رأسمالية الدولة في روسيا
قبل تناول الخصائص الأساسية لاقتصاد دولة العمال، من الضروري أن نذكر عاملا هاما جدا. لقد توقع ماركس وإنجلز أن تبدأ الثورة في البلاد المتقدمة. وبالتالي فقد افترضا أن المجتمع الجديد سيكون منذ نشأته أكثر تطورا من الناحية المادية والثقافية من البلاد الرأسمالية الأكثر تقدما. ولكن كل تنبؤ مشروط ببعض العوامل. فالتاريخ لم يتطور كما توقع ماركس وإنجلز بالضبط. فقد اندلعت الثورة لأول مرة واستولى العمال على السلطة في روسيا، إحدى أكثر البلاد الرأسمالية تخلفا، في حين فشلت الثورات التي تلت ذلك في البلاد الأكثر تقدما.
تحول علاقات الإنتاج الرأسمالية إلى علاقات إنتاج اشتراكية
هناك نوعان من القوى الإنتاجية: وسائل الإنتاج وقوة العمل. إن تطور هذه القوى الإنتاجية في ظل الرأسمالية – والذي يتمثل في تمركز رأس المال من ناحية وإضفاء الطابع الاجتماعي على عملية العمل من ناحية أخرى – يخلق الشروط المادية الضرورية للاشتراكية.
ومن بين جميع علاقات الإنتاج التي تهيمن في ظل الرأسمالية – العلاقات بين الرأسماليين والرأسماليين – بين الرأسماليين والعمال – بين العمال أنفسهم – بين التقنيين والعمال – بين التقنيين والرأسماليين، الخ.. – فأن قسما واحدا فقط سيمتد إلى المجتمع الاشتراكي، ألا وهو العلاقات المكتسبة بين العمال في “عملية الإنتاج “، العمال المتحدون من خلال الإنتاج الاجتماعي يصبحون الأساس لعلاقات إنتاج جديدة. كما أن بعض العناصر في علاقات الإنتاج القائمة في ظل الرأسمالية يتم القضاء عليها تماما بواسطة الاشتراكية من خلال إلغاء الرأسماليين، في حين أن عناصر أخرى مثل ” الطبقة المتوسطة الجديدة” (التقنيون والمحاسبون.. الخ) سيتم إيجاد مكان لها في سياق جديد.
وهذه ” الطبقة المتوسطة الجديدة” تمثل جزءا من القوى الإنتاجية وهي بالتالي عنصر إنتاج ضروري. ومع ذلك فان وضعها في التسلسل الهرمي للمجتمع الرأسمالي هو وضع انتقالي، مثله في ذلك مثل الرأسمالية ذاتها. و ستقضي الاشتراكية تماما على هذا الوضع الهرمي فوق البروليتاريا في عملية الإنتاج. ستخلق علاقة جديدة بين العناصر المختلفة الضرورية لنمط الإنتاج الاشتراكي، بين العمل الذهني واليدوي. تبدأ العلاقة الجديدة (التي سنتناولها بمزيد من التفصيل فيما بعد) في التشكل مع فترة الانتقال.
أما بالنسبة للطبقة العاملة، التي تكون جزءا من القوى الإنتاجية وجزءا من علاقات الإنتاج الرأسمالية في نفس الوقت، فأنها تصبح الأساس لعلاقات الإنتاج الجديدة ونقطة الانطلاق لتطور القوى الإنتاجية على أساس هذه العلاقات. وكما ذكر ماركس “من بين جميع أدوات الإنتاج، فأن القوة الإنتاجية الأعظم هي الطبقة الثورية نفسها. إن تنظيم العناصر الثورية كطبقة يفترض وجود القوى الإنتاجية التي يمكن أن تنشأ في حضن المجتمع القديم”(1)
تقسيم العمل والتقسيم إلى طبقات
يكتب إنجلز ” في كل مجتمع تطور فيه الإنتاج تلقائيا – ومجتمعنا الحالي من هذا النوع – ليس المنتجون هم الذين يسيطرون على وسائل الإنتاج، وإنما وسائل الإنتاج هي التي تسيطر على المنتجين. ففي مجتمع كهذا تتحول كل وسيلة جديدة للإنتاج بالضرورة إلى وسيلة جديدة لإخضاع المنتجين لوسائل الإنتاج. وهذا ينطبق بشكل خاص على دعامة الإنتاج التي كانت، قبل إدخال الصناعة الكبيرة، الأقوى – ألا وهي تقسيم العمل”(2)
إن تقسيم العمل كما يعبر عنه انفصال العمل اليدوي عن العمل الذهني ذو طبيعة انتقالية تاريخيا، ذلك أن جذوره تكمن في انفصال العمال عن وسائل الإنتاج وفي العداء بين هذين العنصرين الناتج عن هذا الانفصال. ويعبر ماركس عن ذلك قائلا:
إن الذكاء في الإنتاج يتوسع في اتجاه واحد لأنه يختفي في اتجاهات أخرى عديدة. وما يفقده العمال يتركز في رأس المال الذي يوظفهم. ونتيجة لتقسيم العمال في الصناعة يوضع العامل وجها لوجه مع القوى الذهنية لعملية الإنتاج المادية، بوصفها ملكية الغير، وبوصفها قوة تسيطر عليه. وهذا الانفصال يتمخض عنه تعاون من نوع بسيط، حيث يمثل الرأسمالي بالنسبة للعامل الفرد وحدة حاكمة، وإرادة العمل المترابط. وهو ينمو في الصناعة التي تحول العامل إلى عامل يؤدى عملا روتينيا معزولا. يكتمل ذلك في الصناعة الحديثة التي تجعل من العلم قوى منتجة مستقلة عن العمل وتسخره لخدمة رأس المال”.(3)
إن الانتصار الكامل للاشتراكية يعني الإلغاء الكامل للفصل بين العمل الذهني واليدوي. من الواضح أنه سيكون من المستحيل إلغاء هذا الانفصال عقب الثورة الاشتراكية مباشرة، إلا أن سيطرة العمال على الإنتاج ستصبح جسرا مباشرا بين العمل الذهني واليدوي ونقطة الانطلاق لاندماجهم المستقبلي، الإلغاء الكامل للطبقات.
