رأسمالية الدولة في روسيا
في الفصل السابق وصفنا الجوانب الرئيسية للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية في روسيا. في هذا الفصل سنتناول النواحي السياسية – الدولة والحزب.
ماركس وإنجلز حول طبيعة الدولة العمالية
استخدم ماركس وإنجلز ذلك التعبير الذي يوحي نوعا ما بالشؤم، والذي يساء فهمه على نطاق واسع، “دكتاتورية البروليتاريا” للإشارة إلى مضمون وليس شكل الدولة التي ستحل محل الدولة الرأسمالية، أي أنهما استخدماه لتحديد الطبقة الحاكمة. بالنسبة لهما، في هذا السياق، عنت الدكتاتورية ببساطة الحكم الطبقي، وبالتالي فان دولة – المدينة الأثينية والإمبراطورية الرومانية وحكم نابليون والحكومة البرلمانية البريطانية وألمانيا بسمارك وكوميونة باريس كانت كلها دكتاتوريات، حيث أن طبقة أو عددا من الطبقات كانت تحت حكم طبقة أخرى في كل هذه الأنظمة. إن التصور الذي تقدمه كتابات ماركس وإنجلز لشكل دكتاتورية البروليتاريا هو ديمقراطية كاملة تماما. على سبيل المثال، يذكر البيان الشيوعي أن: “الخطوة الأولى في ثورة الطبقة العاملة هي رفع البروليتاريا إلى وضع الطبقة الحاكمة و كسب معركة الديمقراطية”.(1) بعد ذلك بأكثر من أربعين سنة، كتب إنجلز: “إذا كان هنالك ثمة شئ مؤكد، فهو أن حزبنا والطبقة العاملة لا يستطيعان أن يصلا إلى الحكم إلا في ظل شكل الجمهورية الديمقراطية. بل إن هذا هو الشكل الوحيد لديكتاتورية البروليتاريا، كما أظهرت بالفعل الثورة الفرنسية الكبرى” (2)
إن أفكار ماركس وإنجلز المتعلقة بالشكل الديمقراطي لدكتاتورية البروليتاريا، قد تحققت في كوميونة باريس عام1871. لقد كتب إنجلز: انظروا لكميونة باريس. تلك كانت دكتاتورية البروليتاريا”. (3) كما أشار ماركس إلى أن: ” أول مرسوم للكوميونة كان إلغاء الجيش النظامي، واستبداله بالجماهير المسلحة”. وبعد ذلك: ” تكونت الكوميونة من أعضاء المجالس البلدية المنتخبون وفق قاعدة الاقتراع العام في أحياء المدينة المختلفة، والذين يتولون المسئولية ويستبدلون خلال فترات قصيرة. وقد كان معظم أعضاء الكوميونة بطبيعة الحال من العمال العاديين، أو ممثلين معترف بهم للطبقة العاملة. وبدلا من استمرار الشرطة كوكيل للحكومة المركزية، جردت على الفور من هذه الصفة السياسية، لتصبح مسئولة أمام الكوميونة، كما يمكن للكوميونة استبدالها في أي وقت. وكان هذا ينطبق على جميع المسئولين في جميع فروع الإدارة الأخرى بدءا من أعضاء الكوميونة إلى أسفل و كان من المتعين أداء الخدمة العامة مقابل نفس الأجر الذي يتقاضاه العمال العاديون. لقد اختفت المصالح الخاصة ومعها امتيازات كبار وجهاء الدولة مع اختفاء كبار الوجهاء أنفسهم… وتقرر تجريد العاملين القضائيين من استقلالهم الزائف. فمثل باقي موظفي الخدمة العامة، أصبح من الضروري أن يتم اختيار القضاة وأن يكونوا قابلين للمساءلة والإقالة”.(4)
لنقتبس من إنجلز مرة أخرى: منعا لهذا التحول للدولة ولأجهزة الدولة من خدم للمجتمع إلى سادة للمجتمع – وهي عملية كانت حتمية في جميع الدول السابقة – استخدمت الكوميونة وسيلتين أكيدتي المفعول، أولا، قامت بملء جميع المناصب – الإدارية والقضائية والتعليمية – عن طريق الانتخاب على أساس الاقتراع العام لكل المعنيين، مع حق الناخبين في استدعاء مندوبهم واستبداله في أي وقت. ثانيا، المسئولين جميعهم، سواء كانوا كبارا أو صغارا، لم يحصلوا إلا على الأجور التي يتقاضاها العمال الآخرون. كان أعلى مرتب تدفعه الكوميونة لأي شخص هو 6 آلاف فرنك. بهذه الطريقة تم وضع حاجز فعال أمام التزلف والحيلة لتصيد المناصب العليا والسعي للكسب الشخصي من وراءها، وذلك إضافة إلى التكليفات الإجبارية للمندوبين في الهيئات التمثيلية والتي طبقت بكثرة”. (5)
أعلن ماركس أن كوميونة باريس – من خلال الاقتراع العام، والحق في استدعاء كل موظف، وتحديد أجور العمال لكل المسئولين، والحد الأقصى من الحكم الذاتي المحلي، وغياب قوات مسلحة مرفوعة فوق الشعب وتقوم باضطهاده – شكلت الديمقراطية الكاملة.
كان نقيض الدولة العمالية هو البيروقراطية والجيش الوحشيين للدول الرأسمالية، والذين كانا، بكلمات إنجلز “يهددان بافتراس المجتمع كله”. (6)
هذا هو باختصار، مفهوم ماركس وإنجلز للدولة العمالية، ديمقراطية مطلقة وثابتة.
دعونا الآن نطبق هذا المفهوم على واقع الدولة الروسية الستالينية:
الجيش الروسي
إن العنصر الأساسي في الدولة هو القوات المسلحة. وحسب تعريف لينين، فان الدولة “تتكون من هيئات خاصة من الرجال المسلحين. وضعت السجون، وغيرها تحت تصرفهم”. (7) وبالتالي، فان نقطة الانطلاق لأي تحليل لجهاز الدولة الروسي الحالي، خاصة من وجهة نظر ماركسية، ينبغي أن تكون بنية القوات المسلحة. وكما كتب تروتسكي بفطنة كبيرة: “الجيش هو نسخة من المجتمع ويعاني من كل أمراضه، عادة بدرجة حرارة أعلى”. (8)
لقد كان تكوين ميليشيا شعبية مطلبا تقليديا للأحزاب الاشتراكية (أنظر على سبيل المثال، المادة 12 من برنامج عام 1903 لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي) (9)، وفقا لذلك. من بين أول الإجراءات التي اتخذها قادة البلاشفة، عند توليهم السلطة، هو إصدار مرسوم تضمن الفقرات التالية:
2- “إن السلطة الكاملة داخل أي وحدة من وحدات الجيش وأي مجموعة من الوحدات يجب أن تكون في أيدي لجان الجنود والسوفييتات. يتم إدخال مبدأ الانتخاب بالنسبة لقادة الجيش.
4- يتم بموجب هذا انتخاب جميع القادة حتى قائد الفرقة عن طريق الاقتراع العام (للوحدات المختلفة)… القادة الأعلى من قادة الفرق، بما في ذلك القائد العام، يتم انتخابهم بواسطة مؤتمر… للجان وحدات الجيش (التي يجري انتخاب القائد لها). (10)
في اليوم التالي أضاف مرسوم آخر:
تنفيذا لإرادة الشعب الثوري المعني بالاقتلاع الفوري والحاسم لكل ظلم أو تفاوت في الفرص، يقرر مجلس قوميساري الشعب:
إلغاء جميع الرتب والألقاب من رتبة أمباشي إلى رتبة لواء…
إلغاء جميع الامتيازات والعلامات البارزة المرتبطة في السابق بالرتب والألقاب المختلفة.
إلغاء التحية العسكرية.
إلغاء جميع الزينات وغيرها من علامات التمييز.
إلغاء جميع تنظيمات الضباط.
إلغاء قانون المراسلين في الجيش. (11)
إلا أن رغبة البلاشفة في تحقيق ديمقراطية حقيقية في الجيش، بتحويله إلى ميليشيا شعبية، اصطدمت بصخور الواقع الموضوعي.
في الأيام الأولى التي أعقبت ثورة أكتوبر، كانت القوات المسلحة الثورية تتألف من مجموعات صغيرة من المتطوعين. كان المرض متفشيا وسط الجماهير المتعبة من الحرب ولم تكن مستعدة للتطوع في القوات المسلحة الثورية الجديدة. ولكي يواجهوا خطر الجيوش البيضاء التي كانت مدعومة من القوى الأجنبية القوية، اضطر البلاشفة لاستبدال مبدأ التطوع بالتجنيد الإلزامي وبالإضافة لذلك، وبسب افتقادهم للقادة ذوي الخبرة، اضطروا لتجنيد عشرات الآلاف من ضباط الجيش القيصري السابق. وقد أوضح ذلك ضرورة التخلي عن مبدأ الانتخاب في اختيار قادة الجيش. كان من الصعب على المرء أن يتوقع من الفلاحين والعمال في الزي العسكري أن ينتخبوا لقيادتهم أولئك الضباط الذين كانوا يكرهونهم بشده كممثلين للنظام القديم. (كما أن متطلبات المعركة حتمت أيضا التخلي عن فكرة الجيش القائم على أساس إقليمي – تسليح الشعب – وإعادته إلى الثكنات).
