رأسمالية الدولة في روسيا
لقد وجدت الإمبراطوريات قبل المرحلة الاحتكارية للرأسمالية، بل وقبل الرأسمالية ذاتها، إلا أن إمبريالية كل فترة تختلف من حيث دوافعها ونتائجها، وبالتالي فان استخدام كلمة واحدة، الإمبريالية، لوصف الظواهر المختلفة قد يؤدي إلى التشويش أكثر منه إلى الوضوح. استخدم لينين هذا المصطلح للمرحلة العليا للرأسمالية، للرأسمالية في حالة الانحطاط عندما تكون الثورة البروليتارية على جدول أعمال اليوم. ولكن حتى إمبراطوريات هذه الفترة الواحدة لها طبيعة مختلفة جدا. يقول زينوفييف في مقالته ‘ما هي الإمبريالية؟’:
عندما نعرف الإمبريالية الحديثة – علينا أن لا ننسي أن هناك أصنافا مختلفة من الإمبريالية. تختلف الإمبريالية البريطانية عن الإمبريالية الألمانية، الخ. هناك إمبريالية أوروبية، وإمبريالية آسيوية، وإمبريالية أمريكية، هناك إمبريالية بيضاء وإمبريالية صفراء. الإمبريالية اليابانية لا تشبه الصنف الفرنسي، الإمبريالية الروسية هي من صنف متميز تماما، لأنها إمبريالية متخلفة(لم يعد من الممكن أن نقول آسيوية)، تنمو على أساس تخلف مدهش (1)
إذا كانت السمة النموذجية للإمبريالية، كما يشرح لينين، هي البحث عن مجالات لتصدير رأس المال، في حين أن السمة النموذجية للرأسمالية الفتية كانت البحث عن أسواق، فانه يبدو من الخطأ أن نسمي روسيا القيصرية إمبريالية. ولكن جميع الماركسيين، بما فيهم لينين وتروتسكي، أسموها إمبريالية. وقد كانوا على صواب. ذلك أنه في سياق الاقتصاد العالمي والعلاقات القائمة بين روسيا القيصرية والبلاد المتقدمة جدا، وهذا هو معيار تعريفها، فان روسيا القيصرية كانت إمبريالية بالمعنى اللينيني.
يتضمن تعريف لينين للإمبريالية السمات الخمسة التالية:
يتطور تركيز الإنتاج ورأس المال إلى تلك المرحلة التي يخلق عندها احتكارات تلعب دورا حاسما في الحياة الاقتصادية.
اندماج رأس المال المصرفي مع رأس المال الصناعي، وخلق أوليجاركية مالية على أساس رأس المال المالي.
تصدير رأس المال – الذي أصبح شديد الأهمية، كما أصبح متميزا عن تصدير السلعة.
تكوين احتكارات رأسمالية عالمية تقتسم العالم فيما بينها.
اكتمال التقسيم الإقليمي للعالم كله بين القوى الرأسمالية الكبرى. (2)
رأسمالية الدولة تحمل بالتأكيد السمة الأولى، حيث أنها تتكون من احتكار عام مفرد تنفذه الدولة. أما فيما يتعلق بالسمة الثانية، فان اندماج رأس المال المصرفي والصناعي يصل للمرحلة العليا عندما تكون الدولة هي رأس المال الصناعي والمصرفي معا. وأما فيما يتعلق بالسمة الرابعة، فان المنافسة المتزايدة بين القوى الرأسمالية – وهو ما يظهر بصفة خاصة في ألمانيا واليابان -تدفع الدولة لاختراق الاحتكارات الرأسمالية العالمية. من الواضح أن الغزو الاقتصادي بواسطة احتكار رأسمالي عالمي هو أمر يكاد يكون مستبعدا تماما في حالة اقتصاد رأسمالية الدولة. (من الممكن بالطبع تفهم وجود بعض الامتيازات الأجنبية) تحتاج السمتان الثالثة والخامسة – علاقة رأسمالية الدولة الروسية بتصدير رأس المال، وبالتقسيم الإقليمي للعالم – لمزيد من الإفاضة.
نموذج الإمبريالية اليابانية
من بين جميع بلاد العالم ماعدا روسيا الستالينية، فإن تلك التي بلغت أعلى مركزة لرأس المال كانت اليابان. لقد قدر أن الزيباتسو (المنظمات الاحتكارية العائلية) “الأربعة الكبار ” سيطرت على 60% من رأس المال المستثمر في جميع شركات المساهمة اليابانية، وأن ميتسوى وحدها حازت 25% من الإجمالي. في عام 1938، استحوذت أكبر ستة (زيباتسو) معا على 57% من كل الأموال المودعة في البنوك وشركات الائتمان وشركات التأمين. (كان الرقم المقابل في عام 1929 هو 45%.)
(يعتبر هذا إشارة إلى أنه ليس من المستبعد نظريا أن يتم تركيز كل رأس المال الوطني في أيدي احتكاري واحد، وان لم يكن هناك أساس لافتراض أن هذا سيحدث عمليا.)
ومع ذلك، فعلى الرغم من أن تمركز راس المال في اليابان أعلى كثيرا منها في أي بلد رأسمالي آخر، باستثناء روسيا الستالينية، فان القوى الإنتاجية لليابان تتلكأ كثيرا وراء تلك الخاصة ببلاد الغرب. إن هذا الجمع بين رأسمال عالي التمركز والتخلف الكبير للبلد ككل، يفسر الطابع الخاص للإمبريالية اليابانية، أي تميزها عن الإمبرياليات الأخرى، كما يفسر تشابهها الكبير من نواحي كثيرة مع الإمبريالية الستالينية. يساعد إذن تناول الخطوط العريضة للسمات الخاصة للإمبريالية اليابانية على توضيح بعض أبعاد الإمبريالية الستالينية.
