رأسمالية الدولة في روسيا
البيروقراطية الستالينية طبقة
سيتضح لنا من دراسة التعريفات التي يقدمها مختلف المنظرين الماركسيين للطبقة الاجتماعية، أن البيروقراطية الستالينية ينطبق عليها تعريف الطبقة حسبما يراه جميع هؤلاء المنظرون. على سبيل المثال، يكتب لينين:
نطلق وصف الطبقات على الجماعات العريضة من الناس التي تتميز بالموقع الذي تحتله في نظام إنتاج اجتماعي قائم تاريخيا ومحدد، و بعلاقاتها بوسائل الإنتاج (التي تكون في أغلب الأحوال (ليس دائما) محددة ومصاغة في قوانين)، ودورها في النظام الاجتماعي للعمل، وبالتالي وسائلها في الحصول على النصيب الذي يحوزونه من الثروة الوطنية، فضلا عن حجم هذا النصيب. الطبقات هي جماعات من الناس تستطيع واحدة منها أن تستولي على عمل الأخرى بسبب اختلاف مواقعهم في نظام معين للاقتصاد الاجتماعي (1)
يعطي بوخارين تعريفا مماثلا جدا:
الطبقة الاجتماعية… هي مجموع الأشخاص الذين يلعبون نفس الدور في الإنتاج، وتكون لديهم نفس العلاقة نحو الأشخاص الآخرين في عملية الإنتاج، وهي علاقات تتعلق أيضا بالأشياء (أدوات العمل). (2)
إذا كانت هناك أية شكوك أخرى حول ما إذا كانت البيروقراطية الستالينية طبقة أم لا، فإننا لا نحتاج سوى إلى فحص تحليل إنجلز لطبقة التجار التي لم تلعب دورا مباشرا في عملية الإنتاج. انه يكتب:
لقد خلقت الحضارة تقسيما ثالثا للعمل: خلقت طبقة لا تلعب دورا في الإنتاج، وإنما تعنى فقط بتبادل المنتجات- وهى طبقة التجار. إن كافة المحاولات السابقة لتكوين طبقات قد انحصرت في الإنتاج. وقد قسمت المنتجين إلى مديرين ومدارين، أو إلى منتجين على نطاق واسع بدرجة أو بأخرى. ولكن هنا تظهر لأول مرة طبقة تسيطر على الإنتاج بصفة عامة وتخضع المنتجين لحكمها، دون أن تلعب أدنى دور في الإنتاج. وهي طبقة تجعل من نفسها الوسيط الذي لا غنى عنه بين منتجين، وتستغلهما معا بحجة تجنيبهما مشقة ومخاطر التبادل، ومد أسواق منتجاتهما إلى مناطق بعيدة، وبذلك تصبح أكثر الطبقات نفعا في المجتمع: طبقة من الطفيليين والنموس (جمع نمس “المترجم”) الاجتماعية الأصيلة، تستأثر بقشدة الإنتاج داخل وخارج البلاد كمكافأة في مقابل خدمات تافهة، طبقة تجمع سريعا ثروة هائلة وتكتسب بالتالي نفوذا اجتماعيا، وهي لهذا السبب تحصد على الدوام تشريفات جديدة وسيطرة أكبر على الإنتاج أثناء فترة الحضارة، حتى تزيح النقاب أخيرا عن منتج خاص بها – الأزمات الدورية في الصناعة. (3)
في ضوء هذا التعريف، يتضح لماذا استطاع ماركس أن يصف رجال الدين، والمحامين، الخ..، بأنهم “الطبقات الأيديولوجية”، التي لديها احتكار طبقي لما يسميه بوخارين بذكاء ” وسائل الإنتاج الذهنية”.
من الخطأ تسمية البيروقراطية الستالينية بالطائفة للأسباب التالية: في حين أن الطبقة هي مجموعة من الناس لديهم مكانا محددا في عملية الإنتاج، فان الطائفة هي مجموعة قضائية – سياسية، أعضاء الطائفة يمكن أن يكونوا أعضاءا في طبقات مختلفة، أو في الطبقة الواحدة يمكن أن يتواجد أعضاء في طوائف مختلفة، الطائفة هي نتاج الجمود النسبي للاقتصاد – تقسيم عمل جامد وجمود القوى الإنتاجية – في حين أن البيروقراطية الستالينية قد تحولت إلى طبقة حاكمة في أوج ديناميكية الاقتصاد.
البيروقراطية الستالينية – أقصى وأنقى تجسيد لرأس المال.
كتب ماركس:
ليس للرأسمالي أية قيمة تاريخية، ولا أي حق في ذلك الوجود التاريخي، إلا كتجسيد لرأس المال… ولكن طالما أنه رأس مال متجسد، فان ما يدفعه للعمل ليس القيمة الاستعمالية، ولا الاستمتاع، وإنما القيمة التبادلية وزيادتها. إن الرأسمالي، وهو الخادم المتعصب للتراكم، يجبر الجنس البشرى بلا رحمة على الإنتاج من أجل الإنتاج،… وحيث أن أعماله ليست إلا مجرد وظيفة لرأس المال – وهو رأس مال لديه، في شخصه، وعي وإرادة – فان استهلاكه الشخصي يصبح سرقة، تتم على حساب التراكم… وبالتالي، ادخروا، ادخروا، ادخروا، أي أعيدوا تحويل أكبر قدر ممكن من فائض القيمة أو فائض المنتج إلى رأس مال ! التراكم من أجل التراكم، والإنتاج من أجل الإنتاج”.(4)
تصبح الوظيفتان – استخراج فائض القيمة وتحويله إلى رأس مال – وهما أساسيتان للرأسمالية – منفصلتين مع انفصال السيطرة والإدارة. ففي حين أن وظيفة الإدارة هي استخراج فائض القيمة من العمال، فان السيطرة تشرف على تحويله إلى رأس مال. بالنسبة للاقتصاد الرأسمالي، هاتان الوظيفتان فقط ضروريتان، يبدو حاملو السندات أكثر فأكثر كمستهلكين لجزء ما من فائض القيمة. إن استهلاك جزء من فائض المنتج بواسطة المستغلين ليس قاصرا على الرأسمالية، وإنما وجد في ظل كافة الأنظمة الطبقية. أما ما يميز الرأسمالية فهو التراكم من أجل التراكم، بهدف الاستمرار في المنافسة.
في الشركات الرأسمالية، معظم التراكم يكون مؤسسيا، تمول الشركة نفسها داخليا، في حين يستخدم الجانب الأعظم من العوائد الموزعة على حاملي الأسهم للاستهلاك. في ظل رأسمالية دولة تطورت بالتدريج من الرأسمالية الاحتكارية، يظهر حاملو السندات أساسا كمستهلكين في حين تظهر الدولة كأنها الجهة المسئولة عن التراكم.