لم ينكر الزعماء البلاشفة للحظة واحدة أن هذه الإجراءات مثلت انحرافا عن البرنامج الاشتراكي. (أنظر، على سبيل المثال، قرار مؤتمر الحزب الثامن، مارس1919) (12) كذلك، عارضوا بشدة أي محاولة لجعلها دائمة. هكذا مثلا، عندما ذكر لواء سابق بجيش القيصر، حارب مع البلاشفة أثناء الحرب الأهلية، أن جيش بلد اشتراكي لا ينبغي قيامه على الميليشيا وإنما على نظام الثكنات القديم والراسخ، رد قوميسار الشعب للحرب، تروتسكي، بصرامة قائلا: (لم يأت الحزب الشيوعي للسلطة لكي يستبدل الثكنات ثلاثية الألوان بثكنات حمراء اللون”. (13) وكثيرا ما عبر البلاشفة عن نيتهم في إدخال نظام الميليشيا في أقرب وقت ممكن. هكذا، على سبيل المثال، أعلن تروتسكي في المؤتمر السابع للسوفييتات المنعقد في ديسمبر1919: “من الضروري البدء في الانتقال إلى تنفيذ نظام الميليشيا لتسليح الجمهورية السوفيتية”.(14)
قرر المؤتمر التاسع للحزب أن يجعل من هذه الأمنية واقعا ملموسا عن طريق بناء وحدات من ميليشيا عمالية جنبا إلى جنب مع الجيش النظامي، وكان المأمول أن تتطور هذه الوحدات تدريجيا حتى تحل محل الجيش النظامي بشكل تام0 (15)
إلا أن هذا القرار لم ينفذ أبدا، حيث أن أية خطة لإدخال ميليشيا شعبية قد حالت دونها حقائق موضوعية – القوى الإنتاجية المتخلفة لروسيا، المستوى الثقافي المتدني للشعب، كون البروليتاريا أقلية ضئيلة من السكان. لقد شرح ذلك بوضوح سميلجا، وهو بلشفي بارز في الجيش، حيث قال في عام1921:
“إن نظام الميليشيا، الذي تتمثل أهم خصائصه في مبدأ المناطق، يواجه عقبة سياسية كئود في طريق إدخاله في روسيا، فبسبب القلة العددية للبروليتاريا في روسيا، فإننا لا نستطيع أن نضمن قيام البروليتاريا بتوجيه وحدات الميليشيا في المناطق.. بل وتوجد مصاعب أكبر في طريق إدخال نظام الميليشيا تنبع من وجهة نظر استراتيجية. فمع ضعف نظام السكك الحديدية لدينا، لن يكون بإمكاننا، في حالة الحرب، أن نركز القوات في المناطق المهددة.. وفضلا عن ذلك أظهرت تجربة الحرب الأهلية بما لا يدع مجالا للشك أن تشكيلات المناطق غير مناسبة على الإطلاق، حيث يهرب الجنود ولا يرغبون في مغادرة قراهم أثناء الهجوم أو التراجع، وبالتالي، فان العودة لهذا الشكل التنظيمي ستكون خطأ فجا غير مبرر على الإطلاق”. (16)
إن تخلف القوى الإنتاجية والطابع الفلاحي للبلد – وهما أمران متصلان – كانا العاملين الحاسمين في جعل الجيش الأحمر جيشا نظاميا وليس ميليشيا (رغم أن عناصر كثيرة من الديمقراطية والمساواة غير المرتبطة عادة بالقوات المسلحة النظامية، قد تم إدخالها في بنية الجيش الأحمر). المستوى الاقتصادي لبلد ما هو في النهاية العامل التاريخي الحاسم. وكما قال ماركس: “يبدو أن نظريتنا القائلة بأن تنظيم العمل محكوم بوسائل الإنتاج، تجد أفضل دعم لها في ” أسلحة الدمار وقتل الإنسان”. (17)
وقد كشف التخلف المادي والثقافي لروسيا عن نفسه أيضا في العلاقات بين الجنود والضباط.
منذ البداية، وجد البلاشفة أنه لا مفر من تعيين ضباط قيصريين سابقين، وذلك رغم تحريضهم السابق من أجل استبدال جميع الضباط المعينين بأولئك المنتخبين بواسطة الجنود. لقد كان من المستحيل خوض الحرب ضد الجيوش البيضاء بدون قادة مجربين، ولو ترك الاختيار للجنود لما انتخبوا ضباطا خدموا القيصر.
منذ البداية كان ثمة صراع بين القوميسارين السياسيين من ناحية، وجماعات الحزب داخل الجيش من ناحية أخرى. وقد تقاطع هذا الصراع مع صراع آخر بين النزعات المركزية واللامركزية. وكانت نتيجة هذين الصراعين هي خروج القوميسارين السياسيين منتصرين على جماعات الحزب، وتغلب المركز على نزعات حرب العصابات. وقد عكس تقاطع هذين الصراعين نزعة بيروقراطية متزايدة داخل الجيش.
ولم يمض وقت طويل حتى بدأ الضباط القيصريون السابقون في التأثير على القادة الجدد ذوي الأصول البروليتارية. ذكر البلشفي بيتروفسكي: “داخل أسوار المدرسة العسكرية، واجهنا موقف النظام القديم للفلاح، حول دور الضباط فيما يتعلق بجماهير الجنود الأفراد. كما لاحظنا أيضا نزعة نحو تقاليد الطبقة العليا التي مارسها طلبة المدارس العسكرية القيصرية.. الاحترافية هو الأداة التي استخدمت لتشكيل أخلاقيات الضباط كل الأزمنة في كل البلاد. انهم (قادة الجيش الأحمر) أصبحوا أعضاءا في مجموعة الضباط الجدد، وصار أي تحريض – كما صارت أية خطب جميلة حول الاتصال بالجماهير – بلا طائل، فظروف البقاء أقوى من الأماني الطيبة”. (18)
بدأ القادة والقوميساريون السياسيون وغيرهم من ذوي السلطة داخل الجيش الأحمر في استخدام مواقعهم لكسب مزايا لأنفسهم. وقد تعرضوا لنقد قاس من تروتسكي بسبب ذلك، مثلما حدث (في 31 أكتوبر1920) عندما كتب “للمجالس العسكرية الثورية للجبهات والجيوش” مدينا استخدام السيارات الحكومية بواسطة من هم في السلطة من أجل الحفلات البهيجة أمام أعين جنود الجيش الأحمر المتعبين ” لقد تحدث بغضب عن القادة (الذين) يرتدون ملابس ممعنة الأناقة في حين يسير المقاتلون نصف عراة، وهاجم مجالس الشراب التي يطلق القادة والقوميساريون السياسيون العنان لأنفسهم فيها. وقد استنتج: ” إن مثل هذه الوقائع لا يمكن إلا أن تثير السخط والتبرم بين جنود الجيش الأحمر. ” وفي نفس الرسالة يشرح هدفه: “دون وضع الهدف المستحيل الخاص بالإلغاء الفوري لجميع الامتيازات داخل الجيش، ينبغي السعي لتقليل تلك الامتيازات إلى الحد الأدنى الضروري فعلا”. (19) إن إدراكه الثوري الواقعي يعكس بوضوح الصعاب الهائلة للوضع.
على الرغم من هذه الانتهاكات، إلا إن وجود الحزب البلشفي بخلاياه على امتداد الجيش، مع الحماسة الثورية وروح التفاني لدى الجنود العاديين ووجود تروتسكي على رأس الجيش الأحمر، كانت عوامل ضمنت الإبقاء على الطابع البروليتاري للجيش الأحمر أثناء الحرب الأهلية. مع الانتصار الجزئي للبيروقراطية في عام1923، أصبحت الغطرسة وروح التسلط تجاه الجنود القاعدة وليس الاستثناء بين الضباط. وتدريجيا، استولى القادة أنفسهم على المواقع الهامة في خلايا الحزب داخل الجيش، حتى لاحظت الإدارة السياسية للجيش في 1926 أن ثلثي المواقع في جهاز الحزب كانت في أيدي القادة.(20) وبمعنى آخر، أصبح الضباط هم القادة السياسيين الذين يفترض أن يدافعوا عن الجنود ضد الضباط !