هنا نصل إلى مسألة أساسية من ناحية تحول علاقات الإنتاج، ألا وهى الجسر بين العمل الذهني واليدوي.
العمال والتقنيون
يشكل التقنيون عنصرا ضروريا في عملية الإنتاج، وجزءا هاما من القوى الإنتاجية للمجتمع، سواء كان رأسماليا أو شيوعيا. في نفس الوقت، كما ذكرنا من قبل، فانهم في ظل الرأسمالية يشكلون شريحة في التسلسل الهرمي للإنتاج، انهم يظهرون كجزء لا يتجزأ من هذا التسلسل الهرمي. إن وضعهم الاحتكاري فيما يتعلق بـ”وسائل الإنتاج الذهنية”، (كما يقول بوخارين)، هو نتيجة لانفصال العمال عن وسائل الإنتاج من ناحية، وإضفاء الطابع الاجتماعي على العمل من ناحية أخرى. ستقضي الاشتراكية على هذا التسلسل الهرمي. ولكن في فترة الانتقال، فانه سيستمر في الوجود بمعنى معين، ولكنه سيختفي بمعنى آخر. فطالما أن العمل الذهني يستمر كامتياز للقلة، ستستمر العلاقات الهرمية في الوجود في المصانع والسكك الحديدية، الخ، حتى بعد الثورة البروليتارية. ولكن حيث أن مكان الرأسمالي في التسلسل الهرمي ستشغله الدولة العمالية، أي العمال كجماعة بحيث يخضع التقنيون للعمال، فان النفوذ الذهني بهذا المعنى سيتم القضاء عليه. إن سيطرة العمال على التقنيين تعني خضوع العناصر الرأسمالية لتلك الاشتراكية. وكلما ازدادت كفاءة السيطرة العمالية، كلما ارتفع المستوى المادي والثقافي للجماهير، وسيؤدي هذا بدوره إلى زيادة تآكل الوضع الاحتكاري للعمال الذهنيين، حتى يتم القضاء على هذا الوضع تماما وتحقيق وحدة تامة بين العمل الذهني واليدوي.
بسبب الدور المزدوج للتقنيين في علاقاتهم بالعمال في عملية الإنتاج، أشار مؤسسو الماركسية إلى أن إخضاع التقنيين لمصالح المجتمع ككل سيكون أحد أكبر الصعاب التي يواجهها المجتمع الجديد. ومن هنا كتب إنجلز “إذا.. أوصلتنا حرب إلى السلطة قبل الأوان، سيكون التقنيون أعداءنا الرئيسيين، سوف يخدعوننا ويخونوننا ما استطاعوا، وسينبغي علينا استخدام الإرهاب ضدهم إلا إننا سنكون عرضة للغش على كل حال”.(4)
نظام العمل
إن كل شكل للإنتاج الاجتماعي يحتاج لتنسيق جهود الأشخاص المختلفين المشاركين فيه، بعبارة أخرى، كل شكل للإنتاج الاجتماعي يحتاج إلى نظام. في ظل الرأسمالية، فأن هذا النظام يواجه العامل كقوة قهرية خارجية، بوصفه السلطة التي يملكها رأس المال فوق هذا العامل. أما في المجتمع الاشتراكي، فسيكون الانضباط نتيجة للوعي، سيصبح عادة شعب حر. في فترة الانتقال، سيكون النظام نتيجة للوحدة بين عنصرين – الوعي والقهر. ستصبح مؤسسات الدولة بمثابة تنظيم الجماهير كعامل واعي. الملكية الجماعية لوسائل الإنتاجية بواسطة العمال، أي ملكية الدولة العمالية لوسائل الإنتاج، ستصبح أساس العنصر الواعي في نظام العمل. وفي نفس الوقت، فان الطبقة العاملة كجسم واحد، من خلال مؤسساتها – السوفييتات، النقابات، الخ – ستظهر كقوة قاهرة فيما يتعلق بتنظيم العمال كأفراد في عملية الإنتاج. الاستهلاك ذو الطابع الفردي، “الحق البرجوازي” فيما يتعلق بالتوزيع، سيستخدم كسلاح للانضباط القهري.