كلما ازداد ذلك الجزء من فائض القيمة المخصص للتراكم مقارنة بالجزء المستهلك كلما كشفت الرأسمالية عن نفسها بصورة أكثر نقاءا. وكلما ازداد الوزن النسبي لعامل السيطرة مقابل عامل حمل السندات. أي بعبارة أخرى، كلما ازداد خضوع العوائد للتراكم الداخلي بواسطة الشركة أو الدولة المالكة، كلما كشفت الرأسمالية عن نفسها بصورة أكثر نقاءا.
(الكل يعرف أن أولئك الذين يسيطرون على رأس المال، أي الذين يمثلون أقصى تجسيد لرأس المال، لا يحرمون أنفسهم من متع هذا العالم، ولكن أهمية إنفاقهم تقل كثيرا من الناحية الكمية وتختلف من الناحية النوعية عن أهمية التراكم، ولا يمثل إنفاقهم أهمية تاريخية رئيسية).
إننا نستطيع بالتالي أن نقول أن البيروقراطية الروسية، من خلال “امتلاكها” للدولة وسيطرتها على عملية التراكم، تمثل التجسيد الأكثر نقاء لرأس المال. إلا أن روسيا مختلفة عن النموذج – أي مفهوم رأسمالية الدولة المتطورة بالتدريج من الرأسمالية الاحتكارية. إن هذا الاختلاف عن مفهوم رأسمالية الدولة التي تتطور تدريجيا، وعضويا، من الرأسمالية الاحتكارية لا يجعل مسألة مفهوم رأسمالية الدولة غير ذات أهمية. بل على العكس من ذلك، فما له أهمية عظمى أن نجد أن الاقتصاد الروسي يقترب من هذا المفهوم أكثرا كثيرا مما تستطيعه أية رأسمالية دولة تطورت تدريجيا على أساس رأسمالي. فكون أن البيروقراطية تنفذ مهام الطبقة الرأسمالية، وبذلك تحول نفسها إلى طبقة، يجعلها التجسيد الأكثر نقاءا لهذه الطبقة. وعلى الرغم من اختلافها عن الطبقة الرأسمالية، فإنها في الوقت نفسه الأقرب لجوهرها التاريخي. البيروقراطية الروسية كنفي جزئي للطبقة الرأسمالية التقليدية هي في الوقت نفسه التجسيد الأكثر صدقا للرسالة التاريخية لهذه الطبقة.
إن القول بأن طبقة بيروقراطية تحكم في روسيا والوقوف عند هذا الحد هو تحايل على القضية الأساسية – علاقات الإنتاج الرأسمالية القائمة في روسيا. والقول بأن روسيا رأسمالية دولة سليم تماما، ولكنه غير كافي، فمن الضروري أيضا الإشارة إلى الاختلافات في العلاقات القانونية بين الطبقة الحاكمة في روسيا والطبقة الحاكمة في رأسمالية الدولة التي تتطور تدريجيا من الرأسمالية الاحتكارية. الاسم الأكثر دقة إذن للمجتمع الروسي هو “رأسمالية الدولة البيروقراطية”.
شكل ملكية البيروقراطية يختلف عن شكل ملكية البرجوازية
في روسيا، تظهر الدولة كصاحب عمل، ويظهر البيروقراطيون كمديرين فقط. هناك فصل كامل بين وظيفة الملكية ووظيفة الإدارة. إلا أن الأمر كذلك من الناحية الصورية فقط. فمن الناحية الجوهرية، تتركز الملكية في أيدي البيروقراطيين كجماعة، إنها متمثلة في دولة البيروقراطية. ولكن كون أن المدير الفرد يبدو وكأنه لا يمتلك وسائل الإنتاج، وكون أن حصوله على الجزء الخاص به من الدخل القومي في شكل راتب قد يخدع المرء ويجعله يعتقد أنه يحصل فقط على مكافآت مقابل قوة عمله بنفس الطريقة التي يحصل بها العامل على مكافأة مقابل قوة عمله. وفضلا عن ذلك، فحيث أن عمل الإدارة ضروري لكل عملية إنتاج اجتماعي، وبالتالي ليس له صلة بعلاقات الاستغلال، فان الفارق بين وظيفة العامل ووظيفة المدير يصبح ضبابيا لأن الوظيفتين متضمنتان في عملية الإنتاج الاجتماعي. هكذا فان العلاقات الطبقية العدائية تبدو كأنها متناغمة. ويبدو عمل المستغلين وعمل تنظيم الاستغلال كلاهما متجسد كعمل. كما تبدو الدولة وكأنها تقف فوق الشعب، كأنها ملكية مجسدة، في حين يبدو البيروقراطيون، الذين يشرفون على عملية الإنتاج ويعتبرون بالتالي تاريخيا تجسيدا لرأس المال من الناحية الجوهرية، يبدون كعمال، وبالتالي منتجين للقيمة بعملهم ذاته.
ولكن، من الواضح أن دخل البيروقراطية له علاقة مباشرة بعمل العمال لا بعمل البيروقراطية ذاتها. كما أن حجم هذا الدخل في حد ذاته يكفي لكشف الفارق الكيفي بين دخل البيروقراطية وأجور العمال. لو لم يكن ثمة فارق كيفي بينهما، فيتعين علينا إذن أن نقول أن اللورد ماكجوان، الذي يحصل على أعلى مرتب يتقاضاه مدير في بريطانيا، لا يفعل سوى بيع قوة عمله. والى جانب ذلك، فان الدولة، التي هي صاحب العمل وتبدو كأنها تقف فوق الشعب، هي في الحقيقة تنظم البيروقراطية كجماعة.
ما الذي يحدد تقسيم فائض القيمة بين الدولة والبيروقراطيين كأفراد؟
في حين أن التقسيم الكمي للقيمة الإجمالية المنتجة بين الأجور وفائض القيمة يعتمد على عنصرين مختلفين كيفيا – قوة العمل ورأس المال – فان تقسيم فائض القيمة بين البيروقراطية كجماعة (الدولة) والبيروقراطيين الأفراد لا يمكن أن يقوم على أي فارق كيفي بينهما. لا يستطيع المرء إذن أن يتحدث عن قوانين دقيقة عامة لتقسيم فائض القيمة بين الدولة والبيروقراطية أو توزيع نصيب البيروقراطية بين مختلف البيروقراطيين. وبالمثل لا يستطيع المرء أن يتحدث عن قوانين عامة دقيقة تنظم توزيع الربح بين ربح المشروع والفائدة، أو بين ملاك مختلف أنواع الأسهم في البلاد الرأسمالية. (أنظر كارل ماركس، رأس المال، الجزء الثالث، ص 428).