ومع ذلك، لم يكن الضباط قد أصبحوا فئة مستقلة تماما بعد. فأولا، كانت ظروف معيشة القادة قاسية وغير مختلفة كثيرا عن تلك الخاصة بالجنود. ووفقا لوايت: ” في عام 1925 كان 30% من القادة يسكنون في مستوى يرى فرونز (قوميسار الشعب للحرب) أنه مقبول. وكان لدى 70% تسهيلات سكنية أقل من هذا المستوى. تحدث فرونز عن مناطق عديدة كانت تتوفر فيها حجرة واحدة فقط لعدد من القادة مع عائلاتهم، أي أن كل عائلة كان لديها جزء من حجرة فقط تحت تصرفهـا. أما الأجر المدفوع للقادة الاحتياطيين، عندما يتم استدعائهم لإعادة التدريب خارج صفوف الجيش، فلم يكن يغري حتى حمال صيني فالموظفون منهم أو الذين يشتغلون في الفلاحة كانوا يتقاضون خمس كوبيكات في الساعة بينما يتقاضى أولئك العاطلين عن العمل من بينهم تسع كوبيكات (الكوبك جزء من مئة من الروبل “المترجم”) في الساعة أثناء الوقـت الذي يقضونه في الدراسة. (21)
ويعطي ولينبرج، الذي كان قائدا في الجيش الأحمر، هذه الوقائع:
“في عام 1924 كان قائد السلاح يتعاطى 150 روبلا في الشهر، وهو ما يساوي تقريبا ما يتقاضاه عامل المعادن الجيد الأجر. كان قائد السلاح يتقاضى إذن ما يقل بمقدار 25 روبلا في الشهر عن “الحد الأقصى الحربي”، أي أعلى مرتب شهري كان يحق لعضو الحزب أن يقبله تلك الأيام. لم يكن ثمة ميس مخصص للضباط في ذلك الوقت. كانت وجبات الضباط والأفراد تعد في المطابخ ذاتها. ونادرا ما ارتدى الضباط الشيوعيون علامات الرتب الخاصة بهم في غير ساعات العمل، بل وكثيرا ما كانوا يستغنون عنها حتى أثناء العمل. في ذلك الوقت كان الجيش الأحمر يقر بعلاقة الرئيس والمرءوس فقط أثناء القيام بمهمة عسكرية، وعلى كل حال كان كل جندي يعرف الضابط الذي يرأسه سواء كان يرتدي علامة الرتبة أو لم يكن. وألغي نظام مراسلي الضباط.(22)
إضافة إلى ذلك، كان بإمكان الجنود – وقد استخدموا هذا الحق بالفعل – أن يشكوا ضباطهم لمكتب المدعي العسكري. وكان هناك في المتوسط 1892 شكوى في الشهر خلال عام1925، و1923 شكوى شهريا في عام1926، و2082 شكوى شهريا في عام1927. حتى في الفترة بين عامي 1931 – 1933 كانت هناك “علاقات طبيعية بين الضباط والأفراد” (23).
يضع وايت نقطة التحول نحو تعزيز فئة الضباط قبل ذلك بقليل – قوانين الجيش لعام1928، التي يصفها بأنها “الخط الفاصل الحقيقي”، ويصف ما تلاها بأنه “تطور لتيار كان قد ترسخ بالفعل” (24). من خلال هذه القوانين أصبح لضباط الجيش ضمانا مهنيا مدى الحياة، ويصفها وايت – وبما يكفي من المبررات “بأنها وثيقة حقوق القادة” وبأنها “شئ مشابه جدا لجدول بتراين للرتب” (25)
في عام 1929 بدأ ” تحول بيوت الجيش الأحمر تدريجيا إلى أندية ضباط. (26) وعلى الرغم من استمرار ضآلة ما يدفع للجنود، فان رواتب الضباط بدأت تتزايد كما يبين الجدول التالي: (27)
الزيادة في المدفوعات الشهرية للضباط
| 1934(بالروبل) | 1939(بالروبل) | النسبة المئوية للزيادة | |
| قائد الفصيلة | 260 | 625 | 240 |
| قائد الوحدة | 285 | 750 | 263 |
| قائد الكتيبة | 335 | 850 | 254 |
| قائد الفوج | 400 | 1200 | 300 |
| قائد الفرقة | 475 | 1600 | 337 |
| قائد السلاح | 550 | 2000 | 364 |
لقد قدر أنه في عام 1937 كان متوسط الدخل السنوي للأفراد وضباط الصف 150 روبلا، أما متوسط الدخل السنوي للضباط فكان 8000 روبل. (28) أثناء الحرب العالمية الثانية، كان الأفراد في الجيش السوفيتي يحصلون على مكافأة تبلغ 10 روبلات في الشهر في حين كان الملازم الأول يحصل على 1000 روبل والعقيد على 2400 روبل شهريا. وفي تناقض حاد مع هذا التفاوت الكبير – ونحن هنا لا نقتبس تعبيرا عن رضانا وإنما لأغراض المقارنة فقط – كان الفرد في جيش الولايات المتحدة يحصل على خمسين دولار شهريا، والملازم 150 والعقيد 333 دولار شهريا. (29)
وعلى الرغم من أن قيمة الروبل قد انخفضت بحدة أثناء العقدين أو الثلاثة عقود الأخيرة إلا أن تأثير هذا على الضباط كان أقل منه على المدنيين، وذلك بسبب استفادتهم من (الفوينتورج)، وهي منظمة تعاونية قاصرة على الضباط تدير محلات ومطاعم ومغاسل ومؤسسات خياطة وصناعة أحذية. كما تبنى لهم بيوت خاصة بها كل التسهيلات، كما يحق لهم ولعائلاتهم السفر مجانا بالسكك الحديدية والأوتوبيسات والسفن… الخ (لا يحصل الجنود العاديون على أي من هذه الامتيازات، الامتياز الوحيد الذي يحصلون عليه هو البريد المجاني بالنسبة لرسائلهم ورسائل عائلاتهم إليهم). (30)
أدخل مرسوم صادر في 22 سبتمبر 1935 الرتب التالية في الجيش والقوات الجوية: ملازم ثان، ملازم أول، نقيب، مقدم، عقيد، عميد، قائد فرقة، قائد سلاح، قائد جيش من الدرجة الثانية، قائد جيش من الدرجة الأولى وأخيرا ماريشال الاتحاد السوفيتي.(31) كما أدخلت رتب مماثلة في البحرية. وأعطيت رتب إضافية للخدمات التقنية العسكرية. (23) في 7 مايو1940، أدخلت رتب إضافية في الجيش والقوات الجوية؛ لواء، فريق، فريق أول، مشير للجيش، كما أدخلت الرتب التالية في البحرية: عميد بحري، لواء بحري، فريق بحري، مشير. (33) وأخيرا في 26 يونيو 1945 تم إدخال رتبة القائد العام للقوات المسلحة للاتحاد السوفيتي. (34) في 3 سبتمبر 1940 تمت إعادة علامات الرتب على النمط القيصري القديم مثل الشريط المقصب على كتف السترة العسكرية والنجوم المصنوعة من الذهب والبلاتين والماس (والتي يرتديها الماريشالات). (35) لقد كان هذا بعيدا جدا عن أيام الحرب الأهلية عندما أطلق على البيض لقب “ذوي الشارات المقصبة”. ذكر أحد أجزاء الموسوعة السوفيتية الصغيرة المنشورة في عام 1930 أن الشرائط المقصبة قد تم إلغاؤها بواسطة ثورة نوفمبر 1917 باعتبارها رموز للقمع الطبقي في الجيش”. (36) وعلى النقيض تماما من ذلك، كتبت جريدة الجيش الأحمر في عام1943، بعد إدخال الشرائط المقصبة: ” إن إدخال الشرائط المقصبة التقليدية للجنود والضباط.. يؤكد ويرمز لاستمرارية مجد العسكرية الروسية على مدى التاريخ وحتى أيامنا هذه”. (37)
و تم حظر العلاقات الأخوية بين الضباط والجنود. (38) حتى الجنود الاحتياطيين مقسمون إلى نفس الرتب المطبقة في الجيش كما أن لديهم الحق في ارتداء الزي العسكري في أي وقت.
كتب جون جيبونز، مندوب الـ “ديلي ووركر” في موسكو: “في أيامنا هذه، ينبغي على الجنود وضباط الصف المسافرين في أتوبيس أو سكة حديدية تحت الأرض أو قطار أن يتنازلوا عن مقاعدهم لأصحاب الرتب الأعلى إذا كانوا واقفين”. (39)
لكي يحافظوا على مظهر التنشئة الأرفع، لا يسمح للضباط بحمل أشياء كبيرة في الشارع، أو ارتداء أحذية صوفية عندما يزورون مسرحا. ولا يسمح لكبار الضباط بالسفر بواسطة السكة الحديدية تحت الأرض أو الترام. (40) هناك غرف طعام (ميس الضباط) وأندية خاصة بالضباط. ولا يحق للضابط حتى عندما يكون في إجازة، أن يجلس على نفس المنضدة مع رتب أخرى علنا. ولكل ضابط مراسله الدائم. وقد أنشئت مدارس خاصة بأبناء الضباط، منذ مرحلة الحضانة. وقد أصبح ضابط سابق بالحرس الخاص القيصري اللواء الكسي اجناتييف، مديرا للانضباط في جيش ستالين. وجدير بالذكر أن دروس الرقص إجبارية في المدرسة العسكرية.