لقد توسع الإنتاج الصناعي لليابان بسرعة كبيرة خلال القرن الحالي. في السنوات من 1913 إلى 1928، كانت سرعة هذا التقدم ثلاثة أمثال تلك الخاصة ببريطانيا في السنوات ما بين 1860 -1913، أي أنهم في كل سنة كانوا ينتجون في المتوسط 6% أكثر من السنة السابقة. وبين عام 1927 و 1936 زاد الإنتاج الصناعي لليابان بما يقرب من 100% وكان بإمكان شومبيتر أن يجد مبررا يجعله يكتب ما يلي:
لم يعد ممكنا أن نذكر، كما فعل كاتب مدقق وحسن الإطلاع في عام 1930، أن اليابان لا يمكن أن تصبح أمة صناعية ذات أهمية كبرى، بسبب افتقاد الوقود والحديد، وهما ضروريان في السلم كما هما في الحرب. لقد أصبحت اليابان أمة صناعية كبرى، كان نمو الصناعات الثقيلة يمثل التطور المدهش للسنوات الأخيرة. قبل الكساد، كانت الصناعات المهيمنة هي النسيج وإعداد الطعام وصناعة الفخار والورق. كونت المعادن والمواد الكيميائية والماكينات والمنتجات الصناعية أقل من نصف القيمة الإجمالية للإنتاج الصناعي في عام 1935، 55% منه في عام 1937، وما يقرب من 61% عام 1938. ويعنى هذا أن اليابان كانت تقوم بإنتاج سفنها والكثير من طائراتها، إلا أنها كانت تستورد السيارات وقطع الغيار، لم تعد تعتمد على العالم الخارجي فيما يتعلق بجزء كبير من احتياجاتها من الصلب، والسماد، والسلاح، والذخيرة، والماكينات، إلا أنه ظل عليها أن تستورد جزءا كبيرا من المواد الخام المستخدمة في تصنيعها. ومنذ عام 1937، بذلت اليابان جهدا عظيما لتنمية المواد الخام في‘كتلة الين’ فضلا عن مواد الأقاليم المتاخمة في منطقة المحيط الهادي.(3)
وفي الفترة من عام 1920 إلى 1936 زاد إنتاج الحديد الخام أربعة أضعاف، وإنتاج الصلب ثمانية أضعاف، وقدرة محطات الكهرباء مقدرة بالكيلو وات خمسة أضعاف ونصف. حدثت الزيادة الأساسية في الإنتاج الصناعي في وسائل الإنتاج: ارتفعت قيمة إنتاج الصناعات الكيمائية والمعدنية وصناعة الماكينات من حوالي 2000 مليون ين في عام 1926 إلى أكثر من 9000 مليون في 1937، أي بزيادة تقدر بحوالي أربعة أضعاف ونصف، أما إنتاج جميع الصناعات الأخرى فقد زاد من حوالي 5150 مليون ين إلى 7420 مليون ين، أي بزيادة مقدارها 44%. وفي السنوات نفسها، ارتفعت الأسعار بمقدار 40%، بحيث نستطيع أن نستنتج أن إنتاج وسائل الإنتاج تضاعف حوالي ثلاث مرات، في حين ظل إنتاج وسائل الاستهلاك دون تغيير.
أثناء هذا الارتفاع السريع في الإنتاج الصناعي في اليابان، ونتيجة لتخلفها العام من ناحية وتركيز رأس المال العالي من ناحية أخرى، لم يظهر فائض من رأس المال، وظل معدل الربح مرتفعا. وكان المستوى شديد الانخفاض للأجور عاملا هاما آخر سمح بمعدل الربح العالي هذا.
كان متوسط الإيرادات في عامي 1936 و 1937 من 16 – 20% من رأس المال المدفوع، وبلغت الفوائد 8 – 9% في المتوسط.(4)
في ضوء هذا يكون من الخطأ القول بأن الإمبريالية اليابانية سعت وراء مجالات لاستثمار رأس المال لأنها واجهت فائض في سيولة راس المال ومعدل ربح منخفض في اليابان نفسها. ومع ذلك، فكون أن معدل الربح كان مرتفعا وأنها لم تعاني من وفرة في رأس المال، وإنما من افتقاده، فما هذا سوى التعبير عن تخلفها. لقد سبب هذا تطورا جدليا شيقا جدا: لقد دفعها تخلفها ذاته لتصدير رأس المال على نطاق واسع جدا، والاستيلاء على إمبراطورية هائلة. وبكلمات ستيرنبيرج:
عندما كونت بريطانيا العظمى وفرنسا إمبراطوريتيهما، فانهما كانتا بلدين صناعيين رائدين. لم يكن المقصود على الإطلاق من إمبراطوريتيهما تقوية مركزيهما الصناعيين. كانت اليابان في حالة مختلفة جدا. كان هدفها هو تحقيق معدل للتطور يكون من شأنه تخفيض الفجوة الصناعية بينها وبين البلاد الرأسمالية الأخرى، وان تصبح بنفس قوة هذه البلاد وأقوى منها إن أمكن.(5)
بعد الحرب العالمية الأولى، لم تزد الاستثمارات الأجنبية لجميع البلاد الأكثر تقدما، والتي كانت تعاني من ” فائض هائل في رأس المال، باستثناء الولايات المتحدة، إنما على العكس انخفضت. وحتى إذا لم نستثني الولايات المتحدة، فان الاستثمارات الأجنبية لهذه البلاد لم ترتفع عن مستوى عام 1914، كما يظهر من الجدول التالي: (6)
رأس المال المستثمر في الخارج (بالألف مليون فرنك على أساس معدلات ما قبل 1914)
| السنة | بواسطة بريطانيا العظمى | بواسطة فرنسا | بواسطة ألمانيا | الولايات المتحدة | المجموع |
| 1862 | 6ر3 | – | – | – | 6ر3 |
| 1872 | 15 | 10 (1869) | – | – | 25 |
| 1882 | 22 | 15 (1880) | – | – | 37 |
| 1893 | 42 | 20 (1890) | – | – | 62 |
| 1902 | 62 | 27-37 | 5ر12 | 6ر2 (1900) | 104-114 |
| 1914 | 75-100 | 60 | 44 | 9ر9 (1912) | 189-224 |
| 1930 | 94 | 31-40 | 9ر4 – 1ر6 | 81 | 211-220 |
| 1935 | 58 | – | – | 9ر41 | 130-140* |
* لقد قدرنا استثمارات فرنسا وألمانيا لعام 1935 بأنها من 30 – 40 مليار فرنك، وان لم يكن هذا دقيقا، فانه تقدير مبالغ فيه.