سيكون من الخطأ، مع ذلك، أن نفترض أن هذا التقسيم يحدث بشكل اعتباطي تماما. فالنزعات يمكن أن تعمم. وهي تعتمد على ضغط الرأسمالية العالمية الذي يتطلب الإسراع بالتراكم، والمستوى المادي الذي وصل إليه الإنتاج بالفعل، وميل معدل الربح للانخفاض الذي تقلل نسبيا مصادر التراكم، الخ.. إذا أخذنا هذه الظروف في الحسبان، نستطيع أن ندرك لماذا تتم مراكمة جزء أكبر على الدوام من فائض القيمة. وفي الوقت نفسه، فان البيروقراطية التي تدير عملية التراكم لا تهمل إشباع رغباتها الشخصية، وتزداد كمية فائض القيمة التي تستهلكها بشكل مطلق. إن هاتين العمليتين ممكنتان فقط إذا كان هناك تزايد مستمر في معدل استغلال الجماهير، وإذا وجدت مصادر جديدة لرأس المال بشكل مستمر (يفسر هذا عملية التراكم البدائي التي تم بها نهب الفلاحين الروس، والنهب الذي تم لبلاد أوروبا الشرقية.)
علاقات الإنتاج والقانون
إن الغالبية العظمى من وسائل الإنتاج في روسيا تتركز في أيدي الدولة. السندات وغيرها من المطالبات القانونية تغطي جزءا ضئيلا من وسائل الإنتاج بحيث لا يكون لها سوى أهمية طفيفة.
لماذا يكون الأمر كذلك؟ أليست هناك نزعة لإدخال مثل هذا الشكل من المطالبات الفردية على نطاق واسع؟ لماذا يوجد فارق بين قانون الملكية السائد في روسيا و نظيره في بقية العالم الرأسمالي؟ لكي نجيب على هذه الأسئلة، علينا أولا أن نحلل العلاقة بين علاقات الإنتاج وقانون الملكية.
إن القانون يعتمد على الاقتصاد. و علاقات الملكية هي التعبير القانوني عن علاقات الإنتاج. إلا أنه لا يوجد توازي دقيق وتام بين علاقات الإنتاج وتطور القانون، بنفس الطريقة التي لا يوجد بها توازي دقيق وتام بين الأساس الاقتصادي وسائر عناصر البناء الفوقي. وذلك لأن القانون لا يعبر عن علاقات الإنتاج مباشرة، وإنما بشكل غير مباشر. فإذا عكس القانون علاقات الإنتاج مباشرة بحيث يصحب كل تغيير تدريجي في علاقات الإنتاج تغييرا فوريا وموازيا في القانون، فانه يتوقف عن أن يكون قانونا. فوظيفة القانون، إن صح هذا التعبير، هي خلق التجانس بين المصالح المتعارضة للطبقات، ملء الفجوات التي تظهر في النظام الاجتماعي – الاقتصادي. ولكي يحقق هذا، ينبغي له أن يرتفع فوق الاقتصاد في الوقت الذي يقوم فيه على أساس هذا الاقتصاد.
من ناحية مضمونه، فان القانون هو الانعكاس غير المباشر للأساس المادي الذي يقوم عليه، ولكن من ناحية شكله، فهو ليس إلا استيعابا واستكمالا للقانون الموروث من الماضي. ويوجد دوما اختلاف زمني بين حدوث التغييرات في علاقات الإنتاج، وحدوث التغييرات في القانون. وكلما كان التغير في علاقات الإنتاج أعمق وأسرع، كلما صعب على القانون أن يلاحق التغير مع احتفاظه شكليا بالاستمرارية مع تطوره السابق. وهناك أمثلة تاريخية عديدة لصعود طبقة جديدة تمتنع عن إعلان وصولها للسلطة وتحاول بالتالي أن تكيف وجودها وحقوقها مع الإطار الذي يقدمه الماضي، على الرغم من التناقض التام بينها وبين هذا الإطار. هكذا، فان البرجوازية الصاعدة سعت لفترة طويلة جدا لإثبات أن الربح والفائدة ليسا سوى نوعان من الإيجار – في ذلك الوقت كان الإيجار الذي يحصل عليه مالك الأرض مبررا في أعين الطبقات الحاكمة. حاولت الطبقة الرأسمالية الإنجليزية أن تقيم حقوقها السياسية على أساس الماجناكارتا، ميثاق حقوق الطبقة الإقطاعية، الذي يتناقض جوهريا مع الحق البرجوازي من ناحية المضمون والشكل معا. إن محاولة طبقة حاكمة إخفاء امتيازاتها تحت عباءة القانون الموروث من الماضي تكون في أقوى صورها في حالة حدوث ثورة مضادة لا تجرؤ على الإعلان عن وجودها.
إن الاشتراكية الثورية لا تخفي أهدافها، وبالتالي فان القانون الذي تمليه عند وصولها للسلطة يكون ثوريا في المضمون والشكل معا. لو كانت جيوش التدخل قد انتصرت بعد ثورة أكتوبر، فان حكمهم الدموي كان سيصحبه إعادة أغلب القوانين القديمة التي ألغتها ثورة أكتوبر. ولكن، حيث أن البيروقراطية في روسيا حولت نفسها تدريجيا إلى طبقة حاكمة، فان التغيرات في علاقات الإنتاج لم يتم التعبير عنها مباشرة في شكل تغيير كامل للقانون. لأسباب عديدة، أهمها حاجة السياسة الخارجية الستالينية لدعاية ثورية زائفة بين عمال العالم، لم تعلن البيروقراطية الروسية صراحة أن ثورة مضادة قد حدثت.
إلا أن هذا وحده لا يكفي لتفسير عدم إعادة البيروقراطية للملكية الفردية في صورة سندات أو أسهم تغطي الاقتصاد كله بطريقة تسمح لكل عضو في البيروقراطية أن يورث وضعا اقتصاديا آمنا لابنه. ينبغي أخذ عوامل أخرى في الحسبان. إن رغبات أي طبقة أو طائفة أو شريحة اجتماعية تصيغها ظروف حياتها المادية. و ليس لدى كل طبقة موقعها الخاص في عملية الإنتاج فحسب، بل إن كل طبقة مالكة لها قلعة مختلفة في الثروة الاجتماعية. لو كانت الرغبة البسيطة المجردة في الحصول على الحد الأقصى من المكاسب المادية والثقافية، هي القوة الدافعة للإنسانية، إذن فليس فقط الطبقة العاملة وإنما أيضا البرجوازية الصغيرة والمتوسطة، بل والبرجوازية الكبيرة كذلك، كانت سترغب في الاشتراكية، خاصة في عصرنا هذا حيث يعيش هذا الجيل تحت شبح الحرب الذرية. ولكن واقع الأمر ليس كذلك. عندما يصنع الناس التاريخ فانهم يصنعونه وفقا للواقع الخارجي الموضوعي الذي يجدون أنفسهم فيه، والذي يصوغ رغباتهم. هكذا، فان صاحب الأرض الإقطاعي يكافح لزيادة مساحة ضياعه هو وابنه، كما يسعى التاجر لتوفير الأمن لأبنائه بتوريثهم مبلغا كبيرا من المال، أما الطبيب والمحامي وغيرهم من أعضاء المهن الحرة، فانهم يحاولون نقل امتيازاتهم لأبنائهم بإعطائهم “وسائل الإنتاج الذهنية – التعليم. وحيث أنه لا توجد أية أسوار صينية بين الطبقات والشرائح المختلفة، فان كل منها ستحاول بالطبع أن تورث ما يزيد على امتيازاتها الخاصة: فأصحاب المهن الحرة سيرثون وسائل إنتاج مادية وذهنية معا، والتجار سيتوفر لهم تعليم عالي، وهكذا.