من المشكوك فيه أن يكون لدى ضباط أي جيش آخر في التاريخ سلطات تأديبية أكبر من تلك التي يتمتع بها الضباط الروس. جاء في القوانين التي أدخلت في 12 أكتوبر 1940: “في حالة العصيان، يحق للقائد أن يلجأ لكافة الإجراءات القسرية بما في ذلك استخدام القوة والسلاح الناري. لا يتحمل القائد أي مسئولية عما يترتب من نتائج في حالة اضطراره لاستخدام القوة والسلاح الناري لكي يجبر عاصي على تنفيذ أوامره ومراعاة النظام.. القائد الذي لا يلجأ في مثل هذه الحالات لكافة الإجراءات الضرورية لتنفيذ أمر يحال للمحاكمة أمام مجلس عسكري”. (41) يعلق ف0 اولريتش، الذي رأس محاكمات موسكو، على هذه القوانين قائلا: “القوانين التأديبية توسع بشدة من حق القادة فيما يتعلق باستخدام القوة والسلاح الناري… لم تعد هناك علاقات رفاقية بين الجنود والضباط… إن روح الود المفرط في العلاقات بين قائد ومرءوس لا يمكن أن يكون لها مكان في الجيش الأحمر. أي نوع من النقاش محظور تماما بين المرءوسين”. (42)
يلقى مقال في “برافدا” في نفس الفترة الضوء على جانب آخر من هذه القوانين: ” يمكن تقديم التظلمات بشكل شخصي وفردي فقط. تقديم التظلمات الجماعية عن الآخرين محظور. يحظر بعد اليوم التصريحات الجماعية والمناقشات المشتركة – سواء أكانت تتعلق بنظام، أو بطعام أو أي موضوع آخر – إن هذا كله يندرج تحت “العصيان”، ويمكن بسببه إطلاق النار في الحال على الجندي دون مجلس عسكري أو استماع أو تحقيق، إذا قرر ضابط من رتبة أعلى ذلك بشكل فردي”. (43)
هكذا، فقد تطور الضباط إلى هيئة عسكرية هرمية محددة بوضوح لا يقل عنه في أي مجتمع في التاريخ.
السوفييتات
من ناحية رسمية، تعتبر المؤسسات التي تكمن فيها السيادة في الاتحاد السوفيتي هي السوفييتات التي يرأسها “السوفيت الأعلى” (الذي حل محل مؤتمر السوفييتات، منذ1937). هناك العديد من المؤشرات على أنه لسنوات طويلة لم تكن لهذه الهيئات سوى سلطة اسمية فقط، أما السلطة الحقيقية فهي توجد في مكان آخر.
في الأيام الأولى، كانت الأمور مختلفة. ففي عام 1918، على سبيل المثال، اجتمع المؤتمر خمس مرات. وبين عام 1919 و1922، كان يجتمع مرة سنويا، ولكن منذ ذلك الوقت أخذت الفترات الفاصلة بين الاجتماعات تتسع بشدة. في عام 1923 انضمت وحدات أخرى إلى الجمهورية الروسية السوفيتية الفيدرالية الاشتراكية فتكون على اثر ذلك اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية. انعقد “مؤتمر السوفييتات الأول لاتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية في ديسمبر1922، والثاني في يناير – فبراير1924، والثالث في مايو1925، وبعد ذلك مرة واحدة فقط كل سنتين حتى عام1931. انعقد المؤتمر السابع في يناير – فبراير1935، أي بعد الاجتماع السابق له بأربع سنوات، لم يحدث أي تحسن منذ ذلك الوقت (وان كانت ظروف الحرب بلا شك تمثل عذرا، وان كان ضعيفا، لتأجيل الجلسات). لقد انعقد هذا “البرلمان” السوفيتي لمدة 104 يوما فقط في السنوات 1917 الى1936، أي أقل من ستة أيام في السنة. (44) بل أن الرقم بالنسبة للسنوات اللاحقة أقل من ذلك، ومما له دلالته أن المؤتمر لم ينعقد على الإطلاق أثناء الفترة من 1931 الى1935، فترة أكبر وأسرع تحول لروسيا. تم إقرار العديد من الخطوات الكبرى، مثل الخطة الخمسية والتجميع الزراعي والتصنيع دون استشارة “السلطة العليا” في البلاد.
أثناء الفترة من 1917 إلى 1936 كانت سلطة تشريع القوانين تكمن من الناحية الصورية في أيدي مؤتمر السوفييتات ولجنته المركزية التنفيذية المنتخبة لتمثيله. إلا أنه، منذ انتصار ستالين، لم تزد اجتماعات اللجنة المركزية التنفيذية في المتوسط عن عشرة أيام سنويا.
لقد قطعت روسيا شوطا بعيدا منذ ذلك الوقت الذي كان في استطاعة رئيس اللجنة المركزية التنفيذية أن يقول فيه: “اللجنة المركزية التنفيذية، بوصفها الجهة العليا في الجمهورية السوفيتية… تضع السياسات.. لكي ينفذها قوميسارو الشعب”.(45)
أما فيما يتعلق بمجلس السوفيت الأعلى، فليس من المعروف متى يجتمع، أو ماذا يناقش في جلساته، حيث لا تظهر أي تقارير عن أعماله.
منذ نهاية العشرينات، صدرت جميع القرارات التي اتخذها مؤتمر السوفييتات، والسوفيت الأعلى بعد ذلك، عن طريق الإجماع. ولم يحدث مطلقا أن صوت نائب واحد ضد اقتراح مطروح، بل ولم يحدث أن نائبا واحدا امتنع عن التصويت أو تقدم باقتراح بالتعديل، او حتى ألقى خطابا معارضا.
إن الطبيعة المراسمية البحتة للسوفييت الأعلى تظهر بوضوح من خلال طابع مداولاته، هكذا، على سبيل المثال، عندما حدث هذا التحول الكبير في السياسة الخارجية من التحالف مع فرنسا وانجلترا إلى التعاون مع هتلر، قرر السوفيت الأعلى أنه لا توجد حاجة لمناقشة المسألة “بسبب وضوح واتساق السياسة الخارجية للحكومة السوفيتية”. (46)
أحيانا ما تعرض الميزانية السنوية على السوفييت الأعلى بعد عدة شهور من الشروع في تنفيذها. هكذا، على سبيل المثال، فان الميزانية السنوية لعام 1952، الموضوعة موضع التنفيذ منذ أول يناير من تلك السنة، لم يعلنها وزير المالية زفيريف إلا في 6 مارس 1952.(47) كما نوقشت ميزانية عام 1954 في 11 إبريل.(48) وبالمثل، يجد المرء أنه في حين وضعت الخطة الخمسية الأولى موضع التنفيذ في أول أكتوبر 1928، فلم يتم إقرارها إلا في ابريل1929. ودخلت الخطة الخمسية الثانية حيز التنفيذ في أول يناير1933، الا أن الموافقة الرسمية عليها جاءت بعد ذلك باثنين وعشرين شهرا، في 17 نوفمبر1934. التواريخ المماثلة بالنسبة للخطة الخمسية الثالثة كانت أول يناير 1939 ومارس1939، بالنسبة للخطة الرابعة، أول يناير 1946 ومارس1946، وبالنسبة للخامسة، أول يناير 1951 وأكتوبر1952.
في ضوء هذه الوقائع، لا يمكن وصف التصريح التالي لعميد كانتربوري، الدكتور هيوليت جونسون، إلا بأنه هراء وقح: “السلطة التنفيذية تخضع للسوفييت الأعلى.. جميع أعمال السلطة التنفيذية يجب أن يصدق عليها السوفييت الأعلى: “الجهة العليا للدولة”، كما تقول المادة30، “هي السوفيت الأعلى”. ان أهمية تنفيذ هذا القانون ستظهر على الفور لأولئك الذين يراقبون في قلق النزعة العكسية تماما هنا، كما يحدث مثلا عندما تقوم الوزارة البريطانية بالتصرف دون التشاور مع البرلمان أو بدون السعي للحصول على تصديق فوري وسريع من البرلمان على عملها. وأما ما له دلالة أعمق من ذلك، فهو الإصرار على رقابة السوفيت الأعلى على الميزانية. أولئك الذين يسيطرون على الخزانة يسيطرون على السلطة”.(29) عنوان الفصل الذي جاءت فيه هذه الفقرة هو: “الدستور الأكثر ديمقراطية في العالم” !