إن التقنيين والمشرفين، وغيرهم، لديهم مكانة خاصة في نظام العمل. ففي ظل النظام الرأسمالي، يمثل المشرف طوق جهاز نقل الحركة الذي يمارس من خلاله القهر الرأسمالي على العامل. أما في المجتمع الشيوعي، لن يقوم المشرف بأي دور قمعي. ستكون علاقاته بالعمال مماثلة لتلك القائمة بين قائد الأوركسترا وأفراد هذه الأوركسترا، إذ أن نظام العمل سيعتمد على الوعي والعادة. في فترة الانتقال، حيث أن العمال أنفسهم، سيكونون العامل المنظم والمنظم في نفس الوقت، فاعلا وموضوعا معا، فان التقنيين في الواقع سيكونون طوق جهاز نقل الحركة هذه المرة للدولة العمالية، وان كانوا سيظلون من الناحية الصورية منظمين للعمال.
العامل ووسائل الإنتاج
ورد في البيان الشيوعي ما يلي:
في المجتمع البـرجوازي، العمل الحي ليس سوى وسيلة لزيادة العمل المتراكم. في المجتمع الشيوعي، العمل المتراكم ليس سوى وسيلة لتنمية وإثراء حياة العمال والارتقاء بها. في المجتمع البرجوازي، إذن، يهيمن الماضي على الحاضر، في المجتمع الشيوعي الحاضر يهيمن على الماضي. وفي المجتمع البرجوازي رأس المال مستقل وله ذاتية مميزة، في حين أن الفرد الفاعل لا استقلال له ولا ذاتية مميزة”(5)
في المجتمع الشيوعي سيكون التراكم مشروطا بالحاجات الاستهلاكية للشـعب. وفي المجتمع الرأسمالي يحدد التراكم حجم العمالة ومعدل الأجور – أي معدل استهلاك الشعب العامل. حتى فيما يتعلق بالرأسمالي ذاته، فان العنصر الذي يجعله رأسماليا هو التراكم وليس الاستهلاك، وكما قال ماركس “التراكم من أجل التراكم، الإنتاج من أجل الإنتاج: بواسطة هذه القاعدة عبر الاقتصاد الكلاسيكي عن الرسالة التاريخية للبرجوازية، ولم يخدع هذا الاقتصاد نفسه للحظة واحدة بشأن آلام مخاض الثروة”(6)
نظرا لأن نتاج عمل العامل يسيطر عليه، فان عملية التراكم الرأسمالي تحدد الاستهلاك وتحد منه وتضعفه. ولأن العامل سوف يسيطر على إنتاجه، فان الاستهلاك في المجتمع الشيوعي سوف يحدد تراكم وسائل الإنتاج.
في أي مجتمع، بغض النظر عن الشكل الذي تأخذه علاقات الإنتاج فان عقلنة الإنتاج تقضى عموما بأتباع أسلوب اكثر التواء للإنتاج، أي زيادة في نسبة العمل الاجتماعي الإجمالي المخصصة لإنتاج وسائل الإنتاج. ويعني هذا زيادة في معدل “التراكم” بالنسبة لمعدل الاستهلاك. في ظل الشيوعية، فان هذه الزيادة في معدل “التراكم” مقابل معدل الاستهلاك ستعنى في الوقت نفسه زيادة مطلقة كبيرة في استهلاك العمال. أما في ظل الرأسمالية، وبسبب طريقة التوزيع العدائية فان معدل فائض القيمة يتزايد، وبالتالي يتزايد أيضا معدل التراكم، في حين يخضع معدل استهلاك الجماهير لهذين المعدلين.
إن التراكم من اجل التراكم في ظل الرأسمالية هو نتيجة لعاملين اثنين هما: أولا، انفصال العمال عن وسائل الإنتاج، وثانيا، وجود المنافسة بين الرأسماليين، سواء كان هؤلاء الرأسماليون محتكرين أفراد أو دول. تقضي الاشتراكية على هذين الجانبين معا من علاقات الإنتاج. يوجد شرطان للإخضاع الكامل للتراكم للاستهلاك – سيطرة العمال على الإنتاج وإلغاء الحدود الوطنية. في ظل مثل هذه الظروف سيراكم المجتمع لكي يستهلك.
إن هذا الإخضاع للتراكم للاستهلاك، برفعه للمستوى المادي والثقافي للجماهير، سوف يضعف في الوقت نفسه من احتكار التقنيين لـ “وسائل الإنتاج الذهنية” وبالتالي يقوي سيطرة العمال على الإنتاج.