هكذا، ففي حين أن حجم رأس المال المستثمر في الخارج بواسطة البلاد الرأسمالية قد اتسع بشكل يكاد يكون غير متقطع بين 1860 و 1914، فمنذ عام 1914، عندما بلغت الإمبريالية النضج لم ترتفع كمية رأس المال المستثمر في الخارج أبدا فوق مستوى عام 1914، بل وانخفضت دونه.
وفي مقابل هذا، باشرت اليابان تصديرا هائلا لراس المال، خاصة لمنشوريا، مستعمرتها الهامة الوحيدة حتى الحرب الصينية – اليابانية
الاستثمارات اليابانية في منشوريا (بالمليون ين)(7)
| 1932 | 2ر97 | 1937 | 3ر348 |
| 1933 | 2ر151 | 1938 | 5ر439 |
| 1934 | 7ر271 | 1939 | 7ر1103 |
| 1935 | 6ر378 | 1940-1943. | ر2340 |
| 1936 | 0ر263 |
إن الخطة الخمسية لمنشوريا (1937-1941) تضمنت استثمارا يبلغ 2800 مليون ين، وهو ما ارتفع فيما بعد إلى 6000 مليون ين. كان هذا رقم مستحيل التحقيق بسبب افتقاد رأس المال وندرة العمل الماهر في اليابان. لقد بلغت الاستثمارات حوالي نصف المستهدف فقط خلال فترة تنفيذ الخطة. وعلى الرغم من ذلك فان هذا الاستثمار سبب زيادة كبيرة جدا في الإنتاج، مما يظهر في الجدول التالي: (8)
إنتاج بعض المنتجات في منشوريا
| السنة | الفحم بالمليون طن | الحديد بالمليون طن | الحديد الخام بالألف طن | الكهرباء بالمليون كيلووات ساعة |
| 1932 | 1ر7 | 7ر0 | 2ر368 | 593 |
| 1936 | 6ر13 | 3ر1 | 4ر633 | 1351 |
| 1940 | 0ر21 | – | 2ر1061 | 3250 |
| 1944 | 0ر30 | 3ر5 (1943) | 9ر1174 | – |
كانت صناعة الصلب تنتج أكثر من مليون طن سنويا، بعد سنوات قليلة من قيامها في عام 1935، كما أقيمت مصانع ماكينات أمدت الجزء الأكبر من معدات الصناعة المنشورية. وفي عام 1939، أقيمت صناعة سيارات كان مخططا لها أن توظف 100 ألف عامل. كما تم بناء مصنع طائرات كبير. وبدأ كذلك بناء السفن، كما تضاعفت شبكة السكك الحديدية لمنشوريا حوالي ثلاث مرات بين 1932 – 1943 وبذلك تجاوزت شبكة الصين بأسرها. لقد لاحظ ستيرنبيرج أن:
الظروف التاريخية المعينة التي تطورت فيها الإمبريالية اليابانية دفعتها لتشجيع ودفع تطور التصنيع في إمبراطوريتها، في حين أن ظروفا تاريخية أخرى دفعت الإمبرياليين الأوروبيين لمنع أو تأخير التطور الصناعي في إمبراطورياتهم. خلال السنوات العشر التي انقضت بين غزو اليابان لمنشوريا ودخولها الحرب العالمية الثانية(1931-1941) – عجلت اليابان التصنيع في منشوريا لدرجة أن الصناعة التي أقيمت هناك في عقد واحد كانت تساوي، أن لم تكن تفوق، تلك المقامة في الهند خلال قرن من الحكم الإمبريالي، وذلك رغم أن سكان منشوريا لا يزيدون عن حوالي 10% فقط من سكان الهند البريطانية.(9)
لم يترك تصنيع منشوريا للنشاط الأعمى لمختلف الشركات اليابانية، وإنما تم القيام به وفقا لخطة بواسطة شركات مختلطة للاحتكارات والدولة. لقد وجد أن مثل هذا التنظيم ضروري من أجل التصنيع السريع.
دافع توسع البيروقراطية الستالينية
إن امتيازات البيروقراطية الروسية، مثل امتيازات البرجوازية، مشروطة بالتقدم المستمر للتراكم. ولكن، وعلى النقيض من برجوازية الغرب، فان رأسمالية الدولة في روسيا في‘المرحلة التي يتحدث عنها توجان-بارانوفسكي’ لا تعاني من فائض في رأس المال، أي من القيود على فرص التراكم التي يسببها نمط التوزيع العدائي في البلاد الرأسمالية التقليدية، ولا من زيادة في الأجور يمكن أن تهدد معدل الربح. فيما يتعلق بهذه الأمور، فان رأسمالية الدولة الروسية أقرب إلى الإمبريالية اليابانية قبل هزيمتها في الحرب العالمية الثانية منها إلى البلاد الإمبريالية الغربية. وبالنظر إلى أن الدولة في روسيا تمتلك كل وسائل الإنتاج تقريبا، فان التطور الصناعي لمناطقها المستعمرة، أي مناطق الأمم التي تضطهدها البيروقراطية الروسية، هو مباشرة جزء من التطور الصناعي العام لروسيا نفسها. لقد رأت الدولة اليابانية في منشوريا “امتدادا للوطن”. والدولة الستالينية تنظر إلى أوكرانيا والقوقاز ورومانيا وبلغاريا، الخ، بنفس الطريقة، وبسبب وضعها الاقتصادي الاحتكاري، فان تطويرها لهذه المناطق أكثر فاعلية الآن وفي المستقبل من تطوير الإمبريالية اليابانية لمنشوريا. وكما أن الإمبريالية اليابانية نظرت إلى تطوير منشوريا كخطوة ضرورية لعبور المسافة بينها وبين القوى الغربية المتقدمة، فان البيروقراطية الستالينية مدفوعة إلى سياسة إمبريالية لنفس السبب.