الانتخابات
أعلن ستالين قبيل الانتخابات العامة لعام 1937: لم ير العالم مطلقا من قبل انتخابات تتسم بالحرية الكاملة والديمقراطية الحقيقية مثل انتخاباتنا ! لم يسجل التاريخ أي مثال آخر من نفس النوع”.(50) ويقول أمريكي مؤيد لنظام ستالين بحماس: “بالاقتراع السري، بلا خوف أو تملق، يستطيع (المواطن السوفيتي) أن يصوت للشخص أو السياسة التي يريدها فعلا”.(51) ومع ذلك، ففي هذه الانتخابات “كاملة الحرية وشديدة الديمقراطية” لا يوجد أكثر من مرشح واحد يستطيع الناخبون اختياره في كل دائرة. كما أنه لم يحدث مطلقا في أي من مئات الدوائر الانتخابية أن انخفضت نسبة الناخبين عن 98%. وكان عدد الأصوات دائما على وجه التقريب 9ر99%، كما حدث بالفعل أن حصل مرشح على أكثر من 100% ! كان ستالين هو المرشح الذي حصل على 2122 صوتا في انتخابات السوفييتات المحلية التي جرت في 21 ديسمبر1947، على الرغم من أن الدائرة التي “انتخبته” كان فيها 1617 ناخبا فقط ! ولا يفوق السخافة التامة لهذه الحادثة سوى التفسير الوقح الذي قدمته “برافدا” في اليوم التالي، حيث ذكرت: “ان أوراق الاقتراع الإضافية قد وضعها في الصناديق مواطنو الدوائر المجاورة الحريصون على انتهاز الفرصة للتعبير عن شعورهم بالعرفان إزاء زعمائهم”.(52)
يتم عادة، بالطبع، ترتيب الأمور بعناية زائدة، وبالتالي لا توجد سوى أدلة قليلة على التزوير. ومع ذلك فهناك حالات أخرى مسجلة. إحدى هذه الحالات كانت الاستفتاء الذي جرى في ليتوانيا في 12 يوليو 1940 للبت في الضم المقترح لليتوانيا إلى الاتحاد السوفيتي. لم يتم تبليغ وكالة تاس في موسكو أن السلطات المحلية قررت مد مدة الاستفتاء إلى يومين، ومن ثم أعلنت موسكو النتائج بعد اليوم الأول للاستفتاء، رغم أن العد الفعلي للأصوات لم يحدث إلا في اليوم التالي، و”بالمصادفة”، جاءت النتائج مطابقة تماما للتوقعات: “لقد كانت زلة غير موفقة مكنت جريدة لندنية من نشر النتائج الرسمية نقلا عن وكالة أنباء روسية قبل أربع وعشرين ساعة من إغلاق الصناديق رسميا”.(53)
لقد نصت قواعد الانتخابات على أن أي تدخل في الحقوق الانتخابية للمواطنين يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون. ومع ذلك، فقد اختفى 37 مرشحا – منهم عضوان في المكتب السياسي، هما كوسيبور وشوبار – في الفترة بين تحديد المرشحين والانتخابات الفعلية للسوفييت الأعلى في ديسمبر1937، وتم استبدالهم بآخرين. لم يقدم أي تفسير للناخبين، ويبدو أن أحدا لم ير من السليم أن يبحث في الأمر.
وقبل خمسة عشر يوما من نفس الانتخابات، أرسل مراسل الـ “نيويورك تايمز” في موسكو لصحيفته توقعا بتشكيل وأفراد السوفييت الأعلى القادم. ذكر أنه سيتكون من 246 مسئولا حزبيا كبيرا، و 365 مسئولا مدنيا وعسكريا، و78 ممثلا للمثقفين، و131 عاملا، و223 عضوا بالكولخوزات، وأعطى أسماءهم.(54) وباستثناء الـ 37 الذين اعتقلوا في الدقيقة الأخيرة، تطابق توقعه مع النتائج تماما في كل التفاصيل. كيف يمكن تصور حدوث ذلك في أية انتخابات خالية من التلاعب؟
الحزب
بما أن الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي هو حزب دولة، فان تحليل هيكله وتكوينه وعمله هو بالضرورة أيضا تحليل لجهاز الدولة. وقبل أن نحلل عمل الحزب منذ الوقت الذي أمسك فيه ستالين بزمام الأمور. من المهم أن نبين كيف أنه على النقيض من طابعه الجامد (المقصود بالطابع “الجامد” أن يكون الحزب كالكتلة الصخرية الواحدة، لا تتعدد فيه الآراء “المترجم”) والشمولي الحالي، كان الحزب يعمل بأسلوب ديمقراطي في الفترة السابقة على صعود البيروقراطية.
لم يكن الحزب البلشفي أبدا حزبا جامدا أو شموليا، بل كان على النقيض من ذلك، لقد كانت الديمقراطية الداخلية دائما ذات أهمية قصوى في حياة الحزب، ولكن لسبب أو لآخر، تم التغاضي عن هذا الأمر في أغلب الأدبيات التي تناولت الموضوع.
سيكون اذن من المفيد أن نستطرد قليلا ونخصص بعض الصفحات لإيراد عدد من الأمثلة التي تبين وجود الديمقراطية الحزبية الداخلية في سنوات ما قبل الستالينية.
لنبدأ بالقليل من الأمثلة من الفترة التي سبقت ثورة أكتوبر. في 1907 بعد الهزيمة النهائية للثورة، عانى الحزب من أزمة حول مسألة الموقف الذي يتخذه من انتخابات الدوما القيصري وفي المؤتمر الثالث لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي (المنعقد في يوليو1907)، الذي كان البلاشفة علاوة عن المناشفة ممثلين فيه، نشأت حالة غريبة: صوت جميع المندوبين البلاشفة باستثناء لينين فقط، لصالح مقاطعة الانتخابات وصوت لينين مع المناشفة. (55) وبعد ذلك بثلاث سنوات، صدر عن جلسة للجنة المركزية للبلاشفة قرار يدعو للوحدة مع المناشفة، مرة أخرى كان الصوت الوحيد المنشق هو صوت لينين. (56)
عندما اندلعت حرب 1914 -1918، لم يتبن أي من فروع الحزب الموقف الانهزامي الثوري الذي دعا اليه لينين، (57) وأثناء محاكمة بعض زعماء البلاشفة في عام 1915، تبرأ كامينيف ونائبان بلاشفة في الدوما من موقف لينين الانهزامي الثوري. (58)
وبعد ثورة فبراير، يجد المرء أن الغالبية العظمى من زعماء الحزب لم يكونوا مؤيدين لحكومة سوفيتية ثورية، وإنما أيدوا الحكومة الانتقالية الائتلافية. كان للبلاشفة أربعون عضوا في سوفييت بتروجراد في 2 مارس 1917، ومع ذلك فعندما تم التصويت على قرار نقل السلطة للحكومة الائتلافية البرجوازية، صوت تسعة عشر فقط ضد القرار. (59) وفي اجتماع للجنة الحزب في بتروجراد (5 مارس1917)، حصل قرار يدعو لحكومة سوفيتية ثورية على صوت واحد فقط. (60) كان لـ “برافدا”، التي كان يحررها ستالين في ذلك الوقت، موقف لا يمكن وصفه بالثورية بأي حال من الأحوال. لقد أعلنت بحسم تأييدها للحكومة الانتقالية “بمقدار ما تصارع ضد الرجعية أو الثورة المضادة” (61)
مرة أخرى، عندما وصل لينين إلى روسيا في 3 أبريل1917، ونشر “أطروحات أبريل” الشهيرة – ضوء مرشد للحزب إلى ثورة أكتوبر – كان لفترة من الوقت في أقلية صغيرة داخل حزبه. كان تعليق “برافدا” على “أطروحات إبريل” هو أنها “رأي لينين الشخصي” وهو رأي “مرفوض” تماما. (62) في اجتماع للجنة الحزب في بتروجراد، انعقد في 8 أبريل1917، حصلت “الأطروحات” على صوتين فقط، في حين صوت ثلاثة عشر ضدها وامتنع واحد عن التصويت. (63) ومع ذلك، ففي مؤتمر الحزب المنعقد في 14 – 22 ابريل حصلت “الأطروحات ” على أغلبية: صوت 71 لها، و 39 ضدها، وامتنع 8 عن التصويت. (62) ولقد هزم المؤتمر ذاته لينين حول مسألة هامة أخرى، وهي مسألة ما إذا كان ينبغي للحزب أن يشترك في مؤتمر ستوكهولم للأحزاب الاشتراكية المقترح. فعلى العكس من آراء لينين، أصدر الحزب قرار مؤيدا للمشاركة الكاملة. (65)
ومرة أخرى، في 14 سبتمبر، عقد كيرينسكي “مؤتمرا ديمقراطيا”، وتحدث لينين بقوة مؤيدا مقاطعته. قررت اللجنة المركزية بأغلبية 9 أصوات مقابل 8 مقاطعة المؤتمر، ولكن حيث أن الأصوات كانت متساوية تقريبا، فقد ترك القرار الأخير لمؤتمر الحزب الذي تقرر أن يتشكل من الجناح البلشفي داخل “المؤتمر الديمقراطي”. وقد قرر هذا الاجتماع بأغلبية 77 ضد 50 صوتا عدم مقاطعة المؤتمر”. (66)
عندما كانت أهم المسائل على الإطلاق، مسألة انتفاضة أكتوبر، مدرجة على جدول الأعمال، كانت القيادة مرة أخرى منقسمة بشدة: عارض جناح قوى، قاده زينوفييف وكامينيف وريكوف بياتاكوف وميليوتين ونوجين، الانتفاضة. ومع ذلك، فعندما أنتخب المكتب السياسي بواسطة اللجنة المركزية، لم يستبعد أي من زينوفييف أو كامينيف.