علاقات التوزيع في فترة الانتقال
أعطى ماركس التحليل الأكثر دقة واختصارا لهذه المسألة في نقده لبرنامج جوته:
ما ينبغي علينا التعامل معه هنا هو مجتمع شيوعي، ليس كما تطور وفقا للأساس الخاص به، وإنما كما ينبثق من المجتمع الرأسمالي، وهو بالتالي مجتمع لا يزال مدموغا في كل جوانبه، اقتصاديا وأخلاقيا وثقافيا، بعلامات ميلاد المجتمع القديم الذي خرج من رحمه. ووفقا لذلك، فان المنتج الفرد يحصل من المجتمع في مقابل إنتاجه – بعد إجراء الخصومات (وهي خصومات لصالح المجتمع ككل) – يحصل على ما أعطاه للمجتمع بالضبط. إن ما أعطاه للمجتمع هو مقدار العمل الخاص به. على سبيل المثال، يتكون يوم العمل الاجتماعي من مجموع ساعات العمل الفردية، وقت العمل الفردي الخاص بالمنتج الفرد هو ذلك الجزء من يوم العمل الاجتماعي الذي يساهم به، أي نصيبه منه. انه يحصل على شهادة من المجتمع بأنه قدم مقدارا معينا من العمل (بعد خصم عمله لصالح الصندوق الجماعي) ويحصل بهذه الشهادة من المخزون الاجتماعي لوسائل الاستهلاك ما يتكلف نفس مقدار العمل. نفس مقدار العمل الذي أعطاه بصورة معينة للمجتمع، يحصل عليه بصورة أخرى.
هنا، من الواضح، يسود نفس المبدأ الذي حكم تبادل السلع، من حيث كونه تبادلا لقيم متساوية. إلا أن المضمون والشكل قد تغيرا لأنه في ظل الظروف المتغيرة لا يمكن لأي فرد أن يعطي سوى عمله، ولأنه من جهة أخرى، لا يستطيع الأفراد امتلاك أي شيء سوى وسائل الاستهلاك الفردية. ولكن فيما يتعلق بتوزيع وسائل الاستهلاك هذه بين المنتجين الأفراد، فان نفس المبدأ السائد في تبادل السلع المتكافئة يسود، إلا وهو أن مقدارا معينا من العمل في صورة معينة تتم مبادلته بنفس مقدار العمل في صورة أخرى.
ومن هنا، فان الحق المتساوي هنا لا يزال من حيث المبدأ هو الحق البرجوازي، إلا أن المبدأ والممارسة لم يعد بينهما تنافر، في حين أن تبادل الأشياء المتكافئة في التبادل السلعي يحدث فقط في المتوسط وليس في الحالة الفردية.
على الرغم من هذا التقدم، فان هذا الحق المتساوي لا يزال موصوما بقيد برجوازي. إن حق المنتجين متناسب مع العمل الذي يقدمونه، تتمثل المساواة في أن القياس يتم بمقياس متساوي، وهو العمل.
إلا أن رجلا قد يتفوق على آخر بدنيا أو عقليا، وبالتالي يقدم عملا أكثر في نفس الوقت، أو يستطيع أن يعمل لوقت أطول، والعمل، لكي يصلح كمقياس، ينبغي تحديده وفقا لوقته أو كثافته، وإلا فانه لا يظل أساسا للقياس. إن هذا الحق المتساوي هو حق غير متساوي للعمل غير المتساوي. انه لا يعترف بفروق طبقية، لأن كل شخص عامل فقط مثل الباقين جميعا، إلا انه يعترف ضمنا بالمواهب الفردية غير المتساوية، وبالتالي بالقدرة الإنتاجية، بوصفها مميزات طبيعية. انه في مضمونه بالتالي حق في عدم المساواة مثل كل حق. إن الحق بطبيعته لا يمكن إلا أن يتمثل في تطبيق مقياس متساوي، ولكن الأفراد غير المتساوين (ولن يكونوا أفرادا مختلفين إن لم يكونوا غير متساوين) لا يمكن قياسهم بمقياس متساوي إلا إذا تم النظر إليهم من وجهة نظر متساوية، من جانب محدد واحد فقط، فهم في الحالة الحالية مثلا ينظر إليهم فقط كعمال، ويتم تجاهل كل شيء آخر عنهم. وفضلا عن ذلك، فان من العمال من هو متزوج ومنهم من ليس متزوجا، ومنهم من لديه أبناء ومن ليس لديه أبناء، وهكذا. وبالتالي فبنفس القدرة على العمل، ومن ثم نفس النصيب في صندوق الاستهلاك الاجتماعي سيحصل أحد العمال فعليا على ما يزيد عما يحصل عليه آخر، سيكون عامل أغنى من عامل آخر، وهكذا. ولتجنب كل هذه العيوب فان الحق بدلا من أن يكون متساويا، ينبغي أن يكون غير متساوي.
إلا أن هذه العيوب لا يمكن تجنبها في المرحلة الأولى للمجتمع الشيوعي، عندما يكون الأخير قد انبثق لتوه من المجتمع الرأسمالي بعد آلام مخاض طويلة. الحق لا يمكن أن يكون أعلى من البناء الاقتصادي للمجتمع والتطور الثقافي الذي يحدده هذا البناء.
