بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ملاحظات حول البيان الشيوعي

التالي »

1. مقدمة

“إن تاريخ البيان الشيوعي يعكس إلى حد بعيد تاريخ حركة الطبقة العاملة الحديثة، ولاشك أن البيان فى الوقت الحالي أكثر الأدبيات الاشتراكية انتشاراً وأكثرها صدوراً على المستوى العالمي، وهو الأساس المشترك المعترف به من قبل ملايين العمال من سيبيريا إلى كاليفورنيا” (1).

هكذا كتب فريدريك إنجلز عن أثر البيان الشيوعي وهو على مشارف الموت. وبعد مائة وخمسين عاماً، يظل هذا الكلام صحيحاً حتى اليوم. فأثر البيان الشيوعي لازال جليا وبارزاً فهذا الكتاب الصغير ترجم إلى جميع اللغات الرئيسية ولا يزال مصدراً للإلهام بالنسبة لأجيال من الاشتراكيين. لقد دخل وجدان الطبقة العاملة بطريقة نادراً ما استطاعت أي أعمال سياسية أخرى أن تحاكيها. وغالبا ما كان أول كتابات ماركس وإنجلز، أو حتى كتابهما الوحيد، الذي قرأه عدد كبير من العمال. وهو يتمتع كذلك بصفات بلاغية مذهلة تجعله أحد الإصدارات الرائعة في الكتابة السياسية. فسجالاته القوية، ومضمونه الذي يقدم صورة شاملة، لا زالت تلقي الظلال على معظم الأعمال السياسية الحديثة. إن البيان يوضع في مصاف تلك الكتابات النادرة التي حازت سطورها الأولي والأخيرة شهرة واسعة في حد ذاتها. “هناك شبح يجول في أوربا، هو شبح الشيوعية” و”ليس لدي البروليتاريا ما تفقده إلا قيودها وأمامها عالم لتفوز به”، هذه هي العبارات التي دخلت لغة الاشتراكية الدولية. ولكن في قراءتنا للبيان الشيوعي، يستحيل ألا ندرك عدداً من العبارات الشهيرة الأخرى التي تلخص بعض الأفكار الأساسية للماركسية. “كل ما هو صلب يذوب في الهواء”، وأن الرأسماليين ينتجون “حفاري قبورهم”، “إن العمال ليس لهم وطن” و”إن التطور الحر لكل فرد هو شرط التطور الحر للمجموع”.

إن نجاح البيان الشيوعي يكمن في اثنين من مواطن القوة الجبارة التي يحتويها الكتاب. فهو أوضح عرض مختصر للأفكار الماركسية الثورية. وهو أيضاً مرشد للعمل بالإضافة إلي وضوحه على مستوي الفكر واللغة.

كان لدي ماركس وإنجلز حس بالفوران الهائل في العالم المحيط بهما خلال أربعينات القرن التاسع عشر. وكان رأيهما أن التطور الرأسمالي الذي هيمن علي بريطانيا وبلجيكا، وإلي حد ما، علي فرنسا، تطور ثوري. فقد تمكن من تدمير المجتمعات الإقطاعية القديمة التي كانت لا تزال سائدة في جزء كبير من أوربا، وأدي إلي تقدم اجتماعي واقتصادي كبير بالنسبة للبشرية. وكان علي النظام الجديد بطريقتيه الجديدة تماماً في تنظيم الإنتاج أن يدخل في تناقض مع النظام القديم، وقد رأي ماركس وإنجلز الانتفاضة الثورية نتاجا حتميا لهذه الصدمات، خاصة في بلدهما ألمانيا، والتي كانت لا تزال تتكون من عدد كبير من الولايات والمدن الصغيرة رغم أنها كانت تخضع لهيمنة واسعة من قبل دولة بروسيا الشرقية ذات الطابع العسكري.

إن الثورات القادمة ستكون “ثورات برجوازية”، ضرورية من أجل تمهيد الطريق للتطور الرأسمالي الكامل عن طريق إزالة الأوتوقراطيات السياسية القديمة، التي كانت لا تزال تعتمد علي أساليب الإنتاج الإقطاعية. لكن ماركس وإنجلز أدركا أن الطبقة العاملة ستكون عنصراً هاماً فيها. فكان الجانب الرئيسي في نظريتهما هو فهمهما أن الطبقة العاملة هي أقوي طبقة ثورية. كان لدي إنجلز خبرة مباشرة عن الطبقة العاملة الإنجليزية – فقد ذهب إلي إنجلترا في نهاية عام 1842 في أعقاب الإضراب العام في ذلك العام وكان علي دراية بأفكار الشارتيين السياسية. وكانت خبراته التي أعتمد عليها كتابه “حالة الطبقة العاملة في إنجلترا” عن رأسمالية استطاعت أن تخلق ثروة هائلة وقامت بتثوير العمل، ولكنها أيضا خلقت بؤساً إنسانياً مريعاً. وكانت قدرة الطبقة العاملة علي تغير العالم جزءاً أساسيا من الحالات التي شارك فيها ماركس وإنجلز ومع أولئك المنخرطين في العمل السياسي الاشتراكي أو الديمقراطي. وقد لخص البيان تحليلهما: أن المعارك الكبرى بين النظام الإقطاعي والبرجوازية كانت وشيكة، لكن هذه المعارك سيحل محلها قريبا معارك بين الطبقة الرأسمالية القوية حاليا والطبقة العاملة الثورية الناشئة.
في 1847 كان ماركس وعائلته يعيشون في بروكسل بينما كان إنجلز يعيش في باريس. وكانا نشطين سياسياً أساساً في أوساط المهاجرين الألمان الآخرين في لجان المراسلة الشيوعية التي كانت موجودة في باريس وبروكسل ولندن، وكانا كذلك علي اتصال بالاشتراكيين المنظمين في عصبة الجوست، وهي منظمة أقامت قاعدتها السياسية علي الحرفيين الألمان الذين كانوا يعيشون في لندن. ومع أن الأفكار السياسية للعصبة كانت تحن إلي عالم يقوم علي الإنتاج الحرفي بدلاً من إنتاج المصانع، كان كثير من أعضائها كذلك يمرون بمرحلة من التحول الأيديولوجي السريع. وفي صيف 1847 غيرت العصبة اسمها إلي العصبة الشيوعية. وحتى قبل هذا التاريخ طلب أحد زعماء العصبة، وهو صانع الساعات جوزيف مول، أن ينضما إلي العصبة وأن يكتبا مبادئها الأساسية.