وبعد الاستيلاء على السلطة، استمرت الاختلافات داخل قيادة الحزب بنفس الحدة التي كانت عليها في السابق. فبعد أيام قليلة من الثورة، طالب عدد من قيادات الحزب بتكوين ائتلاف مع الأحزاب الاشتراكية الأخرى. وقد تضمن الذين أصروا على ذلك ريكوف، قوميسار الشعب للداخلية، ومليوتين، قوميسار الشعب للزراعة، ونوجين، قوميسار الشعب للصناعة والتجارة، ولوناشارسكي، قوميسار الشعب للتعليم، وشليابنيكوف، قوميسار الشعب للعمل، وكامينيف، رئيس الجمهورية، وزينوفييف. لقد ذهبوا إلى حد الاستقالة من الحكومة، مجبرين لينين ومؤيديه بذلك على عقد مفاوضات مع الأحزاب الأخرى. (67) (انهارت المفاوضات لأن المناشفة أصروا على استبعاد لينين وتروتسكي من الحكومة الائتلافية). (68)
ومرة أخرى، حول مسألة إجراء أو تأجيل انتخابات الجمعية التأسيسية (في ديسمبر1917)، وجد لينين نفسه في أقلية داخل اللجنة المركزية، وتم إجراء الانتخابات على نقيض ما نصح به. (69) وبعد ذلك بقليل، هزم مرة أخرى حول مسألة مفاوضات السلام مع ألمانيا في بريست – ليتوفسك. لقد كان يريد سلاما فوريا. إلا أنه في اجتماع اللجنة المركزية والعمال النشطين، المنعقد في 21 يناير1918، لم يحصل اقتراحه إلا على 15 صوتا مقابل 32 صوتا لاقتراح بوخارين، “الحرب الثورية”، و 16 صوتا لاقتراح تروتسكي، “لا سلام ولا حرب”. (70) في جلسة اللجنة المركزية في اليوم التالي، هزم لينين مرة أخرى. ولكنه نجح أخيرا، تحت ضغط الأحداث، في إقناع غالبية أعضاء اللجنة المركزية بوجهة نظره، وفي جلسة اللجنة المركزية في 24 فبراير، حصل اقتراح السلام الذي تقدم به لينين على 7 أصوات، في حين صوت 4 ضده. وامتنع 4 عن التصويت.(71)
إن المناخ الجامد الذي نسب للحزب البلشفي قبل الثورة وبعدها مباشرة، يتلاشى عند مواجهته الحقائق. إلا أن هذا المناخ قد أصبح حقيقة فيما بعد.
لفترة طويلة، كانت أهم هيئة في الحزب هي المؤتمر. أعلن لينين، على سبيل المثال: “المؤتمر.. هو التجمع صاحب المسئولية الأهم في الحزب والجمهورية”. (72) ولكن مع ازدياد قوة البيروقراطية، فقد المؤتمر أهميته بشكل متزايد. نصت قواعد الحزب الصادرة في أعوام 1919 و 1922 و1925 (القواعد20، 21، 22على التوالي) على انعقاد المؤتمر سنويا (73)، وقد تم الالتزام بذلك حتى المؤتمر الرابع عشر (1925). أما بعد ذلك فقد أخذت المؤتمرات تتباعد عن بعضها بشكل متزايد. انعقد المؤتمر التالي بعد ذلك بسنتين، وبين هذا الأخير والمؤتمر السادس عشر (في1930) مرت سنتان ونصف، وبين السادس عشر والسابع عشر (في1934)، ثلاث سنوات ونصف. أصدر هذا المؤتمر الأخير قواعد جديدة تقضي بعقد المؤتمر “مرة واحدة على الأقل كل ثلاث سنوات” (القاعدة27). (74)
إلا انه حتى هذا لم يتم الالتزام به. مرت خمس سنوات بين المؤتمر السابع عشر والثامن عشر (1939)، وبعد ذلك كانت هناك فترة طويلة تزيد على ثلاث عشرة سنة بين المؤتمر الثامن عشر والمؤتمر التاسع عشر (1952).
وفقا لقواعد الحزب، ينبغي أن تعقد اللجنة المركزية مؤتمرات حزبية بين المؤتمرات، ووفقا للقواعد التي أقرها المؤتمر الثامن عشر والتي لا تزال سارية رسميا، ينبغي أن تعقد هذه المؤتمرات “مرة واحدة على الأقل سنويا “. منذ1919، عقدت مؤتمرات في1919، 1920، 1921(مرتان)، 1923، 1924، 1925، 1926، 1929، 1932، 1934، وأخيرا في1941.
ينتخب المؤتمر اللجنة المركزية وهي الهيئة العليا للحزب. من الناحية الصورية، اللجنة المركزية مسئولة أمام مؤتمر الحزب، ولكن عندما لا ينعقد الأخير لأكثر من ثلاث عشرة سنة، فان هذا النص يتحول إلى نص بلا حياة.
من الناحية الصورية، تنتخب اللجنة المركزية المكتب السياسي، وبالتالي ينبغي أن يكون الأخير مسئولا أمام الأولى، إلا أنه من الناحية الفعليـة، تخضع اللجنة المركزية تماما للمكتب السياسي.
إذا كانت اللجنة المركزية تمارس فعلا السلطة العليا داخل الحزب، فانه كان سيكون من المستحيل أن يطرد ويعدم غالبية – في الواقع أكثر من ثلاثة أرباع – أعضائها بوصفهم “أعداء للشعب”، كما حدث بين المؤتمرين السابع عشر والثامن عشر. إن 16 فقط من بين الـ 71 عضوا في اللجنة المركزية المنتخبة في عام 1934 ظهرت أسماؤهم مرة أخرى في قائمة أعضاء اللجنة المركزية المنتخبين بعد ذلك بخمس سنوات، ومن بين 68 عضوا مرشحا ظهر على القائمة مرة أخرى 8 فقط.
المكتب السياسي، الذي يضم ثلاثة عشر أو أربعة عشر عضوا، يختار السكرتارية، التي يرأسها السكرتير العام. لمدة ثلاثين عاما شغل ستالين هذا المنصب. ومنذ وفاة ستالين صار النظام الإداري أكثر تعقيدا. رغم أن كل المظاهر كانت تشير إلى أن جورجي مالينكوف هو خليفة ستالين، فقد أعطي منصب السكرتير العام لشخص آخر – نيكيتا خروتشوف. من الواضح الآن أن خروتشوف له اليد العليا.
تتضح سيطرة البيروقراطية من خلال ملاحظة أن السكرتير العام الذي كان في الأصل، مجرد منفذ لإرادة اللجنة المركزية، (75) أصبح في ظل حكم ستالين، مطلق الصلاحية، يحمل سلطة أكبر من تلك التي كان أي قيصر يجرؤ على أن يحلم بها0
لينين، مثلا، لم يكن أبدا عضوا في سكرتارية الحزب في أيامه، لم تتضمن السكرتارية أبدا قادة الحزب الأكثر صيتا. على سبيل المثال، قبل انضمام ستالين مباشرة (1922)، كانت السكرتارية تتكون من مولوتوف وياروسلافسكي وميخاثيلوف الذين لا يمكن وضع أي منهم ضمن الصف الأول من القادة البلاشفة. ولم يصبح منصب السكرتير العام شديد الأهمية إلا مع تعزز موقف البيروقراطية وبناء تسلسل هرمي حزبي تتم السيطرة عليه من أعلى.
من المستحيل تتبع التغيرات في التكوين الاجتماعي للحزب منذ عام 1930 بدقة0 فمنذ هذه السنة، توقف نشر مثل هذه المعلومات. (الإلغاء ذاته ذو دلالة كبيرة). ومع ذلك، من الممكن الحصول على بعض المؤشرات عن التكوين الاجتماعي للحزب من خلال المستوى التعليمي للأعضاء.