في مرحلة أعلى للمجتمع الشيوعي، بعد زوال الخضوع الاستعبادي للأفراد لتقسيم العمل ومعه التناقض بين العمل الذهني والبدني، وبعد أن أصبح العمل ليس مجرد وسيلة للحياة وإنما أولى ضروريات الحياة، وبعد أن تكون القوى الإنتاجية قد زادت هي أيضا مع التطور الشامل للإنسان الفرد، ومع تدفق ينابيع الثروة التعاونية بوفرة اكبر – حينئذ فقط يمكن تجاوز الأفق الضيق للحق البرجوازي ويستطيع المجتمع أن ينقش على راياته: من كل وفق قدراته ولكل حسب حاجاته “(7)
على الرغم من أن العمال يختلفون فيما بينهم في المهارة، ومن حيث حاجاتهم وحاجات عائلاتهم، الخ، فلكي يتم إعطاء كل عامل نفس مقدار العمل الذي يقدمه للمجتمع في صورة معينة، ينبغي أن تكون هناك مساواة مطلقة بين العمال في شيء واحد: وهو ملكية وسائل الإنتاج. إن نمو الإنتاج، وزيادة مقدار وسائل الإنتاج المملوكة للمجتمع (أي التي يملكها جميع العمال بشكل متساوي) سيقلل بشكل متصاعد من أهمية الحقوق المتساوية في توزيع المنتجات. إن هذا بدوره سيزيد المساواة بين أفراد الشعب تصاعديا، وهكذا فان الحق البرجوازي في فترة الانتقال يحمل شروط نفيه.
إن الحق البرجوازي في فترة الانتقال، في حين انه يقضي بحصول كل عامل على وسائل الاستهلاك من المجتمع وفقا للعمل الذي يقدمه له، إلا انه قائم على أساس المساواة الاجتماعية فيما يتعلق بوسائل الإنتاج، وبالتالي فان هذا الحق سيتلاشى من تلقاء نفسه.
الفلاحون والعمال
كانت ثورة أكتوبر اندماج ثورتين: ثورة الطبقة العاملة الاشتراكية نتاج الرأسمالية الناضجة، وثورة الفلاحين، نتاج الصراع بين الرأسمالية الصاعدة والمؤسسات الإقطاعية القديمة. مثلما هو الحال في كل الأوقات، كان الفلاحون مستعدين بالقدر الكافي لنزع الملكية الخاصة لكبار ملاك الأراضي، إلا أنهم كانوا يريدون الملكيات الخاصة الصغيرة الخاصة بهم. في حين أنهم كانوا مستعدين للثورة ضد الإقطاع، فان هذا لم يكن يعني أنهم يحبذون الاشتراكية. يظهر التاريخ الفرنسي نفس الموقف من جانب الفلاحين الفرنسيين. بعد عام 1789، أيدوا دائما الحكومات الرجعية ضد “التهديد الأحمر” من جانب الطبقة العاملة الباريسية. لقد كانوا هم الذين شكلوا التأييد القوي لبونابرت، وبعد ذلك لابن أخيه نابليون الثالث، ولكافينياك ولتيير. في أوروبا الغربية (باستثناء أسبانيا وإيطاليا)، حيث تم القضاء على الضياع الكبيرة، نادرا ما ترسل القرى عضوا اشتراكيا أو شيوعيا للبرلمان. ومن هنا فليس من المفاجئ إن التحالف المنتصر بين العمال والفلاحين في ثورة أكتوبر قد تلته مباشرة علاقات شديدة التوتر. فمع التغلب على الجيوش البيضاء، ومع خطر عودة كبار ملاك الأراضي، لم يبق سوى القليل جدا من ولاء الفلاحين للعمال. لقد كان من الممكن للفلاح أن يؤيد حكومة وزعت الأرض، إلا أن الأمر اختلف تماما عندما بدأت نفس الحكومة تستولي على إنتاجه لإطعام سكان المدن الجوعى. إن هذا الموقف المزدوج للفلاحين إزاء الحكومة السوفيتية قد عبر عنه عدد من المندوبين الريفيين للمؤتمر الثاني عشر للحزب الشيوعي، في إبريل. 1923 لقد أظهرت تقاريرهم أن الفلاحين نظروا للبلاشفة والشيوعيين على أنهم أناس مختلفون تماما، فالبلاشفة أعطوهم الأرض، أما الشيوعيون فقد فرضوا عليهم قهر الدولة. (وكان مما ساعد على سوء الفهم هذا إن اسم “الحزب الشيوعي” لم يعتمد استخدامه إلا في المؤتمر السابع للحزب في عام 1918).
يقف العمال الاشتراكيون إلى جانب العمل الجماعي، وملكية الدولة، والتخطيط الاشتراكي، أما الفلاحون، فيقفون إلى جانب الإنتاج الفردي الصغير، والملكية الخاصة، وحرية التجارة. ومن المستحيل تجنب الصراع الدائم بين نظامي الإنتاج هذين. “الإنتاج صغير الحجم يؤدي إلى الرأسمالية والبرجوازية، وهو يفعل ذلك دوما، يوميا، كل ساعة، على مستوى العنصر البسيط، وعلى مستوى العناصر الأولية”(8) إن تخلف الإنتاج الزراعي وطابعه الفردي يمثلان عائقا جديا أمام نمو الإنتاج الصناعي المخطط. نستطيع إعادة صياغة ما ذكره ابراهام لنكولن قائلين: “لا يمكن أن يعتمد نصف بيتك على العمل الجماعي، المخطط، ويعتمد نصفه الآخر على العمل الفوضوي والفردي”.
