بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

طريق الاشتراكيين إلى التغيير

« السابق التالي »

35. بناء تحالف اليسار قضية حياة أو موت

يحيى فكرى

صحيح أن الأصوات تعلو مطالبة بالتغيير، لكن لا أحد يستطيع أن يحدد اليوم في أي مسار ستجري الأمور. الأصوات الأكثر صلابة وجذرية، والتي تستند على حس الجماهير وميلها النضالي، ارتفعت من قلب الحركة المناهضة للحرب على العراق. وغالبا ما سيتجمع شمل هذه الحركة مرة أخرى، على خلفية رصيدها في دعم الانتفاضة ومناهضة الحرب، لتشق مجرى المطالبة بالإصلاح الديموقراطي الشامل. إلا أن ذلك لن يكون الرافد الوحيد في الحركة من أجل التغيير، بل ليس من الحتمي بأية حال أن يكون الرافد الأهم. لقد تسبب، من جانب، شلل النظام المصري أمام الأزمة المركبة التي يواجهها، ومن جانب آخر دخول الإمبريالية بجيوشها إلى المنطقة، في فتح الباب لشعار التغيير. وهذا ما يدفع – وسيدفع أكثر – الأطراف المختلفة لأن يطرح كل منها أجندته الخاصة، وهنا بالضبط تكمن المعضلة.

الإمبريالية تزجر مطالبة بالتغيير، ومن المؤكد أن صوتها سينعكس في أصوات الموالين لها من خارج دائرة الحكم، أو حتى من داخلها. وبلا شك فإن أقسام من المستثمرين المصريين وأصحاب المصالح وقطاعات من المرتبطين بهم سيطالبون بالتغيير، سواء ممن في داخل السجون الآن، أو من الهاربين في الخارج، أو من أولئك الذين لازالوا يمارسون نشاطهم بتعثر وفي ظل شروط متقلبة وغير مستقرة. وبالتأكيد فأن رموز من مثقفي الطبقة الحاكمة، سواء المرتبطين بالمؤسسات الرسمية أو الغير مرتبطين بها، من الليبراليين أو المحافظين، يطالبون الآن – وسوف تتسع مطالبتهم مستقبلا – بالتغيير. وعلى الرغم من تحالف “الإخوان المسلمين” مع النظام لكسر الحركة الجماهيرية في الأيام الأخيرة قبل اندلاع الحرب على العراق، لكن المؤكد أنهم مع ارتفاع الأصوات سيدخلون هم أيضا إلى موجة المطالبة. هؤلاء جميعا بالطبع لا يريدون التغيير الذي تريده وتناضل من أجله جماهير الفقراء في مصر.

التغيير إذن وإن كان مطلب عام، إلا أن له أوجهه المتناقضة بسبب تناقض المصالح بين طالبيه. فطموحات الجماهير غير طموحات الإمبريالية، وأهداف أصحاب الاستثمارات غير أهداف الفقراء، وهكذا. وبالتالي فالأصوات التي ستزداد ارتفاعا مع الوقت مطالبة بالتغيير، سوف تحمل بالضرورة مصالح طبقية متناقضة وخطط متضاربة. هذا ما يجعل مهمة بناء تحالف لليسار في مصر اليوم قضية حياة أو موت. فهذا التحالف قد يكون الفرصة الوحيدة لتمييل الميزان داخل الحركة، من أجل تغيير بواسطة الجماهير ولمصلحتها. كما أنه سيكون الطريقة الوحيدة للحيلولة أمام أيا من القوى الطبقية المعادية للجماهير من ركوب الحركة الجماهيرية أو كسرها.

وإذا كان اليسار المصري، بمختلف فصائله وقواه ومستقليه وشتاته، ورغم ضعف حجمه ومحدودية تأثيره، هو من لعب دورا رئيسيا في كثير من المبادرات التي أطلقتها الحركة الشعبية المعادية للصهيونية والإمبريالية، إلا أنه بسبب انقسامه وتشرذمه لم ينجح في استقطاب الحركة إلى رايته السياسية الغائبة. وطالما أن الصفحة الجديدة تنقلب اليوم على جدول أعمال التغيير، وسيقدم الجميع – بما فيهم أقسام من النظام الحاكم – خططهم الخاصة بالأمر، فلا مفر من وجود راية سياسية تناضل مع الجماهير من أجل تغيير لمصلحة الفقراء، وإلا ستكون النتيجة كارثة. فمن ناحية ستنجرف الحركة لدعم مشروع طبقي معادي أو سيتم تحطيمها، ومن ناحية أخرى سيخسر اليسار المصري من جديد فرصته في التحول إلى حركة جماهيرية.

بناء تحالف اليسار إذن مهمة لا يمكن تأجيلها. تحالف يضم جميع من يناضلون على أرض اليسار المناضل بصرف النظر عن اختلافهم حول قضاياهم الاستراتيجية، بما فيها الاختلاف على إصلاح أم ثورة؛ تحالف يتسع لكل القوى والفصائل ولجميع المستقلين؛ تحالف وليس اندماج، يحتفظ فيه كل أطرافه باستقلالية مواقفهم ودعايتهم؛ تحالف حول مهام النضال العملية الراهنة من أجل إصلاح ديمقراطي واجتماعي، يتفق عليها الجميع؛ تحالف يسمح بالعمل المشترك المنظم، كما يسمح بالحوار الحر حول قضايا الاستراتيجية والمستقبل. علينا أن نتعلم من خبرة الماضي، كما أن علينا النضال لكسب المستقبل.

« السابق التالي »