إن نفس التخلف النسبي، يدفع روسيا نحو إقامة صناعات في بلاد الأمم المضطهدة، كما يدفعها، وهذا هو الوجه الآخر لنفس العملة، لنهب رأس المال متى استطاعت أن تضع يدها عليه. قامت الإمبريالية اليابانية بالنهب على قطاع واسع في الصين. وفيما يتعلق بألمانيا: “في الأراضي المغتصبة، استولت الشركات الألمانية على أصول المؤسسات القائمة بحق الغزو، وليس من خلال النشاط الاقتصادي المعتاد”. (10)
نهبت روسيا الستالينية بلاد أوروبا الشرقية ومنشوريا. وقد فعلت هذا بنقل المصانع إلى روسيا، مثلها في ذلك مثل ألمانيا النازية، وبعقد اتفاقات مقايضة مع توابعها كانت مهلكة بالنسبة لهم. هكذا فان الرأسمالية الاحتكارية الممركزة لليابان وألمانيا ورأسمالية الدولة الروسية يظهران خاصية أخرى تتسم بها فترة التراكم الأولى لرأس المال – عدم إمكان التمييز بين التجارة والنهب. إذا كان الفريد مارشال قد استطاع أن يقول عن ذلك الوقت أن “الفضة والسكر نادرا ما جاءا إلى أوروبا بدون بقعة من الدم” فان نهب الممتلكات اليوم أكثر دموية بكثير، وما ينهب ليس هو الفضة أو السكر وإنما وسائل الإنتاج.
وهناك دافع إضافي للتوسع الإمبريالي الروسي، وهو افتقاد بعض المواد الخام. فعلى سبيل المثال، يلعب بترول الشرق الأوسط وشمال إيران دورا كبيرا في خطط البيروقراطية الستالينية، ويعود هذا بالأساس إلى التنفيذ المتأخر لعملية استخراج البترول في روسيا. هكذا، على سبيل المثال، فقد استهدفت الخطة الخمسية الثانية زيادة الإنتاج من 3ر23 مليون طن في 1932 إلى 5ر47 مليون طن في 1937. في الواقع لم يرتفع الإنتاج إلا إلى 5ر30 مليون طن. وفي عام 1940 لم يتجاوز ال 35 مليون طن، رغم أن الخطة استهدفت مستوى يزيد على الخمسين مليون طن.
ومع هذه الأخطاء في التقدير استهدفت الخطة الخمسية الرابعة هدفا أكثر تواضعا لعام 1950 – 4ر35 مليون طن. عند دراسة الخطة العامة لزيادة الإنتاج، يكون من الواضح أن البترول سوف يكون أحد أهم العوائق في روسيا. وحاولت البيروقراطية الستالينية التغلب على هذا العائق بالاستيلاء على رومانيا وشمال إيران (لم تنجح في الحالة الأخيرة.)
ويقف عامل آخر وراء توسع روسيا، وهو الحاجة لقوة عمل جديدة. في البلاد الأكثر تقدما نجد أن تصدير رأس المال هو رد فعل لارتفاع الأجور الذي يصيب معدل الربح بالتآكل، وهذا ما يوجهه نحو مناطق تكون فيها قوة العمل رخيصة، وبالتالي يزداد حجم العمل المستغل بواسطة نفس كمية رأس المال. لقد تحققت نفس النتيجة بطريقة مختلفة عندما جلبت ألمانيا النازية ملايين العمال من البلاد التي استولت عليها، خاصة من الشرق إلى ألمانيا. إلا أن أوروبا لا يوجد بها قوة عمل أرخص من تلك الخاصة بالعامل الروسي وخاصة، العامل المستعبد، حيث أن احتلال مناطق جديدة إلى روسيا لا يمكن أن يكون مدفوعا بالحاجة لإيجاد قوة عمل أرخص. ولكن هذا لا يعني أنه ليس مدفوعا بضرورة إيجاد كمية إضافية من قوة العمل. فعلى الرغم من أن كمية رأس المال بالنسبة للسكان ضئيلة جدا في روسيا، إلا أنها تعاني مع ذلك من نقص في قوة العمل. ويعود هذا لاستخدامها التبديدي لقوة العمل، والذي يسببه نقص رأس المال، بحيث أنه جنبا إلى جنب مع نقص رأس المال يظهر نقص قوة العمل: ومن ثم يأتي العمل العبودي والإنتاجية المنخفضة للعمل في الزراعة. إن كل عامل يعوق إنتاجية العمل – بما في ذلك البيروقراطية ذاتها – سيزيد من تبديد قوة العمل. هكذا، فعلى الرغم من العدد الهائل للسكان في روسيا، تجد الحكومة من الضروري أن تتخذ إجراءات خاصة لزيادة هذا العدد، إجراءات مثل منع الإجهاض، وفرض غرامات على العزاب، ومنح جوائز للعائلات التي لديها الكثير من الأطفال. تخلق إذن حلقة مفرغة: نقص رأس المال يسبب تبديدا لقوة العمل تجعل من الصعب حدوث تراكم لكميات كافية من رأس المال، وهكذا. إن إضافة مائة مليون شخص من بلاد أوروبا الشرقية إلى روسيا هو إذن دافع هام لتوسع الإمبريالية الروسية، يوازي تصدير رأس المال من البلاد الرأسمالية المتقدمة.
وبالطبع تمثل الاعتبارات الاستراتيجية دافعا آخر لتوسع روسـيا الستالينية.
