تكن البروليتاريا قوية بما يكفي لصد توزيع شديد العدائية للإنتاج، لمنع البيروقراطية من تخفيض مستوى معيشتها بوحشية وحرمانها من الحقوق الأكثر أولية، لمنع الحكم على الملايين من أعضائها بالعمل العبودي في سيبيريا، ولكنها قوية بما يكفي للدفاع عن شكل الملكية ! وكأن هناك علاقة بين الشعب والملكية غير تلك القائمة على أساس علاقات الإنتاج. وفضلا عن ذلك، لو كان الخوف من البروليتاريا هو العامل الوحيد الذي منع إرجاع الرأسمالية الفردية في روسيا، ولو كانت البيروقراطية، كما قال تروتسكي، تتكون من إرجاعيين (أنصار إرجاع الرأسمالية الفردية) واعين، فان مقولته بأن استقرار النظام الستاليني هو مثل الهرم الواقف على رأسه كان سيثبت صحتها، وتنبوءه بمصير الاقتصاد المدولت أثناء الحرب كان سيتحقق، لقد لخص موقفه هكذا:

في مناخ الحرب الساخن يمكن للمرء أن يتوقع تحولات حادة نحو المبادئ الفردية في الزراعة والصناعة اليدوية، ونحو جذب رأس المال الأجنبي و “الحليف”، وانكسارات في احتكار التجارة الخارجية، وضعف الرقابة الحكومية على الاتحادات الاحتكارية، وزيادة حدة المنافسة بين الاتحادات الاحتكارية، وزيادة حدة نزاعاتهم مع العمال، الخ…  في الدائرة السياسية، قد تعني هذه العمليات اكتمال البونابارتية مع التغير الموازي، أو عدد من التغيرات في علاقات الملكية. بكلمات أخرى، في حالة حرب ممتدة مصحوبة بسلبية البروليتاريا العالمية، فان التناقضات الاجتماعية للاتحاد السوفيتي ليس فقط يمكن أن تؤدي بل سيتعين أن تؤدي إلى ثورة مضادة برجوازيـة – بونابارتية.  (16)

قبل تجربة الحرب العالمية الثانية، كان افتراض إمكانية إرجاع الرأسمالية الفردية إلى روسيا بدون احتلالها بواسطة قوة إمبريالية افتراضا مفهوما، وان يكن غير سليم. ولكن انتصار الاقتصاد الروسي المركز المدولت على آلة الحرب الألمانية أسكت كل حديث عن مثل هذه الإمكانية.

لا يجب مع ذلك استبعاد أن تتمكن القوى الخارجية من إعادة الرأسمالية الفردية، أو حتى أن تقوم حرب مدمرة، مصحوبة بإبادة غالبية السكان الروس، بإعادتها إلى مستوى التطور التاريخي أدنى كثيرا من الرأسمالية الفردية.

عندما عرف تروتسكي روسيا بأنها مجتمع في حالة انتقال، أكد، وكان على صواب في ذلك، أنه لو كان الأمر كذلك فان هذا المجتمع ينبغي بحكم قوانينه الداخلية أن يسير نحو إما انتصار الاشتراكية، أو إرجاع الرأسمالية الفردية. وإذا استبعدنا الاحتمال الأخير، فهناك ثلاثة احتمالات باقية:

القوى الداخلية في روسيا تؤدي إلى اتجاه واحد فقط – نحو الشيوعية. وجهة النظر هذه يتبناها الستالينيون وأيضا برونو أر.

المجتمع الروسي ليس رأسماليا ولا اشتراكيا، ورغم أن القوى الإنتاجية تتصاعد بلا انقطاع فأنها لن تؤدي إلى الشيوعية، ورغم أن استغلال الجماهير يستمر بلا فتور، فانه لن يؤدي إلى الرأسمالية. هذه هي نظرية “الثورة الإدارية” والجماعية البيروقراطية في صياغة شاختمان سنة 1943.