إن بيروقراطية الدولة، كما قال ماركس في نقد فلسفة القانون لهيجل، تمتلك الدولة كملكية خاصة. ففي الدولة التي تكون مستودع وسائل الإنتاج، يكون لدى بيروقراطية الدولة – الطبقة الحاكمة – أشكال لنقل امتيازاتها تختلف عن تلك الخاصة بملاك الأرض الإقطاعيين أو البرجوازية أو أصحاب المهن الحرة. فإذا كان قرار الهيئة المنتخبة هو الأسلوب السائد لاختيار مديري المؤسسات ورؤساء الإدارات.. الخ فان كل بيروقراطي سيكون أكثر اهتماما بأن ينقل لابنه “علاقاته” من أن ينقل له، مثلا، مليون روبل (وان كان لهذا أيضا أهميته). ومن البديهي أنه سيحاول في الوقت نفسه أن يحد عدد المنافسين على مناصب داخل البيروقراطية بوضع قيود على إمكانيات حصول الجماهير على تعليم عالي، الخ..
الجمع بين متناقضات التطور
تقدم لنا روسيا مثالا للجمع بين شكل للملكية تولد من ثورة بروليتارية وعلاقات إنتاج ناتجة من مزيج من قوى الإنتاج المتخلفة وضغط الرأسمالية العالمية. و مضمون التوليفة يظهر استمرارية تاريخية مع فترة ما قبل الثورة، أما الشكل، فيظهر استمرارية تاريخية مع الفترة الثورية. وعند التراجع عن الثورة لا يعود الشكل مباشرة إلى نقطة انطلاقه. وعلى الرغم من خضوعه للمضمون، إلا إن الشكل له أيضا أهمية كبيرة.
كثيرا ما يقفز التاريخ إلى الأمام أو إلى الخلف. وعندما يقفز إلى الخلف، فانه لا يعود مباشرة إلى نفس الموضع، وإنما يهبط بشكل حلزوني بحيث يجمع بين عناصر النظامين الذين انتقل المجتمع من أحدهما إلى الآخر. على سبيل المثال، في رأسمالية الدولة التي تكون استمرارا عضويا، تدريجيا لتطور الرأسمالية، سيبقى شكل من أشكال الملكية الخاصة ألا وهو ملكية الأسهم والسندات، ولكننا لا يجب أن نستنتج من هذا أن الشيء نفسه ينطبق على رأسمالية الدولة التي نمت تدريجيا على أشلاء دولة عمالية. إن الاستمرارية التاريخية في حالة رأسمالية الدولة التي تتطور من الرأسمالية الاحتكارية، تظهر من خلال وجود الملكية الفردية (السندات). أما الاستمرارية التاريخية في حالة رأسمالية الدولة التي تتطور من ثورة عمالية انحطت وماتت، فهي تظهر من خلال عدم وجود الملكية الفردية.
إن هذا التطور الحلزوني يتمخض عنه الجمع بين طرفين للتطور الرأسمالي في روسيا، التوليف بين المرحلة العليا التي يمكن للرأسمالية أن تصل إليها، والتي لن يصل إليها أي بلد آخر في الأغلب، وبين مرحلة دنيا للتطور تتطلب إعداد الشروط المادية الضرورية للاشتراكية. إن هزيمة ثورة أكتوبر قد أصبحت بمثابة نقطة انطلاق للرأسمالية الروسية التي هي في الوقت نفسه متخلفة جدا عن الرأسمالية العالمية.
يكشف هذا التوليف عن نفسه في تركيز عالي جدا لرأس المال، وتركيب عضوي عالي جدا لرأس المال؛ ومن ناحية أخرى، إذا أخذنا المستوى التقني في الحسبان، فهو يكشف عن نفسه في إنتاجية متدنية للعمل، ومستوى ثقافي متدني. وهي تفسر سرعة تطور القوى الإنتاجية في روسيا، وهي سرعة تتجاوز كثيرا ما شهدته الرأسمالية الفتية، كما أنها تمثل النقيض المطلق لما تشهده الرأسمالية في فترات التآكل والركود.
مارست الرأسمالية الفتية وحشية لا إنسانية ضد الكادحين، كما يتضح من الصراع ضد “المتشردين”، وقوانين الفقراء، وإجبار النساء والأطفال على العمل خمسة عشر وثمانية عشر ساعة في اليوم، الخ، ترتكب الرأسمالية المعمرة مرة أخرى الكثير من الجرائم الوحشية المميزة لطفولتها، مع فارق أنها قادرة، كما أظهرت الفاشية، على تنفيذها بدرجة أكبر. تتسم الفترتان باستخدام الإكراه بالإضافة إلى الآلية الأوتوماتيكية للقوانين الاقتصادية. إن التوليف بين رأسمالية الدولة والمهام الفتية للرأسمالية يعطي البيروقراطية الروسية شهية غير محدودة لفائض القيمة، وقدرة غير محدودة على الوحشية اللاإنسانية، كما أنه يسمح لها في الوقت نفسه بإظهار أعلى كفاءة ممكنة في تنفيذ قمعها.
عندما قال إنجلز “الإنسان انحدر من الحيوانات، وكان عليه بالتالي أن يستخدم وسائل بربرية وشبه بهيمية لكي يخلص نفسه من البربرية” فمن المؤكد أنه لم يصف الثورة الاشتراكية، حيث يصبح التاريخ “واعيا بذاته”. ولكنه وصف جيدا تاريخ ما قبل الإنسانية. سيذكر التاريخ لبطرس الأكبر انه كان أحد المحاربين ضد البربرية باستخدام وسائل بربرية. كتب هرزن ” أنه حقق الحضارة والكرباج في يده، وبالكرباج في يده اضطهد العقل” وسيذكر التاريخ لستالين أنه مضطهد الطبقة العاملة، والقوة التي كان بإمكانها التقدم بالقوى الإنتاجية والثقافية الإنسانية بدون الكرباج، لأن العالم كان ناضجا بما فيه الكفاية لذلك، إلا أنها (قوة ستالين) تقدمت بها والكرباج في يدها “، مهددة في الوقت ذاته الإنسانية كلها بخطر الانحطاط من خلال الحروب الإمبريالية.