في روسيا، يكمل واحد فقط من كل عشرين طفلا الدراسة الثانوية، ودع عنك الجامعة، ومع ذلك، فمن بين أعضاء الحزب الـ 1,588,852 في عام 1939، كان 127,000 قد حصلوا على تعليم جامعي، بالمقارنة بـ 9000 فقط في عام 1934، و 8396 في 1927، وكان 335,000 قد حصلوا على تعليم ثانوي، بالمقارنة بـ 110,000 في عام 1934، و 84,111 في عام 1927.(76) في مؤتمر الحزب لعام 1924، كان 5ر6% من المندوبين ذوي حق التصويت قد حصلوا على تعليم جامعي، في مؤتمر عام 1930: كانت النسبة 2ر7%، في 1934: حوالي 10%، في 1939: 5ر31%، وفي مؤتمر عام 1941: 8ر41%. وكانت النسبة المئوية للمندوبين الذين كانوا قد حصلوا على تعليم ثانوي كالتالي: في عام 1924 9ر17%، في 1930 7ر15%، في عام 1934 حوالي 31%، في 1939 5ر22% وفي عام 1941 1ر29% (بما في ذلك أولئك الحاصلون على تعليم جامعي غير مكتمل) (77) هكذا (بإضافة الاثنين معا)، فان نسبة المندوبين الذين يمكن تصنيفهم للـ “انتلجنسيا سوفيتية” كانت في عام 1924 4ر24%، في عام 1930 9ر22%، في عام1939، 54%، وفي عام 1941 9ر70%. في مؤتمر عام1934، عندما كان 41% من المندوبين المنتخبين قد حصلوا على تعليم ثانوي وعالي، كان 3ر9% فقط عمالا صناعيين وزراعيين. لابد أن النسبة كانت أقل كثيرا في عامي 1939 و1941.
فيما يتعلق بالكومسومول، ذكر سكرتيره، ميخائيلوف: “في الوقت الحالي، أكثر من نصف سكرتيري اللجان المحلية والإقليمية والمركزية للجمهوريات الاتحادية لديهم تعليم عالي أو تعليم عالي غير مكتمل. باقي السكرتيرين لديهم تعليم ثانوي. ومن بين سكرتيري لجان المناطق للكومسومول، 67% لديهم تعليم ثانوي أو عالي”. (برافدا، 30مارس1949)
إضافة إلى ذلك، كان عدد كبير من العمال اليدويين في مؤتمرات الحزب من الاستاخانوفيين. أثناء الحرب، عندما ارتفع عدد أعضاء الحزب من مليونين ونصف إلى ستة ملايين، كان 47% من جميع المرشحين المقبولين قد حصلوا على تعليم ثانوي أو جامعي. (78) في أول يناير1947، من بين ستة ملايين عضو ومرشح، كان 400,000 قد حصلوا على تعليم جامعي، و 1,300,000 قد حصلوا على تعليم ثانوي، و 1,500,000 قد حصلوا على تعليم ثانوي غير مكتمل. (79)
تظهر المعلومات المحلية عن الوضع الاجتماعي للمنضمين الجدد للحزب الاتجاه نفسه. فمثلا، خلال 1941 والشهرين الأولين من عام 1942، في إقليم شيليا بنسك، من بين أولئك المقبولين للعضوية تحت الاختبار، كان هناك 600 عامل، و 289 عضوا في كولخوز، و 2035 موظفا يقوم بعمل كتابي. ومن بين أولئك الذين أكملوا حتى فترة اختبارهم أثناء هذه الفترة وأصبحوا أعضاءا كاملين، كان هناك 909 عاملا، و 399 عضوا في كولخوز، و 3515 موظفا كتابيا. هكذا، فان 70% من المرشحين الجدد والأعضاء الجدد كانوا من الفئة الأخيرة. (80)
في عام 1923 كان 29% فقط من مديري المصانع في الحزب. في عام 1925، مع الانتصار الجزئي لجناح ستالين، أصبح 7ر73% من أعضاء إدارة الاتحادات الاحتكارية، و 5ر81% من أعضاء مجالس اتحادات رؤوس الأموال، و 95% من مديري المشروعات الكبرى، أعضاءا في الحزب، وبحلول عام1927، أصبحت نسب الفئات الثلاث نفسها على التوالي: 1ر75%، 9ر82%، 9ر96%.(81) في عام 1936، كان ما بين 5ر97% و 1ر99% من هذه النوعية من المسئولين ينتمون للحزب، وكان الرقم بالنسبة لرؤساء الاتحادات الاحتكارية 100%. (82)
أما بالنسبة لقادة الجيش الأحمر، ففي حين أنه في عام 1920 كان 5ر10 منهم فقط ينتمون للحزب، فان النسبة قد وصلت إلى 6ر30% في عام 1924 و1ر51% في عام 1929 (83)، وإذا أضفنا أولئك الذين ينتمون إلى الكومسمول تقفز النسبة إلى 71.8% بحلول عام 1931 (84)، واليوم ليس هناك شك في أنهم جميعا ينتمون للحزب.
إذا أخذنا في الاعتبار أنه في يناير1937، بلغ عدد المديرين1,751,000، (85) وأن تسعة أعشار هؤلاء على الأقل كانوا ينتمون للحزب، فمن البديهي أن عددا قليلا من الناس من خارج هذه الطبقة كان في إمكانهم أن يكونوا أعضاء، حيث أن العدد الإجمالي لأعضاء الحزب والمرشحين لعضويته كان حوالي مليونين ونصف مليون فقط. ليس هناك رقم دقيق متوفر لعام1937، إلا أن أرقام 1934 و 1939 كانت 2,807,000 و 2,477,000 على التوالي.
يتأكد هذا التخمين من خلال أمثلة مثل مصنع برسنيا لبناء الآلات في موسكو من بين الـ 1300 موظف في هذا المصنع كان عدد أعضاء الحزب 119، بينهم أكثر من مائة موظف يحصل على مرتب وحوالي 12 عاملا يدويا فقط. (86) ستكون هذه النسب، بالطبع، متشابهة في أغلب المصانع الأخرى.
وبنفس نمط التغيير في التكوين الاجتماعي لأعضاء الحزب، جاء القضاء على الأعضاء القدامى للحزب. من بين الـ 1,588,852 عضوا بالحزب في أول مارس 1939، كان 3ر1% فقط ينتمون للحزب منذ ثورة1917، و3ر8% منذ 1920، أي منذ نهاية الحرب الأهلية. (87) في نهاية المؤتمر الثامن عشر، تم في الواقع التأكيد على أن 70% من أعضاء الحزب كانوا قد انضموا منذ عام 1929 فقط. قبيل ثورة فبراير كانت عضوية الحزب23,600، في أغسطس1917 200,000، في مارس 1921 730,000.(88) من البديهي، إذن، أن حوالي واحد على أربعة عشر من أعضاء عام 1917 وحوالي سدس أعضاء عام 1920 فقط كانوا لا يزالون أعضاء في الحزب بحلول عام 1939.
إن هذا الاختفاء الضخم للأعضاء القدامى لا يمكن تفسيره بالأسباب الطبيعية، حيث أن الغالبية العظمى من أعضاء الحزب في عام 1917 و1920 كانوا صغيري السن جدا. بل حتى عام1927، كان 8ر53% من أعضاء الحزب أقل من 29 عاما، وكان 32% بين 30 – 39 عاما، و 4ر11% بين 40 و 49 عاما، 8ر2% فقط أكبر من 50 عاما. (89)
بعض الحقائق الإضافية القليلة ستكفي لبيان إلى أي مدى ذهب ستالين في التصفية الجسدية للزعماء القدامى للحزب البلشفي.
لقد تم تشكيل أول مكتب سياسي في 10 أكتوبر 1917 (ولم يكن يحمل هذا الاسم بعد)، من لينين وتروتسكي وزينوفييف وكامينيف وسوكولنيكوف وبوبنوف وستالين (90) في عام 1918 أضيف بوخارين. وفي عام 1920 أضيف بربوبرازفسكي وسيريبرياكوف، إلا انهما استبدلا بعد سنة بزينوفييف وتومسكي. وفي عام 1923، أخذ ريكوف مكان بوخارين. (91)
طيلة فترة الحرب الأهلية، تكون المكتب من لينين وتروتسكي وكامينيف وبوخارين وستالين. من بين كل هؤلاء القادة البارزين اثنان فقط ماتا ميتة طبيعية، هما لينين وستالين، أما زينوفييف وكامينيف وبوخارين وريكوف وسيريبرياكوف فقد تم إعدامهم بعد محاكمة صورية، ثم تروتسكي الذي اغتيل في المكسيك بواسطة عميل للبوليس السري الستاليني، وانتحر تومسكي قبيل القبض عليه، ووصف بعد موته بأنه “عدو الشعب” و”فاشي” وحكم على سوكولنيكوف بالسجن المؤبد، كما اختفى بربوبرازنسكي وجوبنوف أثناء “التطهير العظيم”.
في الوثيقة المعروفة بـ “وصيته”، يخص لينين ستة أشخاص بالذكر الخاص. من بين هؤلاء الستة، قتل أربعة رميا بالرصاص بأمر ستالين بعد أن تمت “محاكمتهم”، هؤلاء هم بياتاكوف وبوخارين (وصف لينين هذين الاثنين أنهما: في رائي، القوة الأكثر قدرة بين الأكثر شبابا)، وزينوفييف وكامينيف. أما تروتسكي فقتل. الوحيد من بين الستة الذي انتقده لينين نقدا لاذعا هو من أعدم الخمسة الآخرين ! (جوزيف ستالين).