المجتمع الروسي هو إما مجتمع انتقالي أمامه طريقان محتملان – رأسمالية الدولة أو الاشتراكية – أو انه رأسمالية دولة بالفعل. إن رفض إمكانية أن تؤدي القوى الداخلية إلى الرأسمالية الفردية والتبرؤ في نفس الوقت من الستالينية والجماعية البيروقراطية (وفقا لصياغة كل من برونو آر وشاختمان) والبورنهامية، لا يبقى لنا إلا البديل الثالث.

في ظل كل من رأسمالية الدولة والدولة العمالية، الدولة هي مستودع وسائل الإنتاج. الفارق بين النظامين لا يمكن أن يكون في شكل الملكية. وبالتالي فان ملكية الدولة لوسائل الإنتاج التي يستخدمها تروتسكي كأساس لتحديده للطابع الطبقي لروسيا، يجب طرحها جانبا كمعيار غير سليم.

“الديمقراطيات الجديدة” وتعريف روسيا بأنها دولة عمالية

وفر ظهور “الديمقراطيات الجديدة” اختبارا لتعريف روسيا بأنها دولة عمالية. إذا كانت ملكية الدولة، والتخطيط، واحتكار التجارة الخارجية تعرف البلد بأنه دولة عمالية، فلا شك أن روسيا، وكذلك “الديمقراطيات الجديدة ” هي دول عمالية. وهذا يعني أن ثورات بروليتارية قد حدثت في الأخيرة. وقد قاد الستالينيون هذه الثورات على أساس الوحدة الوطنية، والائتلافات الحكومية مع البرجوازية، والشوفينية التي أدت إلى طرد ملايين الكادحين الألمان وعائلاتهم. لقد أسهمت مثل هذه السياسات في تيسير سير الثورة البروليتارية.

ما هو إذن مستقبل الاشتراكية الدولية، ما هو تبريرها التاريخي؟ الأحزاب الستالينية لها كل المزايا بالمقارنة بالاشتراكيين الدوليين – جهاز دولة، منظمات جماهيرية، أموال، الخ. الميزة الوحيدة التي يفتقدونها هي الأيديولوجية الطبقية الأممية. ولكن إذا كان من الممكن إنجاز الثورة البروليتارية بدون هذه الأيديولوجية، فلماذا ينبغي أن يبتعد العمال عن الستالينية؟

إذا كانت ثورة اجتماعية قد حدثت في بلاد أوروبا الشرقية بدون قيادة بروليتارية ثورية، فعلينا أن نستنتج أن الثورات الاجتماعية التي ستحدث في المستقبل، كما في تلك التي حدثت في الماضي، فان الجماهير ستقوم بالنضال ولكن ليس بالقيادة.

إن افتراض أن “الديمقراطيات الجديدة” هي دول عمالية يعني القبول بأنه من حيث المبدأ فان الثورة البروليتارية، مثلما كانت الحروب البرجوازية، تقوم على خداع الشعب.

إذا كانت “الديمقراطيات الجديدة” دولا عمالية، فان ستالين قد حقق ثورة البروليتارية، وفضلا عن ذلك، فانه قد أنجزها سريعا جدا. لقد مرت سبع وأربعون سنة منذ كوميونة باريس حتى قيام أول دولة عمالية في بلد يتكون من 140 مليون شخص، ثم مرت أقل من أربعين سنة حتى أصبح عدد من البلاد الأخرى دولا عمالية. في الغرب، أضافت بولندا ويوغوسلافيا والمجر ورومانيا وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا 75 مليون شخص (وهذا لا يتضمن دول البلطيق، وشرق بولندا وبيسارابيا، التي تحوي 20 مليون شخص، والتي ضمها الاتحاد السوفيتي). وفي الشرق، أضيفت الصين، ذات الـ 600 مليون شخص. إذا كانت هذه البلاد دولا عمالية، فلماذا لا تكون إذن الماركسية، ولماذا الأممية الرابعة؟ إذا كانت “الديمقراطيات الجديدة” دولا عمالية، فان ما قاله ماركس وانجلز عن كون الثورة الاشتراكية هي “التاريخ واعيا بذاته” قد تم تفنيده، ثم تفنيد مقولة إنجلز:

من هذه النقطة (الثورة الاشتراكية) سيقوم الناس، بوعي كامل، بصياغة تاريخهم، من هذه النقطة فقط، سيكون للأسباب الاجتماعية التي يضعها الناس موضع التطبيق، بالأساس وبشكل متزايد بثبات، النتائج التي يريدها الناس.  إنها قفزة الإنسانية من نطاق الضرورة إلى نطاق الحرية. (17)

ولابد أن روزا لكسمبورج، أيضا، قد نطقت بكلام فارغ في تلخيصها لما كتبه جميع المعلمين الماركسيين عن مكان الوعي البروليتاري الثوري:

في جميع الصراعات الطبقية، والتي انتهت لصالح الأقلية، وحيث – إذا استخدمنا كلمات ماركس – “حدثت كل التطورات بما يتعارض مع جماهير الشعب الغفيرة”، كان أحد الشروط الأساسية للعمل هو جهل هذه الجماهير فيما يتعلق بالأهداف الحقيقية للصراع، بمضمونه المادي، وبحدوده. كان هذا التفاوت، في الواقع، الأساس التاريخي المحدد “للدور القيادي” للبرجوازية “المستنيرة”، والذي توازى مع دور الجماهير كأتباع طيعين. ولكن، كما كتب ماركس في وقت مبكر مثل 1845، “كلما تعمق العمل التاريخي كلما تعين أن يزداد عدد الجماهير المنخرطة فيه !” إن الصراع الطبقي للبروليتاريا هو “أعمق” الأعمال التاريخية حتى يومنا هذا، انه يشمل كل الشرائح السفلي للشعب، و – منذ اللحظة التي أصبح فيها المجتمع منقسما إلى طبقات – هو أول حركة تتفق مع المصالح الحقيقية للجماهير. وهذا هو السبب في أن استنارة الجماهير فيما يتعلق بمهامها ووسائلها هي شرط تاريخي لا غنى عنه للعمل الاشتراكي، مثلما كان جهل الجماهير في فترات سابقة شرط عمل الطبقات المسيطرة.  (18)

هل انتصارات روسيا الحربية دليل على أنها دولة عمالية؟

في حين أن تروتسكي، متتبعا تحليله القائل بأن روسيا دولة عمالية منحطة، توقع أن البيروقراطية لن تصمد أمام حرب، فان تروتسكيين كثيرين اليوم يستنتجون من هذه الانتصارات ذاتها أن روسيا دولة عمالية. إلا أن هذه الحجة المبنية على ما قد وقع بالفعل، لا تستطيع أن تصمد أمام النقد.

يمكن تحليل هذه الحجة إلى جزئين:  1- حماسة الجماهير في الحرب تثبت أن لديهم شيئا يفقدونه بجانب أغلالهم، انهم في الواقع الطبقة الحاكمة.  2 -القوة الصناعية – العسكرية لروسيا تثبت التفوق التاريخي للنظام الروسي على الرأسمالية.

الجزء الأول من الحجة، والشائع في صحافة الأممية الرابعة خلال 41 -1943، فنده مجرى الأحداث. الجيش الألماني أيضا، خلال السنوات التي تبدد فيها كل أمل في النصر، حارب بكل قوته حتى أبواب برلين نفسها. هل كان للجنود الألمان أيضا شيء يفقدونه بجانب أغلالهم؟ هل كانت الطبقة العاملة الألمانية أيضا طبقة حاكمة؟