لقد اكتسحت الثورة البروليتارية من طريقها كل معوقات تطور القوى الإنتاجية، وألغت الكثير من أنواع البربرية القديمة. إلا أنها بسبب انعزالها وحدوثها في بلد متخلف، انهزمت تاركة المجال مفتوحا أمام محاربة البربرية بوسائل البربرية.
الاقتصاد والسياسة
الدولة هي “هيئات خاصة من الرجال المسلحين والسجون، الخ ” – إنها سلاح في أيدي طبقة لاضطهاد طبقة أو طبقات أخرى. في روسيا، الدولة سلاح في أيدي البيروقراطية لاضطهاد جماهير الكادحين. إلا أن هذا وحده لا يصف كل وظائف الدولة الستالينية. فهذه الدولة تلبي أيضا الحاجات المباشرة للتقسيم الاجتماعي للعمل، وتنظيم الإنتاج الاجتماعي. لقد أنجزت مهمة مماثلة، مع ما يلزم من التبديل والتعديل، بواسطة دول مثل الصين ومصر وبابل القديمة. هناك، ولأن أعمال الري الكبرى التي لم يكن من الممكن تنفيذها إلا على نطاق واسع كانت ضرورية تماما، فقد تطورت الدولة ليس فقط كنتيجة لظهور الانقسامات الطبقية، وبالتالي بطريقة غير مباشرة كنتيجة لتقسيم العمل الاجتماعي، وإنما أيضا بطريقة مباشرة كجزء من عملية الإنتاج. إن الاعتماد والتأثير المتبادل للانقسامات الطبقية وظهور وتقوية الدولة، لهى علاقة معقدة بدرجة تجعل الفصل بين الاقتصاد والسياسة أمرا مستحيلا. وبالمثل، في روسيا، لم تظهر الدولة الستالينية فقط كنتيجة للهوة المتسعة بين الجماهير والبيروقراطية، وبالتالي الحاجة المتنامية لـ “هيئات خاصة من الرجال المسلحين” وإنما أيضا كاستجابة مباشرة لحاجات القوى الإنتاجية ذاتها، كعنصر ضروري في نمط الإنتاج.
قال أحد الملوك الكلدانيين:
لقد أخضعت أسرار الأنهار لمصلحة الإنسان… وقد وجهت مياه الأنهار إلى حيث القفر، وملأت بها الخنادق الجافة… ورويت السهول الصحراوية، لقد جلبت لهم الخضرة والوفرة وأسكنتهم مساكن البهجة” يلاحظ بليخانوف الذي يقتبس هذا الكلام: “على الرغم مما فيه من تفاخر، فان هذا وصف دقيق لدور الدولة الشرقية في تنظيم عملية الإنتاج الاجتماعية. (5)
كان بوسع ستالين أيضا أن يزعم أنه بنى الصناعات، ودفع القوى الإنتاجية في روسيا إلى الأمام، الخ.. ولكن، بالطبع، على الرغم من أن استبداد الملك الكلداني كان ضروريا تاريخيا وتقدميا في وقته، إلا أن استبداد ستالين كان غير ضروري و رجعي من الناحية التاريخية.
وكما في المجتمعات القديمة، فان الوظيفة المزدوجة للدولة، كحارس للطبقة الحاكمة ومنظم للإنتاج الاجتماعي، تؤدي في روسيا اليوم إلى اندماج كامل للاقتصاد والسياسة.
يعد هذا الاندماج من سمات الرأسمالية في مرحلتها العليا، ومن سمات الدولة العمالية أيضا. ولكن في حين أن هذا الاندماج يعني في ظل الدولة العمالية أن العمال مسيطرون سياسيا، يتقدمون دوما نحو وضع يتم فيه “استبدال حكم الأشخاص بإدارة الأشياء والأشراف على عملية الإنتاج ” (6) فانه يعني في ظل الرأسمالية في مرحلتها العليا أن الإكراه السياسي يضاف إلى لاإرادية الاقتصاد و يعطي بالفعل الدور الرئيسي. “السمة المميزة للنظام الرأسمالي هي أن جميع عناصر مجتمع المستقبل تظهر فيه بشكل لا تقترب به من الاشتراكية وإنما تبتعد به عنها”.
هكذا على سبيل المثال:
“فيما يتعلق بالجيش، فان التطور يؤدى إلى ظهور الخدمة العسكرية الإلزامية العامة… وهو اقتراب من الميليشيا الشعبية. ولكنها تتحقق في الشكل الحديث للعسكرية، الذي يأتي بسيطرة الدولة العسكرية فوق الشعب ويدفع الطابع الطبقي للدولة إلى الحد الأقصى”. (7)
ان هذا الاندماج يثبت أن عصرنا ناضج جدا للاشتراكية حتى أن الرأسمالية تضطر لاستيعاب عناصر من الاشتراكية. وكما قال إنجلز، هذا هو غزو المجتمع الاشتراكي للرأسمالية. ومع ذلك، فان هذا الاستيعاب لا يخفف عبء الاستغلال والاضطهاد، بل على العكس، انه يزيد من ثقل هذا العبء. (في الدولة العمالية يكون العمال أحرارا اقتصاديا لأنهم أحرار سياسيا. الدولة العمالية هي أيضا اندماج للاقتصاد والسياسة، ولكن بنتائج متضادة تماثليا.)