سجل التوسع الإمبريالي – ابتلاع روسيا لأوروبا الشرقية
استغلت البلاد الإمبريالية التقليدية مستعمراتها بطرق ثلاثة: بشراء منتجات مستعمراتها بأسعار منخفضة، ببيع منتجات البلد الأم للمستعمرات بأسعار مرتفعة، وبإقامة مشروعات مملوكة لرأسمالية البلد الأم يعمل بها أبناء البلد المستعمرة. وتستخدم رأسمالية الدولة الروسية نفس الطرق الثلاث في استغلال مستعمراتها.
هناك إحصائيات عديدة تثبت أن روسيا تدفع أسعارا منخفضة مقابل المنتجات التي تشتريها من توابعها. ولنعطي بعض الأمثلة: نص الاتفاق الروسي – البولندي، بتاريخ 16 أغسطس 1945، على أنه بدءا من عام 1946 فصاعدا، يتعين على بولندا أن تقدم لروسيا بسعر خاص(2 دولار للطن) الكميات الآتية من الفحم: 1946- 8 مليون طن، من 1947 إلى 1950 – 13 مليون طن في كل سنة، وبعد ذلك 12 مليون طن سنويا، طالما استمر احتلال ألمانيا. ولا يدفع ثمن هذا الفحم عن طريق منتجات روسية، وإنما بالتعويضات التي تأخذها روسيا من ألمانيا – حسب ما هو معلوم، لم تحصل بولندا على أي شيء من هذا. وعلى أي حال، فان 12 – 13 مليون طن من الفحم بسعر دولارين للطن، عندما يكون سعر الفحم في السوق العالمي 12 – 15 دولارا للطن، يعني ربحا صافيا لروسيا مقداره 10 – 14 دولار في الطن، أو ما مجموعه 120 إلى 180 مليون دولار سنويا (وهو مبلغ يمكن مقارنته بالأرباح السنوية القصوى للرأسماليين البريطانيين من استثماراتهم في الهند). تكتب الجريدة اليومية اليوغسلافية “بوربا” في 31 مارس 1949 أن طن المولبيد نوم، وهو مكون أساسي للصلب، والذي يكلف يوغسلافيا 500 ألف دينار لإنتاجه، قد بيع للاتحاد السوفيتي أثناء فترة شهر العسل بين ستالين وتيتو بمبلغ 45 ألف دينار. وكان على شركات باتا سابقا بتشيكوسلوفاكيا أن تمد روسيا بأحذية(قدمت روسيا الجلد اللازم لها) مقابل 170 كرونة تشيكية، رغم أن سعر التكلفة الفعلي للزوج كان 300 كرونة. كان التبغ البلغاري يمثل حالة صارخة بشكل خاص للاستغلال الرأسمالي: ففي حين أن روسيا كانت تشتريه بنصف دولار فأنها كانت تبيعه مرة أخرى في أوروبا الغربية مقابل 5ر1 إلى 2 دولار. (11)
ما ينطبق على علاقات روسيا التجارية مع توابعها الأوروبية، ينطبق بالمثل على علاقاتها التجارية مع الصين. فشعر الخنزير والزيت الصيني، اللذان يكونان نسبة كبيرة من الصادرات الصينية، يعرضان حاليا في أسواق أوروبا الغربية بأسعار أقل منها في شانغهاي وتيتنسـن، موانئ الصادرات الأساسية لهذه الصادرات. إن روسيا هي الوكيل الوحيد الذي يبيع المنتجات الصينية في الأسواق الغربية، وكون أنها تستطيع بيعها بأسعار أقل من تلك السائدة في الصين نفسها – ولا شك أن روسيا تحقق ربحا من الصفقة – فان هذا يشير بوضوح إلى أنها تدفع أسعار منخفضة بشكل استثنائي مقابل تلك المنتجات. وهذا يفسر جزئيا الجهود التي تبذلها بكين لإقامة علاقات تجارية مباشرة مع الغرب، بما يلغي دور الوسيط الروسي.
يكفي هذا فيما يتعلق بالشراء بأسعار منخفضة. أما فيما يخص تقاضي مبالغ أكثر مما ينبغي من التوابع مقابل المنتجات الروسية، فسنورد الأمثلة الصارخة الآتية: تتقاضى روسيا من الصين مقابل منتجاتها أسعارا أعلى بكثير من تلك التي يتقاضاها البائعون الرأسماليون الغربيون في هونج كونج المجاورة. هكذا، على سبيل المثال، فان شاحنة سوفيتية من طراز زيس تزن أربعة أطنان قد بيعت في تينتسن بواسطة روسيا مقابل سعر يعادل 50 ألف دولار هونج كونجي، في حين أن شاحنة غربية مماثلة تزن ستة أطنان تباع في هونج كونج مقابل 15 ألف دولار هونج كونجي. كما أن السكرين التشيكي، المستورد عن طريق روسيا يباع في تنتش بسعر يعادل 40ر106 دولار هونج كونجي للرطل، في حين أن السـكرين الألماني من نفس النوعية يباع في هونج كونج بـ 5ر6 دولار هونج كونجـي. (12)
يظهر وضع المشروعات المملوكة لروسيا في أوروبا الشرقية بشكل صارخ إلى أقصى حد الوسيلة الثالثة للاستغلال الرأسمالي التي تنتهجها روسيا: استغلال “أبناء البلد” المشتغلين في مشروعات مملوكة للرأسمال الأجنبي. في منطقة الاحتلال الروسي لألمانيا، اتخذت الدولة الروسية حوالي ثلث إجمالي الصناعة كممتلكات لها بجرة قلم، تتمثل الملكية فيما يسمى “شركات المساهمة السوفيتية”(الساجات). (SAGs “المترجم”). إن أهمية الساجات عظيمة جدا. فهي تمتلك كل المشروعات الكبيرة تقريبا. في عام 1950 كانت كل ساج تشغل 2400 عامل في المتوسط، في مقابل 139 – 146 في الليبات (LEBs “المترجم”) -المشروعات المملوكة