فيما يتعلق بالجزء الثاني من الحجة، لاشك أن المشروع كبير الحجم له مزايا هائلة على صغير الحجم. إن هذا، بالفعل يفسر إلى حد كبير تفوق الإنتاج الأمريكي على البريطاني رغم أن الاثنين يقومان على نفس النظام الاجتماعي. الصناعة الروسية، الأجدر والأكثر حداثة تقنيا، مبنية بحجم أكبر من الصناعة الأمريكية. وبجانب ذلك، فان التضارب وافتقاد التجانس الشائع في البلاد الرأسمالية الفردية يتم تجنبه في روسيا من خلال ملكية الدولة لوسائل الإنتاج. وهناك مع ذلك ميزة أخرى خلال الحرب، لا تستطيع بلاد أخرى كثيرة أن تدعيها، وهي أن عمالها يفتقدون جميع الحقوق الديمقراطية. في روسيا، كما في ألمانيا النازية، من الممكن إنتاج المدافع بدلا من الزبد، ونقل ملايين العمال من الغرب إلى ما وراء الاورال، وتسكينهم في خنادق في الأرض، دون خوف من معارضة منظمة. سلطة الدولة على الاقتصاد وعلى العمال – هذه هي نقاط القوة للإنتاج الصناعي – العسكري لروسيا. ولكن هذه العوامل نفسها التي تفسر التفوق العسكري لألمانيا النازية على فرنسا الديمقراطية البرجوازية التي، كما نعرف، انهارت أمام جيوشها المتقدمة مثل بيت الورق، بل وحتى بريطانيا، “مصنع العالم” سابقا، لم ينقذها من الغزو سوى القناة الإنجليزية، والمساعدة الأمريكية من الغرب والتهديد الروسي لألمانيا من الشرق.

انتصارات ألمانيا العسكرية في بداية الحرب خدعت بعض الناس ودفعتهم إلى الاعتقاد بأن ألمانيا لم تكن بلدا رأسماليا، وإنما مثلت نظما جديدا ومتفوقا للمجتمع. كان برونهام بارزا بين هؤلاء.

الاعتقاد بأن الانتصارات العسكرية الروسية هي في حد ذاتها دليل على أن روسيا تمثل نظاما جديد للمجتمع ليس على أساس أكثر من الاعتقاد بأن ألمانيا النازية مثلت نظاما كهذا.

ما الذي منع تروتسكي من التخلي عن نظرية أن روسيا دولة عمالية؟

يميل المرء لرؤية المستقبل في تعقيدات الماضي. لسنوات عديدة، الاشتراكيون الذين حاربوا الاستغلال ضد أصحاب الملكية الفردية – البرجوازية. عندما قال لينين وتروتسكي وباقي القادة البلاشفة، إن الدولة العمالية الروسية ستهلك إذا ظلت معزولة، تصورا شكلا محددا لهذا الهلاك – إرجاع الملكية الفردية، في حين أنهم رأوا ملكية الدولة كثمرة من صراع الشعب العامل. كان هذا يبعد خطوة واحدة فقط عن استنتاج أنه إذا كانت ملكية الدولة قائمة في روسيا، فان الفضل في هذا يعود إلى “خوف البيروقراطية من الطبقة العاملة وانه، بالعكس، إذا سعت البيروقراطية لزيادة امتيازاتها (بما في ذلك الحق في الوراثة) فقد سعت لإرجاع الملكية الفردية. كانت خبرة الماضي العائق الأساسي أمام تروتسكي في استيعاب أن انتصار الرجعية لا يعني دائما العودة لنقطة الانطلاق الأصلية، وإنما قد يؤدي إلى هبوط، في شكل حلزوني، تختلط فيه عناصر من الماضي السابق على الثورة بأخرى من الماضي الثوري، مع خضوع الأخيرة للأولى، سيظهر المضمون الطبقي الرأسمالي القديم إذن في شكل جديد “اشتراكي” معطيا بذلك تأكيدا إضافيا لقانون النمو المركب – وهو قانون فعل تروتسكي نفسه الكثير لتطويره.

تلخيصا، يمكن القول بأنه في حين أن تروتسكي قد أسهم مساهمة لا يمكن مقارنتها بأي ماركسي آخر في فهم النظام الستاليني، فان تحليله قد عانى من عيب خطير – ارتباط محافظ بالصورية، هو بطبعه مناقض للماركسية التي تخضع الشكل للمضمون.

« السابق التالي »