حيثما يوجد اندماج للاقتصاد والسياسة، يكون من الخطأ نظريا التمييز بين الثورة السياسية والاقتصادية. أو بين الثورة المضادة السياسية والاقتصادية. تستطيع البرجوازية أن توجد كبرجوازية، لديها ملكية فردية، في ظل أشكال مختلفة للحكم: في ظل ملكية إقطاعية، ملكية دستورية، جمهورية برجوازية، نظام بونابارتي مثل نظام نابليون الأول والثالث، دكتاتورية فاشية، ولبعض الوقت حتى في ظل دولة عمالية (وجد الكولاك ورجال السياسة الاقتصادية حتى عام 1928). في جميع هذه الحالات، توجد علاقة ملكية مباشرة بين البرجوازية ووسائل الإنتاج. وفيها جميعا تكون الدولة مستقلة عن السيطرة المباشرة للبرجوازية، ومع ذلك فان البرجوازية لا تتوقف في أي منها عن أن تكون طبقة حاكمة. عندما تكون الدولة مستودع وسائل الإنتاج، يوجد اندماج مطلق بين الاقتصاد والسياسة، نزع السلطة سياسيا يعني أيضا نزع الملكية اقتصاديا. لو كان الملك الكلداني الذي اقتبسنا منه الفقرة أعلاه قد نزعت سلطته السياسية، فانه كان بالضرورة ستنزع ملكيته الاقتصادية. ينطبق هذا على البيروقراطية الستالينية كما ينطبق أيضا، مع مايلزم من التبديل والتعديل، على الدولة العمالية. فحيث أن العمال كأفراد ليسوا ملاكا لوسائل الإنتاج حتى في الدولة العمالية، وحيث أن ملكيتهم كجماعة يعبر عنها من خلال ملكيتهم للدولة التي هي مستودع وسائل الإنتاج، فإننا نرى أنه إذا نزعت سلطتهم السياسية فقد نزعت ملكيتهم الاقتصادية.
هل يمكن حدوث انتقال تدريجي من دولة عمالية إلى دولة رأسمالية؟
لا يمكن للبروليتاريا أن تستولي على جهاز الدولة البرجوازي بل لا بد لها من تحطيمه. إلا يستتبع هذا أن الانتقال التدريجي من الدولة العمالية للينين وتروتسكي (1917-1923) إلى الدولة الرأسمالية لستالين، يناقض أساس النظرية الماركسية للدولة؟ هذا هو أحد أركان الدفاع عن النظرية القائلة بأن روسيا اليوم لا تزال دولة عمالية. أولئك الذين يتمسكون بهذه النظرية يستشهدون بمقولة لتروتسكي في عام 1933 (ولكنهم يمتنعون عن الاستشهاد بمقولته المعاكسة في وقت لاحق) لقد كتب في الاتحاد السوفيتي والأممية الرابعة:
الأطروحة الماركسية المتعلقة بالطابع المأساوي لانتقال السلطة من طبقة إلى طبقة أخرى تنطبق ليس فقط على الفترات الثورية، عندما ينطلق التاريخ إلى الأمام بجنون، وإنما أيضا في فترة الثورة المضادة عندما يتدحرج المجتمع إلى الوراء. إن من يزعم أن حكومة السوفيتيات قد تغيرت تدريجيا من حكومة بروليتارية إلى حكومة برجوازية لا يفعل سوى، إذا جاز التعبير، عرض فيلم الإصلاح بالاتجاه المعاكس.
السؤال المطروح هو مدى صحة الجملة الأخيرة.
إن عودة الرأسمالية يمكن أن تحدث بطرق كثيرة. يمكن أن تسبق العودة السياسية العودة الاقتصادية: كان هذا سيحدث لو كان الحرس الأبيض وجيوش التدخل فد نجحوا في إسقاط البلاشفة. أو قد تسبق العودة الاقتصادية، حتى لو لم تكن كاملة، العودة السياسية: كان هذا سيحدث لو كان الكولاك ورجال السياسة الاقتصادية الجديدة الذين عززوا امتيازاتهم الاقتصادية حتى عام 1928 قد نجحوا في إسقاط النظام. في الحالتين المذكورتين، لم يكن الانتقال من دولة عمالية إلى دولة رأسمالية سيكون تدريجيا. وبالفعل، فان القول بأن هذا الانتقال كان يمكن أن يكون تدريجيا، يحق وصفه بأنه “ليس سوى، اذا جاز التعبير، عرض لفيلم الإصلاح بالاتجاه المعاكس”. ولكن حيث تتحول بيروقراطية الدولة العمالية إلى طبقة حاكمة، فإن العودة الاقتصادية والسياسية تتشابكان بحيث لا يمكن الفصل بينهما. تصبح الدولة تدريجيا أكثر انفصالا عن العمال، وتصبح العلاقات بينها وبين العمال أكثر فأكثر مثل العلاقات بين صاحب العمل والرأسمالي وعماله. في مثل هذه الحالة، فان الزمرة البيروقراطية التي تبدو أول الأمر كتشوه، تحول نفسها تدريجيا إلى طبقة تنفذ مهام البرجوازية في علاقات الإنتاج الرأسمالية. ان الانفصال التطوري التدريجي للبيروقراطية عن سيطرة الجماهير، والذي استمر حتى عام1928، وصل إلى مرحلة التغير الكيفي الثوري مع الخطة الخمسية الأولى.
ولكن السؤال، مع ذلك، يظل قائما: ألا يناقض هذا النظرية الماركسية للدولة؟ من منطلق المنطق الصوري، لا يمكن تفنيد القول بأنه إذا كانت البروليتاريا لا تستطيع تحويل الدولة البرجوازية تدريجيا إلى دولة عمالية وإنما عليها أن تحطم جهاز الدولة، فان البيروقراطية عندما تصبح الطبقة الحاكمة لا تستطيع أيضا تحويل الدولة العمالية تدريجيا إلى دولة برجوازية وإنما عليها أن تحطم جهاز الدولة. ولكن من وجهة النظر الجدلية، علينا أن نطرح المشكلة بشكل مختلف، ما هي الأسباب التي تمنع البروليتاريا من تحويل جهاز الدولة البرجوازي تدريجيا، وهل تستمر هذه الأسباب كعائق لا يمكن إزالته أمام التغيير التدريجي في الطابع الطبقي للدولة العمالية؟
قال ماركس وإنجلز إن إنجلترا فقط تستطيع تجنب تحطيم جهاز الدولة باعتباره الخطوة الأولى في الثورة البروليتارية. لم ينطبق هذا على القارة الأوروبية. لقد قالا أنه في إنجلترا “يمكن القيام بالثورة الاجتماعية بالوسائل السلمية والقانونية فقط”، ويعلق لينين على هذا قائلا: “كان هذا طبيعيا في عام1871، عندما كانت إنجلترا لا تزال نموذجا للبلد الرأسمالي الخالص، ولكن بدون نزعة عسكرية (المقصود بدون النزعة العسكرية المتمثلة في الايمان المتطرف بأن القوة العسكرية هي عماد الدولة “المترجم”) و – إلى حد كبير – بدون بيروقراطية”. (8)
انهما إذن البيروقراطية والجيش النظامي اللذان يشكلان العائق أمام الوصول السلمي للعمال للسلطة. ولكن الدولة العمالية ليس بها بيروقراطية أو جيش نظامي. ومن ثم فان انتقالا سلميا يمكن تحقيقه من دولة عمالية لا توجد بها هذه المؤسسات، إلى نظام رأسمالية دولة تتواجد فيه.
دعونا الآن نرى إذا كان ما يستبعد ثورة اجتماعية تدريجية يستبعد كذلك ثورة مضادة تدريجية.