لقد زادت حدة الطابع المحافظ للفلاحين الروس بعد ثورة أكتوبر، ليس فقط لأن الثورة الزراعية قد انتزعت الرياح الثورية من الفلاحين بقضائها على الملكية الإقطاعية للأرض، وإنما أيضا لأن هذه الثورة قللت كثيرا الفروق الطبقية داخل الفلاحين أنفسهم. إن الثورة الزراعية – التي كانت ديمقراطية بشكل أكثر اتساقا وذهبت أبعد كثيرا في روسيا منها في فرنسا في عام 1789 – أقول أن الثورة الزراعية خفضت بشدة عدد العمال وأنصاف العمال الزراعيين، الحلفاء الطبيعيين للطبقة العاملة المدينية. في الثورة الفرنسية، بيعت أغلب الضياع الكبيرة وبالتالي وقعت في أيدي من يملكون المال – أغنياء المدن والريف، أما في روسيا، فقد استولى الفلاحون ليس فقط على الضياع الكبيرة وإنما على كثير من مزارع الفلاحين الأغنياء كذلك، وتم توزيع الأرض جماعيا.
من الصعوبة بمكان تطبيق أساليب الإنتاج الاجتماعية على الزراعة. فالزراعة، على العكس من الصناعة، حتى في أكثر البلاد تقدما، تقوم أساسا على وحدات الإنتاج صغيرة الحجم. تشغل كثير من الوحدات الصناعية مئات الآلاف من العمال ولكن حتى في الولايات المتحدة، تسود المزرعة الصغيرة. هكذا، فان نسبة 77% من العمل الزراعي في الولايات المتحدة في عام 1944 كان عملا عائليا.(9)
إن حقيقة أن بقاء المزرعة الصغيرة قد يعود في حالات كثير إلى أن المزارع الصغير – الذي يمثل العامل والرأسمالي ومالك الأرض مجتمعين -مستعد للعمل بجدية كبيرة- بجدية أكثر من العامل الصناعي- متخليا عن الإيجار والربح، وحاصلا رغم ذلك على دخل يقل عن دخل العامل المديني، لا تتصل بما نحاول إثباته هنا.
العامل الحاسم هو أن التفوق التقني للإنتاج كبير الحجم على الإنتاج صغير الحجم أقل في الزراعة منه في الصناعة بما لا يقارن. بل إن هذا ينطبق على الزراعة المختلطة المكثفة اكثر منه على إنتاج الحبوب. (وبالمناسبة، ينبغي أن لا ننسى أنه كلما زاد السكان في المدن وارتفع مستوى المعيشة، كلما انخفضت أهمية إنتاج الحبوب بالمقارنة بالزراعة المكثفة – إنتاج اللبن والخضراوات واللحوم وهكذا.) في بلاد كثيرة، جاءت المزارع الكبيرة للوجود ليس كنتيجة للتغلب على صغار المزارعين من خلال المنافسة الحرة وإنما كنتيجة لعوامل غير اقتصادية – مثل تطويق الأراضي أو كبقايا للضياع الإقطاعية وما إلى ذلك.
كان رأي إنجلز حول الموقف الذي ينبغي اتخاذه إزاء الفلاحين بعد الثورة الاشتراكية كما يلي:
من الواضح بالنسبة لنا انه عندما تصبح سلطة الدولة في أيدينا لن يخطر ببالنا أن ننتزع ملكية الفلاحين الصغار بالعنف (بتعويض أو بغير تعويض سيان).00 إن مهمتنا تجاه الفلاحين الصغار تقوم قبل كل شيء على توجيه إنتاجهم صغير الحجم وملكياتهم الخاصة في الاتجاه التعاوني، لا بواسطة العنف ، بل عن طريق المثل وتقديم مساعدة المجتمع لهذا الغرض. ومن المؤكد أنه سيكون لدينا من ذاك ما يكفي من الوسائل لكي نبين للفلاح الصغير المنافع المرتبطة بمثل هذا التحول.
إننا نقف بحزم إلى جانب الفلاح الصغير: سنبذل جهدنا في نطاق الممكن لكي نجعل أرضه أكثر احتمالا ولكي نسهل عليه الانتقال إلى التعاونية إذا ما أقدم على هذه الخطوة. وإذا كان لا يستطيع أن يتخذ مثل هذا القرار بعد، فسوف نعطيه وقتا كافيا للتفكير في الأمر، وهو في أرضه الصغيرة”.(10)
لقد كان من المعتقد أن الأمر يحتاج لأجيال لكي يقرر فلاحوا أوروبا الغربية والوسطى طوعا أن ينضموا للمزارع التعاونية. ومن البديهي انه في بلد تعمل الغالبية العظمى من السكان فيه في الزراعة وحيث الصناعة أقل قدرة على تلبية حاجات الفلاحين وبالتالي جذبهم للإنتاج الجماعي كما في روسيا في عام 1917 – فان العوائق أمام الانخراط الطوعي للفلاحين في تعاونيات المنتجين تكون أكبر. إن التعاون الطوعي يتطلب زراعة عالية الميكنة وأسعار جيدة للمنتجات الزراعية، مدفوعة بواسطة الدولة، وإمداد وفير بالسلع الصناعية الرخيصة للفلاحين، وضرائب منخفضة جدا عليهم، باختصار، وفرة عامة.