لما يسمى جمهورية ألمانيا الديمقراطية. وحوالي 10 في الصناعات الخاصة. وستكون أهمية الساجات أكثر وضوحا إذا أخذنا في الاعتبار أنها تسيطر على الصناعات الثقيلة بالكامل. في الساجات، ينتج العمال الألمان فائض قيمة تأخذه البيروقراطية الروسية. في رومانيا والمجر وبلغاريا توجـد شركـات مشتركة، تمتلك روسيا 50% منها وتسيطر عليها بالكامل. على سبيل المثال، تسيطر إحدى تلك الشركات على أغنى حقول بترول رومانيا، وتسيطر شركات أخرى على الصلب والهندسة ومناجم الفحم، والشحن البحري، والاتصالات الهوائية، وألواح الخشب، والإنتاج الكيميائي، وإنتاج الجرارات، وصناعة مواد البناء، واستغلال رواسب الغاز الطبيعي والبنوك، وشركات التأمين، الخ – مما يكون في المجموع أكثر كثيرا من نصف الصناعات والنقل والبنوك والتأمين في رومانيا. توجد شركات مشتركة في المجر وبلغاريا أيضا، إلا أنها تقل كثيرا في أهميتها. أخذ نصف أرباح الشركات المشتركة، في حين أن كل العمال من “أبناء البلد” – أليست هذه حالة واضحة للاستغلال الاستعماري؟
إضفاء صفات الكمال على الإمبراطورية القيصرية
ليس بوسع البيروقراطية الستالينية إلا أن تعطي استحسانها لروادها في البناء الإمبراطوري- الإمبريالية القيصرية. على مدى أجيال، اعتبر الاشتراكيون والديمقراطيون الروس، روسيا القيصرية ‘سجنا للشعوب’ كما اعتبروا الاضطهاد الإمبريالي القيصري للبولنديين والفنلنديين والليتوانيين والاستونيين، والاكرانيين، والجورجيين، والأرمن، والاوزبك، والكازاخ، وغيرهم، قوة ممعنة في الرجعية. ولكن روسيا الستالينية تعتقد غير ذلك.
هكذا فقد ذكرت مجلة روسية: “لقد كانت السياسة التوسعية لروسيا، الطريق الوحيد للتطور الاجتماعي الاقتصادي والثقافي وكذلك إنقاذ الوجود الوطني لشعوب القوقاز وما وراء القوقاز… كان لضم روسيا لهم وسيلتهم الوحيدة لإنقاذ أنفسهم، والحفاظ على ثقافاتهم القديمة، والتطور اقتصاديا وثقافيا”(13)
كتبت جريدة أخرى انه ابتداء من القرن السادس عشر، خاضت الملكيات الإقطاعية لتركيا وإيران صراعا طويلا وعنيدا للاستيلاء على عدة أقاليم في القوقاز. وحيث أنهم كانوا عاجزين بسبب طابعهم المشتت عن مقاومة الاعتداء الأجنبي، فان كثيرا من شعوب القوقاز “نشدوا الإنقاذ والشفاعة من الدولة الروسية، ولجأوا إليها طلبا للمساعدة والرعاية” (14) وأنه في منتصف القرن السادس عشر ناشد الأمراء الشراكسة(الكرباديين) ايفان الرابع أن يعطيهم الجنسية الروسية ويحميهم من غزوات ونهب تركيا وخادم تركيا، خان القرم. كما أنشأت شعوب ما وراء القوقاز روابط مع روسيا نحو نهاية القرن الخامس عشر، تقوت هذه الروابط بالتناسب مع زيادة الخطر العسكري الذي مثلته تركيا وإيران. ومن خلال أعمالهم ضد تركيا وإيران “كثيرا ما أنقذت القوات الروسية شعوب القوقاز من الخطر العسكري”. ما أجمله من تعبير!: القوات القيصرية التي احتلت القوقاز أنقذته من الخطر العسكري!
ذكرت مجلة أدبية روسية:
كان ضم روسيا لكازاخستان، الذي وقع في القرن الثامن عشر، ذا دلالة عميقة للتقدمية. كان هذا العمل التاريخي مشروطا بأسباب اقتصادية وسياسية، بالمجرى الكامل للتطور التاريخي لشعب الكازاخ، الذي عذبته الغزوات التي لا تنقطع من جانب دول الشرق المسلمة الإقطاعية. لقد خلق هذا العمل التاريخي الظروف المناسبة للتأثير العظيم للاقتصاد والثقافة الروسية في كازاخستان. لقد أتم شعب الكازاخ اختياره التاريخي بحكمة وسلامة. في ذلك الوقت، إلى جانب روسيا، كان يمكن للكازاخ أن يسقطوا في عبودية خانات آسيا الوسطى الذين تدعمهم بريطانيا. ففي ظل استعداده لانتهاج أية أساليب، زحف رأس المال البريطاني على أرض وموارد كازاخستان، سعيا وراء المكاسب الكبيرة.(15)
كما أضافت: “إن شعب كازاخستان العامل، من خلال خبرته اليومية، قد أدرك مزايا العيش في كنف دولة عظيمة مثل روسيا”. (16)
لقد اختار شعب الكازاخ أن تحتله روسيا القيصرية ! لقد فضلوا أن يكونوا “جزء من دولة عظيمة” ! أبرزت “برافدا” هذه النقطة: ” كان شعب الكازاخ العامل شديد الرغبة في ضم كازاخستان إلى روسيا”.(17)
تتبع الدعاية الروسية منذ وفاة ستالين نفس الخط. فقد أعطى هذا التفسير لاحتلال لاتفيا بواسطة روسيا القيصرية:
مضت عدة قرون منذ أن استقر أسلاف اللاتفيين على سواحل بحر البلطيق… خلال هذه القرون كلها، كان الروس جيرانا جيدين للاتفيين. إن غزو واستعباد البلطيق بواسطة الفرسان الألمان هو تاريخ مظلم مليء بالقتل والنهب والعنف بواسطة الغزاة الغربيين المتعطشين للدماء.. انو القبائل اللاتفية والاستونية المحبة للحرية لم تكن بالقوة الكافية للدفاع عن حريتها واستقلالها. ولكن قربهم من الروس وصداقتهم لهم مكنا أسلاف اللاتفيين من الدفاع عن أراضيهم ضد الاستعباد بنشدان المساعدة من الأمراء الروس.(18)
الصراع من أجل الحرية الوطنية – التيتوية
إن الأمم المضطهدة بواسطة الإمبريالية الروسية العظمى، أو المهددة مباشرة منها، يتمثل رد فعلها في صراع ذي كثافة متزايدة باستمرار من أجل الاستقلال الوطني، وهو صراع يحمل اسم “التيتوية” الذي تمت صياغته مؤخرا. الأوكرانيون هم أكبر الشعوب غير الروسية في الاتحاد السوفيتي من الناحية العددية.. لقد قمعت أمانيهم الوطنية باستمرار من خلال سلسلة من التطهيرات. في عام 1930، تم حل أكاديمية العلوم الأوكرانية وألقي القبض على أعضاء منها بسبب “انحرافات وطنية”. في عام 1933، انتحر سكرجنيك، أبرز زعماء الحزب الشيوعي الأوكراني وعضو لجنته المركزية ومكتبه السياسي، لكي يتجنب الاعتقال. وفي نفس الوقت، تم إعدام كل من كستوبينسكي، نائب رئيس مجلس قوميساري شعب أوكرانيا(حكومة أوكرانيا)، وكوفنار، قوميسار الزراعة، وعدد من كبار المسئولين رميا بالرصاص كوطنيين. ولمنع مزيد من الانحرافات، تم إرسال بوستيشيف إلى أوكرانيا من موسكو في عام 1933 لإعادة تنظيم الحزب – وإدارة الدولة. وقد تم إعطائه سلطات دكتاتورية في المؤتمر الثاني عشر للحزب الشيوعي الأوكراني في عام 1933، قال:
في أوكرانيا، أبرز زعماء حزبنا والرفيق ستالين نفسه مكروهون بصفة خاصة. لقد ذهب العدو الطبقي إلى مدرسة جيدة في هذا البلد وتعلم كيف يناضل ضد الحكم السوفيتي. في أوكرانيا استقرت بقايا الكثير من الأحزاب والمنظمات المضادة للثورة. لقد أصبح خاركوف تدريجيا مركز الجاذبية لكافة أنواع المنظمات الوطنية والمنظمات الأخرى المضادة للثورة. لقد جذبوا جميعا إلى هذا المركز ونشروا شبكتهم على امتداد أوكرانيا، مستخدمين نظامنا الحزبي لصالح أحزابهم. إنكم تذكرون أيها الرفاق، عندما تجرأ عشرون من سكرتيري لجان المناطق الحزبية على إعلان استحالة تنفيذ خطة الحصاد.(19)
طرد بوستيشيف أكثر من ربع أعضاء الحزب الشيوعي الأوكراني. وقد عانى هو نفسه من مصير مماثل بعد ثلاث سنوات من ذلك، حيث طرد والقي القبض عليه. وقد حل محله كوسيور، من موسكو، والذي قبض عليه أيضا بدوره. في عام 1937، انتحر ليوبتشنكو، رئيس مجلس قوميساري الشعب في أوكرانيا، لكي يتجنب الاعتقال. وقد تمت تصفية القوميسارين بيتروفسكي وآيش. كما القي القبض على خليفة ليوبتشنكو بعد شهرين من تعيينه بسبب نزعات “وطنية”، وتمت تصفية خليفته بعد ذلك بشهور قليلة. في إبريل عام 1937، كان هناك ثلاثة عشر عضوا في المكتب السياسي الأوكراني، بحلول يونيو 1938، لم يبق أي من هؤلاء.
الجمهوريات الأخرى لها تاريخ مماثل. إن جولوديد، الذي كان رئيسا لمجلس قوميساري الشعب في جمهورية روسيا البيضاء لمدة عشر سنوات، قد القي القبض عليه باعتباره تروتسكيا في عام 1937. وبعد ذلك ببضعة شهور انتحر خليفته، شرفياكوف، تجنبا للاعتقال. وكان الأخير قد أمضى سبعة عشر عاما رئيسا للجنة التنفيذية المركزية لروسيا البيضاء (أي رئيسا للجمهورية). في طاجاكستان، ثم تطهير رئيس اللجنة التنفيذية بتهمة الوطنية في عام 1934. وقد شغل خليفته المنصب لثلاث سنوات ثم لقي نفس المصير.
فيما يلي قائمة قصيرة ببعض أبرز الأشخاص في الجمهوريات الوطنية الذين تمت تصفيتهم كـ(وطنيين) في تطهيرات الثلاثينيات الكبيرة:
| الرؤساء | الجمهورية | رؤساء الوزراء | الجمهورية |
| بيتروفسكي | أوكرانيا | ليوبتشكنو | أوكرانيا |
| شرفياكوف | روسيا البيضاء | بوندارنكو | أوكرانيا |
| كونج | فولجا الألمانية | شوبار | أوكرانيا |
| لوفت | فولجا الألمانية | جولوديد | روسيا البيضاء |
| جيليج | كارليان | ويلش | فولجا الألمانية |
| أركوبوف | كارليان | رخيمبايبف | طاجاكستان |
| خورزيباييف | طاجاكستان | رفينوف | طاجاكستان |
| شوتمور | طاجاكستان | مجالوبيشفيلي | جورجيا |
| ماكسوم | طاجاكستان | خودجاييف | أوزبكستان |
| دولجات | داجستان | عبدورجانوف | كيرجيستان |
| مسامورسكي | داجستان | أوفاكابلاشفيلي | ما وراء القوقاز |
| لوردكيبانيدز | أدجار |
لم يكن هؤلاء سوى قلة من الضحايا. في المجموع، شهد تطهير 1937 – 1938 الكبير تصفية كل أو أغلب أعضاء ثلاثين حكومة وطنية. كان الاتهام الأساسي ضدهم هو رغبتهم في الانفصال عن الاتحاد السوفيتي.