إذا سعى الجنود في جيش مبني هرميا للسيطرة الحاسمة على الجيش، فانهم سيواجهون على الفور معارضة طائفة الضباط، لا توجد طريق للتخلص من طائفة كهذه إلا بالعنف الثوري. وعلى العكس، فإذا اصبح ضباط ميليشيا شعبية مستقلين أكثر فأكثر عن إرادة الجنود، فمن الممكن، مع رؤيتهم أنهم لا يواجهون أية بيروقراطية مؤسسية، أن يتحولوا تدريجيا إلى طائفة ضباط مستقلة عن الجنود. إن الانتقال من جيش نظامي إلى ميليشيا لا يمكن إلا أن يكون مصحوبا باندلاع هائل للعنف الثوري، أما الانتقال من مليشيا إلى جيش نظامي، فبمقدار ما يكون نتيجة لنزعات داخل الميليشيا ذاتها، يمكن وينبغي أن يكون تدريجيا. إن معارضة الجنود للبيروقراطية الصاعدة قد تدفع الأخيرة لاستخدام العنف ضد الجنود.. ولكن هذا ليس ضروريا. وما ينطبق على الجيش ينطبق بالمثل على الدولة. الدولة التي لا توجد بها بيروقراطية، أو توجد بها بيروقراطية ضعيفة غير مستقلة عن الضغط الجماهيري قد تتحول تدريجيا إلى دولة تكون البيروقراطية فيها متحررة من سيطرة العمال.
كانت محاكمات موسكو هي الحرب الأهلية التي شنتها البيروقراطية ضد الجماهير، وهي حرب كان أحد طرفيها فقط مسلحا ومنظما. وقد شهدت إتمام التحرر الكامل للبيروقراطية من السيطرة الشعبية. ان تروتسكي، الذي اعتقد أن محاكمات موسكو و “الدستور” كانت خطوات نحو إعادة الرأسمالية الفردية بالوسائل القانونية، تخلى في ذلك الوقت عن فكرة أن التغير التدريجي من دولة بروليتارية إلى دولة برجوازية هو “عرض لفيلم الإصلاح بالاتجاه المعاكس” لقد كتب:
في الحقيقة، فان الدستور الجديد… يفتح أمام البيروقراطية طرقا “قانونية” للثورة المضادة الاقتصادية، أي إعادة الرأسمالية بواسطة “ضربة باردة” (9)
الستالينية – بربرية؟
كلمة “بربرية” تدل على أشياء مختلفة. إننا نتحدث عن الاستغلال البربري للعمال، الاضطهاد البربري للشعوب المستعمرة، القتل البربري لليهود بواسطة النازيين.. الخ. “بربري” هنا لا تدل على مرحلة في تاريخ الإنسانية، أو مضمون معين للعلاقات الاجتماعية، وإنما جانب معين من أفعال طبقة، قد تكون حتى طبقة صاعدة، تقدمية، إننا مثلا نتحدث عن الطرد البربري للفلاحين في بريطانيا وقت الرأسمالية الصاعدة، أو النهب البربري لسكان أمريكا الجنوبية.. الخ، إلا أن “البربرية”، مع ذلك، قد تدل على شئ مختلف تماما وان كان له بعض الارتباط بالمعني السابق. أنها قد تدل على الدمار الشامل للحضارة عن طريق تدهور المجتمع إلى عصر قبل تاريخي. هذا المعنى يجعل البربرية مرحلة كاملة في تاريخ الإنسانية. إن حدثا معينا قد يكون بالفعل بربريا بالمعنيين. فأعمال الطبقات الحاكمة في حرب عالمية ثالثة، مثلا، ستكون بربرية بالمعنى الأول، ولكونها السبب في الانحدار الكامل للمجتمع ستكون بربرية بالمعنى الثاني أيضا. من ناحية جوهرية، مع ذلك، المعنيان منفصلان ويجب أن يظلا منفصلين. إذا استخدمنا البربرية بالمعنى الأول فيما يتعلق بعصرنا، فهي تعني الثمن الذي تدفعه الإنسانية بسبب تأخر الثورة الاشتراكية. أما اذا استخدمت بالمعنى الثاني، فهي تعنى فقدان كل أمل في مجتمع تآكل وانحط. وفقا لهذا، يكون من الخطأ تعريف النازية بأنها بربرية بالمعنى الثاني، بوصفها ” إقطاع متجدد”، أو “دولة النمل الأبيض”، أو فترة قبل تاريخية، الخ..، حيث أن النظام النازي كان قائما على عمل بروليتاريين يعتبرون تاريخيا حفارو قبره ومنقذو الإنسانية. وسنجد حتى تبريرا أقل لوصف النظام الستاليني بأنه بربري بالمعنى بالثاني، حيث أن هذا النظام، في مواجهة تخلف روسيا وخوفه من الهلاك من خلال المنافسة العالمية، يزيد أعداد الطبقة بسرعة كبيرة.
إن هذا السؤال ليس مسألة جدال في توافه الأمور، وإنما هو ذو أهمية كبرى. فاستخدام كلمة بربرية بمعناها الثاني سيكون مثل خطأ استخدام كلمة عبد لوصف العمال الروس، إذا استخدمت كلمة عبد كشيء مختلف عن بروليتاري. فالعبودية، مثل البربرية بمعناها الأول، إذا استخدمت للإشارة إلى أحد جوانب ظروف العامل الروسي في ظل ستالين والعامل الألماني في ظل هتلر – أي فقدانه للحرية، ونفيه الجزئي لنفسه كعامل – ستكون مصطلحا سليما. أما إذا استخدمت كتعريف أساسي للنظام فسيكون هذا خطأ. علينا إذن أن نعارض بقوة استخدام كلمة بربرية بمعناها الثاني للدلالة على النظام الستاليني. علينا بالفعل أن نعارض استخدامها عموما للدلالة على المرحلة التي وصل إليها المجتمع اليوم، ويمكن أن نقر فقط باستخدامها بمعناها الأول، أي استخدامها لوصف بعض جوانب الرأسمالية الهابطة ككل، سواء كانت أمريكية أو روسية أو بريطانية أو يـابانية. هل روسيا الستالينية مثال للبريرية الرأسمالية؟ نعم. هل هي مثال لتلك البربرية التي هي نفي كامل للرأسمالية؟ لا.
هل النظام الستاليني تقدمي؟
النظام الاجتماعي الذي يكون ضروريا لتطوير القوى الإنتاجية وإعداد الشروط المادية لنظام أعلى للمجتمع، هو نظام تقدمي. يجب أن نؤكد على الشروط المادية. لأننا إذا أدخلنا كل الشروط (الوعي الطبقي، ووجود أحزاب ثورية جماهيرية، الخ..)، فان أي نظام اجتماعي سيكون تقدميا، حيث أن مجرد وجوده يثبت عدم وجود كل شروط إسقاطه.