بعد الثورة مباشرة، أصبح من الواضح لعدد من المنظرين البلاشفة -وخاصة للاقتصادي افيجيني بريوبرازينسكي- أن الفائض المنتج في الصناعة لن يكون كافيا بذاته لتراكم رأس المال، خاصة أنه منذ لحظة انتصارها.. لا تستطيع الطبقة العاملة أن تتعامل مع عملها وصحتها وظروف عملها بنفس طريقة الرأسمالي. إن هذا عائق حاسم أمام سرعة إيقاع التراكم الاشتراكي، وهو عائق لم تعرفه الصناعة الرأسمالية في الفترة الأولى لتطورها.(11) في مواجهة “التراكم الاشتراكي” (الذي يعرف بأنه إضافة إلى وسائل الإنتاج القائمة كنتيجة للناتج الفائض المتحقق في الاقتصاد الاشتراكي ذاته) اقترح بريوبرازينسكي التراكم الاشتراكي البدائي (أول من استخدم هذا المقترح ف. م. سميرنوف) (12) الذي عرفه بأنه “مراكمة الموارد المادية التي يتم الحصول عليها أساسا من مصادر تقع خارج النظام الاقتصادي الخاص بالدولة في يد الدولة “. “في بلد زراعي متخلف، سيلعب هذا التراكم بالضرورة دورا ضخما. التراكم البدائي سيسود أثناء فترة التصنيع… علينا إذا أن نصف هذه المرحلة بأجمعها بأنها فترة التراكم الاشتراكي البدائي أو التحضيري”(13) هذا ” المصدر الواقع خارج النظام الاقتصادي الخاص بالدولة” كان الزراعة. فمثلما أنه خلال الفترة الماركنتيلية في أوروبا الغربية، جمع الرأسماليون – التجار الثروة بالاستغلال الاستعماري فان الصناعة الاشتراكية ستعتمد على (المستعمرات) الداخلية (وهذا تعبير عارضه بريوبرازينسكي بشدة)، وهي الزراعة الفردية الصغيرة. لم يدعو بريوبرازينسكي إلى إتباع التجار الماركنتايليين في استخدام العنف ضد الفلاحين أو إلى رفع أي طبقة – في هذه الحالة الطبقة العاملة – إلى موضع طبقة مستغلة. لقد اقترح إجراءات كانت أخف كثيرا من تلك التي استخدمتها البرجوازية الماركنتالية، اقترح القمع الجزئي لقانون القيمة عن طريق تغيير أسعار التبادل بين الصناعة والزراعة لصالح الأولى وضد الأخيرة، وحيث يتم تبادل وحدة العمل في صناعة الدولة بأكثر من وحدة عمل في الزراعة. لقد افترض أن أسعار التبادل تلك ستؤدي إلى ارتفاع سريع في المستوى العام للإنتاج في المجتمع، بما يؤدي ليس فقط إلى زيادة دخل المجتمع ككل، وإنما أيضا زيادة دخل الفلاحين بصورة مطلقة.
في الواقع إن تنفيذ “التراكم البدائي الاشتراكي” كان سيؤدي منطقيا لحالة مختلفة جدا عن تلك التي تصورها بريوبرازينسكي. فأية محاولة لاعتصار الفلاحين كان من المتوقع أن تواجه بتخفيض متعمد في الإنتاج، بحيث انه إذا كانت أسعار التجارة بين الزراعة والصناعة لصالح الأخيرة، فان حجم التجارة كان سيهبط. كانت ستكون هناك وسيلة واحدة فقط للتعامل مع مثل هذه العقبة، وهي استخدام العنف ضد الفلاحين، وانتزاع أراضيهم وتجميعهم في مزارع كبيرة بحيث يصبح بإمكان الدولة أن تسيطر على عملهم وإنتاجهم. وإذا استخدمت الدولة هذه الوسائل، فأنها ستواجه أيضا بمعارضة جادة من العمال الذين لا يزال الكثير منهم، في بلد متخلف مثل الذي نحن بصدده، روابط عائلية قوية بالقرى، حيث أنهم حديثو الانخراط في الصناعة. وفضلا عن ذلك، فإذا كانت الدولة بفرضها تراكما اشتراكيا بدائيا، قد لجأت إلى القمع، فما الذي كان سيمنعها من نفس الشيء فيما يتعلق بـ”التراكم الاشتراكي” ذاته، فيما يتعلق باستخراج فائض القيمة من العمال في صناعة الدولة ذاتها؟
أحد حلول الصراع بين صناعة الدولة والزراعة الفردية في بلد متخلف هو جعل معدل نمو الصناعة يعتمد على معدل زيادة الفوائض الزراعية. و نتيجة للثورة الزراعية، حدث انخفاض كبير في فوائض الزراعة التي تذهب للسوق، لأن كبار ملاك الأراضي والكولاك كانوا المساهمين الأساسيين في هذه الفوائض. إن توزيع الأرض، بزيادته لنصيب الفلاح المتوسط، الذي كان يعمل أساسا لسد الرمق، أدى إلى تخفيض مصادر الناتج الزراعي الذي يمكن تسويقه.
كان من الممكن بالتأكيد الحصول بالقطع على فوائض أكبر بزيادة نسبة الأرض المملوكة للفلاحين الأغنياء، الذين يطلق عليهم اسم الكولاك في روسيا. ولكن جعل نمو صناعة الدولة يعتمد على نمو زراعة الكولاك كان سيجعل من الضروري خفض معدل سير النمو الصناعي إلى سرعة السلحفاة وبالتالي إضعاف الطبقة العاملة الصناعية بالمقارنة بالكولاك. إن ذلك كان سيؤدي حتما إلى انتصار الرأسمالية الفردية على امتداد الاقتصاد.