ولعل أقوى دليل على أن سياسية روسيا الوطنية لا تخلق علاقات متجانسة وأخوية بين الشعوب المختلفة، هو حل عدد من الجمهوريات الوطنية.
قبل سنة من الحرب، عندما كان هناك توتر بين روسيا واليابان على حدود منشوريا، تم نقل جميع السكان الكوريين على الجانب الروسي من الحدود إلى كازاخستان أو اوزبكستان.
في 28 أغسطس 1941 تم نقل جميع سكان جمهورية فولجا الألمانية إلى شرق الاورال. كانت الجمهورية الألمانية إحدى اقدم الجمهوريات الوطنية في روسيا. فمنذ تاريخ 18 أكتوبر 1918 تكونت كوميونة عمال فولجا الألمانية، وفي 19 ديسمبر 1923 أعيد تكوينها كجمهورية فولجا الألمانية الاشتراكية السوفيتية المستقلة. وقد كانت واحدة من أول الجمهوريات التي طبقت نظام المزارع الجماعية بشكل شبه كامل. قالت مجلة “المراسلة الصحفية الدولية”(مجلة الكومينترن) في 18 إبريل 1936: “إن الجمهورية السوفيتية الألمانية في الفولجا هي الدليل الحي على التقدم الثقافي والوطني الذي يلي انتصار الاشتراكية وتفنيد حي للأكاذيب والافتراءات التي يروجها الأعداء الفاشيون للبروليتاريا”.
قبل سنتين فقط من طردهم، ظهرت مقالة في “أنباء موسكو” تقول: “جمهورية فولجا الألمانية، هي مثال حي للسياسة القومية السوفيتية في التطبيق”. وبعد ذلك، وبعد أن كان ألمان فولجا قد امتدحوا لسنوات طويلة لتأييدهم الإجماعي للنظام، جاء مرسوم حل جمهوريتهم، تحت التفسير التالي:
وفقا لمعلومات موثوق بها حصلت عليها السلطات العسكرية، يوجد الآلاف وعشرات الآلاف من المحرفين والجواسيس بين سكان فولجا الألمان، ممن هم مستعدون لتنفيذ انفجارات في هذه المناطق بإشارة من ألمانيا. ولم يحدث أن ألمانا (من سكان مناطق فولجا) أخبروا السلطات السوفيتية عن وجود مثل تلك الأعداد الضخمة من المحرفين والجواسيس. إذن، فان سكان مناطق فولجا الألمان يتسترون على أعداء الشعب السوفيتي والسلطة السوفيتية.
في مناطق الاتحاد السوفيتي التي سبق احتلالها بواسطة الألمان، تم حل عدد من الجمهوريات. ووصل الأمر إلى أن إجراءات الحل هذه لم يرد لها ذكر في الصحافة، بحيث أنه عندما أعطت “برافدا”، في 17 أكتوبر 1945 قائمة الدوائر الانتخابية الخاصة بالانتخابات العامة التالية، اكتشف الناس أن عددا من الجمهوريات قد اختفت، منذ متى لا يستطيع المرء أن يعرف: ألغيت جمهوريات القرم التتارية ذات الحكم الذاتي وكالموك وشيشينو – اينجوش، ومنطقة كارتشيف ذات الحكم الذاتي، وتم إجلاء السكان غير الروس. وأصبحت جمهورية كاباردينيا بالكار ذات الحكم الذاتي جمهورية كاباردينيا بعد طرد البالكار.
في أوكرانيا، أعلن خروتشوف، رئيس الحكومة في أغسطس 1946، أن نصف الأشخاص القياديين في الحزب الأوكراني قد طردوا أثناء الشهور الثمانية عشر السابقة. انه من المبالغة، حتى بالنسبة للبيروقراطية الروسية العظيمة، طرد ثلاثين مليون أوكراني وحل “جمهوريتهم”.
بعد الحرب العالمية الثانية، امتد الصراع الوطني ضد الإمبريالية الروسية إلى المستعمرات الروسية التي كونت حديثا في أوروبا الشرقية. كان المثل الأكثر بروزا هو التمرد الناجح ليوغسلافيا ضد الكرملين. وكان للديمقراطيات الشعبية الأخرى في أوروبا أيضا حركات “تيتوية”، أي حركات مقاومة وطنية ضد الحكم الروسي، إلا أن هذه الحركات لم تنجح أساسا بسبب ضغط القوات الروسية. ولعل ما يثبت المدى الواسع لحركات المقاومة الوطنية هذه هو أن اغلب زعماء الأحزاب الشيوعية للديمقراطيات الشعبية قد اتهموا بالتيتوية من الكرملين. من بين الستة أشخاص الذين شغلوا منصب أمين عام الحزب عقب إنشاء “الديمقراطيات الشعبية” مباشرة، اتهم الأربعة الآتي ذكرهم بالتيتوية: تيتو، أمين عام الحزب الشيوعي اليوغسلافي، كوستوف، أمين عام الحزب البلغاري(اعدم)، جومولكا، أمين عام الحزب البولندي(قبض عليه)، اسلانسكي، أمين عام الحزب التشيكي(اعدم). ومن بين وزراء الخارجية الستة، اتهم الأربعة الآتي ذكرهم بنفس الجريمة: كارديلج اليوغسلافي، وانابوكر الروماني(قبض عليه)، وكليمنتز التشيكي(أعدم)، وراجك، المجري(اعدم). ويمكن للقائمة أن تطول. (20)
من المؤكد أن الصراع من أجل الاستقلال الوطني ضد الإمبريالية الروسية سيستمر طالما استمرت الإمبريالية الروسية وهو أحد العوامل الأكثر أهمية التي قد تحسم مصير النظام الستاليني.