من غير الصواب أن نستنتج من هذا التعريف أنه عندما يصبح نظام اجتماعي ما رجعيا، و يصبح عائقا أمام تطور القوى الإنتاجية، فان هذه القوى تتوقف عن التقدم، أو أن معدل التقدم ينخفض بشكل مطلق. فمما لا شك فيه أن الإقطاع في أوروبا أصبح رجعيا في القرون من الثالث عشر إلى الثامن عشر، ولكن هذا لم يمنع القوى الإنتاجية من التطور بنفس المعدل كما في السابق، بل والتطور بمعدل أسرع. وبالمثل، ففي حين أن لينين قال أن فترة الإمبريالية (والتي بدأت مع العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر) تعبر عن هبوط وتعفن الرأسمالية، فقد قال في نفس الوقت:
سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن هذه النزعة للتعفن تعيق إمكانية النمو السريع للرأسمالية. فالأمر ليس على هذا النحو. ففي عصر الإمبريالية، تقوم بعض فروع الصناعة وبعض شرائح البرجوازية وبعض البلاد، بدرجة أو بأخرى، بخيانة واحدة أو أكثر من هذه النزعات. إجمالا، تنمو الرأسمالية أسرع كثيرا من ذي قبل. ولكن هذا النمو لا يصبح فقط غير متكافئ يوما بعد يوم بصفة عامة، بل إن عدم تكافؤه يكشف عن نفسه أيضا، بصفة خاصة في تعفن البلاد الأغنى في رأس المال (مثل إنجلترا). (10)
تحدث لينين عن تعفن الرأسمالية، وفي الوقت نفسه قال ان الثورة الديمقراطية في روسيا، باكتساحها لبقايا الإقطاع، ستوفر إمكانات هائلة للتطور للرأسمالية الروسية، التي ستنطلق للأمام بسرعة إيقاع أمريكية. وقد تبنى هذا الرأي في الوقت الذي كان يعتقد فيه أن “الدكتاتورية الديمقراطية للبروليتاريا والفلاحين” ستحقق مهام الثورة البرجوازية في روسيا.
إذا نظرنا في أرقام الإنتاج الصناعي العالمي منذ عام1891، فيمكننا أن نرى أنه في فترة الإمبريالية كانت القوى الإنتاجية للعالم بعيدة عن الركود المطلق. (11)
الإنتاج الصناعي العالمي (في 1913 يساوي100)
| 1891 | 33 |
| 1900 | 51 |
| 1906 | 73 |
| 1913 | 100 |
| 1920 | 102 |
| 1929 | 148 |
فيما يتعلق بالقدرة الإنتاجية، لا نحتاج إلا أن نأخذ في الاعتبار السيطرة على الطاقة الذرية لنرى الخطوات الجبارة التي تمت.
لو كانت البلاد المتخلفة منعزلة عن بقية العالم، لكان بإمكاننا أن نقول بصورة قاطعة، إن الرأسمالية ستكون تقدمية فيها. فمثلا، لو تدهورت أو اختفت دول الغرب، فان الرأسمالية الهندية كان سيكون لها تاريخ لا يقل طولا وعظمة عن الرأسمالية البريطانية في القرن التاسع عشر. ويصح هذا بالنسبة لرأسمالية الدولة الروسية. إلا أن الماركسيين الثوريين يتخذون العالم كنقطة انطلاقهم، ويستنتجون بالتالي أن الرأسمالية رجعية حيثما وجدت. ذلك أن المشكلة التي يتعين على الإنسانية حلها اليوم، تحت ضغط الإبادة، ليست كيفية تطوير القوى الإنتاجية، وإنما إلى أية غاية ووفق أية علاقات اجتماعية ستستغل هذه القوى الإنتاجية.
إن هذا الاستنتاج الخاص بالطابع الرجعي لرأسمالية الدولة الروسية، على الرغم من التطور السريع لقواها الإنتاجية، لا يمكن تفنيده إلا إذا استطاع المرء أن يثبت أن الرأسمالية العالمية لم تهيئ بعد الشروط المادية الضرورية لبناء الاشتراكية، أو أن النظام الستاليني بصدد تهيئة ظروف أخرى ضرورية لبناء الاشتراكية أكثر من تلك التي هيأها العالم ككل. الادعاء الأول يدفع المرء إلى استنتاج أننا لم نصل بعد إلى فترة الثورة الاشتراكية. أما عن الادعاء الثاني، فأكثر ما يمكن للمرء أن يقوله هو أن روسيا الستالينية ستورث الاشتراكية تركيزا لرأس المال والطبقة العاملة أعلى منه في أي بلد آخر. ولكن هذا فارق كمي فقط: إذا قارنا الاقتصادين الأمريكي والإنجليزي، فأننا نجد أن تركيز رأس المال وإضفاء الطابع الاجتماعي على العمل أعلى كثيرا في الاقتصاد الأول منه في الأخير، ولكن هذا لا يجعل رأسمالية اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية تقدمية تاريخيا.
قد يزعم المرء أن التخطيط في روسيا هو عنصر يحول الاقتصاد الروسي إلى اقتصاد تقدمي بالمقارنة برأسمالية البلاد الأخرى. ان هذا غير سليم إطلاقا، فطالما أن الطبقة العاملة لا تسيطر على الإنتاج، فالعمال ليسوا ذاتا للتخطيط وإنما موضوعا له. ينطبق هذا على التخطيط داخل مؤسسة فورد العملاقة تماما، كما ينطبق على اقتصاد روسيا كله. وطالما أن العمال هم الموضوع، فان التخطيط يهمهم فقط كعنصر من الشروط المادية الضرورية للاشتراكية: كجانب من جوانب تركيز رأس المال والعمال.
في مصنع يشغل 100,000 عامل يكون التخطيط أكثر تعقيد وتطورا منه في مصنع يشغل 100 عامل، وهو يكون أكثر تعقيدا وتطورا بما يفوق ذلك في رأسمالية الدولة التي تشغل 10 مليون عامل. إن هذا لا يجعل علاقات الإنتاج في المؤسسة الكبيرة تقدمية مقارنة بتلك القائمة في المؤسسة الأصغر. فالخطة في كل منهما تحددها القوة الخارجية العمياء للمنافسة بين المنتجين المستقلين عن بعضهم البعض. إن مجرد وجود النظام الستاليني يعلن عن طابعه الرجعي، حيث أن النظام الستاليني لم يكن ليوجد لولا هزيمة ثورة أكتوبر، ولولا نضوج العالم للاشتراكية لما اندلعت ثورة أكتوبر.