كبديل آخر، كان يمكن حل الصراع بين الصناعة والزراعة بواسطة التصنيع السريع القائم على أساس “التراكم البدائي” من خلال نزع ملكية الفلاحين ودفعهم قسرا إلى المزارع المميكنة الكبيرة، وبالتالي إتاحة قوة عمل للصناعة وتوفير فوائض زراعية للسكان المدينيين. مثل هذه الطريقة لتحقيق “التراكم البدائي” يجب أيضا، في نهاية المطاف، أن تؤدي لإخضاع العمال الصناعيين لحاجات تراكم رأس المال. انه طريق انغمار الإنتاج الزراعي الفردي في اقتصاد رأسمالية دولة.
في كلا الحالين، سيكون من المضحك توقع ازدهار الديمقراطية الاشتراكية. فعلى العكس، في الحالة الأولى، يتعين بالضرورة أن تتعرض الدولة لضغط متزايد من الكولاك وبالتالي تصبح منفصلة عن العمال أكثر فأكثر. وفي الحالة الثانية لابد أن تصبح الدولة مطلقة القدرة، ويستتبع ذلك أن يصبح مسئولو الدولة اتوقراطيين في علاقتهم بالعمال والفلاحين جميعا.
هاتان الطريقتان للتعامل مع المشكلة قد جربتا بالفعل، الأولى أثناء فترة (السياسة الاقتصادية الجديدة – النيب) 1921 – 1928 والثانية مع الخطط الخمسية.
ختاما
إن اقتصاد الدولة العمالية والاقتصاد الرأسمالي بينهما خصائص مشتركة كثيرة. الدولة العمالية – وهي مرحلة انتقالية بين الرأسمالية والشيوعية -تتضمن حتما بعض سمات المجتمع الذي تنشأ على أنقاضه وبعض نويات مجتمع المستقبل. وهذه العناصر، رغم تنافرها، إلا أنها مرتبطة ببعضها البعض في فترة الانتقال، حيث تخضع الأولى للأخيرة، يخضع الماضي للمستقبل. يجمع بين الدولة العمالية والرأسمالية تقسيم العمل وبصفة رئيسية الفصل بين العمل الذهني واليدوي. أما السمة التي تميز إحداهما عن الأخرى فهي وجود أو عدم وجود السيطرة العمالية على الإنتاج. تشكل السيطرة العمالية الجسر “وان يكن جسرا ضيقا” الذي يؤدي إلى إلغاء الانفصال بين العمل اليدوي والذهني والذي سوف يتحقق بالكامل مع إقامة المجتمع الشيوعي. كما يجمع بين الدولة العمالية والرأسمالية، حقيقة أن التقنيين يشكلون سلطة فوق العمال (وان لم تكن سلطة في الجوهر في الدولة العمالية). أما السمة المميزة فتتمثل في أنه في الدولة العمالية لا يخضع التقنيون لرأس المال، وإنما لإرادة الدولة العمالية، لجماعة المنتجين. هذه هي نقطة الانطلاق نحو إلغاء أي هرمية اجتماعية في الإنتاج. إن عناصر القهر في نظام العمل ستوجد في الدولة العمالية مثلما توجد في الرأسمالية. ولكن في الدولة العمالية، على عكس ما هو سائد في ظل الرأسمالية لن تكون هذه هي العناصر الوحيدة، وسيتم إخضاعها أكثر فأكثر لعناصر الوعي إلى أن يحين ذلك الوقت الذي يكون فيه التضامن الاجتماعي والعلاقات المتجانسة بين الناس والتعليم قد جعلوا القهر في عملية الإنتاج أمرا لا حاجة له على الإطلاق. في الدولة العمالية كما في الاقتصاد السلعي الرأسمالي يتم تبادل أشياء متساوية، يتم تبادل منتج يحتوي على كمية معينة من العمل الضروري اجتماعيا بمنتج آخر يحتوي على نفس الكمية. ولكن في الدولة العمالية يتم تحقيق هذه النتيجة أولا من خلال التوجيه الواعي للاقتصاد وليس من خلال عمل القوى العمياء، وثانيا -وهذا مهم جدا- يعتمد تبادل الأشياء المتساوية على وجود مساواة في الحقوق بين كل المنتجين المباشرين فيما يتعلق بملكية وسائل الإنتاج. الحق البرجوازي في ظل البرجوازية يعني الاستغلال، أما الحق البرجوازي في التوزيع في الدولة العمالية فهو يعترف ضمنا بالمواهب الفردية غير المتساوية، وبالتالي بالقدرة الإنتاجية بوصفها مميزات طبيعية، ولكنه في نفس الوقت يقر المساواة بين المنتجين فيما يتعلق بوسائل الإنتاج. الشرطان الأساسيان للحق البرجوازي في التوزيع في الدولة العمالية هما غياب أي استغلال والتطور نحو الإلغاء الكامل لأية فوارق اقتصادية، بما في ذلك تلك الناتجة عن المواهب الفردية الطبيعية.