في البداية بدأ إنجلز المشروع، وكتب كتابا صغيراً بعنوان “مبادئ الشيوعية” والذي يوصف أحيانا بالمسودة الأولي للبيان والذي أطلق عليه أسئلة وأجوبة في الشيوعية.

ففي هذا الكتاب حاول إنجلز أن يجيب علي كثير من الأسئلة الرئيسية حول الأفكار الشيوعية التي أثارها مؤيدوها المرشحون. (2) يبدأ كتاب مبادئ الشيوعية من تطور نظام المصنع وكيف يفرض ذلك تقسيما للعمل، فيصبح العمل المطلوب لتنفيذ مهمة معينة مقسما إلي سلسلة من المهام المتكررة التي يمكن إنجازها بواسطة الآلة. وهكذا أدي انتشار المصانع والميكنة في كل فروع الصناعة إلي تزايد انقسام المجتمع إلي طبقتين رئيسيتين: البرجوازية التي تمتلك المصانع والمواد الخام، والبروليتاريا التي تضطر إلي بيع قوة عملها كسلعة حتى تتمكن من العيش ورغم ذلك، فإن فوضي النظام تعني أن انتشار الرأسمالية في كل مجالات الحياة، بدون أي خطة أو تفكير فيما يجب إنتاجه، يؤدي إلي أزمة فائض الإنتاج، حيث تترك البضائع بدون بيع، وتتوقف المصانع، ويتعطل العمال، إن التنظيم الرأسمالي للصناعة والإنتاج عائق أمام مزيد من التطور.

“طالما أنه من غير الممكن إنتاج، ليس فقط ما يكفي للجميع، وإنما أيضا إنتاج فائض يظل وجود طبقة حاكمة تتحكم في قوي الإنتاج في المجتمع أمراً ضرورياً، وكذلك وجود طبقة فقيرة ومقهورة. وسوف تعتمد كيفية تكوين هذه الطبقات علي المرحلة التي يمر بها تطور الإنتاج. ففي العصور الوسطي التي تعتمد علي الزراعة، نجد السيد والقن،وتبين لنا مدن العصور الوسطي المتأخرة السيد رئيس الحرفة والعامل الحرفي وعامل اليومية، وفي القرن السابع عشر نجد صاحب المانيفاكتورة والعامل الصناعي، وفي القرن التاسع عشر نجد صاحب المصنع الكبير والبروليتاري. وواضح أنه حتى الآن لم تتطور بعد قوي الإنتاج بالدرجة التي تجعل بالإمكان إنتاج ما يكفي ليجعل الملكية الخاصة عائقاً أو عقبة أمام هذه القوي الإنتاجية.”

غير أنه في ظل الرأسمالية يعني التوسع الهائل في قوي الإنتاج وتطور كلا الطبقتين الرئيسيتين المتصارعتين أنه “الآن فقط … يصبح إلغاء الملكية الخاصة ليس فقط ممكنا وإنما أيضاً ضروريا بشكل مطلق”(3)

كان شكل الأسئلة والأجوبة في “مبادئ الشيوعية” نقطة البداية لبيان الأهداف، ولكنه لم يكن إلا هيكلا عظمياً لما أصبح فيما بعد البيان. أخذ ماركس جزءاً من بنيانه وسجالاته، ولكنه صاغ منها كتيبا أكثر ثراءً وتماسكاً واشتباكاً منه بكثير. وقد فعل ذلك لأنه مع قرب نهاية عام 1847 قام مؤتمر العصبة الشيوعية في لندن بتفويض ماركس، الذي كان أحد الحاضرين، بكتابة بيان للمنظمة، والذي بدأ في صياغته بعد عدد من الخلافات حول القضايا السياسية. وأدي عجز ماركس عن كتابة مسودة البيان إلي خطاب غاضب من اللجنة المركزية للعصبة في نهاية يناير 1848 جاء فيه: وإذا لم يصل البيان “بيان الحزب الشيوعي”. الذي تولي مسئولية كتابته في المؤتمر الأخير – إلي لندن بحلول يوم الثلاثاء 1 فبراير من هذا العام، سوف تتخذ ضده إجراءات أشد(4). وقد حقق التحذير هدفه واكتملت المسودة في أوائل فبراير وأرسلت إلي لندن حيث نشرت في فبراير 1848.

التالي »