ومن بين الأعضاء الخمسة عشر لأول حكومة بلشفية يتم تنظيمها (مجلس قوميساري الشعب لأكتوبر1917)، لم ينج من “التطهير” سوى واحد فقط، هو ستالين. مات أربعة أعضاء ميتة طبيعية: لينين، نوجين، سكفورتسوف – ستيبانوف ولوناشارسكي. أما العشرة الآخرون – تروتسكي، ريكوف، شليابنيكوف، كريلنكو، ديبنكو، انطونوف – اوفسنكو، لوموف -أوبوكوف، ميليوتين، جليبوف – أجفيلوف، تيودوروفيتش – فأما أنهم اعدموا بأمر ستالين أو ماتوا في سجونه !
لقد تكرر “تطهير ” كبار مسئولي القوميساريات المختلفة. هكذا، على سبيل المثال، تم عزل قوميسار بعد آخر ثم إعدامه أو إيداعه السجن. أول من نال هذا المنصب كان شليابنيكوف، ثم سميرنوف، وبعد ذلك ميخائيل أو جلانوف وأخيرا ف. ف. شميدت.
من بين أولئك الذين تم تطهيرهم بوصفهم “كلاب فاشية” كان تروتسكي من البروز في الحزب حتى أن الحزب سمى أثناء وبعد الحرب الأهلية “حزب لينين وتروتسكي”، كما عرفت الحكومة الأولى بالاسم ذاته، وحل ريكوف محل لينين، بعد وفاته، كرئيس مجلس قوميساري الشعب (أو رئيس الوزراء)، وكان زينوفييف رئيسا لمجلس اللجنة التنفيذية (أو رئيس) للأممية الشيوعية، وكان تومسكي رئيس لمؤتمر نقابات العمال. تضمن المطرودون الآخرون رؤساء الجيش. أعدم نائب قوميسار للدفاع، م. ن. توخاشيفسكي، وانتحر آخر، جان جامارنيك، عندما واجه القبض عليه (وفقا لإعلان رسمي)، كما “اختفى” آخر، مارشال اجوروف، بعد ذلك بقليل، وكذلك فعل قوميسار البحرية، سميرنوف. من بين الخمسة عشر من قادة الجيش المعينين في عام1935، استمر واحد فقط في التمتع بمنصبه الكبير بعد التطهيرات. وقد مات واحد ميتة طبيعية. الا أن الآخرين جميعا قد وصموا بالـ “خيانة” وطهروا. (92) تعرض جميع سفراء الاتحاد السوفيتي تقريبا أيضا للـ “تطهير” كما حدث لرئيسين للبوليس السياسي: ياجودا، الذي كان قد أعد بنفسه محاكمة زينوفييف – كامينييف، وييزوف، الذي أعد المحاكمات اللاحقة الأخرى، والتي كان ياجودا متهما في إحداها.
لو أن كل أولئك الذين صفاهم ستالين كانوا بالفعل “فاشيين” و “خونة”، فانه يصبح من غير المفهوم بالمرة كيف أنهم – وقد كانوا يشكلون مالا يقل عن تسعة أعشار قيادة الحزب والدولة على امتداد ثورة أكتوبر والحرب الأهلية – قادوا ثورة اشتراكية. هكذا، فقد أثبت حجم ” التطهيرات”، ذاته طابعها الزائف.
ولكي يضيف لمسة من السخرية المرة إلى تراجيديا “التطهيرات” وضع ستالين مسئولية حجمها الضخم على عاتق أول ضحاياها، التروتسكيين، الذين زعم أنهم أرادوا بذلك بذر بذور السخط والمرارة بطريقة مصطنعة، هكذا، فان “المنافقين التروتسكيين يستطيعون أن يصيدوا ببراعة.. الرفاق الذين يشعرون بالمرارة، يجروهم إلى مستنقع الخراب التروتسكي”.(93) وفي خطاب أمام المؤتمر الثامن عشر للحزب، كرر زدانوف هذا الادعاء الأحمق بزعمه أن التروتسكيين، من خلال توسيعهم للـ “تطهير”، استهدفوا “تدمير الجهاز الحزبي”. بنفس المنطق كانت محاكم التفتيش تستطيع أن تتهم ضحاياها بمسؤوليتهم عن فعل الايمان (فعل الإيمان هو الاحتفال الذي يرافق إصدار الحكم بالموت “المترجم”)وتبين الحادثة الآتية، والتي ذكرها زدانوف في نفس الخطاب، المدى الضخم للـ “تطهير” بسخرية وحشية. لقد قال: “لجأ بعض أعضاء الحزب لطلب مساعدة المؤسسات الطبية في محاولة لإنقاذ أنفسهم من “التطهير”. هذه هي شهادة طبية صادرة لأحد هؤلاء المواطنين: “بسبب حالته الصحية والعقلية، فان الرفيق (فلان الفلاني) ليس صالحا للاستخدام كأداة بواسطة أي عدو طبقي. الطبيب النفسي للمنطقة، منطقة أكتوبر، مدينة كييف (إمضاء)” (94)
زوال الدولة والقانون
ذهب ماركس إلى أنه مع قيام المجتمع الاشتراكي وإلغاء الطبقات الاجتماعية سينتفي وجود الدولة. ذلك أن غياب الصراعات بين الطبقات أو المجموعات الاجتماعية الأخرى سيجعل من غير الضروري وجود أي جهاز قمع دائم في شكل جيش وبوليس وسجون. القانون أيضا سيختفي من الوجود، حيث أن “القانون يساوي لا شيء بدون جهاز قادر على ضمان الالتزام بالقانون”. (95) في ظل الاشتراكية، ستكون جميع الصراعات بين أفراد. ولن يقتضي القضاء على هذه الاعتداءات الفردية التي ستستمر في التعبير عن نفسها بعد القضاء على البؤس- وهو السبب الرئيسي للـ “جريمة” في المجتمع الحالي – لن يقتضي ذلك وجود منظمات قمعية متخصصة. “الإرادة العامة” – إذا استخدمنا تعبير روسو – ستسود وتتعامل مع هذه المشاكل. وكما قال ستالين مرة، منذ زمن طويل، في عام 1927: “المجتمع الاشتراكي هو مجتمع بلا طبقات، مجتمع بلا دولة”. (96)
وجدت هذه الكلمات تعبيرا عنها في دستور الجمهورية الروسية السوفيتية الفيدرالية الاشتراكية، الصادر في 10 يوليو1918. لقد ذكر الدستور: ” ان الهدف الرئيسي لدستور الجمهورية الروسية الاشتراكية الفيدرالية السوفيتية، وهو دستور مصمم لخدمة الفترة الانتقالية الحالية، هو تأسيس دكتاتورية البروليتاريا المدنية والريفية بالاشتراك مع فقراء الريف، في شكل سلطة سوفيتية قوية تشمل كل روسيا، وضمان القمع الكامل للبرجوازية، وإلغاء استغلال الإنسان للإنسان، وتحقيق الاشتراكية، التي لن توجد في ظلها لا الانقسامات الطبقية ولا سلطة الدولة. (97)
ولكن، بعد انتصار ستالين، تغير الخط تماما. توقف الستالينيون عن الحديث عن “زوال الدولة”، وذهبوا بالفعل للنقيض تماما، زاعمين أن “الاشتراكية في بلد واحد” بل وحتى “الشيوعية في بلد واحد” منسجمة تماما مع تقوية الدولة. هكذا كتب يودين في عام 1948: “الدولة السوفيتية هي القوة الرئيسية، الأداة الرئيسية لبناء الاشتراكية وإقامة المجتمع الشيوعي. ولهذا السبب فان مهمة تقوية الدولة السوفيتية بكل الوسائل هي المهمة الرئيسية للنشاط الحالي والمستقبلي في بناء مجتمع شيوعي”. (98) ومرة أخرى: “لقد كان تعزيز الدولة السوفيتية بكل الوسائل هو الشرط الضروري لبناء الاشتراكية، والآن الشيوعية، هذا أيضا أحد أهم قوانين تطور المجتمع السوفيتي. (99)
وقال منظر سوفييتي آخر: “تفترض الشيوعية وجود جهاز يبلغ حد الكمال يدير الاقتصاد والثقافة. ينمو الجهاز تدريجيا ويأخذ شكله في ظروف الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية.. ولهذا السبب فان نمو الشيوعية سيسير وفقا لدرجة الكمال التي يصل اليها جهاز الدولة والاقتصاد لدينا” (100)
إن تقوية الدولة الروسية، وطابعها الشمولي المتزايد، لا يمكن أن يكون الا نتيجة لعداءات طبقية عميقة، وليس نتيجة لانتصار الاشتراكية.






